مِنْهَاجُ الطَّالِبِينَ وَعُمْدَةُ المُفْتِينَ

مِنْهَاجُ الطَّالِبِينَ وَعُمْدَةُ المُفْتِينَ

لِلإِمَامِ الحَافِظ شيخ الْإِسْلَام أُستاذ الْمُتَأَخِّرين وَحجَّة الله على اللاحقين والداعي إِلَى سَبِيل السالفين يَحْيَى بْنِ شَرَفِ بْنِ مُرِّي بْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ حِزَامٍ مُحَمَّد بن جُمَعَة بن حِزَامٍ مُحْيِي الدِّينِ أَبِي زَكَرِيَّا النَّوَوِيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافَعِيِّ وُلِدَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة مِنْ الهِجرَةِ النّبَويةِ وَتُوُفِّيَ في الرابعة والعشرين من شهر رَجَبٍ سنة سِتةٍ وَسَبْعِين وَسِتمِائَةٍ مِنْ الهِجرَةِ النّبَويةِ.

رَحِمَهُ اللهُ وَرَضِيَ عَنْهُ

نسخة

محب الدين أبومالك آدم الرومي المنهاجي الشافعي

نسخة قوبلت على طبعات دار المنهاج الطبعة الثانية والتي اعتمدت على نسخة الإحساء أصلا، ودار ابن حزم للشيخ بسام الجابي حفظه الله تعالى والتي جعلت أصلها ما اعتمده الشيخ محمد الزهري الغمراوي في السراج الوهاج، ودار البشائر للدكتور أحمد الحداد حفظه الله تعالى، وكلها اعتمدت على: نسخة مديرية الآثار دمشق رقم: 12793، ونسخة أوقاف حلب رقم: 16302، نسخ الظاهرية بأرقام: 5562، 3647، 2052، 9558، مكتبة جمعة الماجد رقم 2135، مكتبة جامعة الأحقاف 1109، معهد المخطوطات العربية الكويتية بلا رقم، الإحساء بلا رقم، العبيكان بلا رقم، كليات سيلي أوك بريطانيا 243/م/م ش، المكتبة الوطنية باريس. وقد قرأت هذا الكتاب العظيم على عدة مشايخ، واعتمدت في نسختي هذه على ما ضبطه شيخنا الفقيه سالم بن أحمد الخطيب حفظه الله تعالى على شيخه الشيخ الفقيه فضل بن عبد الرحمن بن محمد بافضل رحمه الله المتوفى يوم السبت الحادي عشر من شهر المحرم سنة 1421 هجريًا الموافق 14 ابريل سنة 2000 ميلادي، وتم تلوين كل المصطلحات التي ذكرها الإمام المصنف رحمه الله تعالى باللون الأزرق، ورمز     للتسبيع، ورمز § لوقفات الحفظ، والتظليل الأحمر على المسائل الضعيفة.

 


 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ الْبَرِّ الجَوَادِ، الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ عَنِ الْإِحْصَاءِ بِالْأَعْدَادِ، المَانِّ بِاللُّطْفِ وَالْإِرْشَادِ، الهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، المُوَفِّقِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ مَنْ لَطَفَ بِهِ وَاخْتَارَهُ مِنَ الْعِبَادِ. أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ، وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ المُصْطَفَى المُخْتَارُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا لَدَيْهِ.§ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ، وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَوْقَاتِ، وَقَدْ أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- مِنَ التَّصْنِيفِ مِنَ المَبْسُوطَاتِ وَالمُخْتَصَرَاتِ، وَأَتْقَنُ مُخْتَصَرٍ: «المُحَرَّرُ» لِلْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الرَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- ذِي التَّحْقِيقَاتِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْفَوَائِدِ، عُمْدَةٌ فِي تَحْقِيقِ المَذْهَبِ، مُعْتَمَدٌ لِلْمُفْتِي وَغَيْرِهِ مِنْ أُولِى الرَّغَبَاتِ،§ وَقَدِ الْتَزَمَ مُصَنِّفُهُ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنْ يَنُصَّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، وَوَفَّى بِمَا الْتَزَمَهُ، وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ أَوْ أَهَمُّ المَطْلُوبَاتِ، لَكِنْ فِي حَجْمِهِ كُبْرٌ يَعْجِزُ عَنْ حِفْظِهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعَصْرِ إِلَّا بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ، فَرَأَيْتُ اخْتِصَارَهُ فِي نَحْوِ نِصْفِ حَجْمِهِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ مَعَ مَا أَضُمُّهُ إِلَيْهِ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- مِنَ النَّفَائِسِ المُسْتَجَادَاتِ: مِنْهَا: التَّنْبِيهُ عَلَى قُيُودٍ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ هِيَ مِنَ الْأَصْلِ مَحْذُوفَاتٌ. وَمِنْهَا: مَوَاضِعُ يَسِيرَةٌ ذَكَرَهَا فِي المُحَرَّرِ عَلَى خِلَافِ المُخْتَارِ فِي المَذْهَبِ، كَمَا سَتَرَاهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَاضِحَاتٍ. وَمِنْهَا: إِبْدَالُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيبًا أَوْ مُوهِمًا خِلَافَ الصَّوَابِ بِأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ مِنْهُ بِعِبَارَاتٍ جَلِيَّاتٍ.§ وَمِنْهَا: بَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ وَالطَّرِيقَيْنِ وَالنَّصِّ، وَمَرَاتِبِ الْخِلَافِ فِي جَمِيعِ الحَالَاتِ. فَحَيْثُ أَقُولُ: (فِي الْأَظْهَرِ أَوِ المَشْهُورِ) فَمِنَ: الْقَوْلَيْنِ أَوِ الْأَقْوَالِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلَافُ قُلْتُ: (الْأَظْهَرُ) وَإِلَّا فَـ(المَشْهُورُ). وَحَيْثُ أَقُولُ: (الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ) فَمِنَ: الْوَجْهَيْنِ أَوِ الْأَوْجُهِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلَافُ قُلْتُ: (الْأَصَحُّ) وَإِلَّا فَـ(الصَّحِيحُ). وَحَيْثُ أَقُولُ: (المَذْهَبُ) فَمِنَ: الطَّرِيقَيْنِ أَوِ الطُّرُقِ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (النَّصُّ) فَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-، وَيَكُونُ هُنَاكَ: وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (الجَدِيدُ) فَالْقَدِيمُ خِلَافُهُ أَوِ (الْقَدِيمُ) أَوْ (فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ) فَالجَدِيدُ خِلَافُهُ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (وَقِيلَ: كَذَا) فَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ أَوِ الْأَصَحُّ خِلَافُهُ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (وَفِي قَوْلٍ: كَذَا) فَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ.§ وَمِنْهَا: مَسَائِلُ نَفِيسَةٌ أَضُمُّهَا إِلَيْهِ، يَنْبَغِي أَلَّا يُخْلَى الْكِتَابُ مِنْهَا، وَأَقُولُ فِي أَوَّلِهَا: (قُلْتُ)، وَفِي آخِرِهَا: (وَاللهُ أَعْلَمُ). وَمَا وَجَدْتَهُ مِنْ زِيَادَةِ لَفْظَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا فِي المُحَرَّرِ فَاعْتَمِدْهَا فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَكَذَا مَا وَجَدْتَهُ مِنَ الْأَذْكَارِ مُخَالِفًا لِمَا فِي المُحَرَّرِ وَغَيْرِه مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ فَاعْتَمِدْهُ، فَإِنِّي حَقَّقْتُهُ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَمَدَةِ. وَقَدْ أُقَدِّمُ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفَصْلِ لِمُنَاسَبَةٍ أَوِ اخْتِصَارٍ، وَرُبَّمَا قَدَّمْتُ فَصْلًا لِلْمُنَاسَبَةِ. وَأَرْجُو إِنْ تَمَّ هَذَا المُخْتَصَرُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِـ«المُحَرَّرِ» فَإِنِّي لَا أَحْذِفُ مِنْهُ شَيْئًا مِنَ الْأَحْكَامِ أَصْلًا، وَلَا مِنَ الْخِلَافِ وَلَوْ كَانَ وَاهِيًا، مَعَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ النَّفَائِسِ.§ وَقَدْ شَرَعْتُ فِي جَمْعِ جُزْءٍ لَطِيفٍ عَلَى صُورَةِ الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ هَذَا المُخْتَصَرِ. وَمَقْصُودِي بِهِ: التَّنْبِيهُ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْ عِبَارَةِ المُحَرَّرِ، وَفِي إِلحَاقِ قَيْدٍ أَوْ حَرْفٍ أَوْ شَرْطٍ لِلْمَسْأَلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا. وَعَلَى اللهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي، وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي وَاسْتِنَادِي، وَأَسْأَلُهُ النَّفْعَ بِهِ لِي وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ، وَرِضْوَانَهُ عَنِّي وَعَنْ أَحِبَّائِي وَجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ.§

كِتَابُ الطَّهَارَةِ

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}. يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الحَدَثِ وَالنَّجَسِ: مَاءٌ مُطْلَقٌ؛ وَهُوَ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ. فَالمُتَغَيِّرُ بِمُسْتَغْنًى عَنْهُ –كَزَعْفَرَانٍ- تَغَيُّرًا يَمْنَعُ إِطْلَاقَ اسْمِ المَاءِ غَيْرُ طَهُورٍ. وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرٌ لَا يَمْنَعُ الِاسْمَ، وَلَا مُتَغَيِّرٌ بِمُكْثٍ وَطِينٍ وَطُحْلُبٍ، وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ، وَكَذَا مُتَغَيِّرٌ بِمُجَاوِرٍ كَعُودٍ وَدُهْنٍ أَوْ بِتُرَابٍ طُرِحَ فِيهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَيُكْرَهُ المُشَمَّسُ.§ وَالمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضِ الطَّهَارَةِ، قِيلَ: وَنَفْلِهَا غَيْرُ طَهُورٍ فِي الجَدِيدِ، فَإِنْ جُمِعَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَطَهُورٌ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا المَاءِ بِمُلَاقَاةِ نَجِسٍ، فَإِنْ غَيَّرَهُ فَنَجِسٌ. فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَاءٍ طَهُرَ، أَوْ بِمِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ فَلَا، وَكَذَا تُرَابٌ وَجِصٌّ فِي الْأَظْهَرِ. وَدُوْنَهُمَا يَنْجُسُ بِالمُلَاقَاةِ، فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ فَطَهُورٌ، فَلَوْ كُوثِرَ بِإِيرَادِ طَهُورٍ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا لَمْ يَطْهُرْ، وَقِيلَ: طَاهِرٌ لَا طَهُورٌ.§ وَيُسْتَثْنَى مَيْتَةٌ لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ، فَلَا تُنَجِّسُ مَائِعًا عَلَى المَشْهُورِ، وَكَذَا فِي قَوْلٍ: نَجَسٌ لَا يُدْرِكُهُ طَرْفٌ. قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالجَارِي كَرَاكِدٍ، وَفِي الْقَدِيمِ: لَا يَنْجُسُ بِلَا تَغَيُّرٍ. وَالْقُلَّتَانِ: خَمْسُمِئَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيٍّ تَقْرِيبًا فِي الْأَصَحِّ. وَالتَّغَيُّرُ المُؤَثِّرُ بِطَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ: طَعْمٌ أَوْ لَوْنٌ أَوْ رِيحٌ.§ وَلَوِ اشْتَبَهَ: مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ اجْتَهَدَ وَتَطَهَّرَ بِمَا ظَنَّ طَهَارَتَهُ، وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ فَلَا. وَالْأَعْمَى كَبَصِيرٍ فِي الْأَظْهَرِ. أَوْ مَاءٌ وَبَوْلٌ لَمْ يَجْتَهِدْ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يُخْلَطَانِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ. أَوْ وَمَاءُ وَرْدٍ تَوَضَّأَ بِكُلٍّ مَرَّةً، وَقِيلَ: لَهُ الِاجْتِهَادُ. وَإِذَا اسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ أَرَاقَ الْآخَرَ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَتَغَيَّرَ ظَنُّهُ، لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي عَلَى النَّصِّ، بَلْ يَتَيَمَّمُ بِلَا إِعَادَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِتَنَجُّسِهِ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ وَبَيَّنَ السَّبَبَ، أَوْ كَانَ فَقِيهًا مُوَافِقًا اعْتَمَدَهُ.§ وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ كُلِّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ، إِلَّا ذَهَبًا وَفِضَّةً فَيَحْرُمُ، وَكَذَا اتِّخَاذُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَحِلُّ المُمَوَّهُ فِي الْأَصَحِّ، وَالنَّفِيسُ كَيَاقُوتٍ فِي الْأَظْهَرِ. وَمَا ضُبِّبَ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ضَبَّةً كَبِيرَةً لِزيِنَةٍ حَرُمَ، أَوْ صَغِيرَةً بِقَدْرِ الحَاجَةِ فَلَا، أَوْ صَغِيرَةً لِزِينَةٍ أَوْ كَبِيرَةً لِحَاجَةٍ جَازَ فِي الْأَصَحِّ. وَضَبَّةُ مَوْضِعِ الِاسْتِعْمَالِ كَغَيْرِهِ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: المَذْهَبُ: تَحْرِيمُ ضَبَّةِ الذَّهَبِ مُطْلَقًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.§

بَابُ أَسْبَابِ الحَدَثِ

هِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ، إِلَّا المَنِيَّ. وَلَوِ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَانْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِه فَخَرَجَ المُعْتَادُ نَقَضَ، وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ فِي الْأَظْهَرِ. أَوْ فَوْقَهَا وَهُوَ مُنْسَدٌّ أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ فَلَا فِي الْأَظْهَرِ. الثَّانِي: زَوَالُ الْعَقْلِ، إِلَّا نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ. الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيِ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ، إِلَّا مَحْرَمًا فِي الْأَظْهَرِ. وَالمَلْمُوسُ كَلَامِسٍ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا تَنْقُضُ صَغِيرَةٌ وَشَعْرٌ وَسِنٌّ وَظُفُرٌ فِي الْأَصَحِّ.§ الرَّابِعُ: مَسُّ قُبُلِ الْآدَمِيِّ بِبَطْنِ الْكَفِّ، وَكَذَا فِي الجَدِيدِ: حَلْقَةُ دُبُرِهِ، لَا فَرْجُ بَهِيمَةٍ. وَيَنْقُضُ: فَرْجُ المَيِّتِ وَالصَّغِيرِ وَمَحَلُّ الجَبِّ وَالذَّكَرُ الْأَشَلُّ وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَنْقُضُ: رَأْسُ الْأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهَا. وَيَحْرُمُ بِالحَدَثِ: الصَّلَاةُ وَالطَّوَافُ وَحَمْلُ المُصْحَفِ وَمَسُّ وَرَقِهِ وَكَذَا جِلْدُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَخَرِيطَةٌ وَصُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ، وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي الْأَصَحِّ. وَالْأَصَحُّ: حِلُّ حَمْلِهِ فِي أَمْتِعَةٍ وَتَفْسِيرٍ وَدَنَانِيرَ، لَا قَلْبِ وَرَقِهِ بِعُودٍ، وَأَنَّ الصَّبِيَّ المُحْدِثَ لَا يُمْنَعُ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: حِلُّ قَلْبِ وَرَقِهِ بِعُودٍ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ تَيَقَّنَ طُهْرًا أَوْ حَدَثًا، وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ عَمِلَ بِيَقِينِهِ، فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَجَهِلَ السَّابِقَ فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا فِي الْأَصَحِّ.§

فَصْلٌ

يُقَدِّمُ دَاخِلُ الخَلَاءِ يَسَارَهُ، وَالخَارِجُ يَمِينَهُ، وَلَا يَحْمِلُ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، وَيَعْتَمِدُ جَالِسًا يَسَارَهُ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا، وَيَحْرُمَانِ بِالصَّحْرَاءِ، وَيَبْعُدُ وَيَسْتَتِرُ، وَلَا يَبُولُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ وَجُحْرٍ وَمَهَبِّ رِيحٍ وَمُتَحَدَّثٍ وَطَرِيقٍ وَتَحْتَ مُثْمِرَةٍ، وَلَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِمَاءٍ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَسْتَبْرِئُ مِنَ الْبَوْلِ. وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ: (بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ). وَعِنْدَ خُرُوجِهِ: (غُفْرَانَكَ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي).§ وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ، وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ. وَفِي مَعْنَى الحَجَرِ: كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ، وَجِلْدٍ دُبِغَ دُونَ غَيْرِهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَشَرْطُ الحَجَرِ: أَلَّا يَجِفَّ النَّجِسُ، وَلَا يَنْتَقِلَ، وَلَا يَطْرَأَ أَجْنَبِيٌّ. وَلَوْ نَدَرَ أَوِ انْتَشَرَ فَوْقَ الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ صَفْحَتَهُ وَحَشَفَتَهُ جَازَ الحَجَرُ فِي الْأَظْهَرِ. وَيَجِبُ ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ، وَلَوْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ، فَإِنْ لَمْ يُنْقَ وَجَبَ الْإِنْقَاءُ، وَسُنَّ الْإِيتَارُ، وَكُلُّ حَجَرٍ لِكُلِّ مَحَلِّهِ، وَقِيلَ: يُوَزَّعْنَ لِجَانِبَيْهِ وَالْوَسَطِ. وَيُسَنُّ بِيَسَارِهِ. وَلَا اسْتِنْجَاءَ لِدُودٍ وَبَعْرٍ بِلَا لَوْثٍ فِي الْأَظْهَرِ.§

بَابُ الْوُضُوءِ

فَرْضُهُ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَى طُهْرٍ أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ. وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ كَمُسْتَحَاضَةٍ كَفَاهُ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ دُونَ الرَّفْعِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا. وَمَنْ نَوَى تَبَرُّدًا مَعَ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ كَقِرَاءَةٍ فَلَا فِي الْأَصَحِّ. وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِ الْوَجْهِ، وَقِيلَ: يَكْفِي بِسُنَّةٍ قَبْلَهُ. وَلَهُ تَفْرِيقُهَا عَلَى أَعْضَائِهِ فِي الْأَصَحِّ.§ الثَّانِي: غَسْلُ وَجْهِهِ، وَهُوَ: مَا بَيْنَ مَنَابِتِ رَأْسِهِ غَالِبًا وَمُنْتَهَى لِحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَمِنْهُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ، وَكَذَا التَّحْذِيفُ فِي الْأَصَحِّ، لَا النَّزْعَتَانِ، وَهُمَا: بَيَاضَان يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ. قُلْتُ: صَحَّحَ الجُمْهُورُ: أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنَ الرَّأْسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ وَحَاجِبٍ وَعِذَارٍ وَشَارِبٍ وَخَدٍّ وَعَنْفَقَةٍ شَعْرًا وَبَشَرًا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ بَاطِنُ عَنْفَقَةٍ كَثِيفَةٍ. وَاللِّحْيَةُ إِنْ خَفَّتْ كَهُدْبٍ، وَإِلَّا فَلْيَغْسِلْ ظَاهِرَهَا، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَجِبُ غَسْلُ خَارِجٍ عَنِ الْوَجْهِ.§ الثَّالِثُ: غَسْلُ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ، فَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهُ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ، أَوْ مِنْ مِرْفَقَيهِ فَرَأْسُ عَظْمِ الْعَضُدِ عَلَى المَشْهُورِ، أَوْ فَوْقَهُ نُدِبَ بَاقِي عَضُدِهِ. الرَّابِعُ: مُسَمَّى مَسْحٍ لِبَشَرَةِ رَأْسِهِ أَوْ شَعْرٍ فِي حَدِّهِ، وَالْأَصَحُّ: جَوَازُ غَسْلِهِ، وَوَضْعِ الْيَدِ بِلَا مَدٍّ. الخَامِسُ: غَسْلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ.§ السَّادِسُ: تَرْتِيبُهُ هَكَذَا، فَلَوِ اغْتَسَلَ مُحْدِثٌ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ تَقْدِيرُ تَرْتِيبٍ بِأَنْ غَطَسَ وَمَكَثَ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الصِّحَّةُ بِلَا مُكْثٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَسُنَنُهُ: السِّوَاكُ: عَرْضًا بِكُلِّ خَشِنٍ، لَا إِصْبُعَهِ فِي الْأَصَحِّ، وَيُسَنُّ لِلصَّلَاةِ وَتَغَيُّرِ الْفَمِ، وَلَا يُكْرَهُ إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ. وَالتَّسْمِيَةُ أَوَّلَهُ، فَإِنْ تَرَكَ فَفِي أَثْنَائِهِ. وَغَسْلُ كَفَّيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ طُهْرَهُمَا كُرِهَ غَمْسُهُمَا فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا. وَالمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ فَصْلَهُمَا أَفْضَلُ، ثُمَّ الْأَصَحُّ: يَتَمَضْمِضُ بِغَرْفَةٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأُخْرَى ثَلَاثًا، وَيُبَالِغُ فِيهِمَا غَيْرُ الصَّائِمِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: تَفْضِيلُ الجَمْعِ بِثَلَاثِ غُرَفٍ، يَتَمَضْمِضُ مِنْ كُلٍّ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ وَتَثْلِيثُ الْغَسْلِ وَالمَسْحِ، وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ بِالْيَقِينِ. وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ ثُمَّ أُذُنَيْهِ، فَإِنْ عَسُرَ رَفْعُ الْعِمَامَةِ كَمَّلَ بِالمَسْحِ عَلَيْهَا. وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ وَأَصَابِعِهِ. وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى. وَإِطَالَةُ غُرَّتِهِ وَتَحْجِيلِهِ. وَالمُوَالَاةُ، وَأَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ. وَتَرْكُ الِاسْتِعَانَةِ وَالنَّفْضِ، وَكَذَا التَّنْشِيفُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَقُولُ بَعْدَهُ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ، سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ). وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الْأَعْضَاءِ إِذْ لَا أَصْلَ لَهُ.§

بَابُ مَسْحِ الخُفِّ

يَجُوزُ فِي الْوُضُوءِ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةً بِلَيَالِيهَا، مِنَ الحَدَثِ بَعْدَ لُبْسٍ. فَإِنْ مَسَحَ حَضَرًا ثُمَّ سَافَرَ أَوْ عَكَسَ لَمْ يَسْتَوفِ مُدَّةَ سَفَرٍ. وَشَرْطُهُ: أَنْ يُلْبَسَ بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ، سَاتِرًا مَحَلَّ فَرْضِهِ، طَاهِرًا، يُمْكِنُ تِبَاعُ المَشْيِ فِيهِ لِتَرَدُّدِ مُسَافِرٍ لِحَاجَاتِهِ، قِيلَ: وَحَلَالًا. وَلَا يُجْزِئُ مَنْسُوجٌ لَا يَمْنَعُ مَاءً فِي الْأَصَحِّ، وَلَا جُرْمُوقَانِ فِي الْأَظْهَرِ. وَيَجُوزُ مَشْقُوقُ قَدَمٍ شُدَّ فِي الْأَصَحِّ.§ وَيُسَنُّ مَسْحُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ خُطُوطًا، وَيَكْفِي مُسَمَّى مَسْحٍ يُحَاذِي الْفَرْضَ، إِلَّا أَسْفَلَ الرِّجْلِ وَعَقِبَهَا فَلَا عَلَى المَذْهَبِ. قُلْتُ: حَرْفُهُ كَأَسْفَلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا مَسْحَ لِشَاكٍّ فِي بَقَاءِ المُدَّةِ. فَإِنْ أَجْنَبَ وَجَبَ تَجْدِيدُ لُبْسٍ. وَمَنْ نَزَعَ وَهُوَ بِطُهْرِ المَسْحِ غَسَلَ قَدَمَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ: يَتَوَضَّأُ.§

بَابُ الْغُسْلِ

مُوجِبُهُ: مَوْتٌ، وَحَيْضٌ، وَنِفَاسٌ، وَكَذَا وِلَادَةٌ بِلَا بَلَلٍ فِي الْأَصَحِّ، وَجَنَابَةٌ بِدُخُولِ حَشَفَةٍ أَوْ قَدْرِهَا فَرْجًا، وَبِخُرُوجِ مَنِيٍّ مِنْ طَرِيقِهِ المُعْتَادِ وَغَيْرِهِ، وَيُعْرَفُ بِتَدَفُّقِهِ أَوْ لَذَّةٍ بِخُرُوجِهِ أَوْ رِيحِ عَجِينٍ رَطْبًا أَوْ بَيَاضِ بَيْضٍ جَافًّا، فَإِنْ فُقِدَتِ الصِّفَاتُ فَلَا غُسْلَ، وَالمَرْأَةُ كَرَجُلٍ. وَيَحْرُمُ بِهَا: مَا حَرُمَ بِالحَدَثِ. وَالمُكْثُ فِي المَسْجِدِ لَا عُبُورُهُ. وَالْقُرْآنُ، وَتَحِلُّ أَذْكَارُهُ لَا بِقَصْدِ قُرْآنٍ.§ وَأَقَلُّهُ: نِيَّةُ رَفْعِ جَنَابَةٍ أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَيْهِ أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ، مَقْرُونَةً بِأَوَّلِ فَرْضٍ. وَتَعْمِيمُ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ، وَلَا تَجِبُ مَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ. وَأَكْمَلُهُ: إِزَالَةُ الْقَذَرِ، ثُمَّ الْوُضُوءُ، وِفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ تَعَهُّدُ مَعَاطِفِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُخَلِّلُهُ، ثُمَّ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، وُيَدْلُكُ وَيُثَلِّثُ، وَتُتْبِعُ لِحَيْضٍ أَثَرَهِ مِسْكًا، وَإِلَّا فَنَحْوَهَ. وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ، وَالْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ.§ وَمَنْ بِهِ نَجَسٌ يَغْسِلُهُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَلَا تَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ، وَكَذَا فِي الْوُضُوءِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: تَكْفِيهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ وَجُمُعَةٍ حَصَلَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا حَصَلَ فَقَطْ. قُلْتُ: وَلَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ كَفَى الْغُسْلُ عَلَى المَذْهَبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§

بَابُ النَّجَاسَةِ

هِيَ كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ، وَكَلْبٌ وَخِنْزِيرٌ وَفَرْعُهُمَا، وَمَيْتَةُ غَيْرِ الْآدَمِيِّ والسَّمَكِ وَالجَرَادِ، وَدَمٌ وَقَيْحٌ وَقَيْءٌ وَرَوْثٌ وَبَوْلٌ وَمَذْيٌ وَوَدْيٌ، وَكَذَا مَنِيُّ غَيْرِ الْآدَمِيِّ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: طَهَارَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَبَنُ مَا لَا يُؤْكَلُ غَيْرَ الْآدَمِيِّ. وَالجُزْءُ المُنْفَصِلُ مِنَ الحَيِّ كَمَيْتَتِهِ، إِلَّا شَعْرَ المَأْكُول فَطَاهِرٌ. وَلَيْسَتِ الْعَلَقَةُ وَالمُضْغَةُ وَرُطُوبَةُ الْفَرْجِ بِنَجَسٍ فِي الْأَصَحِّ.§ وَلَا يَطْهُرُ نَجِسُ الْعَيْنِ إِلَّا خَمْرٌ تَخَلَّلَتْ، وَكَذَا إِنْ نُقِلَتْ مِنْ شَمْسٍ إِلَى ظِلٍّ وَعَكْسُهُ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ فَلَا. وَجِلْدٌ نَجُسَ بِالمَوْتِ، فَيَطْهُرُ بِدَبْغِهِ ظَاهِرُهُ، وَكَذَا بَاطِنُهُ عَلَى المَشْهُورِ. وَالدَّبْغُ: نَزْعُ فُضُولِهِ بِحِرِّيفٍ، لَا شَمْسٍ وَتُرَابٍ، وَلَا يَجِبُ المَاءُ فِي أَثْنَائِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَالمَدْبُوغُ كَثَوْبٍ نَجِسٍ. وَمَا نَجُسَ بِمُلَاقَاةِ شَيْءٍ مِنْ كَلْبٍ غُسِلَ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ. وَالْأَظْهَرُ: تَعَيُّنُ التُّرَابِ، وَأَنَّ الْخِنْزِيرَ كَكَلْبٍ. وَلَا يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ، وَلَا مَمْزُوجٌ بِمَائِعٍ فِي الْأَصَحِّ.§ وَمَا تَنَجَسَ بِبَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَطْعَمْ غَيْرَ لَبَنٍ نُضِحَ، وَمَا تَنَجَسَ بِغَيْرِهِمَا إِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنٌ كَفَى جَرْيُ المَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ وَجَبَ إِزَالَةُ الطَّعْمِ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ عَسُرَ زَوَالُهُ، وَفِي الرِّيحِ قَوْلٌ. قُلْتُ: فَإِنْ بَقِيَا مَعًا ضَرَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُشْتَرَطُ وُرُودُ المَاءِ، لَا الْعَصْرُ فِي الْأَصَحِّ. وَالْأَظْهَرُ: طَهَارَةُ غُسَالَةٍ تَنْفَصِلُ بِلَا تَغَيُّرٍ وَقَدْ طَهَرَ المَحَلُّ. وَلَوْ نَجُسَ مَائِعٌ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُهُ، وَقِيلَ: يَطْهُرُ الدُّهْنُ بِغَسْلِهِ.§

بَابُ التَّيَمُّمِ

يَتَيَمَّمُ المُحْدِثُ وَالجُنُبُ لِأَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: فَقْدُ المَاءِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ المُسَافِرُ فَقْدَهُ تَيَمَّمَ بِلَا طَلَبٍ، وَإِنْ تَوَهَّمَهُ طَلَبَهُ مِنْ رَحْلِهِ وَرُفْقَتِهِ، وَنَظَرَ حَوَالَيْهِ إِنْ كَانَ بِمُسْتَوٍ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى تَرَدُّدٍ تَرَدَّدَ قَدْرَ نَظَرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تَيَمَّمَ. فَلَوْ مَكَثَ مَوْضِعَهُ فَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ الطَّلَبِ لِمَا يَطْرَأُ، فَلَوْ عَلِمَ مَاءً يَصِلُهُ المُسَافِرُ لِحَاجَتِهِ وَجَبَ قَصْدُهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ تَيَمَّمَ. وَلَوْ تَيَقَّنَهُ آخِرَ الْوَقْتِ فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، أَوْ ظَنَّهُ فَتَعْجِيلُ التَّيَمُّمِ أَفْضَلُ فِي الْأَظْهَرِ.§ وَلَوْ وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِيهِ فَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ، وَيَكُونُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ. وَيَجِبُ شِرَاؤُهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ أَوْ مُؤْنَةِ سَفَرِهِ أَوْ نَفَقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ. وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ أَوْ أُعِيرَ دَلْوًا وَجَبَ الْقَبُولُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ وُهِبَ ثَمَنُهُ فَلَا. وَلَوْ نَسِيَهُ فِي رَحْلِهِ أَوْ أَضَلَّهُ فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ بَعْدَ الطَّلَبِ فَتَيَمَّمَ قَضَى فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ أَضَلَّ رَحْلَهُ فِي رِحَالٍ فَلَا يَقْضِي. الثَّانِي: أَنْ يُحْتَاجَ إِلَيْهِ لِعَطَشِ مُحْتَرَمٍ، وَلَوْ مَآلًا.§ الثَّالِثُ: مَرَضٌ يَخَافُ مَعَهُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى مَنْفَعَةِ عُضْوٍ وَكَذَا بُطْءُ الْبُرْءِ أَوِ الشَّيْنُ الْفَاحِشُ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ فِي الْأَظْهَرِ، وَشِدَّةُ الْبَرْدِ كَمَرَضٍ. وَإِذَا امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي عُضْوٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَاتِرٌ وَجَبَ التَّيَمُّمُ، وَكَذَا غَسْلُ الصَّحِيحِ عَلَى المَذْهَبِ، وَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا لِلْجُنُبِ. فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَالْأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ التَّيَمُّمِ وَقْتَ غَسْلِ الْعَلِيلِ، فَإِنْ جُرِحَ عُضْوَاهُ فَتَيَمُّمَانِ.§ فَإِنْ كَانَ كَجَبِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ نَزْعُهَا غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ كَمَا سَبَقَ. وَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ مَسْحُ كُلِّ جَبِيرَتِهِ بِمَاءٍ، وَقِيلَ: بَعْضِهَا. فَإِذَا تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ ثَانٍ وَلَمْ يُحْدِثْ لَمْ يُعِدِ الجُنُبُ غَسْلًا، وَيُعِيدُ المُحْدِثُ مَا بَعْدَ عَلِيلِهِ، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفَانِ، وَقِيلَ: المُحْدِثُ كَجُنُبٍ. قُلْتُ: هَذَا الثَّالِثُ أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§

فَصْلٌ

يَتَيَمَّمُ بِكُلِّ تُرَابٍ طَاهِرٍ حَتَّى مَا يُدَاوَى بِهِ، وَبِرَمْلٍ فِيهِ غُبَارٌ، لَا بِمَعْدِنٍ وَسُحَاقَةِ خَزَفٍ وَمُخْتَلِطٍ بِدَقِيقٍ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: إِنْ قَلَّ الخَلِيطُ جَازَ، وَلَا بِمُسْتَعْمَلٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ: مَا بَقِيَ بِعُضْوِهِ، وَكَذَا مَا تَنَاثَرَ فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ: قَصْدُهُ، فَلَوْ سَفَتْهُ رِيحٌ عَلَيْهِ فَرَدَّدَهُ وَنَوَى لَمْ يُجْزِئْ، وَلَوْ يُمِّمَ بِإِذْنِهِ جَازَ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ عُذْرٌ. وَأَرْكَانُهُ: نَقْلُ التُّرَابِ، فَلَوْ نَقَلَ مِنْ وَجْهٍ إِلَى يَدٍ أَوْ عَكَسَ كَفَى فِي الْأَصَحِّ.§ وَنِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، لَا رَفْعِ حَدَثٍ، وَلَوْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ لَمْ يَكْفِ فِي الْأَصَحِّ. وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِالنَّقْلِ، وَكَذَا اسْتِدَامَتُهَا إِلَى مَسْحِ شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ نَوَى فَرْضًا وَنَفْلًا أُبِيحَا، أَوْ فَرْضًا فَلَهُ النَّفْلُ عَلَى المَذْهَبِ، أَوْ نَفْلًا أَوِ الصَّلَاةَ تَنَفَّلَ لَا الْفَرْضَ عَلَى المَذْهَبِ. وَمَسْحُ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ، وَلَا يَجِبُ إِيصَالُهُ مَنْبِتَ الشَّعْرِ الخَفِيفِ، وَلَا تَرْتِيبَ فِي نَقْلِهِ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِيَمِينِهِ وَجْهَهُ وَبِيَسَارِهِ يَمِينَهُ جَازَ.§ وَتُنْدَبُ: التَّسْمِيَةُ، وَمَسْحُ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِضَرْبَتَيْنِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ المَنْصُوصُ: وُجُوبُ ضَرْبَتَيْنِ وَإِنْ أَمْكَنَ بِضَرْبَةٍ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُقَدِّمُ يَمِينَهُ وَأَعْلَى وَجْهِهِ، وَيُخَفِّفُ الْغُبَارَ، وَمُوَالَاةُ التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ. قُلْتُ: وَكَذَا الْغُسْلُ، وَيُنْدَبُ تَفْرِيقُ أَصَابِعِهِ أَوَّلًا، وَيَجِبُ نَزْعُ خَاتَمِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ مَاءٍ فَوَجَدَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ بَطَلَ إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَانِعٍ كَعَطَشٍ، أَوْ فِي صَلَاةٍ لَا تَسْقُطُ بِهِ بَطَلَتْ عَلَى المَشْهُورِ، وَإِنْ أَسْقَطَهَا فَلَا، وَقِيلَ: يَبْطُلُ النَّفْلُ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ قَطْعَهَا لِيَتَوَضَّأَ أَفْضَلُ، وَأَنَّ المُتَنَفِّلَ لَا يُجَاوِزُ رَكْعَتَيْنِ، إِلَّا مَنْ نَوَى عَدَدًا فَيُتِمُّهُ.§ وَلَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ، وَيَتَنَفَّلُ مَا شَاءَ، وَالنَّذْرُ كَفَرْضٍ فِي الْأَظْهَرِ. وَالْأَصَحُّ: صِحَّةُ جَنَائِزَ مَعَ فَرْضٍ، وَأَنَّ مَنْ نَسِيَ إِحْدَى الخَمْسِ كَفَاهُ تَيَمُّمٌ لَهُنَّ. وَإِنْ نَسِيَ مُخْتَلِفَتَيْنِ صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ بِتَيَمُّمٍ، وَإِنْ شَاءَ تَيَمَّمَ مَرَّتَيْنِ وَصَلَّى بِالْأَوَّلِ أَرْبَعًا وِلَاءً، وَبِالثَّانِي أَرْبَعًا لَيْسَ مِنْهَا الَّتِي بَدَأَ بِهَا، أَوْ مُتَّفِقَتَيْنِ صَلَّى الخَمْسَ مَرَّتَيْنِ بِتَيَمُّمَيْنِ. وَلَا يَتَيَمَّمُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِ فِعْلِهِ، وَكَذَا النَّفْلُ المُؤَقَّتُ فِي الْأَصَحِّ.§ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا لَزِمَهُ فِي الجَدِيدِ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ وَيُعِيدَ. وَيَقْضِي المُقِيمُ المُتَيَمِّمُ لِفَقْدِ المَاءِ، لَا المُسَافِرُ، إِلَّا الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ تَيَمَّمَ لِبَرْدٍ قَضَى فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ لِمَرَضٍ يَمْنَعُ المَاءَ مُطْلَقًا أَوْ فِي عُضْوٍ وَلَا سَاتِرَ فَلَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِجُرْحِهِ دَمٌ كَثِيرٌ، وَإِنْ كَانَ سَاتِرٌ لَمْ يَقْضِ فِي الْأَظْهَرِ إِنْ وُضِعَ عَلَى طُهْرٍ، فَإِنْ وُضِعَ عَلَى حَدَثٍ وَجَبَ نَزْعُهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قَضَى عَلَى المَشْهُورِ.§

بَابُ الحَيْضِ

أَقَلُّ سِنِّهِ: تِسْعُ سِنِينَ. وَأَقَلُّهُ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. وَأَكْثَرُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ بِلَيَالِيهَا. وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ. وَيَحْرُمُ بِهِ: مَا حَرُمَ بِالجَنَابَةِ. وَعُبُورُ المَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ. وَالصَّوْمُ، وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ بِخَلَافِ الصَّلَاةِ. وَمَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْوَطْءِ. فَإِذَا انْقَطَعَ لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الْغُسْلِ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ.§ وَالِاسْتِحَاضَةُ: حَدَثٌ دَائِمٌ كَالسَّلَسِ، فَلَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، فَتَغْسِلُ المُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ، وَتَتَوَضَّأُ وَقْتَ الصَّلَاةِ، وَتُبَادِرُ بِهَا، فَلَوْ أَخَّرَتْ لِمَصْلَحِةِ الصَّلَاةِ كَسَتْرٍ وَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ لَمْ يَضُرَّ وَإِلَّا فَيَضُرُّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ فَرْضٍ، وَكَذَا تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوِ انْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَلَمْ تَعْتَدِ انْقِطَاعَهُ وَعَوْدَهُ، أَوِ اعْتَادَتْ وَوَسِعَ زَمَنُ الِانْقِطَاعِ وُضُوءًا وَالصَّلَاةَ وَجَبَ الْوُضُوءُ.§

فَصْلٌ

رَأَتْ لِسِنِّ الحَيْضِ أَقَلَّهُ وَلَمْ يَعْبُرْ أَكْثَرَهُ فَكُلُّهُ حَيْضٌ، وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ حَيْضٌ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ عَبَرَهُ فَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً مُمَيِّزَةً بِأَنْ تَرَى قَوِيًّا وَضَعِيفًا فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَةٌ، وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ إِنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ، وَلَا عَبَرَ أَكْثَرَهُ، وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ. أَوْ مُبْتَدَأَةً لَا مُمَيِّزَةً بِأَنْ رَأَتْهُ بِصِفَةٍ، أَوْ فَقَدَتْ شَرْطَ تَمْيِيزٍ فَالْأَظْهَرُ أَنَّ حَيْضَهَا: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَطُهْرَهَا: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ.§ أَوْ مُعْتَادَةً بِأَنْ سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ فَتُرَدُّ إِلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقْتًا، وَتَثْبُتُ بِمَرَّةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَيُحْكَمُ لِلْمُعْتَادَةِ المُمَيِّزَةِ بِالتَّمْيِيزِ لَا الْعَادَةِ فِي الْأَصَحِّ. أَوْ مُتَحَيِّرَةً بِأَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا قَدْرًا وَوَقْتًا، فَفِي قَوْلٍ: كَمُبْتَدَأَةٍ، وَالمَشْهُورُ: وُجُوبُ الِاحْتِيَاطِ، فَيَحْرُمُ الْوَطْء،ُ وَمَسُّ المُصْحَفِ، وَالْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَتُصَلِّي الْفَرَائِضَ أَبَدًا، وَكَذَا النَّفْلُ فِي الْأَصَحِّ، وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ فَرْضٍ،§ وَتَصُومُ رَمَضَانَ ثُمَّ شَهْرًا كَامِلَيْنِ، فَيَحْصُلُ مِنْ كُلٍّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ تَصُومُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ثَلَاثَةً أَوَّلَهَا، وَثَلَاثَةً آخِرَهَا، فَيَحْصُلُ الْيَوْمَانِ الْبَاقِيَانِ. وَيُمْكِنُ قَضَاءُ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ ثُمَّ الثَّالِثَ وَالسَّابِعَ عَشَرَ. وَإِنْ حَفِظَتْ شَيْئًا فَلِلْيَقِينِ حُكْمُهُ. وَهِيَ فِي المُحْتَمِلِ كَحَائِضٍ فِي الْوَطْءِ، وَطَاهِرٍ فِي الْعِبَادَاتِ. وَإِنِ احْتَمَلَ انْقِطَاعًا وَجَبَ الْغُسْلُ لِكُلِّ فَرْضٍ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ دَمَ الحَامِلِ وَالنَّقَاءَ بَيْنَ أَقَلِ الحَيضِ حَيْضٌ. وَأَقَلُّ النِّفَاسِ: لَحْظَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: سِتُّونَ، وَغَالِبُهُ: أَرْبَعُونَ. وَيَحْرُمُ بِهِ: مَا حَرُمَ بِالحَيْضِ. وَعُبُورُهُ سِتِّينَ كَعُبُورِهِ أَكْثَرَهُ.§

كِتَابُ الصَّلَاةِ

المَكْتُوبَاتُ خَمْسٌ: الظُّهْرُ، وَأَوَّلُ وَقْتِهِ: زَوَالُ الشَّمْسِ. وَآخِرُهُ: مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ. وَهُوَ: أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَغْرُبَ. وَالِاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْنِ. وَالمَغْرِبُ: بِالْغُرُوبِ، وَيَبْقَى حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الْأَحْمَرُ فِي الْقَدِيمِ، وَفِي الجَدِيدِ: يَنْقَضِي بِمُضِيِّ قَدْرِ وُضُوءٍ، وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ، وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ، وَلَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ وَمَدَّ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ الأحْمَرُ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ وَالْعِشَاءُ: بِمَغِيبِ الشَّفَقِ، وَيَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ. وَالِاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفِهِ. وَالصُّبْحُ: بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَهُوَ المُنْتَشِرُ ضَوْؤُهُ مُعْتَرِضًا بِالْأُفُقِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وَالِاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنِ الْإِسْفَارِ. قُلْتُ: يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ المَغْرِبِ عِشَاءً، وَالْعِشَاءِ عَتَمَةً، وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا، وَالحَدِيثُ بَعْدَهَا إِلَّا فِي خَيْرٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ، وَفِي قَوْلٍ: تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ. وَيُسَنُّ الْإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ. وَالْأَصَحُّ: اخْتِصَاصُهُ بِبَلَدٍ حَارٍّ، وَجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ يَقْصِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ. وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ رَكْعَةٌ فَالجَمِيعُ أَدَاءٌ، وَإِلَّا فَقَضَاءٌ. وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ اجْتَهَدَ بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ صَلَاتَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ قَضَى فِي الْأَظْهَرِ، وَإِلَّا فَلَا.§ وَيُبَادِرُ بِالْفَائِتِ، وَيُسَنُّ تَرْتِيبُهُ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الحَاضِرَةِ الَّتِي لَا يَخَافُ فَوْتَهَا. وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ إِلَّا يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ، وَالْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، إِلَّا لِسَبَبٍ كَفَائِتَةٍ، وَكُسُوفٍ، وَتَحِيَّةٍ، وَسَجْدَةِ شُكْرٍ، وَإِلَّا فِي حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ.§

فَصْلٌ

إِنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ طَاهِرٍ، وَلَا قَضَاءَ عَلَى الكَافِرِ إِلَّا المُرْتَدَّ، وَلَا الصَّبِيِّ، وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَلَا ذِي حَيْضٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ، بِخِلَافِ السُّكْرِ. وَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ، وَبَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ تَكْبِيرَةٌ وَجَبَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ رَكْعَةٌ. وَالْأَظْهَرُ: وُجُوبُ الظُّهْرِ بِإِدْرَاكِ تَكْبِيرَةٍ آخِرَ الْعَصْرِ، وَالمَغْرِبِ آخِرَ الْعِشَاءِ. وَلَوْ بَلَغَ فِيهَا أَتَمَّهَا وَأَجْزَأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ بَعْدَهَا فَلَا إِعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ حَاضَتْ أَوْ جُنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَجَبَتْ تِلْكَ إِنْ أَدْرَكَ قَدْرَ الْفَرْضِ، وَإِلَّا فَلَا.§

فَصْلٌ

الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ: سُنَّةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَإِنَّمَا يُشْرَعَانِ لِلْمَكْتُوبَةِ. وَيُقَالُ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. وَالجَدِيدُ: نَدْبُهُ لِلْمُنْفَرِدِ. وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ إِلَّا بِمَسْجِدٍ وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ. وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ، وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الجَدِيدِ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ كَانَ فَوَائِتُ لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ الْأُولَى. وَيُنْدَبُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ الْإِقَامَةُ، لَا الْأَذَانُ عَلَى المَشْهُورِ.§ وَالْأَذَانُ مَثْنَى، وَالْإِقَامَةُ فُرَادَى إِلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ. وَيُسَنُّ إِدْرَاجُهَا وَتَرْتِيلُهُ وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ وَالتَّثْوِيبُ فِي الصُّبْحِ وَأَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا لِلْقِبْلَةِ. وَيَجِبُ تَرْتِيبُهُ وَمُوَالَاتُهُ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَضُرُّ كَلَامٌ وَسُكُوتٌ طَوِيلَانِ. وَشَرْطُ المُؤَذِّنِ: الْإِسْلَامُ وَالتَّمْيِيزُ وَالذُّكُورَةُ. وَيُكْرَهُ لِلْمُحْدِثِ، وَلَلْجُنُبِ أَشَدُّ، وَالْإِقَامَةُ أَغْلَظُ. وَيُسَنُّ: صَيِّتٌ، حَسَنُ الصَّوْتِ، عَدْلٌ. وَالْإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ وَشَرْطُهُ: الْوَقْتُ، إِلَّا الصُّبْحَ فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ. وَيُسَنُّ: مُؤَذِّنَانِ لِلْمَسْجِدِ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَآخَرُ بَعْدَهُ. وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ، إِلَّا فِي حَيْعَلَاتِهِ، فَيَقُولُ: (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ). قُلْتُ: وَإِلَّا فِي التَّثْوِيبِ، فَيَقُولُ: (صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ)، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلِكُلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ، ثُمَّ: (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ).§

فَصْلٌ

اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ، إِلَّا فِي شِدَّةِ الخَوْفِ وَنَفْلِ السَّفَرِ. فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَفُّلُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَلَا يُشْتَرَطُ طُولُ سَفَرِهِ عَلَى المَشْهُورِ. فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِقْبَالُ الرَّاكِبِ فِي مَرْقَدٍ، وَإِتْمَامُ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ سَهُلَ الِاسْتِقْبَالُ وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا. وَيَخْتَصُّ بِالتَّحَرُّمِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي السَّلَامِ أَيْضًا. وَيَحْرُمُ انْحِرَافُهُ عَنْ طَرِيقِهِ إِلَّا إِلَى الْقِبْلَةِ. وَيُومِئُ بِرُكُوعِهِ، وَسُجُودُهُ أَخْفَضَ.§ وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ المَاشِيَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ، وَيَسْتَقْبِلُ فِيهِمَا وَفِي إِحْرَامِهِ، وَلَا يَمْشِي إِلَّا فِي قِيَامِهِ وَتَشَهُّدِهِ. وَلَوْ صَلَّى فَرْضًا عَلَى دَابَّةٍ، وَاسْتَقْبَلَ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وَهِيَ وَاقِفَةٌ جَازَ، أَوْ سَائِرَةٌ فَلَا. وَمَنْ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، وَاسْتَقْبَلَ جِدَارَهَا أَوْ بَابَهَا مَرْدُودًا أَوْ مَفْتُوحًا مَعَ ارْتِفَاعِ عَتَبَتِهِ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ أَوْ عَلَى سَطْحِهَا مُسْتَقْبِلًا مِنْ بِنَائِهَا مَا سَبَقَ جَازَ.§ وَمَنْ أَمْكَنَهُ عِلْمُ الْقِبْلَةِ حَرُمَ عَلَيْهِ التَّقْلِيدُ وَالِاجْتِهَادُ، وَإِلَّا أَخَذَ بِقَوْلِ ثِقَةٍ يُخْبِرُ عَنْ عِلْمٍ، فَإِنْ فَقَدَ وَأَمْكَنَ الِاجْتِهَادُ حَرُمَ التَّقْلِيدُ، فَإِنْ تَحَيَّرَ لَمْ يُقَلِّدْ فِي الْأَظْهَرِ، وَصَلَّى كَيْفَ كَانَ وَيَقْضِي. وَيَجِبُ تَجْدِيدُ الِاجْتِهَادِ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَحْضُرُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الِاجْتِهَادِ وَتَعَلُّمِ الْأَدِلَّةِ كَأَعْمَى قَلَّدَ ثِقَةً عَارِفًا، وَإِنْ قَدَرَ فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ التَّعَلُّمِ فَيَحْرُمُ التَّقْلِيدُ. وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ فَتَيَقَّنَ الخَطَأَ قَضَى فِي الْأَظْهَرِ، فَلَوْ تَيَقَّنَهُ فِيهَا وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا. وَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمِلَ بِالثَّانِي وَلَا قَضَاءَ، حَتَّى لَوْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ لَأَرْبَعِ جِهَاتٍ بِالِاجْتِهَادِ فَلَا قَضَاءَ.§

بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ

أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ: النِّيَّةُ. فَإِنْ صَلَّى فَرْضًا وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهِ وَتَعْيِينُهُ. وَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ دُونَ الْإِضَافَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَعَكْسُهُ. وَالنَّفْلُ ذُو الْوَقْتِ أَوِ السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ، وَفِي نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ المُطْلَقِ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ. وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ، وَيُنْدَبُ النُّطْقُ قُبَيْلَ التَّكْبِيرِ.§ الثَّانِي: تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ. وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَادِرِ: (اللهُ أَكْبَرُ) وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةٌ لَا تَمْنَعُ الِاسْمَ كَـ(اللهُ الْأَكْبَرُ) وَكَذَا (اللهُ الجَلِيلُ أَكْبَرُ) فِي الْأَصَحِّ، لَا (أَكْبَرُ اللهُ) عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَنْ عَجَزَ تَرْجَمَ، وَوَجَبَ التَّعَلُّمُ إِنْ قَدَرَ. وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي تَكْبِيرِهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَالْأَصَحُّ: رَفْعُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ. وَيَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ، وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلِهِ.§ الثَّالِثُ: الْقِيَامُ فِي فَرْضِ الْقَادِرِ. وَشَرْطُهُ: نَصْبُ فَقَارِهِ. فَإِنْ وَقَفَ مُنْحَنِيًا أَوْ مَائِلًا بِحَيْثُ لَا يُسَمَّى قَائِمًا لَمْ يَصِحَّ. فَإِنْ لَمْ يُطِقِ انْتِصَابًا، وَصَارَ كَرَاكِعٍ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَقِفُ كَذَلِكَ، وَيَزِيدُ انْحِنَاءَهُ لِرُكُوعِهِ إِنْ قَدَرَ. وَلَوْ أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قَامَ وَفَعَلَهُمَا بِقَدْرِ إِمْكَانِهِ. وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ، وَافْتِرَاشُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَرَبُّعِهِ فِي الْأَظْهَرِ.§ وَيُكْرَهُ الْإِقْعَاءُ بِأَنْ يَجْلِسَ عَلَى وَرِكَيْهِ نَاصِبًا رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَنْحَنِيَ لِرُكُوعِهِ بِحَيْثُ تُحَاذِي جَبْهَتُهُ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ. وَالْأَكْمَلُ: أَنْ تُحَاذِيَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْقُعُودِ صَلَّى لِجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، فَإِنْ عَجَزَ فَمُسْتَلْقِيًا. وَلِلْقَادِرِ التَّنَفُّلُ قَاعِدًا، وَكَذَا مُضْطَجِعًا فِي الْأَصَحِّ. الرَّابِعُ: الْقِرَاءَةُ. وَيُسَنُّ بَعْدَ التَّحَرُّمِ دُعَاءُ الِافْتِتَاحِ، ثُمَّ التَّعَوُّذُ، وَيُسِرُّهُمَا، وَيَتَعَوَّذُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى المَذْهَبِ، وَالْأُولَى آكَدُ.§ وَتَتَعَيَّنُ (الْفَاتِحَةُ) فِي كُلَّ رَكْعَةٍ، إِلَّا رَكْعَةَ مَسْبُوقٍ، وَالْبَسْمَلَةُ مِنْهَا، وَتَشْدِيدَاتُهَا. وَلَوْ أَبْدَلَ: (ضَادًا) بِـ(ظَاءٍ) لَمْ تَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَيَجِبُ تَرْتِيبُهَا وَمُوَالَاتُهَا، فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ قَطَعَ المُوَالَاةَ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلَاةِ كَتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ فَلَا فِي الْأَصَحِّ، وَيَقْطَعُ السُّكُوتُ الطَّوِيلُ، وَكَذَا يَسِيرٌ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَصَحِّ. فَإِنْ جَهِلَ الْفَاتِحَةَ فَسَبْعُ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ فَمُتَفَرِّقَةٍ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ المَنْصُوصُ: جَوَازُ المُتَفَرِّقَةِ مَعَ حِفْظِهِ مُتَوَالِيَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ فَإِنْ عَجَزَ أَتَى بِذِكْرٍ، وَلَا يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ الْبَدَلِ عَنِ الْفَاتِحَةِ فِي الْأَصَحِّ. فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا وَقَفَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ. وَيُسَنُّ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ: (آمِينَ)، خَفِيفَةَ الْمِيمِ بِالمَدِّ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ، وَيُؤَمِّنُ مَعَ تَأْمِينِ إِمَامِهِ، وَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، إِلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: فَإِنْ سُبِقَ بِهِمَا قَرَأَهَا فِيهِمَا عَلَى النَّصِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ وَلَا سُورَةَ لِلْمَأْمُومِ، بَلْ يَسْتَمِعُ، فَإِنْ بَعُدَ أَوْ كَانَتْ سِرِّيَّةً قَرَأَ فِي الْأَصَحِّ. وَيُسَنُّ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ طِوَالُ المُفَصَّلِ، وَلِلْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ، وَلِلْمَغْرِبِ قِصَارُهُ، وَلِصُبْحِ الجُمُعَةِ فِي الأُولَى: {الم تَنْزِيلُ}، وَفِي الثَّانِيَةِ: {هَلْ أَتَى}. الخَامِسُ: الرُّكُوعُ. وَأَقَلُّهُ: أَنْ يَنْحَنِيَ قَدْرَ بُلُوغِ رَاحَتَيْهِ رُكْبَتَيْهِ بِطُمَأْنِينَةٍ بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ رَفْعُهُ عَنْ هَوِيِّهِ، وَلَا يَقْصِدُ بِهِ غَيْرَهُ، فَلَوُ هَوَى لِتِلَاوَةٍ فَجَعَلَهُ رُكُوعًا لَمْ يَكْفِ.§ وَأَكْمَلُهُ: تَسْوِيَةُ ظَهْرِهِ وَعُنُقِهِ، وَنَصْبُ سَاقَيْهِ، وَأَخْذُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ، وَتَفْرِقَةُ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ، وَيُكَبِّرُ فِي ابْتِدَاءِ هَوِيِّهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ كَإِحْرَامِهِ، وَيَقُولُ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ) ثَلَاثًا، وَلَا يَزِيدُ الْإِمَامُ، وَيَزِيدُ المُنْفَرِدُ: (اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي). السَّادِسُ: الِاعْتِدَالُ قَائِمًا مُطْمَئِنًّا، وَلَا يَقْصِدُ غَيْرَهُ، فَلَوْ رَفَعَ فَزَعًا مِنْ شَيْءٍ لَمْ يَكْفِ.§ وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ رَأْسِهِ قَائِلًا: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)، فَإِذَا انْتَصَبَ قَالَ: (رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ)، وَيَزِيدُ المُنْفَرِدُ: (أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ). وَيُسَنُّ الْقُنُوتُ فِي اعْتِدَالِ ثَانِيَةِ الصُّبْحِ وَهُوَ: (اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ…) إِلَى آخِرِهِ، وَالْإِمَامُ بِلَفْظِ الجَمْعِ.§ وَالصَّحِيحُ: سَنُّ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِهِ، وَرَفْعُ يَدَيْهِ، وَلَا يَمْسَحُ وَجْهَهُ، وَأَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِهِ، وَأَنَّهُ يُؤَمِّنُ المَأْمُومُ لِلدُّعَاءِ وَيَقُولُ الثَّنَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ قَنَتَ. وَيُشْرَعُ الْقُنُوتُ فِي سَائِرِ المَكْتُوبَاتِ لِلنَّازِلَةِ لَا مُطْلَقًا عَلَى المَشْهُورِ. السَّابِعُ: السُّجُودُ. وَأَقَلُّهُ: مُبَاشَرَةُ بَعْضِ جَبْهَتِهِ مُصَلَّاهُ، فَإِنْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِلٍ بِهِ جَازَ إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ. وَلَا يَجِبُ وَضْعُ يَدَيْهِ ورَكُبْتَيْهِ وَقَدَمَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ وَيَجِبُ أَنْ يَطْمَئِنَّ وَيَنَالَ مَسْجَدَهُ ثِقَلُ رَأْسِهِ، وَأَلَّا يَهْوِيَ لِغَيْرِهِ، فَلَوْ سَقَطَ لِوَجْهِهِ وَجَبَ الْعَوْدُ إِلَى الِاعْتِدَالِ، وَأَنْ تَرْتَفِعَ أَسَافِلُهُ عَلَى أَعَالِيهِ فِي الْأَصَحِّ. وَأَكْمَلُهُ: يُكَبِّرُ لِهَوِيِّهِ بِلَا رَفْعٍ، وَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ، وَيَقُولُ: (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى) ثَلَاثًا، وَيَزِيدُ المُنْفَرِدُ: (اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ) وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً لِلْقِبْلَةِ، وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ، وَيَرْفَعُ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، وَمِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، فِي رُكُوعِهِ وُسُجُودِهِ، وَتَضُمُّ المَرْأَةُ وَالخُنْثَى.§ الثَّامِنُ: الجُلُوسُ بَيْنَ سَجْدَتَيْهِ مُطْمَئِنًّا. وَيَجِبُ أَلَّا يَقْصِدَ بِرَفْعِهِ غَيْرَهُ، وَأَلَّا يُطَوِّلَهُ وَلَا الِاعْتِدَالَ. وَأَكْمَلُهُ: يُكَبِّرُ وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، وَاضِعًا يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رُكْبَتَيْهِ، وَيَنْشُرُ أَصَابِعَهُ قَائِلًا: (رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَارْفَعْنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي). ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى. وَالمَشْهُورُ: سَنُّ جَلْسَةٍ خَفِيفَةٍ بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ يَقُومُ عَنْهَا.§ التَّاسِعُ، وَالْعَاشِرُ، وَالحَادِي عَشَرَ: التَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَالتَّشَهُّدُ وَقُعُودُهُ إِنْ عَقَبَهُمَا سَلَامٌ فَرُكْنَانِ، وَإِلَّا فَسُنَّتَانِ، وَكَيْفَ قَعَدَ جَازَ. وَيُسَنُّ فِي الْأَوَّلِ الِافْتِرَاشُ فَيَجْلِسُ عَلَى كَعْبِ يُسْرَاهُ، وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ، وَيَضَعُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ لِلْقِبْلَةِ. وَفِي الْآخِرِ التَّوَرُّكُ، وَهُوَ كَالِافْتِرَاشِ، لَكِنْ يُخْرِجْ يُسْرَاهُ مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ، وَيُلْصِقُ وَرِكَهُ بِالْأَرْضِ. وَالْأَصَحُّ: يَفْتَرِشُ المَسْبُوقُ وَالسَّاهِي. وَيَضَعُ فِيهِمَا يُسْرَاهُ عَلَى طَرَفِ رُكْبَتِهِ مَنْشُورَةَ الْأَصَابِعِ بِلَا ضَمٍّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الضَّمُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ وَيَقْبِضُ مِنْ يُمْنَاهُ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصَرَ، وَكَذَا الْوُسْطَى فِي الْأَظْهَرِ، وَيُرْسِلُ المُسَبِّحَةَ، وَيَرْفَعُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ: (إِلَّا اللهُ) وَلَا يُحَرِّكُهَا. وَالْأَظْهَرُ: ضَمُّ الْإِبْهَامِ إِلَيْهَا كَعَاقِدِ ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ. وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، وَالْأَظْهَرُ: سَنُّهَا فِي الْأَوَّلِ، وَلَا تُسَنُّ عَلَى الْآلِ فِي الْأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَتُسَنُّ فِي الْأَخِيرِ، وَقِيلَ: تَجِبُ. وَأَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ.§ وَأَقَلُّهُ: (التَّحِيَّاتُ للهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ)، وَقِيلَ: يَحْذِفُ: (وَبَرَكَاتُهُ) وَ(الصَّالِحِينَ)، وَيَقُولُ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ). قُلْتُ: الْأَصَحُّ: (وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) وَثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَقَلُّ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآلِهِ: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ)، وَالزِّيَادَةُ إِلَى (حَمِيدٌ مَجِيدٌ) سُنَّةٌ فِي الْآخِرِ، وَكَذَا الدُّعَاءُ بَعْدَهُ، وَمَأْثُورُهُ أَفْضَلُ وَمِنْهُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ…) إِلَى آخِرِهِ.§ وَيُسَنُّ أَلَّا يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَنْ عَجَزَ عَنْهُمَا تَرْجَمَ، وَيُتَرْجِمُ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ المَنْدُوبِ الْعَاجِزُ لَا الْقَادِرُ فِي الْأَصَحِّ. الثَّانِي عَشَرَ: السَّلَامُ. وَأَقَلُّهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ). وَالْأَصَحُّ: جَوَازُ: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ). قُلْتُ: الْأَصَحُّ المَنْصُوصُ: لَا يُجْزِئُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الخُرُوجِ.§ وَأَكْمَلُهُ: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ) مَرَّتَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا، مُلْتَفِتًا فِي الْأُولَى حَتَّى يُرَى خَدُّهُ الْأَيْمَنُ، وَفِي الثَّانِيَةِ الْأَيْسَرُ، نَاوِيًا السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ. وَيَنْوِي الْإِمَامُ السَّلَامَ عَلَى المُقْتَدِينَ، وَهُمُ الرَّدَّ عَلَيْهِ. الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ كَمَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ سَهَا فَمَا بَعْدَ المَتْرُوكِ لَغْوٌ، فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ بُلُوغِ مِثْلِهِ فَعَلَهُ، وَإِلَّا تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ وَتَدَارَكَ الْبَاقِيَ.§ فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنَ الْأَخِيرَةِ سَجَدَهَا وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لَزِمَهُ رَكْعَةٌ، وَكَذَا إِنْ شَكَّ فِيهِمَا. وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيَةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ؛ فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ سَجَدَ، وَقِيلَ: إِنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يَكْفِهِ، وَإِلَّا فَيَجْلِسُ مُطْمَئِنًّا ثُمَّ يَسْجُدُ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فَقَطْ. وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا وَجَبَ رَكْعَتَانِ، أَوْ أَرْبَعٍ فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ، أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ فَثَلَاثٌ، أَوْ سَبْعٍ فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ.§ قُلْتُ: يُسَنُّ إِدَامَةُ نَظَرِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ. وَعِنْدِي: لَا يُكْرَهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا. وَالخُشُوُعُ وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ. وَدُخُولُ الصَّلَاةِ بِنَشَاطٍ وَفَرَاغِ قَلْبٍ. وَجَعْلُ يَدَيْهِ تَحْتَ صَدْرِهِ آخِذًا بِيَمِينِهِ يَسَارَهُ. وَالدُّعَاءُ فِي سُجُودِهِ. وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ مِنَ السُّجُودِ وَالْقُعُودِ عَلَى يَدَيْهِ. وَتَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ.§ وَالذِّكْرُ بَعْدَهَا. وَأَنْ يَنْتَقِلَ لِلنَّفْلِ مِنْ مَوْضِعِ فَرْضِهِ، وَأَفْضَلُهُ: إِلَى بَيْتِهِ. وَإِذَا صَلَّى وَرَاءَهُمْ نِسَاءٌ مَكَثُوا حَتَّى يَنْصَرِفْنَ، وَأَنْ يَنْصَرِفَ فِي جِهَةِ حَاجَتِهِ، وَإِلَّا فَيَمِينَهُ. وَتَنْقَضِي الْقُدْوَةُ بِسَلَامِ الْإِمَامِ، فَلِلْمَأْمُومِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِدُعَاءٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ يُسَلِّمُ، وَلَوِ اقْتَصَرَ إِمَامُهُ عَلَى تَسْلِيمَةٍ سَلَّمَ ثِنْتَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§

بَابٌ

شُرُوطُ الصَّلَاةِ خَمْسَةٌ: مَعْرِفَةُ الْوَقْتِ، وَالِاسْتِقْبَالُ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ. وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ: مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ، وَكَذَا الْأَمَةُ فِي الْأَصَحِّ، وَالحُرَّةِ: مَا سِوَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَشَرْطُهُ: مَا مَنَعَ إِدْرَاكَ لَوْنِ الْبَشْرَةِ، وَلَوْ طِينٌ وَمَاءٌ كَدِرٌ، وَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ التَّطَيُّنِ عَلَى فَاقِدِ الثَّوْبِ. وَيَجِبُ: سَتْرُ أَعْلَاهُ وَجَوَانِبِهِ لَا أَسْفَلِهِ، فَلَوْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ جَيْبِهِ فِي رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَكْفِ، فَلْيَزُرُّهْ أَوْ يَشُدَّ وَسْطَهُ، وَلَهُ سَتْرُ بَعْضِهَا بِيَدِهِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ كَافِيَ سَوْأَتَيْهِ تَعَيَّنَ لَهُمَا، أَوْ أَحَدِاهِمَا فَقُبُلَهُ، وَقِيلَ: دُبُرَهُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ.§ وَطَهَارَةُ الحَدَثِ، فَإِنْ سَبَقَهُ بَطَلَتْ. وَفِي الْقَدِيمِ: يَبْنِي، وَيَجْرِيَانِ فِي كُلِّ مُنَاقِضٍ عَرَضَ بِلَا تَقْصِيرٍ، وَتَعَذَّرَ دَفْعُهُ فِي الحَالِ، فَإِنْ أَمْكَنَ بِأَنْ كَشَفَتْهُ رِيحٌ فَسَتَرَ فِي الحَالِ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ فَرَغَتْ مُدَّةُ خُفٍّ فِيهَا بَطَلَتْ. وَطَهَارَةُ النَّجَسِ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالمَكَانِ، وَلَوِ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ اجْتَهَدَ، وَلَوْ نَجُسَ بَعْضُ ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ وَجُهِلَ وَجَبَ غَسْلُ كُلِّهِ، فَلَوْ ظَنَّ طَرَفًا لَمْ يَكْفِ غَسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ،§ وَلَوْ غَسَلَ نِصْفَ نَجِسٍ ثُمَّ بَاقِيَهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِنْ غَسَلَ مَعَ بَاقِيهِ مُجَاوِرَهُ طَهُرَ كُلُّهُ، وَإِلَّا فَغَيْرُ المُنْتَصِفِ. وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مُلَاقٍ بَعْضُ لِبَاسِهِ نَجَاسَةً وَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ بِحَرَكَتِهِ، وَلَا قَابِضٍ طَرَفَ شَيْءٍ عَلَى نَجِسٍ إِنْ تَحَرَّكَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَتَحَرَّكْ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ جَعَلَهُ تَحْتَ رِجْلِهِ صَحَّتْ مُطْلَقًا. وَلَا يَضُرُّ نَجِسٌ يُحَاذِي صَدْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجِسٍ لِفَقْدِ الطَّاهِرِ فَمَعْذُورٌ، وَإِلَّا وَجَبَ نَزْعُهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا ظَاهِرًا، قِيلَ: وَإِنْ خَافَ، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يُنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ.§ وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ، وَلَوْ حَمَلَ مُسْتَجْمِرًا بَطَلَتْ فِي الْأَصَحِّ. وَطِينُ الشَّارِعِ المُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ يُعْفَى عَنْهُ عَمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا، وَيَخْتَلِفُ بِالْوَقْتِ وَمَوْضِعِهِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ. وَعَنْ قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَوَنِيمِ الذُّبَابِ، وَالْأَصَحُّ: لَا يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ، وَلَا قَلِيلٍ انْتَشَرَ بِعَرَقٍ، وَتُعْرَفُ الْكَثْرَةُ بِالْعَادَةِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ: الْعَفْوُ مُطْلَقًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَدَمُ الْبَثَرَاتِ كَالْبَرَاغِيثِ، وَقِيلَ: إِنْ عَصَرَهُ فَلَا. وَالدَّمَامِيلُ وَالْقُرُوحُ وَمَوْضِعُ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ، قِيلَ: كَالْبَثَرَاتِ.§ وَالْأَصَحُّ: إِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَدُومُ غَالِبًا فَكَالِاسْتِحَاضَةِ، وَإِلَّا فَكَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَا يُعْفَى، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهَا كَالْبَثَرَاتِ، وَالْأَظْهَرُ: الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ دَمِ الْأَجْنَبِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ كَالدَّمِ، وَكَذَا مَاءُ الْقُرُوحِ وَالمُتَنَفِّطِ الَّذِي لَهُ رِيحٌ، وَكَذَا بِلَا رِيحٍ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: المَذْهَبُ: طَهَارَتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ صَلَّى بِنَجِسٍ لَمْ يَعْلَمْهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الجَدِيدِ، وَإِنْ عَلِمَ ثُمَّ نَسِيَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى المَذْهَبِ.§

فَصْلٌ

تَبْطُلُ بِالنُّطْقِ بِحَرْفَيْنِ، أَوْ حَرْفٍ مُفْهِمٍ، وَكَذَا مَدَّةٌ بَعْدَ حَرْفٍ فِي الْأَصَحِّ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ التَّنَحْنُحَ وَالضَّحِكَ وَالْبُكَاءَ وَالْأَنِينَ وَالنَّفْخَ إِنْ ظَهَرَ بِهِ حَرْفَانِ بَطَلَتْ، وَإِلَّا فَلَا. وَيُعْذَرُ فِي يَسِيرِ الْكَلَامِ إِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ، أَوْ نَسِيَ الصَّلَاةَ، أَوْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ إِنْ قَرُبَ عَهْدُهُ بِالْإِسْلَامِ، لَا كَثِيرِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي التَّنَحْنُحِ وَنَحْوِهِ لِلْغَلَبَةِ وَتَعَذُّرِ الْقِرَاءَةِ، لَا الجَهْرِ فِي الْأَصَحِّ.§ وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلَامِ بَطَلَتْ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ نَطَقَ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ بِقَصْدِ التَّفْهِيمِ كَـ{يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ} إِنْ قَصَدَ مَعَهُ قِرَاءَةً لَمْ تَبْطُلْ، وَإِلَّا بَطَلَتْ. وَلَا تَبْطُلُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ إِلَّا أَنْ يُخَاطِبَ كَقَوْلِهِ لِعَاطِسٍ: (يَرْحَمُكَ اللهُ). وَلَوْ سَكَتَ طَوِيلًا بِلَا غَرَضٍ لَمْ تَبْطُلْ فِي الْأَصَحِّ. وَيُسَنُّ لِمَنْ نَابَهُ شَيْءٌ كَتَنْبِيهِ إِمَامِهِ وَإِذْنِهِ لِدَاخِلٍ وَإِنْذَارِهِ أَعْمَى أَنْ يُسَبِّحَ، وَتُصَفِّقَ المَرْأَةُ بِضَرْبِ الْيَمِينِ عَلَى ظَهْرِ الْيَسَارِ.§ وَلَوْ فَعَلَ فِي صَلَاتِهِ غَيْرَهَا، إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهَا بَطَلَتْ إِلَّا أَنْ يَنْسَى، وَإِلَّا فَتَبْطُلُ بِكَثِيرِهِ لَا قَلِيلِهِ، وَالْكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ، فَالخَطْوَتَانِ أَوِ الضَّرْبَتَانِ قَلِيلٌ، وَالثَّلَاثُ كَثِيرٌ إِنْ تَوَالَتْ. وَتَبْطُلُ بِالْوَثْبَةِ الْفَاحِشَةِ، لَا الحَرَكَاتِ الخَفِيفَةِ المُتَوَالِيَةِ كَتَحْرِيكِ أَصَابِعِهِ فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكٍّ فِي الْأَصَحِّ. وَسَهْوُ الْفِعْلِ الكَثِيرِ كَعَمْدِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَتَبْطُلُ بِقَلِيلِ الْأُكْلِ. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا تَحْرِيمَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَلَوْ كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ، فَبَلِعَ ذَوْبَهَا بَطَلَتْ فِي الْأَصَحِّ.§ وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إِلَى جِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ أَوْ عَصًا مَغْرُوزَةٍ أَوْ بَسَطَ مُصَلًّى أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ دَفْعُ المَارِّ، وَالصَّحِيحُ: تَحْرِيمُ المُرُورِ حِينَئِذٍ. قُلْتُ: يُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ لَا لِحَاجَةٍ، وَرَفْعُ بَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَفُّ شَعْرِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَالْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ، وَالصَّلَاةُ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا، أَوْ بَحَضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَبْصُقَ قِبَلَ وَجْهِهِ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ، وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ، وَالمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّأْسِ فِي رُكُوعِهِ، وَالصَّلَاةُ فِي الحَمَّامِ وَالطَّرِيقِ وَالمَزْبَلَةِ وَالْكَنِيسَةِ وَعَطَنِ الْإِبِلِ وَالمَقْبَرَةِ الطَّاهِرَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§

بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ

سُجُودُ السَّهْوِ: سُنَّةٌ عِنْدَ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ أَوْ فِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ. فَالْأَوَّلُ إِنْ كَانَ رُكْنًا وَجَبَ تَدَارُكُهُ، وَقَدْ يُشْرَعُ السُّجُودُ كَزِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِتَدَارُكِ رُكْنٍ كَمَا سَبَقَ فِي التَّرْتِيبِ، أَوْ بَعْضًا؛ وَهُوَ: الْقُنُوتُ، أَوْ قِيَامُهُ، أَوِ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ، أَوْ قُعُودُهُ، وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ فِي الْأَظْهَرِ سَجَدَ، وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَ عَمْدًا فَلَا. قُلْتُ: وَكَذَا الصَّلَاةُ عَلَى الْآلِ حَيْثُ سَنَنَّاهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا تُجْبَرُ سَائِرُ السُّنَنِ.§ وَالثَّانِي: إِنْ لَمْ يُبْطِلْ عَمْدُهُ كَالِالْتِفَاتِ وَالخَطْوَتَيْنِ لَمْ يَسْجُدْ لِسَهْوِهِ، وَإِلَّا سَجَدَ إِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِسَهْوِهِ كَكَلَامٍ كَثِيرٍ فِي الْأَصَحِّ. وَتَطْوِيلُ الرُّكْنِ الْقَصِيرِ يُبْطِلُ عَمْدُهُ فِي الْأَصَحِّ فَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، فَالِاعْتِدَالُ قَصِيرٌ، وَكَذَا الجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا قَوْلِيًّا كَـ(فَاتِحَةٍ) فِي رُكُوعٍ أَوْ تَشَهُّدٍ لَمْ تَبْطُلْ بِعَمْدِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَسْجُدُ لِسَهْوِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ قَوْلِنَا: مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ.§ وَلَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، فَذَكَرَهُ بَعْدَ انْتِصَابِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ، فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ بَطَلَتْ، أَوْ نَاسِيًا فَلَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، أَوْ جَاهِلًا فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ، وِلِلْمَأْمُومِ الْعَوْدُ لِمُتَابَعَةِ إِمَامِهِ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ تَذَكَّرَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ: عَادَ لِلتَّشَهُّدِ، وَيَسْجُدُ إِنْ كَانَ صَارَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ. وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا فَعَادَ: بَطَلَتْ إِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ. وَلَو نَسِيَ قُنُوتًا: فَذَكَرَهُ فِي سُجُودِهِ لَمْ يَعُدْ لَهُ، أَوْ قَبْلَهُ عَادَ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إِنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ.§ وَلَوْ شَكَّ: فِي تَرْكِ بَعْضٍ سَجَدَ، أَوِ ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ فَلَا. وَلَوْ سَهَا وَشَكَّ: هَلْ سَجَدَ فَلْيَسْجُدْ. وَلَوْ شَكَّ: أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا أَتَى بِرَكْعَةٍ وَسَجَدَ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يُصَلِّيهِ مُتَرَدِّدًا وَاحْتَمَلَ كَوْنُهُ زَائِدًا. وَلَا يَسْجُدُ لِمَا يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ إِذَا زَالَ شَكُّهُ. مِثَالُهُ: شَكَّ فِي الثَّالِثَةِ: أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ؟ فَتَذَكَّرَ فِيهَا لَمْ يَسْجُدْ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ سَجَدَ.§ وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ لَمْ يُؤَثِّرْ عَلَى المَشْهُورِ. وَسَهْوُهُ حَالَ قُدْوَتِهِ يَحْمِلُهُ إِمَامُهُ، فَلَوْ ظَنَّ سَلَامَهُ فَسَلَّمَ، فَبَانَ خِلَافُهُ سَلَّمَ مَعَهُ وَلَا سُجُودَ. وَلَوْ ذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ رُكْنٍ غَيْرِ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرَةِ قَامَ بَعْدَ سَلَامِ إِمَامِهِ إِلَى رَكْعَتِهِ وَلَا يَسْجُدُ. وَسَهْوُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ لَا يَحْمِلُهُ، فَلَوْ سَلَّمَ المَسْبُوقُ بِسَلَامِ إِمَامِهِ بَنَى وَسَجَدَ وَيَلْحَقُهُ سَهْوُ إِمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِلَّا فَيَسْجُدُ عَلَى النَّصِّ.§ وَلَوِ اقْتَدَى مَسْبُوقٌ بِمَنْ سَهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الْأَصَحِّ؛ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُ، ثُمَّ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ سَجَدَ آخِرَ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى النَّصِّ. وَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ كَثُرَ سَجْدَتَانِ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ، وَالجَدِيدُ: أَنَّ مَحَلَّهُ بَيْنَ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ. فَإِنْ سَلَّم عَمْدًا فَاتَ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ سَهْوًا وَطَالَ الْفَصْلُ فَاتَ فِي الجَدِيدِ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى النَّصِّ. وَإِذَا سَجَدَ صَارَ عَائِدًا إِلَى الصَّلَاةِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَو سَهَا إِمَامُ الجُمُعَةِ وَسَجَدُوا فَبَانَ فَوْتُهَا أَتَمُّوا ظُهْرًا وَسَجَدُوا. وَلَوْ ظَنَّ سَهْوًا فَسَجَدَ فَبَانَ عَدَمُهُ سَجَدَ فِي الْأَصَحِّ.§

بَابٌ

تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ، وَهُنَّ فِي الجَدِيدِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ؛ مِنْهَا سَجْدَتَا (الحَجِّ) لَا (ص) بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ تُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَتَحْرُمُ فِيهَا فِي الْأَصَحِّ. وَتُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَالمُسْتَمِعِ، وَتَتَأَكَّدُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ. قُلْتُ: وَتُسَنُّ لِلسَّامِعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ سَجَدَ الْإِمَامُ وَالمُنْفَرِدُ لِقِرَاءَتِهِ فَقَطْ، وَالمَأْمُومُ لِسَجْدَةِ إِمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ إِمَامُهُ فَتَخَلَّفَ، أَوِ انْعَكَسَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.§ وَمَنْ سَجَدَ خَارِجَ الصَّلَاةِ نَوَى وَكَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ لِلْهُوِيِّ بِلَا رَفْعٍ، وَسَجَدَ كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَرَفَعَ مُكَبِّرًا وَسَلَّمَ. وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ شَرْطٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا السَّلَامُ فِي الْأَظْهَرِ، وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ. وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا كَبَّرَ لِلْهَوِيِّ وَلِلرَّفْعِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ. قُلْتُ: وَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَقُولُ: (سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ).§ وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي مَجْلِسَيْنِ سَجَدَ لِكُلٍّ، وَكَذَا المَجْلِسُ فِي الْأَصَحِّ، وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ، وَرَكْعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَطَالَ الْفَصْلِ لَمْ يَسْجُدْ. وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لَا تَدْخُلُ الصَّلَاةَ. وَتُسَنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلَىً أَوْ عَاصٍ، وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي لَا لِلْمُبْتَلَى. وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ. وَالْأَصَحُّ: جَوَازُهُمَا عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنْ سَجَدَ لِتِلَاوَةِ صَلَاةٍ جَازَ عَلَيْهَا قَطْعًا.§

بَابٌ

صَلَاةُ النَّفْلِ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً: فَمِنْهُ: الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ وَهِيَ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَكَذَا بَعْدَهَا، وَبَعْدَ المَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ، وَقِيلَ: لَا رَاتِبَةَ لِلْعِشَاءِ، وَقِيلَ: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقِيلَ: وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا، وَقِيلَ: وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ. وَالجَمِيعُ سُنَّةٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرَّاتِبِ المُؤَكَّدِ، وَقِيلَ: رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ المَغْرِبِ. قُلْتُ: هُمَا سُنَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ فَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» الْأَمْرُ بِهِمَا، وَبَعْدَ الجُمُعَةِ أَرْبَعٌ، وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ وَمِنْهُ: الْوِتْرُ. وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ. وَأَكْثَرُهُ: إِحْدَى عَشْرَةَ، وَقِيلَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَلِمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ الْفَصْلُ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ، أَوْ تَشَهُّدَيْنِ فِي الْآخِرَتَيْنِ. وَوَقْتُهُ: بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَقِيلَ: شَرْطُ الْإِيتَارِ بِرَكْعَةٍ: سَبْقُ نَفْلٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ. وَيُسَنُّ جَعْلُهُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ لَمْ يُعِدْهُ، وَقِيلَ: يُشْفِعْهُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يُعِيدُهُ. وَيُنْدَبُ الْقُنُوتُ آخِرَ وِتْرِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: كُلَّ السَّنَةِ. وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ، وَيَقُولُ قَبْلَهُ: (اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ…) إِلَى آخِرِهِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: بَعْدَهُ، وَأَنَّ الجَمَاعَةَ تُنْدَبُ فِي الْوِتْرِ عَقِبَ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ وَمِنْهُ: الضُّحَى. وَأَقَلُّهَا: رَكْعَتَانِ. وَأَكْثَرُهَا: اثْنَتَا عَشْرَةَ. وَتَحِيَّةُ المَسْجِدِ رَكْعَتَانِ، وَتَحْصُلُ بِفَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ آخَرَ، لَا بِرَكْعَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْتُ: وَكَذَا الْجَنَازَةُ، وَسَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ، وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ فِي الْأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ، وَبَعْدَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ النَّوْعَانِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ. وَلَوْ فَاتَ النَّفْلُ المُؤَقَّتُ نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الْأَظْهَرِ.§ وَقِسْمٌ يُسَنُّ جَمَاعَةً كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً، لَكِنِ الْأَصَحُّ: تَفْضِيلُ الرَّاتِبَةِ عَلَى التَّرَاوِيحِ، وَأَنَّ الجَمَاعَةَ تُسَنُّ فِي التَّرَاوِيحِ. وَلَا حَصْرَ لِلنَّفْلِ المُطْلَقِ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: مَنْعُهُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ وَإِذَا نَوَى عَدَدًا فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ بِشَرْطِ تَغْيِيرِ النِّيَّةِ قَبْلَهُمَا، وَإِلَّا فَتَبْطُلُ. فَلَوْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ إِلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ لِلزِّيَادَةِ إِنْ شَاءَ. قُلْتُ: نَفْلُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ، وَأَوْسَطُهُ أَفْضَلُ، ثُمَّ آخِرُهُ، وَأَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُسَنُّ التَّهَجُّدُ. وَيُكْرَهُ قِيَامُ كُلِّ اللَّيْلِ دَائِمًا، وَتَخْصِيصُ لَيْلَةِ الجُمُعَةِ بِقِيَامٍ، وَتَرْكُ تَهَجُّدٍ اعْتَادَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§

كِتَابُ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ

هِيَ فِي الْفَرَائِضِ غَيْرَ الجُمُعَةِ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ لِلرِّجَالِ. فَتَجِبُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ الشِّعَارُ فِي الْقَرْيَةِ، فَإِنِ امْتَنَعُوا كُلُّهُمْ قُوتِلُوا، وَلَا يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ لِلنِّسَاءِ تَأَكُّدَهُ لِلرِّجَالِ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ المَنْصُوصُ: أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: فَرْضُ عَيْنٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي المَسْجِدِ لِغَيْرِ المَرْأَةِ أَفْضَلُ، وَمَا كَثُرَ جَمْعُهُ أَفْضَلُ إِلَّا لِبِدْعَةِ إِمَامِهِ أَوْ تَعَطَّلَ مَسْجِدٌ قَرِيبٌ لِغَيْبَتِهِ.§ وَإِدْرَاكُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَضِيلَةٌ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالِاشْتِغَالِ بِالتَّحَرُّمِ عَقِبَ تَحَرُّمِ إِمَامِهِ، وَقِيلَ: بِإِدْرَاكِ بَعْضِ الْقِيَامِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ رُكُوعٍ. وَالصَّحِيحُ: إِدْرَاكُ الجَمَاعَةِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ. وَلْيُخَفِّفِ الْإِمَامُ مَعَ فِعْلِ الْأَبْعَاضِ وَالهَيْئَاتِ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِتَطْوِيلِهِ مَحْصُورُونَ. وَيُكْرَهُ التَّطْوِيلُ لِيَلْحَقَ آخَرُونَ، وَلَوْ أَحَسَّ فِي الرُّكُوعِ أَوِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ بِدَاخِلٍ لَمْ يُكْرَهِ انْتِظَارُهُ فِي الْأَظْهَرِ إِنْ لَمْ يُبَالِغْ فِيهِ، وَلَمْ يَفْرُقْ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ. قُلْتُ: المَذْهَبُ: اسْتِحْبَابُ انْتِظَارِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِهِمَا.§ وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي وَحْدَهُ وَكَذَا جَمَاعَةٌ فِي الْأَصَحِّ إِعَادَتُهَا مَعَ جَمَاعَةٍ يُدْرِكُهَا، وَفَرْضُهُ الْأُوْلَى فِي الجَدِيدِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ. وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا وَإِنْ قُلْنَا: سُنَّةٌ إِلَّا بِعُذْرٍ عَامٍّ كَمَطَرٍ أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ بِاللَّيْلِ، وَكَذَا وَحَلٌ شَدِيدٌ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ خَاصٍّ كَمَرَضٍ وَحَرٍّ وَبَرْدٍ شَدِيدَيْنِ وَجُوعٍ وَعَطَشٍ ظَاهِرَيْنِ وَمُدَافَعَةِ حَدَثٍ وَخَوْفِ ظَالِمٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَمُلَازَمَةِ غَرِيمِ مُعْسِرٍ وَعُقُوبَةٍ يُرْجَى تَرْكُهَا إِنْ تَغَيَّبَ أَيَّامًا وَعُرْىٍ وَتَأَهُّبٍ لِسَفَرٍ مَعَ رُفْقَةٍ تَرْحَلُ وَأَكْلِ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ وَحُضُورِ قَرِيبٍ مُحْتَضَرٍ أَوْ مَرِيضٍ بِلَا مُتَعَهِّدٍ أَوْ يَأْنَسُ بِهِ.§

فَصْلٌ

لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ أَوْ يَعْتَقِدُهُ كَمُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِبْلَةِ أَوْ إِنَاءَيْنِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الطَّاهِرُ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ إِنَاءُ الْإِمَامِ لِلنَّجَاسَةِ، فَإِنْ ظَنَّ طَهَارَةَ إِنَاءِ غَيْرِهِ اقْتَدَى بِهِ قَطْعًا، فَلَوِ اشْتَبَهَ خَمْسَةٌ فِيهَا نَجِسٌ عَلَى خَمْسَةٍ، فَظَنَّ كُلٌّ طَهَارَةَ إِنَاءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، وَأَمَّ كُلٌّ فِي صَلَاةٍ فَفِي الْأَصَحِّ يُعِيدُونَ الْعِشَاءَ إِلَّا إِمَامَهَا فَيُعِيدُ المَغْرِبَ.§ وَلَوِ اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ مَسَّ فَرْجَهُ أَوِ افْتَصَدَ فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ فِي الْفَصْدِ دُونَ المَسِّ اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ المُقْتَدِي. وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةٌ بِمُقْتَدٍ، وَلَا بِمَنْ تَلْزَمُهُ إِعَادَةٌ كَمُقِيمٍ تَيَمَّمَ، وَلَا قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ فِي الجَدِيدِ وَهُوَ: مَنْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ أَوْ تَشْدِيدَةٍ مِنَ الْفَاتِحَةِ، وَمِنْهُ: أَرَتُّ يُدْغِمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَأَلْثَغُ يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، وَتَصِحُّ بِمِثْلِهِ. وَتُكْرَهُ بِالتَّمْتَامِ وَالْفَأْفَاءِ وَاللَّاحِنِ، فَإِنْ غَيَّرَ مَعْنًى كَـ(أَنْعَمْتُ) بِضَمٍّ أَوْ كَسْرٍ أَبْطَلَ صَلَاةَ مَنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ،§ فَإِنْ عَجَزَ لِسَانُهُ، أَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إِمْكَانِ تَعَلُّمِهِ فَإِنْ كَانَ فِي الْفَاتِحَةِ فَكَأُمِّيٍّ، وَإِلَّا فَتَصِحُّ صَلَاتُه ُوَالْقُدْوَةُ بِهِ. وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةُ رَجُلٍ وَلَا خُنْثَى بِامْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى. وَلَا تَصِحُّ لِلْمُتَوَضِّئِ بِالمُتَيَمِّمِ وَبِمَاسِحِ الخُفِّ، وَلِلْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ وَالمُضْطَجِعِ، وَلِلْكَامِلِ بِالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ. وَالْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ سَوَاءٌ عَلَى النَّصِّ. وَالْأَصَحُّ: صِحَّةُ قُدْوَةِ السَّلِيمِ بِالسَّلِسِ، وَالطَّاهِرِ بِالمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ المُتَحَيِّرَةِ.§ وَلَوْ بَانَ إِمَامُهُ امْرَأَةً، أَوْ كَافِرًا مُعْلِنًا، قِيلَ: أَوْ مُخْفِيًا وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ، لَا جُنُبًا، وَذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ المَنْصُوصُ وَهُوَ قَوْلُ الجُمْهُورِ: أَنَّ مُخْفِيَ الْكُفْرِ هُنَا كَمُعْلِنِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْأُمِّيُّ كَالمَرْأَةِ فِي الْأَصَحِّ.§ وَلَوِ اقْتَدَى بِخُنْثَى، فَبَانَ رَجُلًا لَمْ يَسْقُطِ الْقَضَاءُ فِي الْأَظْهَرِ، وَالْعَدْلُ أَوْلَى مِنَ الْفَاسِقِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْأَفْقَهَ أَوْلَى مِنَ الْأَقْرَأِ وَالْأَوْرَعِ. وَيُقَدَّمُ الْأَفْقَهُ وَالْأَقْرَأُ عَلَى الْأَسَنِّ النَّسِيبِ، وَالجَدِيدُ: تَقْدِيمُ الْأَسَنِّ عَلَى النَّسِيبِ. فَإِنِ اسْتَوَيَا فَبِنَظَافَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَحُسْنُ الصَّوْتِ، وَطِيبِ الصَّنْعَةِ، وَنَحْوِهَا. وَمُسْتَحِقُّ المَنْفَعَةِ بِمِلْكٍ وَنَحْوِهِ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا فَلَهُ التَّقْدِيمُ، وَيُقَدَّمُ عَلَى عَبْدِهِ السَّاكِنِ، لَا مُكَاتَبِهِ فِي مِلْكِهِ. وَالْأَصَحُّ: تَقْدِيمُ المُكْتَرِي عَلَى المُكْرِي، وَالمُعِيرِ عَلَى المُسْتَعِيرِ. وَالْوَالِي فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ أَوْلَى مِنَ الْأَفْقَهِ وَالمَالِكِ.§

فَصْلٌ

لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى إِمَامِهِ فِي المَوْقِفِ فَإِنْ تَقَدَّمَ بَطَلَتْ فِي الجَدِيدِ. وَلَا تَضُرُّ مُسَاوَاتُه، وَيُنْدَبُ تَخَلُّفُهُ قَلِيلًا، وَالِاعْتِبَارُ بِالْعَقِبِ. وَيَسْتَدِيرُونَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ أَقْرَبَ إِلَى الْكَعْبَةِ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْإِمَامِ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَا فِي الْكَعْبَةِ وَاخْتَلَفَتْ جِهَتَاهُمَا. وَيَقِفُ الذَّكَرُ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنْ حَضَرَ آخَرُ أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ، أَوْ يَتَأَخَّرَانِ وَهُوَ أَفْضَلُ.§ وَلَوْ حَضَرَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ صَفَّا خَلْفَهُ، وَكَذَا امْرَأَةٌ أَوْ نِسْوَةٌ. وَيَقِفُ خَلْفَهُ الرِّجَالُ، ثُمَّ الصِّبْيَانُ، ثُمَّ النِّسَاءُ. وَتَقِفُ إِمَامَتُهُنَّ وَسْطَهُنَّ. وَيُكْرَهُ وُقُوفُ المَأْمُومِ فَرْدًا، بَلْ يَدْخُلُ الصَّفَّ إِنْ وَجَدَ سَعَةً، وَإِلَّا فَلْيَجُرَّ شَخْصًا بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَلْيُسَاعِدْهُ المَجْرُورُ. وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِانْتِقَالَاتِ الْإِمَامِ، بِأَنْ يَرَاهُ أَوْ بَعْضَ صَفٍّ، أَوْ يَسْمَعَهُ أَوْ مُبَلِّغًا. وَإِذَا جَمَعَهُمَا مَسْجِدٌ صَحَّ الِاقْتِدَاءُ وَإِنْ بَعُدَتِ المَسَافَةُ وَحَالَتْ أَبْنِيَةٌ.§ وَلَوْ كَانَا بِفَضَاءٍ شُرِطَ أَلَّا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثِمَئَةِ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا، وَقِيلَ: تَحْدِيدًا. فَإِنْ تَلَاحَقَ شَخْصَانِ أَوْ صَفَّانِ اعْتُبِرَتِ المَسَافَةُ بَيْنَ الْأَخِيرِ وَالْأَوَّلِ. وَسَوَاءٌ الْفَضَاءُ المَمْلُوكُ وَالْوَقْفُ وَالمُبَعَّضُ. وَلَا يَضُرُّ الشَّارِعُ المَطْرُوقُ وَالنَّهَرُ المُحْوِجُ إِلَى سِبَاحَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ كَانَا فِي بِنَاءَيْنِ كَصَحْنٍ وَصُفَّةٍ أَوْ بَيْتٍ فَطَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا: إِنْ كَانَ بِنَاءُ المَأْمُومُ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا وَجَبَ اتِّصَالُ صَفٍّ مِنْ أَحَدِ الْبِنَاءَيْنِ بِالْآخَرِ، وَلَا تَضُرُّ فُرْجَهٌ لَا تَسَعُ وَاقِفًا فِي الْأَصَحِّ.§ وَإِنْ كَانَ خَلْفَ بِنَاءِ الْإِمَامِ فَالصَّحِيحُ صِحَّةُ الْقُدْوَةِ بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ إِلَّا الْقُرْبُ كَالْفَضَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَائِلٌ أَوْ حَالَ بَابٌ نَافِذٌ. فَإِنْ حَالَ مَا يَمْنَعُ المُرُورَ لَا الرُّؤْيَةَ فَوَجْهَانِ، أَوْ جِدَارٌ بَطَلَتْ بِاتِّفَاقِ الطَّرِيقَيْنِ. قُلْتُ: الطَّرِيقُ الثَّانِي أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ فِي بِنَاءٍ آخَرَ صَحَّ اقْتِدَاءُ مَنْ خَلْفَهُ وَإِنْ حَالَ جِدَارٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ.§ وَلَوْ وَقَفَ فِي عُلْوٍ وَإِمَامُهُ فِي سُفْلٍ أَوْ عَكْسِهِ شُرِطَ مُحَاذَاةُ بَعْضِ بَدَنِهِ بَعْضَ بَدَنِهِ. وَلَوْ وَقَفَ فِي مَوَاتٍ وَإِمَامُهُ فِي مَسْجِدٍ، فَإِنْ لَمْ يَحُلْ شَيْءٌ فَالشَّرْطُ التَّقَارُبُ مُعْتَبَرًا مِنْ آخِرِ المَسْجِدِ، وَقِيلَ: مِنْ آخِرِ صَفٍّ، وَإِنْ حَالَ جِدَارٌ أَوْ بَابٌ مُغْلَقٌ مَنَعَ، وَكَذَا الْبَابُ المَرْدُودُ وَالشُّبَّاكُ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: يُكْرَهُ ارْتِفَاعُ المَأْمُومِ عَلَى إِمَامِهِ، وَعَكْسُهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ فَيُسْتَحَبُّ، وَلَا يَقُومُ حَتَّى يَفْرُغَ المُؤَذِّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ، وَلَا يَبْتَدِئُ نَفْلًا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَتَمَّهُ إِنْ لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الجَمَاعَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§

فَصْلٌ

شَرْطُ الْقُدْوَةِ: أَنْ يَنْوِيَ المَأْمُومُ مَعَ التَّكْبِيرِ الِاقْتِدَاءَ أَوِ الجَمَاعَةَ وَالجُمُعَةُ كَغَيْرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، فَلَوْ تَرَكَ هَذِهِ النِّيَّةَ، وَتَابَعَهُ فِي الْأَفْعَالِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْإِمَامِ، فَإِنْ عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْإِمَامِ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ، بَلْ تُسْتَحَبُّ، فَلَوْ أَخْطَأَ فِي تَعْيِينِ تَابِعِهِ لَمْ يَضُرَّ. وَتَصِحُّ قُدْوَةُ المُؤَدِّي بِالْقَاضِي، وَالمُفْتَرِضِ بِالمُتَنَفِّلِ، وَفِي الظُّهْرِ بِالْعَصْرِ وبِالْعُكُوسِ، وَكَذَا الظُّهْرُ بِالصُّبْحِ وَالمَغْرِبِ، وَهُوَ كَالمَسْبُوقِ،§ وَلَا تَضُرُّ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِي الْقُنُوتِ وَالجُلُوسِ الْأَخِيرِ فِي المَغْرِبِ، وَلَهُ فِرَاقُهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِهِمَا. وَتَجُوزُ الصُّبْحُ خَلْفَ الظُّهْرِ فِي الْأَظْهَرِ، فَإِذَا قَامَ لِلثَّالِثَةِ: فَإِنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. قُلْتُ: انْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقُنُوتُ فِي الثَّانِيَةِ قَنَتَ وَإِلَّا تَرَكَهُ، وَلَهُ فِرَاقُهُ لِيَقْنُتَ. فَإِنِ اخْتَلَفَ فِعْلُهُمَا كَمَكْتُوبَةٍ وَكُسُوفٍ أَوْ جَنَازَةٍ لَمْ تَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ.§

فَصْلٌ

تَجِبُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بِأَنْ يَتَأَخَّرَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ عَنِ ابْتِدَائِهِ، وَيَتَقَدَّمَ عَلَى فَرَاغِهِ مِنْهُ، فَإِنْ قَارَنَهُ لَمْ يَضُرَّ إِلَّا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ. وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنِ بِأَنْ فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْهُ وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُ لَمْ تَبْطُلْ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ بِرُكْنَيْنِ بِأَنْ فَرَغَ مِنْهُمَا وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ بَطَلَتْ. وَإِنْ كَانَ بِأَنْ أَسْرَعَ قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ قَبْلَ إِتْمَامِ المَأْمُومِ الْفَاتِحَةَ، فَقِيلَ: يَتْبَعُهُ وَتَسْقُطُ الْبَقِيَّةُ، وَالصَّحِيحُ: يُتِمُّهَا وَيَسْعَى خَلْفَهُ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مَقْصُودَةٍ وَهِيَ الطَّوِيلَةُ فَإِنْ سُبِقَ بِأَكْثَرَ، فَقِيلَ: يُفَارِقُهُ، وَالْأَصَحُّ: يَتْبَعُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ، ثُمَّ يَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ.§ وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ الْفَاتِحَةَ لِشَغْلِهِ بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ فَمَعْذُورٌ، هَذَا كُلُّهُ فِي المُوَافِقِ، فَأَمَّا مَسْبُوقٌ رَكَعَ الْإِمَامُ فِي فَاتِحَتِهِ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ تَرَكَ قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ، وَهُوَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ قِرَاءَةٌ بِقَدْرِهِ. وَلَا يَشْتَغِلُ المَسْبُوقُ بِسُنَّةٍ بَعْدَ التَّحَرُّمِ، بَلِ بِـ(الْفَاتِحَةِ) إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ إِدْرَاكَهَا.§ وَلَوْ عَلِمَ المَأْمُومُ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ تَرَكَ الْفَاتِحَةَ أَوْ شَكَّ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا، بَلْ يُصَلِّي رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ. فَلَوْ عَلِمَ أَوْ شَكَّ وَقَدْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَرْكَعْ هُوَ قَرَأَهَا وَهُوَ مُتَخَلِّفٌ بِعُذْرٍ، وَقِيلَ: يَرْكَعُ وَيَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ. وَلَوْ سَبَقَ إِمَامَهُ بِالتَّحَرُّمِ لَمْ تَنْعَقِدْ أَوْ بِـ(الْفَاتِحَةِ) أَوِ التَّشَهُّدِ لَمْ يَضُرَّهُ وَيُجْزِئُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ إِعَادَتُهُ. وَلَوْ تَقَدَّمَ بِفِعْلٍ كَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ إِنْ كَانَ بِرُكْنَيْنِ بَطَلَتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِرُكْنٍ.§

فَصْلٌ

خَرَجَ الْإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ انْقَطَعَتِ الْقُدْوَةُ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقَطَعَهَا المَأْمُومُ جَازَ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِعُذْرٍ يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ. وَمِنَ الْعُذْرِ: تَطْوِيلِ الْإِمَامِ، أَوْ تَرْكُهُ سُنَّةً مَقْصُودَةً كَتَشَهُّدٍ. وَلَوْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ نَوَى الْقُدْوَةَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ جَازَ فِي الْأَظْهَرِ وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ يَتْبَعُهُ قَائِمًا كَانَ أَوْ قَاعِدًا،§ فَإِنْ فَرَغَ الْإِمَامُ أَوَّلًا فَهُوَ كَمَسْبُوقٍ أَوْ هُوَ، فَإِنْ شَاءَ فَارَقَهُ وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. وَمَا أَدْرَكَهُ المَسْبُوقُ فَأَوَّلُ صَلَاتِهِ، فَيُعِيدُ فِي الْبَاقِي الْقُنُوتَ، وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ المَغْرِبِ تَشَهَّدَ فِي ثَانِيَتِهِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ. قُلْتُ: بِشَرْطِ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ شَكَّ فِي إِدْرَاكِ حَدِّ الْإِجْزَاءِ لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ فِي الْأَظْهَرِ.§ وَيُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ، ثُمَّ لِلرُّكُوعِ، فَإِنْ نَوَاهُمَا بِتَكْبِيرَةٍ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ نَفْلًا. وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا شَيْئًا لَمْ تَنْعَقِدْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي اعْتِدَالِهِ فَمَا بَعْدَهُ انْتَقَلَ مَعَهُ مُكَبِّرًا. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُوَافِقُهُ فِي التَّشَهُّدِ وَالتَّسْبِيحَاتِ، وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي سَجْدَةٍ لَمْ يُكَبِّرْ لِلِانْتِقَالِ إِلَيْهَا. وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ المَسْبُوقُ مُكَبِّرًا إِنْ كَانَ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ، وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَصَحِّ.§

بَابُ صَلَاةِ المُسَافِرِ

إِنَّمَا تُقْصَرُ رُبَاعِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ المُبَاحِ لَا فَائِتَةُ الحَضَرِ. وَلَوْ قَضَى فَائِتَةَ السَّفَرِ فَالْأَظْهَرُ قَصْرُهُ فِي السَّفَرِ دُونَ الحَضَرِ. وَمَنْ سَافَرَ مِنْ بَلْدَةٍ فَأَوَّلُ سَفَرِهِ: مُجَاوَزَةُ سُورِهَا، فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ عِمَارَةٌ اشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَا يُشْتَرَطُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُورٌ فَأَوَّلُهُ: مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانِ، إِلَى الخَرَابِ وَالْبَسَاتِينِ، وَالْقَرْيَةُ كَبَلْدَةٍ.§ وَأَوَّلُ سَفَرِ سَاكِنِ الْخِيَامِ: مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ. وَإِذَا رَجَعَ انْتَهَى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَا شُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ ابْتِدَاءً. وَلَوْ نَوَى إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ انْقَطَعَ سَفَرُهُ بِوُصُولِهِ، وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَا دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ بِنِيَّةِ أَنْ يَرْحَلَ إِذَا حَصَلَتْ حَاجَةٌ يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ قَصَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقِيلَ: أَرْبَعَةً، وَفِي قَوْلٍ: أَبَدًا، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي خَائِفِ الْقِتَالِ، لَا التَّاجِرِ وَنَحْوِهِ. وَلَوْ عَلِمَ بَقَاءَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً فَلَا قَصْرَ عَلَى المَذْهَبِ.§

فَصْلٌ

طَوِيلُ السَّفَرِ: ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً. قُلْتُ: وَهُوَ مَرْحَلَتَانِ بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ، وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ، فَلَوْ قَطَعَ الْأَمْيَالَ فِيهِ فِي سَاعَةٍ قَصَرَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوَّلًا، فَلَا قَصْرَ لِلْهَائِمِ وَإِنْ طَالَ تَرَدُّدُهُ، وَلَا طَالِبِ غَرِيمٍ وَآبِقٍ يَرْجِعُ مَتَى وَجَدَهُ وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ. وَلَوْ كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ: طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ، فَسَلَكَ الطَّوِيلَ لِغَرَضٍ كَسُهُولَةٍ أَوْ أَمْنٍ قَصَرَ، وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَظْهَرِ.§ وَلَوِ تَبِعَ الْعَبْدُ أَوِ الزَّوْجَةُ أَوِ الجُنْدِيُّ مَالِكَ أَمْرِهِ فِي السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُ مَقْصِدَهُ فَلَا قَصْرَ، فَلَوْ نَوَوْا مَسَافَةَ الْقَصْرِ قَصَرَ الجُنْدِيُّ دُونَهُمَا. وَمَنْ قَصَدَ سَفَرًا طَوِيلًا فَسَارَ ثُمَّ نَوَى رُجُوعًا انْقَطَعَ، فَإِنْ سَارَ فَسَفَرٌ جَدِيدٌ. وَلَا يَتَرَخَّصُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَآبِقٍ وَنَاشِزَةٍ، فَلَوْ أَنْشَأَ مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصِيَةً فَلَا تَرَخُّصَ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَنْشَأَهُ عَاصِيًا ثُمَّ تَابَ فَمُنشِيٌء للسَّفَرِ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ.§ وَلَوِ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ لَحْظَةً لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ. وَلَوْ رَعَفَ الْإِمَامُ المُسَافِرُ وَاسْتَخْلَفَ مُتِمًّا أَتَمَّ المُقْتَدُونَ، وَكَذَا لَوْ عَادَ الْإِمَامُ وَاقْتَدَى بِهِ. وَلَوْ لَزِمَ الْإِتْمَامُ مُقْتَدِيًا فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ أَوْ صَلَاةُ إِمَامِهِ أَوْ بَانَ إِمَامُهُ مُحْدِثًا أَتَمَّ. وَلَوِ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا فَبَانَ مُقِيمًا أَوْ بِمَنْ جَهِلَ سَفَرَهُ أَتَمَّ، وَلَوْ عَلِمَهُ مُسَافِرًا وَشَكَّ فِي نِيَّتِهِ قَصَرَ، وَلَوْ شَكَّ فِيهَا فَقَالَ: (إِنْ قَصَرَ قَصَرْتُ، وَإِلَّا أَتْمَمْتُ) قَصَرَ فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ لِلْقَصْرِ نِيَّتُهُ فِي الْإِحْرَامِ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ مُنَافِيهَا دَوَامًا،§ وَلَوْ أَحْرَمَ قَاصِرًا ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَقْصُرُ أَوْ يُتِمُّ أَوْ فِي أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ أَوْ قَامَ إِمَامُهُ لِثَالِثَةٍ فَشَكَّ هَلْ هُوَ مُتِمٌّ أَمْ سَاهٍ أَتَمَّ. وَلَوْ قَامَ الْقَاصِرُ لِثَالِثَةٍ عَمْدًا بِلَا مُوجِبٍ لِلْإِتْمَامِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا عَادَ وَسَجَدَ لَهُ وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ عَادَ ثُمَّ نَهَضَ مُتِمًّا. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسَافِرًا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، فَلَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِيهَا أَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إِقَامَتِهِ أَتَمَّ. وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنَ الْإِتْمَامِ عَلَى المَشْهُورِ إِذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ، وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ.§

فَصْلٌ

يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَالمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَذَلِكَ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَكَذَا الْقَصِيرُ فِي قَوْلٍ. فَإِنْ كَانَ سَائِرًا وَقْتَ الْأُولَى فَتَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ، وَإِلَّا فَعَكْسُهُ. وَشُرُوطُ التَّقْدِيمِ ثَلَاثَةٌ: الْبُدَاءَةُ بِالْأُولَى، فَلَوْ صَلَّاهُمَا فَبَانَ فَسَادُهَا فَسَدَتِ الثَّانِيَةُ. وَنِيَّةُ الجَمْعِ وَمَحَلُّهَا: أَوَّلُ الْأُولَى، وَتَجُوزُ فِي أَثْنَائِهَا فِي الْأَظْهَرِ.§ وَالمُوَالَاةُ بِأَلَّا يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْلٌ، فَإِنْ طَالَ وَلَوْ بِعُذْرٍ وَجَبَ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا، وَلَا يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ، وَيُعْرَفُ طُولُهُ بِالْعُرْفِ. وَلِلْمُتَيَمِّمِ الجَمْعُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ طَلَبٍ خَفِيفٍ. وَلَوَ جَمَعَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنَ الْأُولَى بَطَلَتَا وَيُعِيدُهُمَا جَامِعًا، أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ تَدَارَكَ، وَإِلَّا فَبَاطِلَةٌ وَلَا جَمْعَ، وَلَوْ جَهِلَ أَعَادَهُمَا لِوَقْتَيْهِمَا. وَإِذَا أَخَّرَ الْأُولَى لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ وَالمُوَالَاةُ وَنِيَّةُ الجَمْعِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَجِبُ كَوْنُ التَّأْخِيرِ بِنِيَّةِ الجَمْعِ، وَإِلَّا فَيَعْصِي وَتَكُونُ قَضَاءً.§ وَلَوْ جَمَعَ تَقْدِيمًا، فَصَارَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مُقِيمًا بَطَلَ الجَمْعُ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا لَا يَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ تَأْخِيرًا، فَأَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا لَمْ يُؤَثِّرْ، وَقَبْلَهُ يَجْعَلُ الْأُولَى قَضَاءً. وَيَجُوزُ الجَمْعُ بِالمَطَرِ تَقْدِيمًا، وَالجَدِيدُ: مَنْعُهُ تَأْخِيرًا. وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ: وُجُودُهُ أَوَّلَهُمَا، وَالْأَصَحُّ: اشْتِرَاطُهُ عِنْدَ سَلَامِ الْأُولَى. وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ كَمَطَرٍ إِنْ ذَابَا. وَالْأَظْهَرُ: تَخْصِيصُ الرُّخْصَةِ بالمُصَلِّي جَمَاعَةً بِمَسْجِدٍ بَعِيدٍ يَتَأَذَّى بِالمَطَرِ فِي طَرِيقِهِ.§

بَابُ صَلَاةِ الجُمُعَةِ

إِنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلِّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ بِلَا مَرَضٍ وَنَحْوِهِ. وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مَعْذُورٍ بِمُرَخِّصٍ فِي تَرْكِ الجَمَاعَةِ وَالمُكَاتَبِ، وَكَذَا مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَنْ صَحَّتْ ظُهْرُهُ صَحَّتْ جُمُعَتُهُ، وَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنَ الجَامِعِ، إِلَّا المَرِيضَ وَنَحْوَهُ فَيَحْرُمُ انْصِرَافُهُ إِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ إِلَّا أَنْ يَزِيدَ ضَرَرُهُ بِانْتِظَارِهِ. وَتَلْزَمُ الشَّيْخَ الهَرِمَ وَالزَّمِنَ إِنْ وَجَدَا مَرْكَبًا وَلَمْ يَشُقَّ الرُّكُوبُ، وَالْأَعْمَى يَجِدُ قَائِدًا. وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ إِنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ بِهِ الجُمُعَةُ، أَوْ بَلَغَهُمْ صَوْتٌ عَالٍ فِي هُدُوٍّ مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ لِبَلَدِ الجُمُعَةِ لَزِمَتْهُمْ، وَإِلَّا فَلَا.§ وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَّا أَنْ تُمْكِنَهُ الجُمُعَةُ فِي طَرِيقِهِ، أَوْ يَتَضَرَّرُ بِتَخَلُّفِهِ عَنِ الرُّفْقَةِ. وَقَبْلَ الزَّوَالِ كَبَعْدِهِ فِي الجَدِيدِ إِنْ كَانَ السَّفَرُ مُبَاحًا، وَإِنْ كَانَ طَاعَةً جَازَ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّ الطَّاعَةَ كَالمُبَاحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ تُسَنُّ الجَمَاعَةُ فِي ظُهْرِهِمْ فِي الْأَصَحِّ، وَيُخْفُونَهَا إِنْ خَفِيَ عُذْرُهُمْ. وَيُنْدَبُ لِمَنْ أَمْكَنَ زَوَالُ عُذْرِهِ تَأْخِيرُ ظُهْرِهِ إِلَى الْيَأْسِ مِنَ الجُمُعَةِ، وَلِغَيْرِهِ كَالمَرْأَةِ وَالزَّمِنِ: تَعْجِيلُهَا.§ وَلِصِحَّتِهَا مَعَ شَرْطِ غَيْرِهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وَقْتُ الظُّهْرِ، فَلَا تُقْضَى جُمُعَةً، فَلَوْ ضَاقَ عَنْهَا صَلَّوْا ظُهْرًا، وَلَوْ خَرَجَ وَهُمْ فِيهَا وَجَبَ الظُّهْرُ بِنَاءً، وَفِي قَوْلٍ: اسْتِئْنَافًا. وَالمَسْبُوقُ كَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا جُمُعَةً. الثَّانِي: أَنْ تُقَامَ فِي خِطَّةِ أَبْنِيَةِ أَوْطَانِ المُجَمِّعِينَ، وَلَوْ لَازَمَ أَهْلُ الْخِيَامِ الصَّحْرَاءَ أَبَدًا فَلَا جُمُعَةَ فِي الْأَظْهَرِ.§ الثَّالِثُ: أَلَّا يَسْبِقَهَا وَلَا يُقَارِنَهَا جُمُعَةٌ فِي بَلْدَتِهَا، إِلَّا إِذَا كَبُرَتْ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَانٍ، وَقِيلَ: لَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ، وَقِيلَ: إِنْ حَالَ نَهْرٌ عَظِيمٌ بَيْنَ شِقَّيْهَا كَانَا كَبَلَدَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ قُرًى فَاتَّصَلَتْ تَعَدَّدَتِ الجُمُعَةُ بِعَدَدِهَا. فَلَوْ سَبَقَهَا جُمُعَةٌ فَالصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الثَّانِيَةِ فَهِيَ الصَّحِيحَةُ. وَالمُعْتَبَرُ: سَبْقُ التَّحَرَّمِ، وَقِيلَ: التَّحَلُّلِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ الخُطْبَةِ. فَلَوْ وَقَعَتَا مَعًا، أَوْ شَكَّ اسْتُؤْنِفَتِ الجُمُعَةُ. وَإِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ تَتَعَيَّنْ، أَوْ تَعَيَّنَتْ وَنُسِيَتْ صَلَّوْا ظُهْرًا، وَفِي قَوْلٍ: جُمُعَةً.§ الرَّابِعُ: الجَمَاعَةُ وَشَرْطُهَا: كَغَيْرِهَا، وَأَنْ تُقَامَ بِأَرْبَعِينَ مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا مُسْتَوْطِنًا لَا يَظْعَنُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا إِلَّا لِحَاجَةٍ. وَالصَّحِيحُ: انْعِقَادُهَا بِالمَرْضَى، وَأَنَّ الْإِمَامَ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ. وَلَوِ انْفَضَّ الْأَرْبَعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ فِي الخُطْبَةِ لَمْ يُحْسَبِ المُفْعُولُ فِي غَيْبَتِهِمْ، وَيَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَى مَا مَضَى إِنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، وَكَذَا بِنَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى الخُطْبَةِ إِنِ انْفَضُّوا بَيْنَهُمَا. فَإِنْ عَادُوا بَعْدَ طُولِهِ وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنِ انْفَضُّوا فِي الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، إِنْ بَقِيَ اثْنَانِ. وَتَصِحُّ خَلْفَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالمُسَافِرِ فِي الْأَظْهَرِ إِذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ. وَلَوْ بَانَ الْإِمَامُ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ فِي الْأَظْهَرِ إِذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَمَنْ لَحِقَ الْإِمَامَ المُحْدِثَ رَاكِعًا لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.§ الخَامِسُ: خُطْبَتَانِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَأَرْكَانُهُمَا خَمْسَةٌ: حَمْدُ اللهِ تَعَالَى، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، وَلَفْظُهُمَا مُتَعَيِّنٌ، وَالْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَرْكَانٌ فِي الخُطْبَتَيْنِ. وَالرَّابِعُ: قِرَاءَةُ آيَةٍ فِي إِحْدَاهُمَا، وَقِيلَ: فِي الْأُولَى، وَقِيلَ: فِيهِمَا، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ.§ وَالخَامِسُ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دُعَاءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ. وَيُشْتَرَطُ: كَوْنُهَا عَرَبِيَّةً مُرَتَّبَةَ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلَى، وَبَعْدَ الزَّوَالِ، وَالْقِيَامُ فِيهِمَا إِنْ قَدَرَ، وَالجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، وَإِسْمَاعُ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ، وَالجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْكَلَامُ، وَيُسَنُّ الإِنْصَاتُ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّ تَرْتِيبَ الْأَرْكَانِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ المُوَالَاةِ، وَطَهَارَةِ الحَدَثِ وَالخَبَثِ، وَالسَّتْرِ.§ وَتُسَنُّ عَلَى مِنْبَرٍ أَوْ مُرْتَفِعٍ، وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ إِذَا صَعِدَ، وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَيَجْلِسَ، ثُمَّ يُؤَذَّنُ، وَأَنْ تَكُونَ بَلِيغَةً مَفْهُومَةً قَصِيرَةً، وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَيَعْتَمِدُ عَلَى سَيْفٍ أَوْ عَصًا وَنَحْوِهِ. وَيَكُونُ جُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا نَحْوَ: (سُورَةِ الْإِخْلَاصِ). وَإِذَا فَرَغَ شَرَعَ المُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ، وَبَادَرَ الْإِمَامُ لِيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ. وَيَقْرَأُ فِي الْأُولَى: (الجُمُعَةَ)، وَفِي الثَّانِيَةِ: (المُنَافِقِينَ) جَهْرًا.§

فَصْلٌ

يُسَنُّ الْغُسْلُ لِحَاضِرِهَا، وَقِيلَ: لِكُلِّ أَحَدٍ. وَوَقْتُهُ: مِنَ الْفَجْرِ، وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ أَفْضَلُ، فَإِنْ عَجَزَ تَيَمَّمَ فِي الْأَصَحِّ. وَمِنَ المَسْنُونِ: غُسْلُ الْعِيدِ، وَالْكُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَلِغَاسِلِ المَيِّتِ، وَالمَجْنُونِ وَالمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا، وَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، وَأَغْسَالُ الحَجِّ. وَآكَدُهَا: غُسْلُ غَاسِلِ المَيِّتِ ثُمَّ الجُمُعَةِ، وَعَكَسَهُ الْقَدِيمُ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، وَرَجَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَأَحَادِيثُهُ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§ وَيُسَنُ: التَّبْكِيرُ إِلَيْهَا مَاشِيًا بِسَكِينَةٍ، وَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي طَرِيقِهِ وَحُضُورِهِ بِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ، وَلَا يَتَخَطَّى، وَأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَطِيبٍ، وَإِزَالَةِ الظُّفُرِ وَالرِّيحِ. قُلْتُ: وَأَنْ يَقْرَأَ (الْكَهْفَ) يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، وَيُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَحْرُمُ عَلَى ذِي الجُمُعَةِ التَّشَاغُلُ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الخَطِيبِ، فَإِنْ بَاعَ صَحَّ، وَيُكْرَهُ قَبْلَ الْأَذَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.§

فَصْلٌ

مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ أَدْرَكَ الجُمُعَةَ، فَيُصَلِّي بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ رَكْعَةً، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ فَاتَتْهُ، فَيُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِهِ ظُهْرًا أَرْبَعًا، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْوِي فِي اقْتِدَائِهِ الجُمُعَةَ. وَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ مِنَ الجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا يَسْتَخْلِفُ لِلْجُمُعَةِ إِلَّا مُقْتَدِيًا بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ حَضَرَ الخُطْبَةَ وَلَا الرَّكْعَةَ الْأُولَى فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا، ثُمَّ إِنْ كَانَ أَدْرَكَ الْأُولَى تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ، وَإِلَّا فَتَتِمُّ لَهُمْ دُونَهُ فِي الْأَصَحِّ،§ وَيُرَاعِي المَسْبُوقُ نَظْمَ المُسْتَخْلِفِ، فَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً تَشَهَّدَ وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ لِيُفَارِقُوهُ أَوْ يَنْتَظِرُوا، وَلَا يَلْزَمُهُمُ اسْتِئْنَافُ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ، فَأَمْكَنَهُ عَلَى إِنْسَانٍ فَعَلَ، وَإِلَّا فَالصَّحِيحِ: أَنَّهُ يَنْتَظِرُ، وَلَا يُؤمِئُ بِهِ، ثُمَّ إِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ سَجَدَ، فَإِنْ رَفَعَ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ قَرَأَ، أَوْ رَاكِعٌ فَالْأَصَحُّ: يَرْكَعُ وَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، فَإِنْ كَانَ إِمَامُهُ فَرَغَ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَمْ يُسَلِّمْ وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَةً بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ فَاتَتِ الجُمُعَةُ.§ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ، فَفِي قَوْلٍ: يُرْاعِى نَظْمَ نَفْسِهِ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ، وَيُحْسَبُ رُكُوعُهُ الْأَوَّلُ فِي الْأَصَحِّ، فَرَكْعَتُهُ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رُكُوعِ الْأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ، وَيُدْرِكُ بِهَا الجُمُعَةَ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ عَالِمًا بِأَنَّ وَاجِبَهُ المُتَابَعَةُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ أَوْ جَهِلَ لَمْ يُحْسَبُ سُجُودُهُ الْأَوَّلُ، فَإِذَا سَجَدَ ثَانِيًا حُسِبَ، وَالْأَصَحُّ: إِدْرَاكُ الجُمُعَةِ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ إِذَا كَمُلَتِ السَّجْدَتَانِ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَلَوْ تَخَلَّفَ بِالسُّجُودِ نَاسِيًا حَتَّى رَكَعَ الْإِمَامُ لِلثَّانِيَةِ رَكَعَ مَعَهُ عَلَى المَذْهَبِ.§

بَابُ صَلَاةِ الخَوْفِ

هِيَ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ: يَكُونُ الْعَدُوُّ فِي الْقِبْلَةِ، فَيُرَتِّبُ الْإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ وَيُصَلِّي بِهِمْ، فَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ سَجْدَتَيْهِ وَحَرَسَ صَفٌّ، فَإِذَا قَامُوا سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَلَحِقُوهُ، وَسَجَدَ مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ حَرَسَ أَوَّلًا، وَحَرَسَ الْآخَرُونَ، فَإِذَا جَلَسَ سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَتَشَهَّدَ بِالصَّفَّيْنِ وَسَلَّمَ، وَهَذِهِ صِلَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ، وَلَوْ حَرَسَ فِيهِمَا فِرْقَتَا صَفٍّ جَازَ، وَكَذَا فِرْقَةٌ فِي الْأَصَحِّ.§ الثَّانِي: يَكُونُ فِي غَيْرِهَا، فَيُصَلِّي مَرَّتَيْنِ، كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَطْنِ نَخْلٍ. أَوْ تَقِفُ فِرْقَةٌ فِي وَجْهِهِ وَيُصَلِّي بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً، فَإِذَا قَامَ لِلثَّانِيَةِ فَارَقَتْهُ وَأَتَمَّتْ وَذَهَبَتْ إِلَى وَجْهِهِ، وَجَاءَ الْوَاقِفُونَ فَاقْتَدَوْا بِهِ فَصَلَّى بِهِمُ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا فَأَتَمُّوا ثَانِيَتَهُمْ وَلَحِقُوهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَاتِ الرِّقَاعِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ بَطْنِ نَخْلٍ، وَيَقْرَأُ الْإِمَامُ فِي انْتِظَارِهِ الثَّانِيَةَ وَيَتَشَهَّدُ، وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ لِتَلْحَقَهُ.§ فَإِنْ صَلَّى مَغْرِبًا فَبِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ فِي الْأَظْهَرِ، وَيَنْتَظِرُ فِي تَشَهُّدِهِ، أَوْ قِيَامِ الثَّالِثَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ فِي الْأَصَحِّ. أَوْ رُبَاعِيَّةً فَبِكُلٍّ رَكْعَتَيْنِ، فَلَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً صَحَّتْ صَلَاةُ الجَمِيعِ فِي الْأَظْهَرِ، وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقَةٍ مَحْمُولٌ فِي أُولَاهُمْ، وَكَذَا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ، لَا ثَانِيَةُ الْأُولَى. وَسَهْوُهُ فِي الْأُولَى يَلْحَقُ الجَمِيعَ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَا يَلْحَقُ الْأَوَّلِينَ. وَيُسَنُّ حَمْلُ السِّلَاحِ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ.§ الرَّابِعُ: أَنْ يَلْتَحِمَ الْقِتَالُ أَوْ يَشْتَدَّ الخَوْفُ فَيُصَلِّي كَيْفَ أَمْكَنَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْقِبْلَةِ، وَكَذَا الْأَعْمَالُ الْكَثِيرَةُ لِحَاجَةٍ فِي الْأَصَحِّ، لَا صِيَاحٌ، وَيُلْقِي السِّلَاحَ إِذَا دَمِيَ، فَإِنْ عَجَزَ أَمْسَكَهُ، وَلَا قَضَاءَ فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْمَأَ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ. وَلَهُ ذَا النَّوْعُ فِي كُلِّ قِتَالٍ وَهَزِيمَةٍ مُبَاحَيْنِ، وَهَرَبٍ مِنْ حَرِيقٍ، وَسَيْلٍ، وَسَبُعٍ، وَغَرِيمٍ عِنْدَ إِعْسَارٍ وَخَوْفِ حَبْسِهِ. وَالْأَصَحُّ: مَنْعُهُ لِمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الحَجِّ، وَلَوْ صَلَّوْا لِسَوَادٍ ظَنُّوهُ عَدُوًّا فَبَان غَيرَهُ قَضَوْا فِي الْأَظْهَرِ. §

فَصْلٌ

يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الحَرِيرِ بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ، وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ، وَالْأَصَحُّ: تَحْرِيمُ افْتِرَاشِهَا، وَأَنَّ لِلْوَلِيِّ إِلْبَاسَهُ الصَّبِيَّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: حِلُّ افْتِرَاشِهَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ، أَوْ فَجْأَةِ حَرْبٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَللِحَاجَةِ كَجَرَبٍ وَحِكَّةٍ وَدَفْعِ قَمْلٍ، وَلِلِقِتَالِ كَدِيبَاجٍ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ،§ وَيَحْرُمُ المُرَكَّبُ مِنْ إِبْرِيسَمٍ وَغَيْرِهِ إِنْ زَادَ وَزْنُ الْإِبْرِيسَمٍ، وَيَحِلُّ عَكْسُهُ، وَكَذَا إِنِ اسْتَوَيَا فِي الْأَصَحِّ. وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ قَدْرَ الْعَادَةِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، لَا جِلْدِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَفَجْأَةِ قِتَالٍ، وَكَذَا جِلْدُ المَيْتَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَيَحِلُّ الِاسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ عَلَى المَشْهُورِ.§

بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ

هِيَ سُنَّةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَتُشْرَعُ جَمَاعَةً، وَلِلْمُنْفَرِدِ وَالْعَبْدِ وَالمَرْأَةِ وَالمُسَافِرِ. وَوَقْتُهَا: بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ. وَهِيَ: رَكْعَتَانِ يُحْرِمُ بِهِمَا، ثُمَّ يَأْتِي بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ، ثُمَّ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كَآيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيُمَجِّدُ، وَيَحْسُنُ: (سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ)، ثُمَّ يَتَعَوَّذَ وَيَقْرَأُ، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الجَمِيعِ، وَلَسْنَ فَرْضًا وَلَا بَعْضًا، وَلَوْ نَسِيَهَا وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ فَاتَتْ. وَفِي الْقَدِيمِ: يُكَبِّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ. وَيَقْرَأُ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ) فِي الْأُولَى: (ق)، وَفِي الثَّانِيَةِ: (اقْتَرَبَتْ) بِكَمَالِهِمَا جَهْرًا. وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ أَرْكَانُهُمَا كَهِيَ فِي الجُمُعَةِ، وَيُعَلِّمُهُمْ فِي الْفِطْرِ الْفِطْرَةَ، وَفِي الْأَضْحَى الْأُضْحِيَةَ، يَفْتَتِحُ الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ وَلَاءً. وَيُنْدَبُ: الْغُسْلُ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَفِي قَوْلٍ: بِالْفَجْرِ، وَالطِّيبُ وَالتَّزَيُّنُ كَالجُمُعَةِ، وَفِعْلُهَا بِالمَسْجِدِ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: بِالصَّحْرَاءِ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ، وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى، وَيُبَكِّرُ النَّاسُ، وَيَحْضُرُ الْإِمَامُ وَقْتَ صَلَاتِهِ، وَيُعَجِّلُ فِي الْأَضْحَى. قُلْتُ: وَيَأْكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيُمْسِكُ فِي الْأَضْحَى، وَيَذْهَبُ مَاشِيًا بِسَكِينَةٍ، وَلَا يُكْرَهُ النَّفْلُ قَبْلَهَا لِغَيْرِ الْإِمَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَتَيِ الْعِيدِ فِي المَنَازِلِ وَالطُّرُقِ وَالمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، وَالْأَظْهَرُ: إِدَامَتُهُ حَتَّى يُحْرِمَ الْإِمَامُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا يُكَبِّرُ الحَاجُّ لَيْلَةَ الْأَضْحَى، بَلْ يُلَبِّي. وَلَا يُسَنُّ لَيْلَةَ الْفِطْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الْأَصَحِّ. وَيُكَبِّرُ الحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ، وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ التَّشْرِيقِ، وَغَيْرُهُ كَهُوَ فِي الْأَظْهَرِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ صُبْحِ عَرَفَةَ وَيَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ التَّشْرِيقِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لِلْفَائِتَةِ وَالرَّاتِبَةِ وَالنَّافِلَةِ. وَصِيغَتُهُ المَحْبُوبَةُ: (اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الحَمْدُ)، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ: (كَبِيرًا، وَالحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). وَلَوْ شَهِدُوا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ اللَّيْلَةَ المَاضِيَةَ أَفْطَرْنَا وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ. وَإِنْ شَهِدُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ تُقْبَلِ الشَّهَادَةُ، أَوْ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ أَفْطَرْنَا وَفَاتَتِ الصَّلَاةُ، وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ فِي الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: تُصَلَّى مِنَ الْغَدِ أَدَاءً.

بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ

هِيَ سُنَّةٌ، فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ)، وَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ)، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ ثُمَّ يَسْجُدُ، فَهَذِهِ رَكْعَةٌ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَانِيَةً كَذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ لِتَمَادِي الْكُسُوفِ، وَلَا نَقْصُهُ لِلِانْجِلَاءِ فِي الْأَصَحِّ. وَالْأَكْمَلُ: أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ): (الْبَقَرَةَ)، وَفِي الثَّانِي: كَمِئَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ: مِئَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالرَّابِعِ: مِئَةٍ تَقْرِيبًا، وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ قَدْرَ مِئَةٍ مِنَ (الْبَقَرَةِ)، وَفَي الثَّانِي: ثَمَانِينَ، وَالثَّالِثِ: سَبْعِينَ، وَالرَّابِعِ: خَمْسِينَ تَقْرِيبًا، وَلَا يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: تَطْوِيلُهَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»، وَنَصَّ فِي «الْبُوَيْطِيِّ»: أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتُسَنُّ جَمَاعَةً، وَيَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ لَا الشَّمْسِ، ثُمَّ يَخْطُبُ الْإِمَامُ خُطْبَتَيْنِ بِأَرْكَانِهِمَا فِي الجُمُعَةِ، وَيَحُثُّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالخَيْرِ. وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلَ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، أَوْ فِي ثَانٍ، أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ فَلَا فِي الْأَظْهَرِ. وَتَفُوتُ صَلَاةُ الشَّمْسِ بِالِانْجِلَاءِ وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً، وَالْقَمَرِ بِالِانْجِلَاءِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا الْفَجْرِ فِي الجَدِيدِ، وَلَا بِغُرُوبِهِ خَاسِفًا. وَلَوِ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آخَرُ قُدِّمَ الْفَرْضُ إِنْ خِيفَ فَوْتُهُ، وَإِلَّا فَالْأَظْهَرُ: تَقْدِيمُ الْكُسُوفِ، ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ، ثُمَّ يُصَلِّي الجُمُعَةَ. وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجَنَازَةٌ قُدِّمَتِ الْجَنَازَةُ.

بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ

هِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الحَاجَةِ، وَتُعَادُ ثَانِيًا وَثَالِثًا إِنْ لَمْ يُسْقَوْا. فَإِنْ تَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ فَسُقُوا قَبْلَهَا اجْتَمَعُوا لْلشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَيُصَلُّونَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَأْمُرُهُمُ الْإِمَامُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوَّلًا، وَالتَّوْبَةِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِوُجُوهِ الْبِرِّ، وَالخُرُوجِ مِنَ المَظَالِمِ، وَيَخْرُجُونَ إِلَى الصَّحْرَاءِ فِي الرَّابِعِ صِيَامًا فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ، وَيُخْرِجُونَ الصِّبْيَانَ وَالشُّيُوخَ، وَكَذَا الْبَهَائِمُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الحُضُورَ، وَلَا يَخْتَلِطُونَ بِنَا. وَهِيَ: رَكْعَتَانِ كَالْعِيدِ، لَكِنْ قِيلَ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً}، وَلَا تَخْتَصُّ بِوَقْتِ الْعِيدِ فِي الْأَصَحِّ. وَيَخْطُبُ كَالْعِيدِ، لَكِنْ يَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى بَدَلَ التَّكْبِيرِ، وَيَدْعُو فِي الخُطْبَةِ الْأُولَى: (اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا، مَرِيعًا غَدَقًا، مُجَلِّلًا سَحًّا طَبَقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا). وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بَعْدَ صَدْرِ الخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ وَعَكْسَهُ، وَيُنَكِّسُهُ عَلَى الجَدِيدِ فَيَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَعَكْسَهُ، وَيُحَوِّلُ النَّاسُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: وَيُتْرَكُ مُحَوَّلًا حَتَّى يَنْزِعَ الثِّيَابُ، وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ فَعَلَهُ النَّاسُ، وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ جَازَ، وَيُسَنُّ أَنْ يَبْرُزَ لِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ، وَيَكْشِفَ غَيْرَ عَوْرَتِهِ لِيُصِيبَهُ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي السَّيْلِ، وَيُسَبِّحَ عِنْدَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ، وَلَا يُتْبِعُ بَصَرَهُ الْبَرْقَ. وَيَقُولَ عِنْدَ المَطَرِ: (اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا)، وَيَدْعُوَ بِمَا شَاءَ، وَبَعْدَهُ: (مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ)، وَيُكْرَهُ: (مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا)، وَسَبُّ الرِّيحِ. وَلَوْ تَضَرَّرُوا بِكَثْرَةِ المَطَرِ فَالسُّنَّةُ: أَنْ يَسْأَلُوا اللهَ تَعَالَى رَفْعَهُ: (اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا)، وَلَا يُصَلَّى لِذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

بَابٌ

إِنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاحِدًا وُجُوبَهَا كَفَرَ، أَوْ كَسَلًا قُتِلَ حَدًّا، وَالصَّحِيحُ: قَتْلُهُ بِصَلَاةٍ فَقَطْ بِشَرْطِ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ. وَيُسْتَتَابُ، ثُمَّ تُضْرَبُ عُنُقُهُ، وَقِيلَ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ، وَيُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْفَنُ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَلَا يُطْمَسُ قَبْرُهُ.

كِتَابُ الجَنَائِزِ

لِيُكْثِرْ ذِكْرَ المَوْتِ، وَيَسْتَعِدَّ بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ المَظَالِمِ، وَالمَرِيضُ آكَدُ. وَيُضْجَعُ المُحْتَضَرُ لِجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ لِضِيقِ مَكَانٍ وَنَحْوِهِ أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهُهُ وَأَخْمَصَاهُ لِلْقِبْلَةِ. وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ بِلَا إِلحَاحٍ، وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ (يس)، وَلْيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَإِذَا مَات غُمِّضَ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ، وَسُتِرَ جَمِيعُ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ، وَوُضِعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ، وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، وَنُزِعَتْ ثِيَابُهُ، وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ كَمُحْتَضَرٍ، وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ، وَيُبَادَرُ بِغُسْلِهِ إِذَا تُيُقِّنَ مَوْتُهُ. وَغُسْلُهُ، وَتَكْفِينُهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ، وَدَفْنَهُ فُرُوضُ كِفَايَة. وَأَقَلُّ الْغُسْلِ: تَعْمِيمُ بَدَنِهِ بَعْدَ إِزَالَةِ النَّجَسِ، وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ فِي الْأَصَحِّ، فَيَكْفِي غَرَقُهُ أَوْ غَسْلُ كَافِرٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ المَنْصُوصُ: وُجُوبُ غَسْلِ الْغَرِيقِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْأَكْمَلُ: وَضْعُهُ بِمَوْضِعٍ خَالٍ مَسْتُورٍ عَلَى لَوْحٍ، وَيُغَسَّلُ فِي قَمِيصٍ بِمَاءٍ بَارِدٍ، وَيُجْلِسُهُ الْغَاسِلُ عَلَى المُغْتَسَلِ مَائِلًا إِلَى وَرَائِهِ، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ وَإِبْهَامَهُ فِي نُقْرَةِ قَفَاهُ، وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إِمْرَارًا بَلِيغًا لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ، ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ وَيَغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ سَوْأَتَيْهِ، ثُمَّ يَلُفُّ أُخْرَى، وَيُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فَمَهُ وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ، وَيُزِيلُ مَا فِي مِنْخَرَيْهِ مِنْ أَذًى، وَيُوَضِّئُهُ كَالحَيِّ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثُمَّ لِحْيَتَهُ بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ وَيُسَرِّحُهُمَا بِمِشْطٍ وَاسِعِ الْأَسْنَانِ بِرِفْقٍ، وَيُرَدُّ المُنَتَتَفَ إِلَيْهِ. وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ الْأَيْسَرَ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظَّهْرَ إِلَى الْقَدَمِ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ. وَيُسْتَحَبُّ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الْأُولَى بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيٍّ، ثُمَّ يَصُبُّ مَاءً قَرَاحًا مِنْ فَرْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، وَأَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ قَلِيلَ كَافُورٍ. وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَهُ نَجَسٌ وَجَبَ إِزَالَتُهُ فَقَطْ، وَقِيلَ: مَعَ الْغُسْلِ إِنْ خَرَجِ مِنَ الْفَرْجِ، وَقِيلَ: الْوُضُوءِ. وَيُغَسِّلُ الرَّجُلَ: الرَّجُلُ، وَالمَرْأَةَ: المَرْأَةُ، وَيُغَسِّلُ: أَمَتَهُ وَزَوْجَتَهُ، وَهِيَ زَوْجَهَا، وَيَلُفَّانِ خِرْقَةً وَلَا مَسَّ. فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إِلَّا أَجْنَبِيٌّ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ يُمِّمَ فِي الْأَصَحِّ. وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ: أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ، وَبِهَا: قَرَابَاتُهَا، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى زَوْجٍ فِي الْأَصَحِّ، وَأَوْلَاهُنَّ: ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ، ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّةُ، ثُمَّ رِجَالُ الْقَرَابَةِ كَتَرْتِيبِ صَلَاتِهِمْ. قُلْتُ: إِلَّا ابْنَ الْعَمِّ وَنَحْوَهُ فَكَالْأَجْنَبِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الزَّوْجُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يُقَرَبُ المُحْرِمُ طِيبًا، وَلَا يُؤْخَذُ شَعْرُهُ وَظُفُرُهْ، وَتُطَيَّبُ المُعْتَدَّةُ فِي الْأَصَحِّ. وَالجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ المُحْرِمِ أَخْذُ ظُفُرِهِ وَشَعْرِ إِبْطِهِ وَعَانَتِهِ وَشَارِبِهِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: كَرَاهَتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا. وَأَقَلُّهُ: ثَوْبٌ، وَلَا تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ. وَالْأَفْضَلُ لِلرَّجُلِ: ثَلَاثَةٌ، وَيَجُوزُ: رَابِعٌ وَخَامِسٌ، وَلَهَا: خَمْسَةٌ. وَمَنْ كُفِّنَ مِنْهُمَا بِثَلَاثَةٍ فَهِيَ لَفَائِفُ. وَإِنْ كُفِّنَ فِي خَمْسَةٍ زِيدَ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ تَحْتَهُنَّ. وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسَةٍ فَإِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ، وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثُ لَفَائِفَ، وَإِزَارٌ، وَخِمَارٌ. وَيُسَنُّ الْأَبْيَضُ. وَمَحَلُّهُ: أَصْلُ التَّرِكَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ، وَكَذَا الزَّوْجُ فِي الْأَصَحِّ. وَيُبْسَطُ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعُهَا، وَالثَّانِيَةُ فَوْقَهَا، وَكَذَا الثَّالِثَةُ، وَيُذَرُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ حَنُوطٌ. وَيُوضَعُ المَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا وَعَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ، وَيُشَدُّ أَلْيَاه، وَيُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ بَدَنِهِ قُطْنٌ، وَيُلَفُّ عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ وَتُشَدُّ، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ نُزِعَ الشِّدَادُ. وَلَا يُلْبَسُ المُحْرِمُ الذَّكَرُ مَخِيطًا، وَلَا يُسْتَرُ رَأْسُهُ، وَلَا وَجْهُ المُحْرِمَةِ. وَحَمْلُ الْجِنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ التَّرْبِيعِ فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ: أَنْ يَضَعَ الخَشَبَتَيْنِ المُقَدَّمَتَيْنِ عَلَى عَاتِقَيْهِ وَرَأْسُهُ بَيْنَهُمَا، وَيَحْمِلَ المُؤَخَّرَتَيْنِ رَجُلَانِ، وَالتَّرْبِيعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ. وَالمَشْيُ أَمَامَهَا بِقُرْبِهَا أَفْضَلُ، وَيُسْرَعُ بِهَا إِنْ لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُهُ.

فَصْلٌ

لِصَلَاتِهِ أَرْكَانٌ: أَحَدُهَا: النِّيَّةُ. وَوَقْتُهَا: كَغَيْرِهَا. وَتَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ. وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ المَيِّتِ، فَإِنْ عَيَّنَ وَأَخْطَأَ بَطَلَتْ. وَإِنْ حَضَرَ مَوْتَى نَوَاهُمْ. الثَّانِي: أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، فَإِنْ خَمَّسَ لَمْ تَبْطُلْ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ خَمَّسَ إِمَامُهُ لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الْأَصَحِّ، بَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. الثَّالِثُ: السَّلَامُ كَغَيْرِهَا. الرَّابِعُ: قِرَاءَةُ (الْفَاتِحَةِ) بَعْدَ الْأُولَى. قُلْتُ: تُجْزِئُ (الْفَاتِحَةُ) بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى، وَاللهُ أَعْلَمُ. الخَامِسُ: الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ لَا تَجِبُ. السَّادِسُ: الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ. السَّابِعُ: الْقِيَامُ عَلَى المَذْهَبِ إِنْ قَدَرَ. وَيُسَنُّ: رَفْعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَاتِ، وَإِسْرَارُ الْقِرَاءَةِ، وَقِيلَ: يَجْهَرُ لَيْلًا، وَالْأَصَحُّ: نَدْبُ التَّعَوُّذِ دُونَ الِافْتِتَاحِ، وَيَقُولُ فِي الثَّالِثَةِ: (اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدَيْكَ …) إِلَى آخِرِهِ، وَيُقَدِّمُ عَلَيْه: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ)، وَيَقُولُ فِي الطِّفْلِ مَعَ هَذَا الثَّانِي: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ، وَسَلَفًا وَذُخْرًا، وَعِظَةً وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَفْرِغِ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا)، وَيَقُولُ فِي الرَّابِعَةِ: (اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ). وَلَوْ تَخَلَّفَ المُقْتَدِي بِلَا عُذْرٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إِمَامُهُ أُخْرَى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَيُكَبِّرُ المَسْبُوقُ وَيَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ) وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِهَا، فَلَوْ كَبَّرَ الْإِمَامُ أُخْرَى قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي (الْفَاتِحَةِ) كَبَّرَ مَعَهُ وَسَقَطَتِ الْقِرَاءَةُ، وَإِنْ كَبَّرَهَا وَهُوَ فِي (الْفَاتِحَةِ) تَرَكَهَا وَتَابَعَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ تَدَارَكَ المَسْبُوقُ بَاقِيَ التَّكْبِيرَاتِ بِأَذْكَارِهَا، وَفِي قَوْلٍ: لَا تُشْتَرَطُ الْأَذْكَارُ.وَتُشْتَرَطُ شُرُوطُ: الصَّلَاةِ لَا الجَمَاعَةُ ، وَيَسْقُطُ فَرْضُهَا بِوَاحِدٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ اثْنَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةٌ. وَلَا يَسْقُطُ بِالنِّسَاءِ وَهُنَاكَ رِجَالٌ فِي الْأَصَحِّ. وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ عَنِ الْبَلَدِ. وَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الدَّفْنِ، وَتَصِحُّ بَعْدَهُ، وَالْأَصَحُّ: تَخْصِيصُ الصِّحَّةِ بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا وَقْتَ المَوْتِ. وَلَا يُصَلَّى عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَالٍ.

فَرْعٌ

الجَدِيدُ: أَنَّ الْوَلِيَّ أَوْلَى بِإِمَامَتِهَا مِنَ الْوَالِي، فَيُقَدَّمُ الْأَبُ، ثُمَّ الجَدُّ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَا، ثُمَّ الْأَخُ. وَالْأَظْهَرُ: تَقْدِيمُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ الْعَصَبَةُ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ، ثُمَّ ذَوُو الْأَرْحَامِ. وَلَوِ اجْتَمَعَا فِي دَرَجَةٍ فَالْأَسَنُّ الْعَدْلُ أَوْلَى عَلَى النَّصِّ. وَيُقَدَّمُ الحُرُّ الْبَعِيدُ عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ. وَيَقِفُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ وَعَجُزِهَا. وَتَجُوزُ عَلَى الجَنَائِزِ صَلَاةٌ. وَتَحْرُمُ عَلَى الْكَافِرِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ، وَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ تَكْفِينِ الذِّمِّيِّ وَدَفْنِهِ. وَلَوْ وُجِدَ عُضْوُ مُسْلِمٍ عُلِمَ مَوْتُهُ صُلِّيَ عَلَيْهِ. وَالسِّقْطُ إِنِ اسْتَهَلَّ أَوْ بَكَى كَكَبِيرٍ، وَإِلَّا فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ الحَيَاةِ كَاخْتِلَاجٍ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ لَمْ تَظْهَرْ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ بَلَغَهَا فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا يُغَسَّلُ الشَّهِيدُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْ مَاتَ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ بِسَبَبِهِ، فَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَائِهِ أَوْ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ فَغَيْرُ شَهِيدٍ فِي الْأَظْهَرِ، وَكَذَا فِي الْقِتَالِ لَا بِسَبَبِهِ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوِ اسْتَشْهَدَ جُنُبٌ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، وَأَنَّهُ تُزَالُ نَجَاسَتُهُ غَيْرَ الدَّمِ. وَيُكَفَّنُ فِي ثِيَابِهِ المُلَطَّخَةِ بِالدَّمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَوْبُهُ سَابِغًا تُمِّمَ.

فَصْلٌ

أَقَلُّ الْقَبْرِ: حُفْرَةٌ تَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسَّبُعَ. وَيُنْدَبُ أَنْ يُوَسَّعَ وَيُعَمَّقَ قَدَرَ قَامَةٍ وَبَسْطَةٍ، وَاللَّحْدُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ إِنْ صَلُبَتِ الْأَرْضُ، وَيُوضَعُ رَأْسُهُ عِنْدَ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَيُسَلُّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ بِرِفْقٍ، وَيُدْخِلُهُ الْقَبْرَ الرِّجَالُ، وَأَوْلَاهُمُ: الْأَحَقُّ بِالصَّلَاةِ. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً مُزَوَّجَةً فَأَوْلَاهُمُ الزَّوْجُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَكُونُونَ وِتْرًا، وَيُوضَعُ فِي اللَّحْدِ عَلَى يَمِينِهِ لِلْقِبْلَةِ وَيُسْنَدُ وَجْهُهُ إِلَى جِدَارِهِ، وَظَهْرُهُ بِلَبِنَةٍ وَنَحْوِهَا، وَيُسَدُّ فَتْحُ اللَّحْدِ بِلَبِنٍ، وَيَحْثُو مَنْ دَنَا ثَلَاثَ حَثَيَاتِ تُرَابٍ، ثُمَّ يُهَالُ بِالمَسَاحِي، وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ شِبْرًا فَقَطْ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ تَسْطِيحَهُ أَوْلَى مِنْ تَسْنِيمِهِ. وَلَا يُدْفَنُ اثْنَانِ فِي قَبْرٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، فَيُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا. وَلَا يُجْلَسُ عَلَى الْقَبْرِ، وَلَا يُوطَأُ، وَيَقْرُبُ زَائِرُهُ كَقُرْبِهِ مِنْهُ حَيًّا. وَالتَّعْزِيَةُ سُنَّةٌ قَبْلَ دَفْنِهِ، وَبَعْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَيُعَزَّى المُسْلِمُ بِالمُسْلِمِ: (أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ)، وَبِالْكَافِرِ: (أَعْظَمَ اللهُ أَجْرَكَ وَصَبَّرَكَ)، وَالْكَافِرُ بِالمُسْلِمِ: (غَفَرَ اللهُ لِمَيِّتِكَ، وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ). وَيَجُوزُ الْبُكَاءُ عَلَيْهِ قَبْلَ المَوْتِ وَبَعْدَهُ، وَيَحْرُمُ النَّدْبُ بِتَعْدِيدِ شَمَائِلِهِ، وَالنَّوْحِ، وَالجَزَعِ بِضَرْبِ صَدْرِهِ وَنَحْوِهِ. قُلْتُ: هَذِهِ مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ: يُبَادَرُ بِقَضَاءِ دَيْنِ المَيِّتِ وَوَصِيَّتِهِ. وَيُكْرَهُ تَمَنِّي المَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ إِلَّا لِفِتْنَةِ دِينٍ. وَيُسَنُّ التَّدَاوِي، وَيُكْرَهُ إِكْرَاهُهُ عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ لِأَهْلِ المَيِّتِ وَنَحْوِهِمْ تَقْبِيلُ وَجْهِهِ. وَلَا بَأْسَ بِالْإِعْلَامِ بِمَوْتِهِ لْلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، بِخَلَافِ نَعْيِ الجَاهِلِيِّةِ. وَلَا يَنْظُرُ الْغَاسِلُ مِنْ بَدَنِهِ إِلَّا قَدْرَ الحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ الْعَوْرَةِ. وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ يُمِّمَ، وَيُغَسِّلُ الجُنُبُ وَالحَائِضُ المَيِّتَ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَإِذَا مَاتَا غُسِّلَا غُسْلًا وَاحِدًا فَقَطْ. وَلْيَكُنِ الْغَاسِلُ أَمِينًا، فَإِنْ رَأَى خَيْرًا ذَكَرَهُ، أَوْ غَيْرَهُ حَرُمَ ذِكْرُهُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ. وَلَوْ تَنَازَعَ أَخَوَانِ أَوْ زَوْجَتَانِ أُقْرِعَ، وَالْكَافِرُ أَحَقُّ بِقَرِيبِهِ الْكَافِرِ. وَيُكْرَهُ الْكَفَنُ المُعَصْفَرُ، وَالمُغَالَاةُ فِيهِ، وَالمَغْسُولُ أَوْلَى مِنَ الجَدِيدِ. وَالصَّبِيُّ كَبَالِغٍ فِي تَكْفِينِهِ بِأَثْوَابٍ. وَالحَنُوطُ: مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ. وَلَا يَحْمِلُ الْجِنَازَةَ إِلَّا الرِّجَالُ وَإِنْ كَانَ أُنْثَى، وَيَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ، وَهَيْئَةٍ يُخَافُ مِنْهَا سُقُوطُهَا. وَيُنْدَبُ لِلْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُهَا كَتَابُوتٍ. وَلَا يُكْرَهُ الرُّكُوبُ فِي الرُّجُوعِ مِنْهَا. وَلَا بَأْسَ بِاتِّبَاعِ المُسْلِمِ جَنَازَةَ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ. وَيُكْرَهُ اللَّغَطُ فِي الْجِنَازَةِ وَإِتْبَاعُهَا بِنَارٍ. وَلَوِ اخْتَلَطَ مُسْلِمُونَ بِكُفَّارٍ وَجَبَ غَسْلُ الجَمِيعِ وَالصَّلَاةُ، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى عَلَى الجَمِيعِ بِقَصْدِ المُسْلِمِينَ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَالمَنْصُوصُ، أَوْ عَلَى وَاحِدٍ فَوَاحِدٍ نَاوِيًا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَيَقُولُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ إِنْ كَانُ مُسْلِمًا). وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ: تَقَدُّمُ غُسْلِهِ وَتُكْرَهُ قَبْلَ تَكْفِينِهِ، فَلَوْ مَاتَ بِهَدْمٍ وَنَحْوِهِ وَتَعَذَّرَ إِخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. وَيُشْتَرَطُ أَلَّا يَتَقَدَّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ الحَاضِرَةِ، وَلَا الْقَبْرِ عَلَى المَذْهَبِ فِيهِمَا. وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، وَيُسَنُّ جَعْلُ صُفُوفِهِمْ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ. وَإِذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ فَحَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَلَّى، وَمَنْ صَلَّى لَا يُعِيدُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا تُؤَخَّرُ لِزِيَادَةِ مُصَلِّينَ. وَقَاتِلُ نَفْسِهِ كَغَيْرِهِ فِي الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ. وَلَوْ نَوَى الْإِمَامُ صَلَاةَ غَائِبٍ، وَالمَأْمُومُ صَلَاةَ حَاضِرٍ، أَوْ عَكَسَ جَازَ. وَالدَّفْنُ فِي المَقْبَرَةِ أَفْضَلُ، وَيُكْرَهُ المَبِيتُ بِهَا. وَيُنْدَبُ سَتْرُ الْقَبْرِ بِثَوْبٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلًا، وَأَنْ يَقُولَ: (بِاسْمِ اللهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). وَلَا يُفْرَشُ تَحْتَهُ شَيْءٌ وَلَا مِخَدَّةٌ. وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ فِي تَابُوتٍ إِلَّا فِي أَرْضٍ نَدِيَةٍ أَوْ رِخْوَةٍ. وَيَجُوزُ الدَّفْنُ لَيْلًا، وَوَقْتَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَتَحَرَّهُ، وَغَيْرُهُمَا أَفْضَلُ. وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقَبْرِ، وَالْبِنَاءُ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ بُنِيَ فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ هُدِمَ. وَيُنْدَبُ أَنْ يُرَشَّ الْقَبْرُ بِمَاءٍ، وَيُوضَعَ عَلَيْهِ حَصًى، وَعِنْدَ رَأْسِهِ حَجَرٌ أَوْ خَشَبَةٌ، وَجَمْعُ الْأَقَارِبِ فِي مَوْضِعٍ، وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ، وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ. وَقِيلَ: تَحْرُمُ. وَقِيلَ: تُبَاحُ. وَيُسَلِّمُ الزَّائِرُ وَيَقْرَأُ وَيَدْعُو. وَيَحْرُمُ نَقْلُ المَيِّتِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ وَقِيلَ: يُكْرَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوِ المَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ المَقْدِسِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَنَبْشُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلنَّقْلِ وَغَيْرِهِ حَرَامٌ إِلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ، أَوْ فِي أَرْضٍ أَوْ ثَوْبٍ مَغْصُوبَيْنِ، أَوَ وَقَعَ فِيهِ مَالٌ، أَوْ دُفِنَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ لَا لِلتَّكْفِينِ فِي الْأَصَحِّ. وَيُسَنُّ أَنْ يَقِفَ جَمَاعَةٌ بَعْدَ دَفْنِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ سَاعْةً يَسْأَلُونَ لَهُ التَّثَبُّتَ، وَلِجِيرَانِ أَهْلِهِ تَهْيِئَةُ طَعَامٍ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، وَيُلَحُّ عَلَيْهِمْ فِي الْأَكْلِ، وَيَحْرُمُ تَهْيِئَتُهُ لِلنَّائِحَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

كِتَابُ الزَّكَاةِ

بَابُ زَكَاةِ الحَيَوَانِ

إِنَّمَا تَجِبُ مِنْهُ فِي النَّعَمِ وَهِيَ: الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ لَا الخَيْلُ وَالرَّقِيقُ، وَالمُتَوَلِّدُ مِنْ غَنَمٍ وَظِبَاءٍ. وَلَا شَيْءَ فِي الْإِبِلِ حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا، فَفِيهَا: شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ: شَاتَانِ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ: ثَلَاثٌ، وَعِشْرِينَ: أَرْبَعٌ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَسِتٍّ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّةٌ، وَإِحْدَى وَسِتِّينَ: جَذَعَةٌ، وَسِتٍّ وَسَبْعِينَ: بِنْتَا لَبُونٍ، وَإِحْدَى وَتِسْعِينَ: حِقَّتَانِ، وَمِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَكُلِّ خَمْسِينَ: حِقَّةٌ. وَبِنْتُ المَخَاضِ: لَهَا سَنَةٌ. وَاللَّبُونِ: سَنَتَانِ. وَالْحِقَّةُ: ثَلَاثٌ. وَالجَذَعَةُ: أَرْبَعٌ. وَالشَّاةُ: جَذَعَةُ ضَأْنٍ لَهَا سَنَةٌ، وَقِيلَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَوْ: ثَنِيَّةُ مَعْزٍ لَهَا سَنَتَانِ، وَقِيلَ: سَنَةٌ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ غَالِبُ غَنَمِ الْبَلَدِ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُ الذَّكَرُ، وَكَذَا بَعِيرُ الزَّكَاةِ عَنْ دُونِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ. فَإِنْ عَدِمَ بِنْتَ المَخَاضِ فَابْنُ لَبُونٍ، وَالمَعِيبَةُ كَمَعْدُومَةٍ. وَلَا يُكَلَّفُ كَرِيمَةً لَكِنْ تَمْنَعُ ابْنَ لَبُونٍ فِي الْأَصَحِّ. وَيُؤْخَذُ الْحِقُّ عَنْ بِنْتِ المَخَاضٍ، لَا لَبُونٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوِ اتَّفَقَ فَرْضَانِ كَمِئَتَيْ بَعِيرٍ فَالمَذْهَبُ: لَا يَتَعَيَّنُ أَرْبَعُ حِقَاقٍ، بَلْ هُنَّ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِنْ وَجَدَ بِمَالِهِ أَحَدَهُمَا أَخَذَ، وَإِلَّا فَلَهُ تَحْصِيلُ مَا شَاءَ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْأَغْبَطُ لِلْفُقَرَاءِ وَإِنْ وَجَدَهُمَا فَالصَّحِيحُ: تَعَيُّنُ الْأَغْبَطِ، وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ إِنْ دَلَّسَ أَوْ قَصَّرَ السَّاعِي، وَإِلَّا فَيُجْزِئُ. وَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ قَدْرِ التَّفَاوُتِ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهُ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ تَحْصِيلُ شِقْصٍ بِهِ. وَمَنْ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَعَدِمَهَا وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ فَعَدِمَهَا دَفَعَ بِنْتَ مَخَاضٍ مَعَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، أَوْ حِقَّةً وَأَخَذَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا. وَالْخِيَارُ فِي الشَّاتَيْنِ وَالدَّرَاهِمِ: لِدَافِعِهَا. وَفِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ: لِلْمَالِكِ فِي الْأَصَحِّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ إِبِلُهُ مَعِيبَةً. وَلَهُ صُعُودٌ دَرَجَتَيْنِ وَأَخْذُ جُبْرَانَيْنِ، وَنُزُولُ دَرَجَتَيْنِ مَعَ جُبْرَانَيْنِ بِشَرْطِ تَعَذُّرِ دَرَجَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ جُبْرَانٍ مَعَ ثَنِيَّةٍ بَدَلَ جَذَعَةٍ عَلَى أَحْسَنِ الْوَجْهَيْنِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ الجُمْهُورِ الجَوَازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا تُجْزِئُ شَاةٌ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ. وَيُجْزِئُ شَاتَانِ وَعِشْرُونَ لِجُبْرَانَيْنِ. وَلَا الْبَقَرِ حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا: تَبِيعٌ ابْنُ سَنَةٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ: تَبِيعٌ، وَكُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّةٌ لَهَا سَنَتَانِ. وَلَا الْغَنَمِ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ فَشَاةٌ جَذَعَةُ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ، وَفِي مِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: شَاتَانِ، وَمِئَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ: ثَلَاثٌ، وَأَرْبَعِ مِئَةٍ: أَرْبَعٌ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِئَةٍ: شَاةٌ.

فَصْلٌ

إِنِ اتَّحَدَ نَوْعُ المَاشِيَةِ أُخِذَ الْفَرْضَ مِنْهُ، فَلَوْ أَخَذَ عَنْ ضَأْنٍ مَعِزًا أَوْ عَكْسُهُ جَازَ فِي الْأَصَحِّ بِشَرْطِ رِعَايَةِ الْقِيمَةِ. وَإِنِ اخْتَلَفَ كَضَأْنٍ أَوَمَعِزٍ، فَفِي قَوْلٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الْأَكْثَرِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فَالْأَغْبَطُ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُخْرِجُ مَا شَاءَ مُقَسَّطًا عَلَيْهِمَا بِالْقِيمَةِ، فَإِذَا كَانَ ثَلَاثُونَ عَنْزًا وَعَشْرُ نَعَجَاتٍ أَخَذَ عَنْزًا أَوْ نَعْجَةً بِقِيمَةِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عَنْزٍ وَرُبُعُ نَعْجَةٍ. وَلَا تُؤْخَذُ مَرِيضَةٌ، وَلَا مَعِيبَةٌ إِلَّا مِنْ مِثْلِهَا، وَلَا ذَكَرٌ إِلَّا إِذَا وَجَبَ، وَكَذَا لَوْ تَمَحَّضَتْ ذُكُورًا فِي الْأَصَحِّ وَفِي الصِّغَارِ: صَغِيرَةٌ فِي الجَدِيدِ وَلَا رُبَّى، وَأَكُولَةٌ، وَحَامِلٌ، وَخِيَارٌ إِلَّا بِرِضَا المَالِكِ. وَلَوِ اشْتَرَكَ أَهْلُ الزَّكَاةِ فِي مَاشِيَةٍ زَكَّيَا كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَكَذَا لَوْ خَلَطَا مُجَاوَرَةً بِشَرْطِ أَلَّا يَتَمَيَّزَ فِي المَشْرَبِ، وَالمَسْرَحِ، وَالمُرَاحِ، وَمَوْضِعِ الحَلَبِ، وَكَذَا الرَّاعِي وَالْفَحْلُ فِي الْأَصَحِّ، لَا نِيَّةُ الخُلْطَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَالْأَظْهَرُ: تَأْثِيرُ خُلْطَةِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالنَّقْدِ وَعَرْضِ التِّجَارَةِ بِشَرْطِ أَلَّا يَتَمَيَّزَ النَّاطُورُ وَالجَرِينُ وَالدُّكَّانُ وَالحَارِسُ وَمَكَانُ الْحِفْظِ وَنَحْوُهَا. وَلِوُجُوبِ زَكَاةِ المَاشِيَةِ شَرْطَانِ: مُضِيُّ الحَوْلِ فِي مِلْكِهِ، لَكِنْ مَا نُتِجَ مِنْ نِصَابٍ يُزَكَّى بِحَوْلِهِ، وَلَا يُضَمُّ المَمْلُوكُ بِشِرَاءٍ أَوَغَيْرِهِ فِي الحَوْلِ، فَلَوِ ادَّعَى النِّتَاجَ بَعْدَ الحَوْلِ صُدِّقَ، فَإِنِ اتُّهِمَ حُلِّفَ. وَلَوْ زَالَ مِلْكُهُ فِي الحَوْلِ فَعَادَ أَوْ بَادَلَ بِمِثْلِهِ اسْتَأْنَفَ. وَكَوْنُهَا سَائِمَةً، فَإِنْ عُلِفَتْ مُعْظَمَ الحَوْلِ فَلَا زَكَاةَ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ: إِنْ عُلِفَتْ قَدْرًا تَعِيشُ بِدُونِهِ بِلَا ضَرَرٍ بَيِّنٍ وَجَبَتْ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ سَامَتْ بِنَفْسِهَا أَوِ اعْتَلَفَتِ السَّائِمَةُ، أَوْ كَانَتْ عَوَامِلَ فِي حَرْثٍ وَنَضْحٍ وَنَحْوِهِ فَلَا زَكَاةَ فِي الْأَصَحِّ. وَإِذَا وَرَدَتْ مَاءً أُخِذَتْ زَكَاتُهَا عِنْدَهُ، وَإِلَّا فَعِنْدَ بُيُوتِ أَهْلِهَا. وَيُصَدَّقُ المَالِكُ فِي عَدَدِهَا إِنْ كَانَ ثِقَةً، وَإِلَّا فَتُعَدُّ عِنْدَ مَضِيقٍ.

بَابُ زَكَاةِ النَّبَاتِ

تَخْتَصُّ بِالْقُوتِ، وَهُوَ مِنَ الثِّمَارِ: الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ. وَمِنَ الحَبِّ: الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالْأَرُزُّ وَالْعَدَسُ وَسَائِرُ المُقْتَاتِ اخْتِيَارًا. وَفِي الْقَدِيمِ: تَجِبُ فِي الزَّيْتُونِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْسِ، وَالْقُرْطُمِ، وَالْعَسَلِ. وَنِصَابُهُ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَهِيَ: أَلْفٌ وَسِتُّ مِئَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ، وَبِالدِّمَشْقِيِّ: ثَلَاثُ مِئَةٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثُلُثَانِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: ثَلَاثُ مِئَةٍ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلَاً وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ لِأَنَّ الْأَصَحَّ: أَنَّ رِطْلَ بَغْدَادَ: مِئَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: بِلَا أَسْبَاعٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُعْتَبَرُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا إِنْ تَتَمَّرَ أَوْ تَزَبَّبَ، وَإِلَّا فَرُطَبًا وَعِنَبًا، وَالحَبُّ مُصَفًّى مِنْ تِبْنِهِ، وَمَا ادُّخِرَ فِي قِشْرِهِ كَالْأَرُزِّ وَالْعَلَسِ فَعَشَرَةُ أَوْسُقٍ. وَلَا يُكَمَّلُ جِنْسٌ بِجِنْسٍ، وَيُضَمُّ النَّوْعُ إِلَى النَّوْعِ، وَيُخْرِجُ مِنْ كُلٍّ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ عَسُرَ أُخْرِجَ الْوَسَطُ، وَيُضَمُّ الْعَلَسُ إِلَى الْحِنْطَةِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا، وَالسُّلْتُ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، وَقِيلَ: شَعِيرٌ، وَقِيلَ: حِنْطَةٌ. وَلَا يُضَمُّ ثَمَرُ عَامٍ وَزَرْعُهُ إِلَى آخَرَ. وَيُضَمُّ ثَمَرُ الْعَامِ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ إِدْرَاكُهُ، وَقِيلَ: إِنْ طَلَعَ الثَّانِي بَعْدَ جَدَادِ الْأَوَّلِ لَمْ يُضَمَّ. وَزَرْعَا الْعَامِ يُضَمَّانِ. وَالْأَظْهَرُ: اعْتِبَارُ وُقُوعِ حَصَادَيْهِمَا فِي سَنَةٍ. وَوَاجِبُ مَا شَرِبَ بِالمَطَرِ أَوْ عُرُوقِهِ لِقُرْبِهِ مِنَ المَاءِ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ: الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دُولَابٍ أَوْ بِمَا اشْتَرَاهُ: نِصْفُهُ، وَالْقَنَوَاتُ كَالمَطَرِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَا سُقِيَ بِهِمَا سَوَاءً: ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، فَإِنْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا، فَفِي قَوْلٍ: يُعْتَبَرُ هُوَ. وَالْأَظْهَرُ: يُقَسَّطُ بِاعْتِبَارِ عَيْشِ الزَّرْعِ وَنَمَائِهِ، وَقِيلَ: بِعَدَدِ السَّقَيَاتِ. وَتَجِبُ بِبُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ، وَاشْتِدَادِ الحَبِّ. وَيُسَنُّ خَرْصُ الثَّمَرِ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى مَالِكِهِ، وَالمَشْهُورُ: إِدْخَالُ جَمِيعِهِ فِي الخَرْصِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي خَارِصٌ وَشَرْطُهُ: الْعَدَالَةُ، وَكَذَا الحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ فِي الْأَصَحِّ. فَإِذَا خَرَصَ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ يَنْقَطِعُ مِنْ عَيْنِ الثَّمَرِ، وَيَصِيرُ فِي ذِمَّةِ المَالِكِ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ لِيُخْرِجَهُمَا بَعْدَ جَفَافِهِ، وَيُشْتَرَطُ: التَّصْرِيحُ بِتَضْمِينِهِ وَقَبُولُ المَالِكِ عَلَى المَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ بِنَفْسِ الخَرْصِ. فَإِذَا ضَمِنَ جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي جَمِيعِ المَخْرُوصِ بَيْعًا وَغَيْرِهِ، وَلَوِ ادَّعَى هَلَاكَ المَخْرُوصِ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ كَسَرِقَةٍ، أَوْ ظَاهِرٍ عُرِفَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ الظَّاهِرُ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي الهَلَاكِ بِهِ. وَلَوِ ادَّعَى حَيْفَ الخَارِصِ أَوْ غَلَطَهُ بِمَا يَبْعُدُ لَمْ يُقْبَلْ، أَوْ بِمُحْتَمِلٍ قُبِلَ فِي الْأَصَحِّ.

بَابُ زَكَاةِ النَّقْدِ

نِصَابُ الْفِضَّةِ: مِئَتَا دِرْهَمٍ، وَالذَّهَبِ: عِشْرُونَ مِثْقَالًا بِوَزْنِ مَكَّةَ، وَزَكَاتُهُمَا: رُبُعُ عُشْرٍ. وَلَا شَيْءَ فِي المَغْشُوشِ حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهُ نِصَابًا. وَلَوِ اخْتَلَطَ إِنَاءٌ مِنْهُمَا وَجُهِلَ أَكْثَرُهُمَا زُكِّيَ الْأَكْثَرُ ذَهَبًا أَوَفِضَّةً، أَوْ مُيِّزَ. وَيُزَكَّى المُحَرَّمُ مِنْ حُلِيٍّ وَغَيْرِهِ، لَا المُبَاحُ فِي الْأَظْهَرِ، فَمِنَ المُحَرَّمِ: الْإِنَاءُ، وَالسِّوَارُ وَالخَلْخَالُ لِلُبْسِ الرَّجُلِ، فَلَوِ اتَّخَذَ سِوَارًا بِلَا قَصْدٍ أَوْ بِقَصْدِ إِجَارَتِهِ لِمَنْ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ فَلَا زَكَاةَ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَا لَوِ انْكَسَرَ الحُلِيُّ وَقَصَدَ إِصْلَاحَهُ. وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ حُلِيُّ الذَّهَبِ إِلَّا الْأَنْفَ وَالْأَنْمُلَةَ وَالسِّنَّ لَا الْإِصْبُعَ، وَيَحْرُمُ سِنُّ الخَاتَمِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَحِلُّ لَهُ مِنَ الْفِضَّةِ الخَاتَمُ، وَتَحْلِيَةُ آلَاتِ الحَرْبِ كَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَالْمِنْطَقَةِ لَا مَا لَا يَلْبَسُهُ كَالسَّرْجِ وَاللِّجَامِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ حِلْيَةُ آلَةِ الحَرْبِ، وَلَهَا لُبْسُ أَنْوَاعِ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكَذَا مَا نُسِجَ بِهِمَا فِي الْأَصَحِّ. وَالْأَصَحُّ: تَحْرِيمُ المُبَالَغَةِ فِي السَّرَفِ كَخَلْخَالٍ وَزْنُهُ مِئَتَا دِينَارٍ، وَكَذَا إِسْرَافُهُ فِي آلَةِ الحَرْبِ، وَجَوَازُ تَحْلِيَةِ المُصْحَفِ بِفِضَّةٍ وَكَذَا لِلْمَرْأَةِ بِذَهَبٍ. وَشَرْطُ زَكَاةِ النَّقْدِ: الحَوْلُ. وَلَا زَكَاةَ فِي سَائِرِ الجَوَاهِرِ كَاللُّؤْلُؤِ.

بَابُ زَكَاةِ المَعْدِنِ وَالرِّكَازِ وَالتِّجَارَةِ

مَنِ اسْتَخْرَجَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً مِنْ مَعْدِنٍ لَزِمَهُ رُبُعُ عُشْرِهِ، وَفِي قَوْلٍ: الخُمْسُ. وَفِي قَوْلٍ: إِنْ حَصَلَ بِتَعَبٍ فَرُبُعُ عُشْرِهِ، وَإِلَّا فَخُمْسُهُ. وَيُشْتَرَطُ النِّصَابُ لَا الحَوْلُ عَلَى المَذْهَبِ فِيهِمَا. وَيُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ إِنْ تَتَابَعَ الْعَمَلُ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ النَّيْلِ عَلَى الجَدِيدِ، وَإِذَا قُطِعَ الْعَمَلُ بِعُذْرٍ ضُمَّ، وَإِلَّا فَلَا يُضَمُّ الْأَوَّلُ إِلَى الثَّانِي. وَيُضَمُّ الثَّانِي إِلَى الْأَوَّلِ كَمَا يَضُمُّهُ إِلَى مَا مَلَكَهُ بِغَيْرِ المَعْدِنِ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ. وَفِي الرِّكَازِ: الخُمُسُ يُصْرَفُ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ عَلَى المَشْهُورِ، وَشَرْطُهُ: النِّصَابُ وَالنَّقْدُ عَلَى المَذْهَبِ، لَا الحَوْلُ، وَهُوَ المَوْجُودُ الجَاهِلِيُّ، فَإِنْ وُجِدَ إِسْلَامِيٌّ عُلِمَ مَالِكُهُ فَلَهُ، وَإِلَّا فَلُقَطَةٌ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ أَيِّ الضَّرْبَيْنِ هُوَ. وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ الْوَاجِدُ وَتَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ إِذَا وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ مِلْكٍ أَحْيَاهُ. فَإِنْ وُجِدَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ شَارِعٍ فَلُقَطَةٌ عَلَى المَذْهَبِ، أَوْ فِي مِلْكِ شَخْصٍ فَلِلشَّخْصِ إِنِ ادَّعَاهُ، وَإِلَّا فَلِمَنْ مُلِكَ مِنْهُ، وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى المُحْيِي. وَلَوْ تَنَازَعَهُ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ، أَوْ مُكْرٍ وَمُكْتَرٍ، أَوْ مُعِيرٌ وَمُسْتَعِيرٌ صُدِّقَ ذُو الْيَدِ بِيَمِينِهِ.

فَصْلٌ

شَرْطُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ: الحَوْلُ، وَالنِّصَابُ مُعْتَبَرًا بِآخِرِ الحَوْلِ. وَفِي قَوْلٍ: بِطَرَفَيْهِ. وَفِي قَوْلٍ: بِجَمِيعِهِ. فَعَلَى الْأَظْهَرِ: لَوْ رُدَّ إِلَى النَّقْدِ فِي خِلَالِ الحَوْلِ، وَهُوَ دُونَ النِّصَابِ، وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْقَطِعُ الحَوْلُ، وَيُبْتَدَئُ حَوْلُهَا مِنْ شِرَائِهَا. وَلَوْ تَمَّ الحَوْلُ وَقِيمَةُ الْعَرْضِ دُونَ النِّصَابِ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُبْتَدَئُ حَوْلٌ، وَيَبْطُلُ الْأَوَّلُ. وَيَصِيرُ عَرْضُ التِّجَارَةِ لِلْقُنْيَةِ بِنِيَّتِهَا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْعَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إِذَا اقْتَرَنَتْ نِيَّتُهَا بِكَسْبِهِ بِمُعَاوَضَةٍ كَشِرَاءٍ، وَكَذَا المَهْرُ وَعِوَضُ الخُلْعِ فِي الْأَصَحِّ، لَا بِالْهِبَةِ وَالِاحْتِطَابِ وَالِاسْتِرْدَادِ بِعَيْبٍ. وَإِذَا مَلَكَهُ بِنَقْدِ نِصَابٍ فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ مِلْكِ النَّقْدِ، أَوْ دُونَهُ أَوْ بِعَرْضِ قِنْيَةٍ فَمِنَ الشِّرَاءِ. وَقِيلَ: إِنْ مَلَكَهُ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهَا. وَيَضُمُّ الرِّبْحَ إِلَى الْأَصْلِ فِي الحَوْلِ إِنْ لَمْ يَنِضَّ، لَا إِنْ نَضَّ فِي الْأَظْهَرِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ وَلَدَ الْعَرْضِ وَثَمَرَهُ مَالُ تِجَارَةٍ، وَأَنَّ حَوْلَهُ حَوْلُ الْأَصْلِ. وَوَاجِبُهَا: رُبُعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ، فَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ قُوِّمَ بِهِ إِنْ مُلِكَ بِنِصَابٍ، وَكَذَا دُونَهُ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ بِعَرْضٍ فَبِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ غَلَبَ نَقْدَانِ وَبَلَغَ بِأَحَدِهِمَا نِصَابًا قُوِّمَ بِهِ، فَإِنْ بَلَغَ بِهِمَا قُوِّمَ بِالْأَنْفَعِ لِلْفُقَرَاءِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ المَالِكُ. وَإِنْ مُلِكَ بِنَقْدٍ وَعَرْضٍ قُوِّمَ مَا قَابَلَ النَّقْدَ بِهِ، وَالْبَاقِي بِالْغَالِبِ. وَتَجِبُ فِطْرَةُ عَبِدِ التِّجَارَةِ مَعَ زَكَاتِهَا. وَلَوْ كَانَ الْعَرْضُ سَائِمَةً، فَإِنْ كَمُلَ نِصَابُ إِحْدَى الزَّكَاتَيْنِ فَقَطْ وَجَبَتْ، أَوْ نِصَابُهُمَا فَزَكَاةُ الْعَيْنِ فِي الجَدِيدِ. فَعَلَى هَذَا: لَوْ سَبَقَ حَوْلُ التِّجَارَةِ بِأَنِ اشْتَرَى بِمَالِهَا بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ نِصَابَ سَائِمَةٍ فَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ لِتَمَامِ حَوْلِهَا، ثُمَّ يَفْتَتِحُ حَوْلًا لِزَكَاةِ الْعَيْنِ أَبَدًا، وَإِذَا قُلْنَا: عَامِلُ الْقِرَاضِ لَا يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ فَعَلَى المَالِكِ زَكَاةُ الجَمِيعِ، فَإِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ حُسِبَتْ مِنَ الرِّبْحِ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ لَزِمَ المَالِكَ زَكَاةُ رَأْسِ المَالِ، وَحِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ، وَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَامِلَ زَكَاةُ حِصَّتِهِ.

بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ

تَجِبُ بِأَوَّلِ لَيْلَةِ الْعِيدِ فِي الْأَظْهَرِ، فَتُخْرَجُ عَمَّنْ مَاتَ بَعْدَ الْغُرُوبِ دُونَ مَنْ وُلِدَ. وَيُسَنُّ أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ صَلَاتِهِ، وَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِهِ. وَلَا فِطْرَةَ عَلَى كَافِرٍ إِلَّا فِي عَبْدِهِ وَقَرِيبِهِ المُسْلِمِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا رَقِيقٍ وَفِي المُكَاتَبِ وَجْهٌ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ يَلْزَمُهُ قِسْطُهُ وَلَا مُعْسِرٍ. فَمَنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ شَيْءٌ فَمُعْسِرٌ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ لَزِمَهُ فِطْرَتُهُ لَزِمَهُ فِطْرَةُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ المُسْلِمَ فِطْرَةُ الْعَبْدِ وَالْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ الْكُفَّارِ، وَلَا الْعَبْدَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ، وَلَا الِابْنَ فِطْرَةُ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَفِي الِابْنِ وَجْهٌ. وَلَوْ أَعْسَرَ الزَّوْجُ أَوْ كَانَ عَبْدًا فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُ زَوْجَتَهُ الحُرَّةَ فِطْرَتُهَا، وَكَذَا سَيِّدُ الْأَمَةِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ المَنْصُوصُ: لَا يَلْزَمُ الحُرَّةَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ انْقَطَعَ خَبَرُ الْعَبْدِ فَالمَذْهَبُ: وُجُوبُ إِخْرَاجِ فِطْرَتِهِ فِي الحَالِ، وَقِيلَ: إِذَا عَادَ. وَفِي قَوْلٍ: لَا شَيْءَ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ مَنْ أَيْسَرَ بِبَعْضِ صَاعٍ يَلْزَمُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ الصِّيعَانِ قَدَّمَ نَفْسَهُ، ثُمَّ زَوْجَتَهُ، ثُمَّ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ، ثُمَّ الْأَبَ، ثُمَّ الْأُمَّ، ثُمَّ الْكَبِيرَ. وَهِيَ: صَاعٌ، وَهُوَ: سِتُّمِئَةِ دِرْهَمٍ وَثَلَاثَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثٌ. قُلْتُ: وَالْأَصَحُّ: سِتُّمِئَةٍ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ لِمَا سَبَقَ فِي زَكَاةِ النَّبَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَجِنْسُهُ: الْقُوتُ المُعَشَّرُ، وَكَذَا الْأَقِطُ فِي الْأَظْهَرِ. وَتَجِبُ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ. وَقِيلَ: قُوتِهِ. وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَقْوَاتِ، وَيُجْزِئُ الْأَعْلَى عَنِ الْأَدْنَى، وَلَا عَكْسَ، وَالِاعْتِبَارُ بِالْقِيمَةِ فِي وَجْهٍ، وَبِزِيَادَةِ الِاقْتِيَاتِ فِي الْأَصَحِّ فَالْبُرُّ خَيْرٌ مِنَ التَّمْرِ وَالْأَرُزِّ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الشَّعِيرَ خَيْرٌ مِنَ التَّمْرِ، وَأَنَّ التَّمْرَ خَيْرٌ مِنَ الزَّبِيبِ. وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ قُوتٍ، وَعَنْ قَرِيبِهِ أَعْلَى مِنْهُ. وَلَا يُبَعَّضُ الصَّاعُ. وَلَوْ كَانَ فِي بَلَدٍ أَقْوَاتٌ لَا غَالِبَ فِيهَا تَخَيَّرَ، وَالْأَفْضَلُ أَشْرَفُهَا. وَلَوْ كَانَ عَبْدُهُ بِبَلَدٍ آخَرَ فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِقُوتِ بَلَدِ الْعَبْدِ. قُلْتُ: الْوَاجِبُ الحَبُّ السَّلِيمُ، وَلَوْ أَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ فِطْرَةَ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ الْغَنِيِّ جَازَ كَأَجْنَبِيٍّ أَذِنَ، بِخِلَافِ الْكَبِيرِ، وَلَوِ اشْتَرَكَ مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ فِي عَبْدٍ لَزِمَ المُوسِرَ نِصْفُ صَاعٍ، وَلَوْ أَيْسَرَا وَاخْتَلَفَ وَاجِبُهُمَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ وَاجِبِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

بَابُ مَنْ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ، وَمَا تَجِبُ فِيهِ

شَرْطُ وُجُوبِ زَكَاةِ المَالِ: الْإِسْلَامُ، وَالحُرِّيَّةُ، وَتَلْزَمُ المُرْتَدَّ إِنْ أَبْقَيْنَا مِلْكَهُ، دُونَ المُكَاتَبِ. وَتَجِبُ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ، وَكَذَا عَلَى مَنْ مَلَكَ بِبَعْضِهِ الحُرِّ نِصَابًا فِي الْأَصَحِّ، وَفِي المَغْصُوبِ وَالضَّالِّ وَالمَجْحُودِ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَا يَجِبُ دَفْعُهَا حَتَّى يَعُودَ، وَالمُشْتَرَى قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَتَجِبُ فِي الحَالِ عَنِ الْغَائِبِ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَكَمَغْصُوبٍ. وَالدَّيْنُ إِنْ كَانَ مَاشِيَةً، أَوْ غَيْرَ لَازِمٍ كَمَالِ كِتَابَةٍ فَلَا زَكَاةَ، أَوْ عَرْضًا أَوْ نَقْدًا فَكَذَا فِي الْقَدِيمِ، وَفِي الجَدِيدِ: إِنْ كَانَ حَالًّا وَتَعَذَّرَ أَخْذُهُ لِإِعْسَارٍ وَغَيْرِهِ فَكَمَغْصُوبٍ، وَإِنْ تَيَسَّرَ وَجَبَ تَزْكِيَتُهُ فِي الحَالِ. أَوْ مُؤَجَّلًا فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَمَغْصُوبٍ، وَقِيلَ: يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَهَا فِي أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ، وَالثَّالِثُ: يَمْنَعُ فِي المَالِ الْبَاطِنِ، وَهُوَ النَّقْدُ وَالْعَرْضُ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِدَيْنٍ، فَحَالَ الحَوْلُ فِي الحَجْرِ فَكَمَغْصُوبٍ. وَلَوِ اجْتَمَعَ زَكَاةٌ وَدَيْنُ آدَمِيٍّ فِي تَرِكَةٍ قُدِّمَتْ. وَفِي قَوْلٍ: الدَّيْنُ. وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَوِيَانِ. وَالْغَنِيمَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِنِ اخْتَارَ الْغَانِمُونَ تَمَلُّكَهَا وَمَضَى بَعْدَهُ حَوْلٌ، وَالجَمِيعُ صِنْفٌ زَكَوِيٌّ، وَبَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ شَخْصٍ نِصَابًا، أَوْ بَلَغَهُ المَجْمُوعُ فِي مَوْضِعِ ثُبُوتِ الخُلْطَةِ وَجَبَتْ زَكَاتُهَا، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ أَصْدَقَهَا نِصَابَ سَائِمَةٍ مُعَيَّنًا لَزِمَهَا زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلٌ مِنَ الْإِصْدَاقِ. وَلَوْ أَكْرَى دَارًا أَرْبَعَ سِنِينَ بِثَمَانِينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ إِلَّا زَكَاةَ مَا اسْتَقَرَّ، فَيُخْرِجُ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الْأُولَى زَكَاةَ عِشْرِينَ، وَلِتَمَامِ الثَّانِيَةِ زَكَاةَ عِشْرِينَ لِسَنَةٍ وَعِشْرِينَ لِسَنَتَيْنِ، وَلِتَمَامِ الثَّالِثَةِ زَكَاةَ أَرْبَعِينَ لِسَنَةٍ وَعِشْرِينَ لِثَلَاثِ سِنِينَ، وَلِتَمَامِ الرَّابِعَةِ زَكَاةَ سِتِّينَ لِسَنَةٍ وَعِشْرِينَ لِأَرْبَعٍ، وَالثَّانِي: يُخْرِجُ لِتَمَامِ الْأُولَى زَكَاةَ الثَّمَانِينَ.

فَصْلٌ

تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْفَوْرِ إِذَا تَمَكَّنَ، وَذَلِكَ بِحُضُورِ المَالِ وَالْأَصْنَافِ. وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِنَفْسِهِ زَكَاةَ المَالِ الْبَاطِنِ، وَكَذَا الظَّاهِرُ عَلَى الجَدِيدِ، وَلَهُ التَّوْكِيلُ، وَالصَّرْفُ إِلَى الْإِمَامِ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الصَّرْفَ إِلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَائِرًا. وَتَجِبُ: النِّيَّةُ فَيَنْوِي: (هَذَا فَرْضُ زَكَاةِ مَالِي) أَوْ (فَرْضُ صَدَقَةِ مَالِي)، وَنَحْوَهُمَا، وَلَا يَكْفِي: (هذا فَرْضُ مَالِي)، وَكَذَا الصَّدَقَةُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ المَالِ، وَلَوْ عَيَّنَ لَمْ يَقَعْ عَنْ غَيْرِهِ. وَتَلْزَمُ الْوَلِيَّ النِّيَّةُ إِذَا أَخْرَجَ زَكَاةَ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ. وَتَكْفِي نِيَّةُ المُوَكِّلِ عِنْدَ الصَّرْفِ إِلَى الْوَكِيلِ فِي الْأَصَحِّ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ الْوَكِيلُ عِنْدَ التَّفْرِيقِ أَيْضًا. وَلَوْ دَفَعَ إِلَى السُّلْطَانِ كَفَتِ النِّيَّةُ عِنْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُجْزِ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ نَوَى السُّلْطَانُ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَلْزَمُ السُّلْطَانَ النِّيَّةُ إِذَا أَخَذَ زَكَاةَ المُمْتَنِعِ، وَأَنَّ نِيَّتَهُ تَكْفِي.

فَصْلٌ

لَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ، وَيَجُوزُ قَبْلَ الحَوْلِ، وَلَا تُعَجَّلُ لِعَامَيْنِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرَةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَالصَّحِيحُ: مَنْعُهُ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَلَا الحَبِّ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ، وَيَجُوزُ بَعْدَهُمَا. وَشَرْطُ إِجْزَاءِ المُعَجَّلِ: بَقَاءُ المَالِكِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ إِلَى آخِرِ الحَوْلِ، وَكَوْنُ الْقَابِضِ فِي آخِرِ الحَوْلِ مُسْتَحِقًّا، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ عَنِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي أَثْنَاءِ الحَوْلِ لَمْ يُجْزِهِ، وَلَا يَضُرُّ غِنَاهُ بِالزَّكَاةِ. وَإِذَا لَمْ يَقَعِ المُعَجَّلُ زَكَاةً اسْتَرَدَّ إِنْ كَانَ شَرَطَ الِاسْتِرْدَادَ إِنْ عَرَضَ مَانِعٌ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: (هَذِهِ زَكَاتِي المُعَجَّلَةُ فَقَطْ) اسْتَرَدَّ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْجِيلِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْقَابِضُ لَمْ يَسْتَرِدَّ، وَأَنَّهُمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي مُثْبِتِ الِاسْتِرْدَادِ صُدِّقَ الْقَابِضُ بِيَمِينِهِ. وَمَتَى ثَبَتَ وَالمُعَجَّلُ تَالِفٌ وَجَبَ ضَمَانُهُ، وَالْأَصَحُّ: اعْتِبَارُ قِيمَتِهِ وَقْتَ الْقَبْضِ، وَأَنَّهُ إِنْ وَجَدَهُ نَاقِصًا فَلَا أَرْشَ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَرِدُّ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً. وَتَأْخِيرُ الزَّكَاةِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ يُوجِبُ الضَّمَانَ وَإِنْ تَلِفَ المَالُ، وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ فَلَا، وَلَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَغْرَمُ قِسْطَ مَا بَقِيَ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ بَعْدَ الحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ لَمْ تَسْقُطِ الزَّكَاةُ. وَهِيَ تَتَعَّلَقُ بِالمَالِ تَعَلُّقَ شَّرِكَةِ. وَفِي قَوْلٍ: تَعَلُّقَ الرَّهْنِ. وَفِي قَوْلٍ: بِالذِّمَّةِ، فَلَوْ بَاعَهُ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا فَالْأَظْهَرُ: بُطْلَانُهُ فِي قَدْرِهَا، وَصِحَّتُهُ فِي الْبَاقِي.

كِتَابُ الصِّيَامِ

يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، أَوْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وَثُبُوتُ رُؤْيَتِهِ بِعَدْلٍ. وَفِي قَوْلٍ: عَدْلَانِ. وَشَرْطُ الْوَاحِدِ: صِفَةُ الْعُدُولِ فِي الْأَصَحِّ، لَا عَبْدٍ وَامْرَأَةٍ. وَإِذَا صُمْنَا بِعَدْلٍ وَلَمْ نَرَ الْهِلَالَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ أَفْطَرْنَا فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً. وَإِذَا رُئِيَ بِبَلَدٍ لَزِمَ حُكْمُهُ الْبَلَدَ الْقَرِيبَ دُونَ الْبَعِيدِ فِي الْأَصَحِّ. وَالْبَعِيدُ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ. وَقِيلَ: بِاخْتِلَافِ المَطَالِعِ. قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَى الْبَلَدِ الْآخَرِ، فَسَافَرَ إِلَيْهِ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُوَافِقُهُمْ فِي الصَّوْمِ آخِرًا. وَمَنْ سَافَرَ مِنَ الْبَلَدِ الْآخَرِ إِلَى بَلَدِ الرُّؤْيَةِ عَيَّدَ مَعَهُمْ، وَقَضَى يَوْمًا. وَمَنْ أَصْبَحَ مُعَيِّدًا، فَسَارَتْ سَفِينَتُهُ إِلَى بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ أَهْلُهَا صِيَامٌ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُمْسِكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ.

فَصْلٌ

النِّيَّةُ شَرْطٌ لِلصَّوْمِ، وَيُشْتَرَطُ لِفَرْضِهِ التَّبْيِيتُ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ النِّصْفُ الْآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ الْأَكْلُ وَالْجِمَاعُ بَعْدَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّجْدِيدُ إِذَا نَامَ ثُمَّ تَنَبَّهَ. وَيَصِحُّ النَّفْلُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَكَذَا بَعْدَهُ فِي قَوْلٍ. وَالصَّحِيحُ: اشْتِرَاطُ حُصُولِ شَرْطِ الصَّوْمِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ. وَيَجِبُ التَّعْيِينُ فِي الْفَرْضِ. وَكَمَالُهُ فِي رَمَضَانَ: أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ للهِ تَعَالَى. وَفِي الْأَدَاءِ وَالْفَرْضِيَّةِ وَالْإِضَافَةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الْخِلَافُ المَذْكُورُ فِي الصَّلَاةِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّنَةِ. وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ رَمَضَانَ إِنْ كَانَ مِنْهُ، فَكَانَ مِنْهُ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ عَبْدٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ صِبْيَانٍ رُشَدَاءَ. وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ صَوْمَ غَدٍ إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ إِنْ كَانَ مِنْهُ. وَلَوِ اشْتَبَهَ صَامَ شَهْرًا بِالِاجْتِهَادِ، فَإِنْ وَافَقَ مَا بَعْدَ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ، وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَوْ نَقَصَ وَكَانَ رَمَضَانُ تَامًّا لَزِمَهُ يَوْمٌ آخَرُ، وَلَوْ غَلِطَ بِالتَّقْدِيمِ وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ لَزِمَهُ صَوْمُهُ، وَإِلَّا فَالجَدِيدُ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ. وَلَوْ نَوَتِ الحَائِضُ صَوْمَ غَدٍ قَبْلَ انْقِطَاعِ دَمِهَا، ثُمَّ انْقَطَعَ لَيْلًا صَحَّ إِنْ تَمَّ لَهَا فِي اللَّيْلِ أَكْثَرُ الحَيْضِ، وَكَذَا قَدْرُ الْعَادَةِ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

شَرْطُ الصَّوْمِ: الْإِمْسَاكُ عَنِ الْجِمَاعِ، وَالِاسْتِقَاءَةِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ بَطَلْ. وَإِنْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ فَلَا بَأْسَ، وَكَذَا لَوِ اقْتَلَعَ نُخَامَةً وَلَفَظَهَا فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ نَزَلَتْ مِنْ دِمَاغِهِ وَحَصَلَتْ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ مِنَ الْفَمِ فَلْيَقْطَعْهَا مِنْ مَجْرَاهَا وَلْيَمُجَّهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ فَوَصَلَتِ الجَوْفَ أَفْطَرَ فِي الْأَصَحِّ. وَعَنْ وُصُولِ الْعَيْنِ إِلَى مَا يُسَمَّى جَوْفًا. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ تُحِيلُ الْغِذَاءَ أَوِ الدَّوَاءَ. فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: بَاطِنُ الدِّمَاغِ وَالْبَطْنِ وَالْأَمْعَاءِ وَالمَثَانَةِ مُفَطِّرٌ بِالِاسْتِعَاطِ أَوِ الْأَكْلِ أَوِ الحُقْنَةِ، أَوِ الْوُصُولِ مِنْ جَائِفَةٍ وَمَأْمُومَةٍ وَنَحْوِهِمَا. وَالتَّقْطِيرُ فِي بَاطِنِ الْأُذُنِ وَالْإِحْلِيلِ مُفَطِرٌ فِي الْأَصَحِّ. وَشَرْطُ الْوَاصِلِ: كَوْنُهُ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوحٍ، فَلَا يَضُرُّ وُصُولُ الدُّهْنِ بِتَشَرُّبِ المَسَامِّ، وَلَا الِاكْتِحَالُ وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ بِحَلْقِهِ، وَكَوْنُهُ بِقَصْدٍ، فَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ ذُبَابٌ، أَوْ بَعُوضَةٌ، أَوْ غُبَارُ الطَّرِيقِ، وَغَرْبَلَةُ الدَّقِيقِ لَمْ يُفْطِرْ. وَلَا يُفْطِرُ بِبَلْعِ رِيقِهِ مِنْ مَعْدِنِهِ، فَلَوْ خَرَجَ عَنِ الْفَمِ ثُمَّ رَدَّهُ وَابْتَلَعَهُ، أَوْ بَلَّ خَيْطًا بِرِيقِهِ وَرَدَّهُ إِلَى فَمِهِ وَعَلَيْهِ رُطُوبَةٌ تَنْفَصِلُ، أَوِ ابْتَلَعَ رِيقَهُ مَخْلُوطًا بِغَيْرِهِ أَوْ مُتَنَجِّسًا أَفْطَرَ. وَلَوْ جَمَعَ رِيقَهُ فَابْتَلَعَهُ لَمْ يُفْطِرْ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ سَبَقَ مَاءُ المَضْمَضَةِ أَوِ الِاسْتِنْشَاقِ إِلَى جَوْفِهِ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ بَالَغَ أَفْطَرَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ بَقِيَ طَعَامٌ بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَجَرَى بِهِ رِيقُهُ لَمْ يُفْطِرْ إِنْ عَجَرَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ، وَلَوْ أُوجِرَ مُكْرَهًا لَمْ يُفْطِرْ، فَإِنْ أُكْرِهَ حَتَّى أَكَلَ أَفْطَرَ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: لَا يُفْطِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا لَمْ يُفْطِرْ إِلَّا أَنْ يُكْثِرَ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَا يُفْطِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْجِمَاعُ كَالْأَكْلِ عَلَى المَذْهَبِ. وَعَنِ الِاسْتِمْنَاءِ، فَيُفْطِرُ بِهِ، وَكَذَا خُرُوجُ المَنِيِّ بِلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ وَمُضَاجَعَةٍ، لَا فِكْرٍ وَنَظَرٍ بِشَهْوَةٍ. وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ لِمَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ، وَالْأَوْلَى لِغَيْرِهِ تَرْكُهَا. قُلْتُ: هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ فِي الْأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا يُفْطِرُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ. وَالِاحْتِيَاطُ أَلَّا يَأْكُلَ آخِرَ النَّهَارِ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَيَحِلُّ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَجُوزُ إِذَا ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ. قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ شَكَّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَكَلَ بِاجْتِهَادٍ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا وَبَانَ الْغَلَطُ بَطَلَ صَوْمُهُ، أَوْ بِلَا ظَنٍّ وَلَمْ يَبِنِ الحَالُ صَحَّ إِنْ وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ، وَبَطَلَ فِي آخِرِهِ. وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فَمِهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ صَحَّ صَوْمُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مُجَامِعًا فَنَزَعَ فِي الحَالِ، فَإِنْ مَكَثَ بَطَلَ.

فَصْلٌ

شَرْطُ الصَّوْمِ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّقَاءُ عَنِ الحَيْضِ وَالنِّفَاسِ جَمِيعَ النَّهَارِ. وَلَا يَضُرُّ النَّوْمُ المُسْتَغْرِقُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا يَضُرُّ إِذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ نَهَارِهِ. وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْعِيدِ، وَكَذَا التَّشْرِيقُ فِي الجَدِيدِ. وَلَا يَحِلُّ تَطَوُّعُ يَوْمِ الشَّكِّ بِلَا سَبَبٍ، فَلَوْ صَامَهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ، وَلَهُ صَوْمُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، وَكَذَا لَوْ وَافَقَ عَادَةَ تَطَوُّعِهِ، وَهُوَ: يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ، أَوْ شَهِدَ بِهَا صِبْيَانٌ أَوْ عَبِيدٌ أَوْ فَسَقَةٌ. وَلَيْسَ إِطْبَاقُ الْغَيْمِ بِشَكٍّ. وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ عَلَى تَمْرٍ، وَإِلَّا فَمَاءٍ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يَقَعْ فِي شَكٍّ، وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ، وَنَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ عَنِ الجَنَابَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْقُبْلَةِ وَذَوْقِ الطَّعَامِ وَالْعَلْكِ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: (اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ)، وَأَنْ يُكْثِرَ الصَّدَقَةَ، وَتِلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ، وَأَنْ يَعْتَكِفَ لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ.

فَصْلٌ

شَرْطُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ: الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَإِطَاقَتُهُ. وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ إِذَا أَطَاقَ. وَيُبَاحُ تَرْكُهُ لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا، وَلِلْمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا مُبَاحًا. وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَمَرِضَ أَفْطَرَ، وَإِنْ سَافَرَ فَلَا. وَلَوْ أَصْبَحَ المُسَافِرُ وَالمَرِيضُ صَائِمَيْنِ، ثُمَّ أَرَادَا الْفِطْرَ جَازَ، وَلَوْ أَقَامَ وَشُفِيَ حَرُمَ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَفْطَرَ المُسَافِرُ وَالمَرِيضُ قَضَيَا، وَكَذَا الحَائِضُ، وَالمُفْطِرُ بِلَا عُذْرٍ، وَتَارِكُ النِّيَّةِ. وَيَجِبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ بِالْإِغْمَاءِ وَالرِّدَّةِ دُونَ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ وَالصِّبَى وَالجُنُونِ. وَإِذَا بَلَغَ بِالنَّهَارِ صَائِمًا وَجَبَ إِتْمَامُهُ بِلَا قَضَاءٍ. وَلَوْ بَلَغَ فِيهِ مُفْطِرًا، أَوْ أَفَاقَ، أَوْ أَسْلَمَ فَلَا قَضَاءَ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَلْزَمُ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، لَا مُسَافِرًا وَمَرِيضًا زَالَ عُذْرُهُمَا بَعْدَ الْفِطْرِ، وَلَوْ زَالَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَا وَلَمْ يَنْوِيَا لَيْلًا فَكَذَا فِي المَذْهَبِ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ. وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ، بِخِلَافِ النَّذْرِ وَالْقَضَاءِ.

فَصْلٌ

مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَاتَ قَبْلَ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ فَلَا تَدَارُكَ لَهُ وَلَا إِثْمَ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ لَمْ يَصُمْ عَنْهُ وَلِيَّهُ فِي الجَدِيدِ، بَلْ يُخْرَجُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدُّ طَعَامٍ، وَكَذَا النَّذْرُ وَالْكَفَّارَةُ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، وَالْوَلِيُّ: كُلُّ قَرِيبٍ عَلَى المُخْتَارِ، وَلَوْ صَامَ أَجْنَبِيٌّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَحَّ، لَا مُسْتَقِلًّا فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوِ اعْتِكَافٌ لَمْ يُفْعَلْ عَنْهُ وَلَا فِدْيَةَ، وَفِي الِاعْتِكَافِ قَوْلٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْأَظْهَرُ: وُجُوبُ المُدِّ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ لِلْكِبَرِ. وَأَمَّا الحَامِلُ وَالمُرْضِعُ فَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى نَفْسَيْهِمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِلَا فِدْيَةٍ، أَوْ عَلَى الْوَلَدِ لَزِمَتَهُمَا الْفِدْيَةُ فِي الْأَظْهَرِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَلْحَقُ بِالمُرْضِعِ مَنْ أَفْطَرَ لِإِنْقَاذِ مُشْرِفٍ عَلَى هَلَاكٍ، لَا المُتَعَدِّي بِفِطْرِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ. وَمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ مَعَ إِمْكَانِهِ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ لَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ. وَالْأَصَحُّ: تَكَرُّرُهُ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ، وَأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ مَعَ إِمْكَانِهِ فَمَاتَ أُخْرِجَ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ: مُدٌّ لِلْفَوَاتِ، وَمُدٌّ لِلتَّأْخِيرِ. وَمَصْرِفُ الْفِدْيَةِ: الْفُقَرَاءُ أَوِ المَسَاكِينُ، وَلَهُ صَرْفُ أَمْدَادٍ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ. وَجِنْسُهَا جِنْسُ الْفِطْرَةِ.

فَصْلٌ

تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، وَلَا كَفَّارَةَ: عَلَى نَاسٍ، وَلَا مُفْسِدٍ غَيْرَ رَمَضَانَ، أَوْ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، وَلَا مُسَافِرٍ جَامَعَ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ، وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا عَلَى مَنْ ظَنَّ اللَّيْلَ فَبَانَ نَهَارًا، وَلَا مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الْأَكْلِ نَاسِيًا وَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ، وَلَا مَنْ زَنَى نَاسِيًا، وَلَا مُسَافِرٍ أَفْطَرَ بِالزِّنَا مُتَرَخِّصًا. وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ عَنْهُ. وَفِي قَوْلٍ: عَنْهُ وَعَنْهَا. وَفِي قَوْلٍ: عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ أُخْرَى. وَتَلْزَمُ مَنِ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَجَامَعَ فِي يَوْمِهِ. وَمَنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ. وَحُدُوثُ السَّفَرِ بَعْدَ الْجِمَاعِ لَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ، وَكَذَا المَرَضُ عَلَى المَذْهَبِ. وَيَجِبُ مَعَهَا قَضَاءُ يَوْمِ الْإِفْسَادِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهِيَ: عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَلَوْ عَجَزَ عَنِ الجَمِيعِ اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ فِي الْأَظْهَرِ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ فَعَلَهَا. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الْعُدُولَ عَنِ الصَّوْمِ إِلَى الْإِطْعَامِ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتِهِ إِلَى عِيَالِهِ.

بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ

يُسَنُّ: صَوْمُ الِاثْنَيْنِ، وَالخَمِيسِ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَتَاسُوعَاءَ، وَأَيَّامِ الْبِيضِ، وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَتَتَابُعُهَا أَفْضَلُ. وَيُكْرَهُ: إِفْرَادُ الجُمُعَةِ، وَإِفْرَادُ السَّبْتِ، وَصَوْمُ الدَّهْرِ غَيْرَ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا أَوْ فَوْتَ حَقٍّ، وَمُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِهِ. وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاتِهِ فَلَهُ قَطْعُهُمَا وَلَا قَضَاءَ. وَمَنْ تَلَبَّسَ بِقَضَاءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهُ إِنْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ صَوْمُ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ فِي الْأَصَحِّ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ.

كِتَابُ الِاعْتِكَافِ

هُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الحَادِي أَوِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ. وَإِنَّمَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي المَسْجِدِ، وَالجَامِعُ أَوْلَى. وَالجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ المَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَهُوَ المُعْتَزَلُ المُهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ. وَلَوْ عَيَّنَ المَسْجِدَ الحَرَامَ فِي نَذْرِهِ الِاعْتِكَافَ تَعَيَّنَ، وَكَذَا مَسْجِدُ المَدِينَةِ وَالْأَقْصَى فِي الْأَظْهَرِ، وَيَقُومُ المَسْجِدُ الحَرَامُ مَقَامَهُمَا وَلَا عَكْسَ، وَيَقُومُ مَسْجِدُ المَدِينَةِ مَقَامَ الْأَقْصَى وَلَا عَكْسَ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الِاعْتِكَافِ لُبْثُ قَدْرٍ يُسَمَّى عُكُوفًا، وَقِيلَ: يَكْفِي مُرُورٌ بِلَا لُبْثٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُكْثُ نَحْوِ يَوْمٍ. وَيَبْطُلُ بِالْجِمَاعِ. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ: أَنَّ المُبَاشَرَةَ بِشَهْوَةٍ كَلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ تُبْطِلُهُ إِنْ أَنْزَلَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا فَكَجِمَاعِ الصَّائِمِ. وَلَا يَضُرُّ التَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ وَالْفِطْرُ، بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ. وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ لَزِمَهُ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا، أَوْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا لَزِمَاهُ، وَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ جَمْعِهِمَا. وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الِاعْتِكَافِ، وَيَنْوِي فِي النَّذْرِ الْفَرْضِيَّةَ، وَإِذَا أَطْلَقَ كَفَتْهُ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ، لَكِنْ لَوْ خَرَجَ وَعَادَ احْتَاجَ إِلَى الِاسْتِئْنَافِ. وَلَوْ نَوَى مُدَّةً فَخَرَجَ فِيهَا وَعَادَ: فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ قَضَاءِ الحَاجَةِ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ، أَوْ لَهَا فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِ اسْتَأْنَفَ، وَقِيلَ: لَا يَسْتَأْنِفُ مُطْلَقًا. وَلَوْ نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً، فَخَرَجَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ لَمْ يَجِبِ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَغُسْلِ الجَنَابَةِ وَجَبَ. وَشَرْطُ المُعْتَكِفِ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّقَاءُ عَنِ الحَيْضِ وَالجَنَابَةِ. وَلَوِ ارْتَدَّ المُعْتَكِفُ أَوْ سَكِرَ بَطَلَ. وَالمَذْهَبُ: بُطْلَانُ مَا مَضَى مِنِ اعْتِكَافِهِمَا المُتَتَابِعِ. وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى إِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَيُحْسَبُ زَمَنُ الْإِغْمَاءِ مِنَ الِاعْتِكَافِ دُونَ الجُنُونِ، أَوِ الحَيْضُ وَجَبَ الخُرُوجُ، وَكَذَا الجَنَابَةُ إِنْ تَعَذَّرَ الْغُسْلُ فِي المَسْجِدِ، فَلَوْ أَمْكَنَ جَازَ الخُرُوجُ، وَلَا يَلْزَمُ، وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الحَيْضِ وَلَا الجَنَابَةِ.

فَصْلٌ

إِذَا نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً لَزِمَهُ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّتَابُعُ بِلَا شَرْطٍ، وَأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ يَوْمًا لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُ سَاعَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ مُدَّةً كَأُسْبُوعٍ وَتَعَرَّضَ لِلتَّتَابُعِ وَفَاتَتْهُ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْقَضَاءِ. وَإِذَا ذَكَرَ التَّتَابُعَ وَشَرَطَ الخُرُوجَ لِعَارِضٍ صَحَّ الشَّرْطُ فِي الْأَظْهَرِ، وَالزَّمَانُ المَصْرُوفُ إِلَيْهِ لَا يَجِبُ تَدَارُكُهُ إِنْ عَيَّنَ المُدَّةَ كَهَذَا الشَّهْرِ، وَإِلَّا فَيَجِبُ. وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِالخُرُوجِ بِلَا عُذْرٍ. وَلَا يَضُرُّ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَلَا الخُرُوجُ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ، وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ دَارِهِ، وَلَا يَضُرُّ بُعْدُهَا إِلَّا أَنْ يَفْحُشَ فَيَضُرُّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ عَادَ مَرِيضًا فِي طَرِيقِهِ لَمْ يَضُرَّ مَا لَمْ يَطُلْ وُقُوفُهُ أَوْ يَعْدِلْ عَنْ طَرِيقِهِ. وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِمَرَضٍ يُحْوِجُ إِلَى الخُرُوجِ، وَلَا بِحَيْضٍ إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ الِاعْتِكَافِ، فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنْهُ انْقَطَعَ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَا بِالخُرُوجِ نَاسِيًا عَلَى المَذْهَبِ، وَلَا بِخُرُوجِ المُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ إِلَى مَنَارَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ المَسْجِدِ لِلْأَذَانِ فِي الْأَصَحِّ. وَيَجِبُ قَضَاءُ أَوْقَاتِ الخُرُوجِ بِالْأَعْذَارِ إِلَّا وَقْتَ قَضَاءِ الحَاجَةِ.

كِتَابُ الحَجِّ

هُوَ فَرْضٌ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ فِي الْأَظْهَرِ. وَشَرْطُ صِحَّتِهِ: الْإِسْلَامُ، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَالمَجْنُونِ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ مِنَ المُسْلِمِ المُمَيِّزِ. وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِالمُبَاشَرَةِ إِذَا بَاشَرَهُ المُكَلَّفُ الحُرُّ، فَيُجْزِئُ حَجُّ الْفَقِيرِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ. وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الْإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَالحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: اسْتِطَاعَةُ مُبَاشَرَةٍ وَلَهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وُجُودُ الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ، وَمُؤْنَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِبَلَدِهِ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ لَمْ تُشْتَرَطْ نَفَقَةُ الْإِيَابِ، فَلَوْ كَانَ يَكْتَسِبُ مَا يَفِي بِزَادِهِ وَسَفَرُهُ طَوِيلٌ لَمْ يُكَلَّفِ الحَجَّ، وَإِنْ قَصُرَ وَهُوَ يَكْتَسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ كُلِّفَ. الثَّانِي: وُجُودُ الرَّاحِلَةِ لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، فَإِنْ لَحِقَهُ بِالرَّاحِلَةِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ اشْتُرِطَ وُجُودُ مَحْمِلٍ، وَاشْتُرِطَ شَرِيكٌ يَجْلِسُ فِي الشِّقِّ الْآخَرِ. وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى المَشْيِ يَلْزَمُهُ الحَجُّ، فَإِنْ ضَعُفَ فَكَالْبَعِيدِ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلَيْنِ عَنْ دَيْنِهِ، وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ. وَالْأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَبْدٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِخِدْمَتِهِ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَالِ تِجَارَتِهِ إِلَيْهِمَا. الثَّالِثُ: أَمْنُ الطَّرِيقِ، فَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ سَبُعًا أَوْ عَدُوًّا أَوْ رَصَدِيًّا وَلَا طَرِيقَ سِوَاهُ لَمْ يَجِبِ الحَجُّ. وَالْأَظْهَرُ: وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ إِنْ غَلَبَتِ السَّلَامَةُ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْبَذْرَقَةِ. وَيُشْتَرَطُ: وُجُودُ المَاءِ وَالزَّادِ فِي المَوَاضِعِ المُعْتَادِ حَمْلُهُ مِنْهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَهُوَ الْقَدْرُ اللَّائِقُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ، وَعَلَفِ الدَّابَّةِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ. وَفِي المَرْأَةِ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا زَوْجٌ، أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ نِسْوَةٌ ثِقَاتٌ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَحْرَمٍ لِإِحْدَاهُنَّ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهَا أُجْرَةُ المَحْرَمِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِهَا. الرَّابِعُ: أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ. وَعَلَى الْأَعْمَى الحَجُّ إِنْ وَجَدَ قَائِدًا، وَهُوَ كَالمَحْرَمِ فِي حَقِّ المَرْأَةِ. وَالمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَغَيْرِهِ، لَكِنْ لَا يُدْفَعُ المَالُ إِلَيْهِ، بَلْ يَخْرُجُ مَعَهُ الْوَلِيُّ أَوْ يَنْصِبُ شَخْصًا لَهُ. النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةُ تَحْصِيلِهِ بِغَيْرِهِ، فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ حَجٌّ وَجَبَ الْإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ. وَالمَعْضُوبُ الْعَاجِزُ عَنِ الحَجِّ بِنَفْسِهِ إِنْ وَجَدَ أُجْرَةَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لَزِمَهُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا فَاضِلَةً عَنِ الحَاجَاتِ المَذْكُورَةِ فِيمَنْ حَجَّ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَا يُشْتَرَطُ نَفَقَةُ الْعِيَالِ ذَهَابًا وَإِيَابًا. وَلَوْ بَذَلَ وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِلْأُجْرَةِ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ وَجَبَ قَبُولُهُ، وَكَذَا الْأَجْنَبِيُّ فِي الْأَصَحِّ.

بَابُ المَوَاقِيتِ

وَقْتُ إِحْرَامِ الحَجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقَعْدَةِ، وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَجْهٌ. فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ انْعَقَدَ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ. وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتٌ لِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ. وَالْمِيقَاتُ المَكَانِيُّ لِلْحَجِّ فِي حَقِّ مَنْ بِمَكَّةَ: نَفْسُ مَكَّةَ، وَقِيلَ: كُلُّ الحَرَمِ. وَأَمَّا غَيْرُهُ: فَمِيقَاتُ المُتَوَجِّهِ مِنَ المَدِينَةِ: ذُو الحُلَيْفَةِ، وَمِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ وَالمَغْرِبِ: الجُحْفَةُ، وَمِنْ تِهَامَةِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الْحِجَازِ: قَرْنٌ، وَمِنَ المَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ. وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ، وَيَجُوزُ مِنْ آخِرِهِ. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَا يَنْتَهِي إِلَى مِيقَاتٍ فَإِنْ حَاذَى مِيقَاتًا أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ، أَوْ مِيقَاتَيْنِ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذَاةِ أَبْعَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ أَحْرَمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. وَمَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ فَمِيقَاتُهُ مَسْكَنُهُ. وَمَنْ بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا، ثُمَّ أَرَادَهُ فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ، وَإِنْ بَلَغَهُ مُرِيدًا لَمْ تَجُزْ مُجَاوَزَتُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِيُحْرِمَ مِنْهُ إِلَّا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ عَادَ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ سَقَطَ الدَّمُ، وَإِلَّا فَلَا. وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ الْمِيقَاتِ. قُلْتُ: الْمِيقَاتُ أَظْهَرُ، وَهُوَ المُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الحَرَمِ: مِيقَاتُ الحَجِّ. وَمَنْ بِالحَرَمِ: يَلْزَمُهُ الخُرُوجُ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَلَوْ بِخَطْوَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَأَتَى بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ أَجْزَأَتْهُ فِي الْأَظْهَرِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، فَلَوْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ بَعْدَ إِحْرَامِهِ سَقَطَ الدَّمُ عَلَى المَذْهَبِ. وَأَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ: الْجِعْرَانَةُ، ثُمَّ التَّنْعِيمُ، ثُمَّ الحُدَيْبِيَةُ.

بَابُ الْإِحْرَامِ

يَنْعَقِدُ مُعَيَّنًا بِأَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ كِلَيْهِمَا، وَمُطْلَقًا بِأَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى نَفْسِ الْإِحْرَامِ، وَالتَّعْيِينُ أَفْضَلُ، وَفِي قَوْلٍ: الْإِطْلَاقُ. فَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إِلَى مَا شَاءَ مِنَ النُّسُكَيْنِ أَوْ إِلَيْهِمَا ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالْأَعْمَالِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ فَالْأَصَحُّ: انْعِقَادُهُ عُمْرَةً، فَلَا يَصْرِفُهُ إِلَى الحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ. وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ عَدَمَ إِحْرَامِ زَيْدٍ لَمْ يَنْعَقِدْ وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ كَإِحْرَامِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ إِحْرَامِهِ بِمَوْتِهِ جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا وَعَمِلَ أَعْمَالَ النُّسُكَيْنِ.

فَصْلٌ

المُحْرِمُ يَنْوِي وَيُلَبِّي، فَإِنْ لَبَّى بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ، وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ انْعَقَدَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيُسَنُّ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ، فَإِنْ عَجَزَ تَيَمَّمَ، وَلِدُخُولِ مَكَّةَ، وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ غَدَاةَ النَّحْرِ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلرَّمْيِ، وَأَنْ يُطَيِّبَ بَدَنَهُ لِلْإِحْرَامِ، وَكَذَا ثَوْبُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ، وَلَا بِطِيبٍ لَهُ جِرْمٌ، لَكِنْ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَهُ المُطَيَّبَ ثُمَّ لَبِسَهُ لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ فِي الْأَصَحِّ، وَأَنْ تُخَضِّبَ المَرْأَةُ لِلْإِحْرَامِ يَدَيْهَا وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لِإِحْرَامِهِ عَنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ وَيَلْبَسَ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ وَنَعْلَيْنِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ الْأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَوْ تَوَجَّهَ لِطَرِيقِهِ مَاشِيًا، وَفِي قَوْلٍ: يَحْرُمُ عَقِبَ الصَّلَاةِ. وَيُسْتَحَبُّ إِكْثَارُ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا فِي دَوَامِ إِحْرَامِهِ، وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَايُرِ الْأَحْوَالِ كَرُكُوبٍ وَنُزُولٍ وَصُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَاخْتِلَاطِ رُفْقَةٍ، وَلَا تُسْتَحَبُّ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ. وَفِي الْقَدِيمِ: تُسْتَحَبُّ فِيهِ بِلَا جَهْرٍ. وَلَفْظُهَا: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ). وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ قَالَ: (لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ). وَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى الجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ، وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنَ النَّارِ.

بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ

الْأَفْضَلُ: دُخُولُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا مِنْ طَرِيقِ المَدِينَةِ بِذِي طَوًى، وَيَدْخُلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، وَيَقُولَ إِذَا أَبْصَرَ الْبَيْتَ: (اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا، اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ). ثُمَّ يَدْخُلُ المَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَيَبْتَدِأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ. وَيَخْتَصُّ طَوَافُ الْقُدُومِ بِحَاجٍّ دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ لَا لِنُسُكٍ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، إِلَّا أَنْ يَتَكَرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ.

فَصْلٌ

لِلطَّوَافِ بِأَنْوَاعِهِ وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ: أَمَّا الْوَاجِبَاتُ فَيُشْتَرَطُ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ. وَطَهَارَةُ الحَدَثِ وَالنَّجَسِ، فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَأْنِفُ. وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، مُبْتَدِئًا بِالحَجَرِ الْأَسْوَدِ مُحَاذِيًا لَهُ فِي مُرُورِهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ، فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الحَجَرِ لَمْ يُحْسَبْ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ ابْتَدَأَ مِنْهُ، وَلَوْ مَشَى عَلَى الشَّاذَرْوَانِ أَوْ مَسَّ الْجِدَارَ فِي مُوَازَاتِهِ، أَوْ دَخَلَ مِنْ إِحْدَى فَتْحَتَيِ الْحِجْرِ وَخَرَجَ مِنَ الْأُخْرَى لَمْ تَصِحَّ طَوْفَتُهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ المَسِّ وَجْهٌ. وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا دَاخِلَ المَسْجِدِ. وَأَمَّا السُّنَنُ: فَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا. وَيَسْتَلِمَ الحَجَرَ أَوَّلَ طَوَافِهِ وَيُقَبِّلَهُ، وَيَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ اسْتَلَمَ، فَإِنْ عَجَزَ أَشَارَ بِيَدِهِ، وَيُرَاعِي ذَلِكَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا. وَيَسْتَلِمُ الْيَمَانِيَّ وَلَا يُقَبِّلَهُ، وَأَنْ يَقُولَ أَوَّلَ طَوَافِهِ: (بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ: (اللَّهُمَّ إِنَّ الْبَيْتُ بَيْتُكَ، وَالحَرَمُ حَرَمُكَ، وَالْأَمْنُ أَمْنُكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ)، وَبَيْنَ الْيَمَانِيَّيْنِ: (اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ مَأْثُورِهِ. وَأَنْ يَرْمُلَ فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الْأُوَلَى بِأَنْ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ، وَيَمْشِيَ فِي الْبَاقِي، وَيَخْتَصُّ الرَّمَلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ، وَفِي قَوْلٍ: بِطَوَافِ الْقُدُومِ، وَلْيَقُلْ فِيهِ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا). وَأَنْ يَضْطَبِعَ فِي جَمِيعِ كُلِّ طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ، وَكَذَا فِي السَّعْيِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تَحْتَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى الْأَيْسَرِ وَلَا تَرْمُلُ المَرْأَةُ وَلَا تَضْطَبِعُ. وَأَنْ يَقْرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، فَلَوْ فَاتَ الرَّمَلُ بِالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ فَالرَّمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى، إِلَّا أَنْ يَخَافَ صَدْمَ النِّسَاءِ فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَلٍ أَوْلَى. وَأَنْ يُوَالِيَ طَوَافَهُ، وَأَنْ وَيُصَلِّيَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ المَقَامِ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وَفِي الثَّانِيَةِ: (الْإِخْلَاصَ)، وَيَجْهَرُ لَيْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ المُوَالَاةُ وَالصَّلَاةُ. وَلَوْ حَمَلَ الحَلَالُ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ حُسِبَ لِلْمَحْمُولِ، وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ قَصَدَهُ لِلْمَحْمُولِ فَلَهُ، وَإِنْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهُمَا فَلِلْحَامِلِ فَقَطْ.

فَصْلٌ

يَسْتَلِمُ الحَجَرَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَصَلَاتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا لِلسَّعْيِ. وَشَرْطُهُ: أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا، وَأَنْ يَسْعَى سَبْعًا، ذَهَابُهُ مِنَ الصَّفَا إِلَى المَرْوَةِ مَرَّةً، وَعَوْدُهُ مِنْهَا إِلَيْهِ أُخْرَى، وَأَنْ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَوْ قُدُومٍ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَمَنْ سَعَى بَعْدَ قُدُومٍ لَمْ يُعِدْهُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالمَرْوَةِ قَدْرَ قَامَةٍ، فَإِذَا رَقِيَ قَالَ: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، وَالحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَوْلَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ دِينًا وَدُنْيَا. قُلْتُ: وَيُعِيدُ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَنْ يَمْشِيَ أَوَّلَ المَسْعَى وَآخِرَهُ وَيَعْدُوَ فِي الْوَسَطِ، وَمَوْضِعُ النَّوْعَيْنِ مَعْرُوفٌ.

فَصْلٌ

يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَوْ مَنْصُوبِهِ أَنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ فِي سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً فَرْدَةً، يَأْمُرُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ إِلَى مِنًى، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ المَنَاسِكِ، وَيَخْرُجَ بِهِمْ مِنْ غَدٍ إِلَى مِنًى وَيَبِيتُوا بِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَصَدُوا عَرَفَاتٍ. قُلْتُ: وَلَا يَدْخُلُونَهَا بَلْ يُقِيمُونَ بِنَمِرَةَ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ يَخْطُبَ الْإِمَامُ بَعْدَ الزَّوَالِ خُطْبَتَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا، وَيَقِفُوا بِعَرَفَةَ إِلَى الْغُرُوبِ، وَيَذْكُرُوا اللهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ، وَيُكْثِرُوا التَّهْلِيلَ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَصَدُوا مُزْدَلِفَةَ وَأَخَّرُوا المَغْرِبَ لِيُصَلُّوهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ جَمْعًا. وَوَاجِبُ الْوُقُوفِ: حُضُورُهُ بِجُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ مَارًّا فِي طَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لَا مُغْمًى عَلَيْهِ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّوْمِ. وَوَقْتُ الْوُقُوفِ: مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وَالصَّحِيحُ: بَقَاؤُهُ إِلَى الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَوْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ أَرَاقَ دَمًا اسْتِحْبَابًا، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ. وَإِنْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الْغُرُوبِ فَلَا دَمَ، وَكَذَا إِنْ عَادَ لَيْلًا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَقَفُوا الْيَوْمَ الْعَاشِرَ غَلَطًا أَجْزَأَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَقِلُّوا عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فَيَقْضُونَ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ وَعَلِمُوا قَبْلَ فَوَاتِ الْوَقْتِ وَجَبَ الْوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ عَلِمُوا بَعْدَهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

وَيَبِيتُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَمَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَهُ وَعَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي أَرَاقَ دَمًا، وَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ. وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى مِنًى، وَيَبْقَى غَيْرُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ مُغَلِّسِينَ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ إِلَى مِنًى وَيَأْخُذُونَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ حَصَى الرَّمْيِ، فَإِذَا بَلَغُوا المَشْعَرَ الحَرَامَ وَقَفُوا وَدَعَوْا إِلَى الْإِسْفَارِ، ثُمَّ يَسِيرُونَ فَيَصِلُونَ مِنًى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَرْمِي كُلُّ شَخْصٍ حِينَئِذٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْيِ، وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَذْبَحُ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ، ثُمَّ يَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ، وَالحَلْقُ أَفْضَلُ، وَتُقَصِّرُ المَرْأَةُ. وَالحَلْقُ نُسُكٌ عَلَى المَشْهُورِ. وَأَقَلُّهُ: ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ، حَلْقًا أَوْ تَقْصِيرًا أَوْ نَتْفًا أَوْ إِحْرَاقًا أَوْ قَصًّا، وَمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ يُسْتَحَبُّ إِمْرَارُ المُوسَى عَلَيْهِ. فَإِذَا حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ طَوَافَ الرُّكْنِ وَسَعَى إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى مِنًى. وَهَذَا الرَّمْيُ وَالذَّبْحُ وَالحَلْقُ وَالطَّوَافُ يُسَنُّ تَرْتِيبُهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِنِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ إِلَى آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ. وَلَا يَخْتَصُّ الذَّبْحُ بِزَمَنٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: اخْتِصَاصُهُ بِوَقْتِ الْأُضْحِيَةِ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ عَلَى الصَّوَابِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالحَلْقُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهَا. وَإِذَا قُلْنَا: الحَلْقُ نُسُكٌ فَفَعَلَ اثْنَيْنِ مِنَ الرَّمْيِ وَالحَلْقِ وَالطَّوَافِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ، وَحَلَّ بِهِ اللُّبْسُ وَالحَلْقُ وَالْقَلْمُ، وَكَذَا الصَّيْدُ وَعَقْدُ النِّكَاحِ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: لَا يَحِلُّ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا فَعَلَ الثَّالِثَ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَحَلَّ بِهِ بَاقِي المُحَرَّمَاتِ.

فَصْلٌ

إِذَا عَادَ إِلَى مِنًى بَاتَ بِهَا لَيْلَتَيِ التَّشْرِيقِ، وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ كُلَّ جَمْرَةٍ سَبْعَ حَصَيَاتٍ. فَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَأَرَادَ النَّفْرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ جَازَ وَسَقَطَ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَرَمْيُ يَوْمِهَا، فَإِنْ لَمْ يَنْفُرْ حَتَّى غَرَبَتْ وَجَبَ مَبِيتُهَا وَرَمْيُ الْغَدِ. وَيَدْخُلُ رَمْيُ التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ، وَيَخْرُجُ بِغُرُوبِهَا، وَقِيلَ: يَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ. وَيُشْتَرَطُ رَمْيُ السَّبْعِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَتَرْتِيبُ الجَمَرَاتِ، وَكَوْنُ المَرْمِيِّ حَجَرًا، وَأَنْ يُسَمَّى رَمْيًا، فَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ. وَالسُّنَّةُ: أَنْ يَرْمِيَ بِقَدْرِ حَصَى الخَذْفِ. وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الحَجَرِ فِي المَرْمَى، وَلَا كَوْنُ الرَّامِي خَارِجًا عَنِ الجَمْرَةِ. وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الرَّمْيِ اسْتَنَابَ. وَإِذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمِ تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَلَا دَمَ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَالمَذْهَبُ: تَكْمِيلُ الدَّمِ فِي ثَلَاثِ حَصَيَاتٍ. وَإِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ طَافَ لِلْوَدَاعِ، وَلَا يَمْكُثُ بَعْدَهُ، وَهُوَ وَاجِبٌ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، وَفِي قَوْلٍ: سُنَّةٌ لَا يُجْبَرُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَخَرَجَ بِلَا وَدَاعٍ فَعَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ سَقَطَ الدَّمُ، أَوْ بَعْدَهَا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَلِلْحَائِضِ النَّفْرُ بِلَا وَدَاعٍ. وَيُسَنُّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ، وَزِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ فَرَاغِ الحَجِّ.

فَصْلٌ

أَرْكَانُ الحَجِّ خَمْسَةٌ: الْإِحْرَامُ، وَالْوُقُوفُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْيُ، وَالحَلْقُ إِذَا جَعَلْنَاهُ نُسُكًا، وَلَا تُجْبَرُ بِدَمٍ، وَمَا سِوَى الْوُقُوفِ أَرْكَانٌ فِي الْعُمْرَةِ أَيْضًا. وَيُؤَدَّى النُّسُكَانِ عَلَى أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: الْإِفْرَادُ بِأَنْ يَحُجَّ، ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ كَإِحْرَامِ المَكِّيِّ وَيَأْتِيَ بِعَمَلِهَا. الثَّانِي: الْقِرَانُ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنَ الْمِيقَاتِ، وَيَعْمَلَ عَمَلَ الحَجِّ فَيَحْصُلَانِ. وَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ بِحَجٍّ قَبْلَ الطَّوَافِ كَانَ قَارِنًا، وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ فِي الجَدِيدِ. الثَّالِثُ: التَّمَتُّعُ بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يُنْشِئُ حَجًّا مِنْ مَكَّةَ. وَأَفْضَلُهَا: الْإِفْرَادُ، وَبَعْدَهُ التَّمَتُّعُ، وَبَعْدَ التَّمَتُّعِ الْقِرَآنُ، وَفِي قَوْلٍ: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ مِنَ الْإِفْرَادِ. وَعَلَى المُتَمَتِّعِ دَمٌ بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ. وَحَاضِرُوهُ: مَنْ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: مِنَ الحَرَمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَنْ تَقَعَ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنْ سَنَتِهِ. وَأَلَّا يَعُودَ لِإِحْرَامِ الحَجِّ إِلَى الْمِيقَاتِ. وَوَقْتُ وُجُوبِ الدَّمِ: إِحْرَامُهُ بِالحَجِّ. وَالْأَفْضَلُ: ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ فِي مَوْضِعِهِ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَةً فِي الحَجِّ تُسْتَحَبُّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَيُنْدَبُ تَتَابُعُ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا السَّبْعَةُ. وَلَوْ فَاتَتْهُ الثَّلَاثَةُ فِي الحَجِّ فالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُفَرِّقَ فِي قَضَائِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ. وَعَلَى الْقَارِنِ دَمٌ كَدَمِ التَّمَتُّعِ. قُلْتُ: بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

بَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ

أَحَدُهَا: سَتْرُ بَعْضِ رَأْسِ الرَّجُلِ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا إِلَّا لِحَاجَةٍ، وَلُبْسُ المَخِيطِ أَوِ المَنْسُوجِ أَوِ المَعْقُودِ فِي سَائِرِ بَدَنِهِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَوَجْهُ المَرْأَةِ كَرَأْسِهِ، وَلَهَا لُبْسُ المَخِيطِ إِلَّا الْقُفَّازَ فِي الْأَظْهَرِ. الثَّانِي: اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ، وَدَهْنُ شَعْرِ الرَّأْسِ أَوِ اللِّحْيَةِ، وَلَا يُكْرَهُ غَسْلُ بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ بِخِطْمِيٍّ. الثَّالِثُ: إِزَالَةُ الشَّعْرِ أَوِ الظُّفُرِ، وَتَكْمُلُ الْفِدْيَةُ فِي ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ أَوْ ثَلَاثَةِ أَظْفَارٍ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ فِي الشَّعْرَةِ مُدَّ طَعَامٍ، وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ مُدَّيْنِ، وَلِلْمَعْذُورِ أَنْ يَحْلِقَ وَيَفْدِيَ. الرَّابِعُ: الْجِمَاعُ، وَتَفْسُدُ بِهِ الْعُمْرَةُ، وَكَذَا الحَجُّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَتَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ، وَالمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، وَالْقَضَاءُ وَإِنْ كَانَ نُسُكُهُ تَطَوُّعًا، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ. الخَامِسُ: اصْطِيَادُ كُلِّ مَأْكُولٍ بَرِّيٍّ. قُلْتُ: وَكَذَا المُتَوَلِّدُ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الحَرَمِ عَلَى الحَلَالِ. فَإِنْ أَتْلَفَ صَيْدًا ضَمِنَهُ. فَفِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي بَقَرِ الْوَحْشِ وَحِمَارِهِ بَقَرَةٌ، وَالْغَزَالِ عَنْزٌ، وَالْأَرْنَبِ عَنَاقٌ، وَالْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، وَمَا لَا نَقْلَ فِيهِ يَحْكُمُ بِمِثْلِهِ عَدْلَانِ، وَفِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ الْقِيمَةُ. وَيَحْرُمُ قَطْعُ نَبَاتِ الحَرَمِ الَّذِي لَا يُسْتَنْبَتُ، وَالْأَظْهَرُ: تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِهِ وَبِقَطْعِ أَشْجَارِهِ، فَفِي الشَّجَرَةِ الْكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ، وَالصَّغِيرَةِ شَاةٌ. قُلْتُ: وَالمُسْتَنْبَتُ كَغَيْرِهِ عَلَى المَذْهَبِ، وَيَحِلُّ الْإِذْخِرُ، وَكَذَا الشَّوْكُ كَالْعَوْسَجِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وَالْأَصَحُّ: حِلُّ أَخْذِ نَبَاتِهِ لِعَلَفِ الْبَهَائِمِ وَلِلدَّوَاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَصَيْدُ المَدِينَةِ حَرَامٌ، وَلَا يُضْمَنُ فِي الجَدِيدِ. وَيَتَخَيَّرُ فِي الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ بَيْنَ ذَبْحِ مِثْلِهِ وَالصَّدَقَةِ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الحَرَمِ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْلَ دَرَاهِمَ وَيَشْتَرِيَ بِهِ طَعَامًا لَهُمْ، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَغَيْرُ الْمِثْلِيِّ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا أَوْ يَصُومُ. وَيَتَخَيَّرُ فِي فِدْيَةِ الحَلْقِ بَيْنَ ذَبْحِ شَاةٍ، وَالتَّصَدُّقِ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الدَّمَ فِي تَرْكِ المَأْمُورِ كَالْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ دَمُ تَرْتِيبٍ، فَإِذَا عَجَزَ اشْتَرَى بِقِيمَةِ الشَّاةِ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَدَمُ الْفَوَاتِ كَدَمِ التَّمَتُّعِ، وَيَذْبَحُهُ فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ فِي الْأَصَحِّ. وَالدَّمُ الْوَاجِبُ بِفِعْلِ حَرَامٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ، وَيَخْتَصُّ ذَبْحُهُ بِالحَرَمِ فِي الْأَظْهَرِ، وَيَجِبُ صَرْفُ لَحْمِهِ إِلَى مَسَاكِينِهِ. وَأَفْضَلُ بُقْعَةٍ لِذَبْحِ المُعْتَمِرِ المَرْوَةُ، وَالحَاجِّ مِنًى وَكَذَا حُكْمُ مَا سَاقَا مِنْ هَدْيٍ مَكَانًا، وَوَقْتُهُ وَقْتُ الْأُضْحِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ.

بَابُ الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ

مَنْ أُحْصِرَ تَحَلَّلَ، وَقِيلَ: لَا تَتَحَلَّلُ الشِّرْذِمَةُ. وَلَا تَحَلُّلَ بِالمَرَضِ، فَإِنْ شَرَطَهُ تَحَلَّلَ بِهِ عَلَى المَشْهُورِ. وَمَنْ تَحَلَّلَ ذَبَحَ شَاةً حَيْثُ أُحْصِرَ. قُلْتُ: إِنَّمَا يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ بِالذَّبْحِ وَنِيَّةِ التَّحَلُّلِ، وَكَذَا الحَلْقُ إِنْ جَعَلْنَاهُ نُسُكًا، فَإِنْ فُقِدَ الدَّمُ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّ لَهُ بَدَلًا، وَأَنَّهُ طَعَامٌ بِقِيمَةِ الشَّاةِ، فَإِنْ عَجَزَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَلَهُ التَّحَلُّلُ فِي الحَالِ فِي الْأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا أَحْرَمَ الْعَبْدُ بِلَا إِذْنٍ فَلِسَيِّدِهِ تَحْلِيلُهُ. وَلِلزَّوْجِ تَحْلِيلُهَا مِنْ حَجِّ تَطَوُّعٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، وَكَذَا مِنَ الْفَرْضِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا قَضَاءَ عَلَى المُحْصَرِ المُتَطَوِّعِ، فَإِنْ كَانَ نُسُكُهُ فَرْضًا مُسْتَقِرًّا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ اعْتُبِرَتِ الِاسْتِطَاعَةُ بَعْدُ. وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ تَحَلَّلَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ وَحَلْقٍ، وَفِيهِمَا قَوْلٌ، وَعَلَيْهِ دَمٌ وَالْقَضَاءُ.

كِتَابُ الْبَيْعِ

شَرْطُهُ: الْإِيجَابُ كَـ(بِعْتُكَ وَمَلَّكْتُكَ)، وَالْقَبُولُ كَـ(اشْتَرَيْتُ وَتَمَلَّكْتُ وَقَبِلْتُ). وَيَجُوزُ تَقَدُّمُ لَفْظِ المُشْتَرِي، فَلَوْ قَالَ: (بِعْنِي) فَقَالَ: (بِعْتُكَ) انْعَقَدَ فِي الْأَظْهَرِ. وَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ كَـ(جَعَلْتُهُ لَكَ بِكَذَا) فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ أَلَّا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ لَفْظَيْهِمَا، وَأَنْ يَقْبَلَ عَلَى وَفْقِ الْإِيجَابِ، فَلَوْ قَالَ: (بِعْتُكَ بِأَلْفٍ مُكَسَّرَةٍ)، فَقَالَ: (قَبِلْتُ بِأَلْفٍ صَحِيحَةٍ) لَمْ يَصِحَّ. وَإِشَارَةُ الْأَخْرَسِ بِالْعَقْدِ كَالنُّطْقِ. وَشَرْطُ الْعَاقِدِ: الرُّشْدُ. قُلْتُ: وَعَدَمُ الْإِكْرَاهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ المُصْحَفَ وَالمُسْلِمَ فِي الْأَظْهَرِ، إِلَّا أَنْ يَعْتِقَ عَلَيْهِ فَيَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا الحَرْبِيِّ سِلَاحًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلِلْمَبِيعِ شُرُوطٌ: طَهَارَةُ عَيْنِهِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْكَلْبِ وَالخَمْرِ وَالمُتَنَجِّسِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَالخَلِّ وَاللَّبَنِ، وَكَذَا الدُّهْنُ فِي الْأَصَحِّ. الثَّانِي: النَّفْعُ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الحَشَرَاتِ، وَكُلِّ سَبُعٍ لَا يَنْفَعُ، وَلَا حَبَّتَيِ الْحِنْطَةِ، وَآلَةِ اللَّهْوِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْآلَةِ إِنْ عُدَّ رُضَاضُهَا مَالًا. وَيَصِحُّ بَيْعُ المَاءِ عَلَى الشَّطِّ، وَالتُّرَابِ بِالصَّحْرَاءِ فِي الْأَصَحِّ. الثَّالِثُ: إِمْكَانُ تَسْلِيمِهِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الضَّالِّ وَالْآبِقِ وَالمَغْصُوبِ. فَإِنْ بَاعَهُ لِقَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ نِصْفِ مُعَيَّنٍ مِنَ الْإِنَاءِ وَالسَّيْفِ وَنَحْوِهِمَا، وَيَصِحُّ فِي الثَّوْبِ الَّذِي لَا يَنْقُصُ بِقَطْعِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا المَرْهُونِ بِغَيْرِ إِذْنِ مُرْتَهِنِهِ، وَلَا الجَانِي المُتَعَلِّقِ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَا يَضُرُّ تَعَلُّقُهُ بِذِمَّتِهِ، وَكَذَا تَعَلُّقُ الْقِصَاصِ فِي الْأَظْهَرِ. الرَّابِعُ: الْمِلْكُ لِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ، فَبَيْعُ الْفُضُولِيِّ بَاطِلٌ، وَفِي الْقَدِيمِ: مَوْقُوفٌ إِنْ أَجَازَ مَالِكُهُ نَفَذَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ بَاعَ مَالَ مُوَرِّثِهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ وَكَانَ مَيْتًا صَحَّ فِي الْأَظْهَرِ. الخَامِسُ: الْعِلْمُ بِهِ، فَبَيْعُ أَحَدِ الثَّوْبَيْنِ بَاطِلٌ، وَيَصِحُّ بَيْعُ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ تُعْلَمُ صِيعَانُهَا، وَكَذَا إِنْ جُهِلَتْ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ بَاعَ بِمِلْءِ ذَا الْبَيْتِ حِنْطَةً، أَوْ بِزِنَةِ هَذِهِ الحَصَاةِ ذَهَبًا، أَوْ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ، أَوْ بِأَلْفٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ لَمْ يَصِحَّ البَيع. وَلَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ وَفِي الْبَلَدِ نَقْدٌ غَالِبٌ تَعَيَّنَ، أَوْ نَقْدَانِ لَمْ يَغْلِبْ أَحَدُهُمَا اشْتُرِطَ التَّعْيِينُ. وَيَصِحُّ بَيْعُ الصُّبْرَةِ المَجْهُولَةِ الصِّيعَانِ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، وَلَوْ بَاعَهَا بِمِئَةِ دِرْهَمٍ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ صَحَّ إِنْ خَرَجَتْ مِئَةً، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَتَى كَانَ الْعِوَضُ مُعَيَّنًا كَفَتْ مُعَايَنَتُهُ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ. وَتَكْفِي الرُّؤْيَةُ قَبْلَ الْعَقْدِ فِيمَا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا إِلَى وَقْتِ الْعَقْدِ، دُونَ مَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا. وَتَكْفِي رُؤْيَةُ بَعْضِ المَبِيعِ إِنْ دَلَّ عَلَى بَاقِيهِ كَظَاهِرِ الصُّبْرَةِ، وَأُنْمُوذَجِ المُتَمَاثِلِ، أَوْ كَانَ صُوَانًا لِلْبَاقِي خِلْقَةً كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ، وَالْقِشْرَةِ السُّفْلَى لِلْجَوْزِ وَاللَّوْزِ. وَتُعْتَبَرُ رُؤْيَةُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ وَصْفَهُ بِصِفَةِ السَّلَمِ لَا يَكْفِي. وَيَصِحُّ سَلَمُ الْأَعْمَى، وَقِيلَ: إِنْ عَمِيَ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ فَلَا.

بَابُ الرِّبَا

إِذَا بِيعَ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ إِنْ كَانَا جِنْسًا اشْتُرِطَ الحُلُولُ، وَالمُمَاثَلَةُ، وَالتَّقَابُضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، أَوْ جِنْسَيْنِ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ جَازَ التَّفَاضُلُ، وَاشْتُرِطَ الحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ. وَالطَّعَامُ مَا قُصِدَ لِلطُّعْمِ اقْتِيَاتًا أَوْ تَفَكُّهًا أَوْ تَدَاوِيًا. وَأَدِقَّةُ الْأُصُولِ المُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ وَخُلُولُهَا وَأَدْهَانُهَا أَجْنَاسٌ، وَاللُّحُومُ وَالْأَلْبَانُ كَذَلِكَ فِي الْأَظْهَرِ. وَالمُمَاثَلَةُ تُعْتَبَرُ فِي المَكِيلِ كَيْلًا، وَالمَوْزُونِ وَزْنًا. وَالمُعْتَبَرُ: غَالِبُ عَادَةِ الْحِجَازِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمَا جُهِلَ يُرْعَى فِيهِ عَادَةُ بَلَدِ الْبَيْعِ، وَقِيلَ: الْكَيْلُ، وَقِيلَ: الْوَزْنُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ اعْتُبِرَ. وَالنَّقْدُ بِالنَّقْدِ كَطَعَامٍ بِطَعَامٍ. وَلَوْ بَاعَ جِزَافًا تَخْمِينًا لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ خَرَجَا سَوَاءً. وَتُعْتَبَرُ المُمَاثَلَةُ وَقْتَ الجَفَافِ وَقَدْ يُعْتَبَرُ الْكَمَالُ أَوَّلًا فَلَا يُبَاعُ رُطَبٌ بِرُطَبٍ وَلَا بِتَمْرٍ، وَلَا عِنَبٌ بِعِنَبٍ وَلَا بِزَبِيبٍ. وَمَا لَا جَفَافَ لَهُ كَالْقِثَّاءِ وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ لَا يُبَاعُ أَصْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تَكْفِي مُمَاثَلَتُهُ رَطْبًا. وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالخُبْزِ، بَلْ تُعْتَبَرُ المُمَاثَلَةُ فِي الحُبُوبِ حَبًّا، وَفِي حُبُوبِ الدُّهْنِ كَالسِّمْسِمِ حَبًّا أَوْ دُهْنًا، وَفِي الْعِنَبِ زَبِيبًا أَوْ خَلَّ عِنَبٍ، وَكَذَا الْعَصِيرُ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي اللَّبَنِ لَبَنًا أَوْ سَمْنًا أَوْ مَخِيضًا صَافِيًا، وَلَا يَكْفِي التَّمَاثُلُ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ كَالجُبْنِ وَالْأَقِطِ. وَلَا تَكْفِي مُمَاثَلَةُ مَا أَثَّرَتْ فِيهِ النَّارُ بِالطَّبْخِ أَوِ الْقَلْيِ أَوِ الشَّيِّ. وَلَا يَضُرُّ تَأْثِيرُ تَمْيِيزٍ كَالْعَسَلِ وَالسَّمْنِ. وَإِذَا جَمَعَتِ الصَّفْقَةُ رِبَوِيًّا مِنَ الجَانِبَيْنِ وَاخْتَلَفَ الْجِنْسُ مِنْهُمَا كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ، وَكَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ أَوِ النَّوْعُ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا فَبَاطِلَةٌ. وَيَحْرُمُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَذَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ فِي الْأَظْهَرِ.

بَابٌ

نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ: عَسْبِ الْفَحْلِ، وَهُوَ: ضِرَابُهُ، وَيُقَالُ: مَاؤُهُ. وَيُقَالُ: أُجْرَةُ ضِرَابِهِ. فَيَحْرُمُ ثَمَنُ مَائِهِ، وَكَذَا أُجْرَتُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَعَنْ حَبَلِ الحَبَلَةِ، وَهُوَ: نِتَاجُ النِّتَاجِ بِأَنْ يَبِيعَ نِتَاجَ النِّتَاجِ، أَوْ بِثَمَنٍ إِلَى نِتَاجِ النِّتَاجِ. وَعَنِ المَلَاقِيحِ، وَهِيَ: مَا فِي الْبُطُونِ. وَالمَضَامِينِ، وَهِيَ: مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ. وَالمُلَامَسَةِ بِأَنْ يَلْمَسَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا ثُمَّ يَشْتَرِيهِ عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ لَهُ إِذَا رَآهُ، أَوْ يَقُولَ: (إِذَا لَمَسْتَهُ فَقَدْ بِعْتُكَهُ). وَالمُنَابَذَةِ بِأَنْ يَجْعَلَا النَّبْذَ بَيْعًا. وَبَيْعِ الحَصَاةِ بِأَنْ يَقُولَ: (بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الْأَثْوَابِ مَا تَقَعُ هَذِهِ الحَصَاةُ عَلَيْهِ)، أَوْ يَجْعَلَا الرَّمْيَ بَيْعًا، أَوْ (بِعْتُكَ وَلَكَ الْخِيَارُ إِلَى رَمْيِهَا). وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ بِأَنْ يَقُولَ: (بِعْتُكَ بِأَلْفٍ نَقْدًا أَوْ بِأَلْفَيْنِ إِلَى سَنَةٍ) أَوْ (بِعْتُكَ ذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي دَارَكَ بِكَذَا). وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ كَبَيْعٍ بِشَرْطِ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ. وَلَوِ اشْتَرَى زَرْعًا بِشَرْطِ أَنْ يَحْصُدَهُ الْبَائِعُ، أَوْ ثَوْبًا وَيَخِيطَهُ فَالْأَصَحُّ: بُطْلَانُهُ. وَتُسْتَثْنَى صُوَرٌ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعَيْبِ، أَوْ بِشَرْطِ قَطْعِ الثَّمَرِ وَالْأَجَلِ وَالرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ المُعَيَّنَاتِ لِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَالْإِشْهَادِ وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الشُّهُودِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَرْهَنْ أَوْ لَمْ يَتَكَفَّلِ المُعَيَّنُ فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ. وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِشَرْطِ إِعْتَاقِهِ فَالمَشْهُورُ: صِحَّةُ الْبَيْعِ وَالشَّرْطِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ لِلْبَائِعِ مُطَالَبَةَ المُشْتَرِي بِالْإِعْتَاقِ، وَأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ مَعَ الْعِتْقِ الْوَلَاءَ لَهُ، أَوْ شَرَطَ تَدْبِيرَهُ، أَوْ كِتَابَتَهُ، أَوْ إِعْتَاقَهُ بَعْدَ شَهْرٍ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ. وَلَوْ شَرَطَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ كَالْقَبْضِ وَالرَّدِّ بِعَيْبٍ، أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ كَشَرْطِ أَلَّا يَأْكُلَ إِلَّا كَذَا صَحَّ. وَلَوْ شَرَطَ وَصْفًا يُقْصَدُ كَكَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِبًا، أَوِ الدَّابَّةِ حَامِلًا، أَوْ لَبُونًا صَحَّ. وَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ أَخْلَفَ. وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي الدَّابَّةِ. وَلَوْ قَالَ: (بِعْتُكَهَا وَحَمْلَهَا) بَطَلَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الحَمْلِ وَحْدَهُ، وَلَا الحَامِلِ دُونَهُ، وَلَا الحَامِلِ بِحُرٍّ. وَلَوْ بَاعَ حَامِلًا مُطْلَقًا دَخَلَ الحَمْلُ فِي الْبَيْعِ.

فَصْلٌ

وَمِنَ المَنْهِيِّ عَنْهُ مَا لَا يُبْطِلُ لِرُجُوعِهِ إِلَى مَعْنًى يَقْتَرِنُ بِهِ كَبَيْعِ حَاضِرٍ لِبَادٍ بِأَنْ يَقْدُمَ غَرِيبٌ بِمَتَاعٍ تَعُمُّ الحَاجَةُ إِلَيْهِ لِيَبِيعَهُ بِسِعْرِ يَوْمِهِ فَيَقُولُ بَلَدِيٌّ: (اتْرُكْهُ عِنْدِي لِأَبِيعَهُ عَلَى التَّدْرِيجِ بِأَغْلَى). وَتَلَقِّي الرُّكْبَانِ بِأَنْ يَتَلَقَّى طَائِفَةً يَحْمِلُونَ مَتَاعًا إِلَى الْبَلَدِ، فَيَشْتَرِيَهُ قَبْلَ قُدُومِهِمْ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِالسِّعْرِ، وَلَهُمُ الْخِيَارُ إِذَا عَرَفُوا الْغَبْنَ. وَالسَّوْمِ عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ. وَالْبَيْعِ عَلَى بَيْعِ غَيْرِهِ قَبْلَ لُزُومِهِ بِأَنْ يَأْمُرَ المُشْتَرِيَ بِالْفَسْخِ لِيَبِيعَهُ مِثْلَهُ. وَالشِّرَاءِ عَلَى الشِّرَاءِ بِأَنْ يَأْمُرَ الْبَائِعَ بِالْفَسْخِ لِيَشْتَرِيَهُ. وَالنَّجَشِ بِأَنْ يَزِيدَ فِي الثَّمَنِ لَا لِرَغْبَةٍ بَلْ لِيَخْدَعَ غَيْرَهُ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا خِيَارَ. وَبَيْعِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ لِعَاصِرِ الخَمْرِ. وَيَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ حَتَّى يُمَيِّزَ. وَفِي قَوْلٍ: حَتَّى يَبْلُغَ. وَإِذَا فَرِّقَ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ بَطَلَا فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْعَرَبُونِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ وَيُعْطِيَهُ دَرَاهِمَ لِتَكُونَ مِنَ الثَّمَنِ إِنْ رَضِيَ السِّلْعَةَ، وَإِلَّا فَهِبَةً.

فَصْلٌ

بَاعَ خَلًّا وَخَمْرًا، أَوْ عَبْدَهُ وَحُرًّا، أَوْ وَعَبْدَ غَيْرِهِ، أَوْ مُشْتَرَكًا بِغَيْرِ إِذْنِ الْآخَرِ صَحَّ فِي مِلْكِهِ فِي الْأَظْهَرِ، فَيَتَخَيَّرُ المُشْتَرِي إِنْ جَهِلَ، فَإِنْ أَجَازَ فَبِحِصَّتِهِ مِنَ المُسَمَّى بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِمَا. وَفِي قَوْلٍ: بِجَمِيعِهِ، وَلَا خِيَارَ لِلْبَائِعِ. وَلَوْ بَاعَ عَبْدَيْهِ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْآخَرِ عَلَى المَذْهَبِ، بَلْ يَتَخَيَّرُ، فَإِنْ أَجَازَ فَبِالْحِصَّةِ قَطْعًا. وَلَوْ جَمَعَ فِي صَفْقَةٍ مُخْتَلِفَيِ الحُكْمِ كَإِجَارَةٍ وَبَيْعٍ أَوْ سَلَمٍ صَحَّا فِي الْأَظْهَرِ، وَيُوَزَّعُ المُسَمَّى عَلَى قِيمَتِهِمَا، أَوْ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ صَحَّ النِّكَاحُ، وَفِي الْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ الْقَوْلَانِ. وَتَتَعَدَّدُ الصَّفْقَةُ بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ كَبِعْتُكَ ذَا بِكَذَا، وَذَا بِكَذَا، وَبِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ، وَكَذَا بِتَعَدُّدِ المُشْتَرِي فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ وَكَّلَاهُ أَوْ وَكَّلَهُمَا فَالْأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْوَكِيلِ.

بَابُ الْخِيَارِ

يَثْبُتُ خِيَارُ المَجْلِسِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيْعِ: كَالصَّرْفِ وَالطَّعَامِ بِطَّعَامٍ وَالسَّلَمِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالتَّشْرِيكِ وَصُلْحِ المُعَاوَضَةِ. وَلَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ أَوْ مَوْقُوفٌ فَلَهُمَا الْخِيَارُ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي تَخَيَّرَ الْبَائِعُ دُونَهُ. وَلَا خِيَارَ فِي الْإِبْرَاءِ وَالنِّكَاحِ وَالْهِبَةِ بِلَا ثَوَابٍ، وَكَذَا ذَاتُ الثَّوَابِ وَالشُّفْعَةِ وَالْإِجَارَةُ وَالمُسَاقَاةُ وَالصَّدَاقُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَنْقَطِعُ بِالتَّخَايُرِ بِأَنْ يَخْتَارَا لُزُومَهُ، فَلَوِ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا سَقَطَ حَقُّهُ وَبَقِيَ لِلْآخَرِ، وَبِالتَّفَرُّقِ بِبَدَنِهِمَا، فَلَوْ طَالَ مُكْثُهُمَا أَوْ قَامَا وَتَمَاشَيَا مَنَازِلَ دَامَ خِيَارُهُمَا، وَيُعْتَبَرُ فِي التَّفَرُّقِ الْعُرْفُ. وَلَوْ مَاتَ فِي المَجْلِسِ أَوْ جُنَّ فَالْأَصَحُّ: انْتِقَالُهُ إِلَى الْوَارِثِ وَالْوَلِيِّ. وَلَوْ تَنَازَعَا فِي التَّفَرُّقِ أَوِ الْفَسْخِ قَبْلَهُ صُدِّقَ النَّافِي.

فَصْلٌ

لَهُمَا وَلِأَحَدِهِمَا شَرْطُ الْخِيَارِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيْعِ، إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ الْقَبْضُ فِي المَجْلِسِ كَرِبَوِيٍّ وَسَلَمٍ. وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ لَا تَزِيدُ عَنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَتُحْسَبُ مِنَ الْعَقْد. وَقِيلَ: مِنَ التَّفَرُّقِ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ فَمِلْكُ المَبِيعِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي فَلَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُمَا فَمَوْقُوفٌ، وَإِنْ تَمَّ الْبَيْعُ بَانَ أَنَّهُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ حِينِ الْعَقْدِ، وَإِلَّا فَلِلْبَائِعِ. وَيَحْصُلُ الْفَسْخُ وَالْإِجَازَةُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا كَفَسَخْتُ الْبَيْعَ، وَرَفَعْتُهُ، وَاسْتَرْجَعْتُ المَبِيعَ، وَفِي الْإِجَازَةِ: أَجَزْتُهُ، وَأَمْضَيْتُهُ. وَوَطْءُ الْبَائِعِ وَإِعْتَاقُهُ فَسْخٌ، وَكَذَا بَيْعُهُ وَإِجَارَتُهُ وَتَزْوِيجُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ مِنَ المُشْتَرِي إِجَازَةٌ، وَأَنَّ الْعَرْضَ عَلَى الْبَيْعِ وَالتَّوْكِيلَ فِيهِ لَيْسَ فَسْخًا مِنَ الْبَائِعِ، وَلَا إِجَازَةً مِنَ المُشْتَرِي.

فَصْلٌ

لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بِظُهُورِ عَيْبٍ قَدِيمٍ كَخَصَاءِ رَقِيقٍ، وَزِنَاهُ، وَسَرِقَتِهِ، وَإِبَاقِهِ، وَبَوْلِهِ بِالْفِرَاشِ، وَبَخَرِهِ، وَصِنَانِهِ، وَجِمَاحِ الدَّابَّةِ وَعَضِّهَا، وَكُلِّ مَا يَنْقُصُ الْعَيْنَ أَوِ الْقِيمَةَ نَقْصًا يَفُوتُ بِهِ عَرَضٌ صَحِيحٌ إِذَا غَلَبَ فِي جِنْسِ المَبِيعِ عَدَمُهُ، سَوَاءٌ قَارَنَ الْعَقْدَ أَمْ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَهُ فَلَا خِيَارَ إِلَّا أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَطْعِهِ بِجِنَايَةٍ سَابِقَةٍ فَيَثْبُتُ الرَّدُّ فِي الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ مَوْتِهِ بِمَرَضٍ سَابِقٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قُتِلَ بِرِدَّةٍ سَابِقَةٍ ضَمِنَهُ الْبَائِعُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ بَرَاءَتِهِ مِنَ الْعُيُوبِ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ عَيْبٍ بَاطِنٍ بِالحَيَوَانِ لَمْ يَعْلَمْهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَهُ مَعَ هَذَا الشَّرْطِ الرَّدُّ بِعَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَوْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ عَمَّا يَحْدُثُ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ هَلَكَ المَبِيعُ عِنْدَ المُشْتَرِي أَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ عَلِمَ الْعَيْبَ رَجَعَ بِالْأَرْشِ، وَهُوَ: جُزْءٌ مِنْ ثَمَنِهِ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ نِسْبَةُ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنَ الْقِيمَةِ لَوْ كَانَ سَلِيمًا، وَالْأَصَحُّ: اعْتِبَارُ أَقَلِّ قِيَمِهِ مِنْ يَوْمِ الْبَيْعِ إِلَى الْقَبْضِ. وَلَوْ تَلِفَ الثَّمَنُ دُونَ المَبِيعِ رَدَّهُ وَأَخَذَ مِثْلَ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَتَهُ. وَلَوْ عَلِمَ الْعَيْبَ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَلَا أَرْشَ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ عَادَ الْمِلْكُ فَلَهُ الرَّدُّ. وَقِيلَ: إِنْ عَادَ بِغَيْرِ الرَّدِّ بِعَيْبٍ فَلَا رَدَّ. وَالرَّدُّ عَلَى الْفَوْرِ، فَلْيُبَادِرْ عَلَى الْعَادَةِ. فَلَوْ عَلِمَ وَهُوَ يُصَلِّي أَوْ يَأْكُلُ فَلَهُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى يَفْرُغَ، أَوْ لَيْلًا فَحَتَّى يُصْبِحَ. فَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ بِالْبَلَدِ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ عَلَى وَكِيلِهِ، وَلَوْ تَرَكَهُ وَرَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الحَاكِمِ فَهُوَ آكَدُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا رَفَعَ إِلَى الحَاكِمِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ عَلَى الْفَسْخِ إِنْ أَمْكَنَهُ حَتَّى يُنْهِيَهُ إِلَى الْبَائِعِ أَوِ الحَاكِمِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْإِشْهَادِ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّلَفُّظُ بِالْفَسْخِ فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الِاسْتِعْمَالِ، فَلَوِ اسْتَخْدَمَ الْعَبْدَ أَوْ تَرَكَ عَلَى الدَّابَّةِ سَرْجَهَا أَوْ إِكَافَهَا بَطَلَ حَقُّهُ، وَيُعْذَرُ فِي رُكُوبِ جَمُوحٍ يَعْسُرُ سَوْقُهَا وَقَوْدُهَا. وَإِذَا سَقَطَ رَدُّهُ بِتَقْصِيرٍ فَلَا أَرْشَ. وَلَوْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ سَقَطَ الرَّدُّ قَهْرًا، ثُمَّ إِنْ رَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ رَدَّهُ المُشْتَرِي أَوْ قَنِعَ بِهِ، وَإِلَّا فَلْيَضُمَّ المُشْتَرِي أَرْشَ الحَادِثِ إِلَى المَبِيعِ وَيَرُدَّ، أَوْ يَغْرَمُ الْبَائِعُ أَرْشَ الْقَدِيمِ وَلَا يَرُدُّ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَحَدِهِمَا فَذَاكَ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ: إِجَابَةُ مَنْ طَلَبَ الْإِمْسَاكَ. وَيَجِبُ أَنْ يُعْلِمَ المُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى الْفَوْرِ بِالحَادِثِ لِيَخْتَارَ، فَإِنْ أَخَّرَ إِعْلَامَهُ بِلَا عُذْرٍ فَلَا رَدَّ وَلَا أَرْشَ. وَلَوْ حَدَثَ عَيْبٌ لَا يُعْرَفُ الْقَدِيمُ إِلَّا بِهِ كَكَسْرِ بَيْضٍ وَرَانِجٍ، وَتَقْوِيرِ بِطِّيخٍ مُدَوِّدٍ رَدَّ وَلَا أَرْشَ عَلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ. فَإِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَةُ الْقَدِيمِ بِأَقَلَّ مِمَّا أَحْدَثَهُ فَكَسَائِرِ الْعُيُوبِ الحَادِثَةِ.

فَرْعٌ

اشْتَرَى عَبْدَيْنِ مَعِيبَيْنِ صَفْقَةً رَدَّهُمَا، وَلَوْ ظَهَرَ عَيْبُ أَحَدِهِمَا رَدَّهُمَا لَا المَعِيبَ وَحْدَهُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَ رَجُلَيْنِ مَعِيبًا فَلَهُ رَدُّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَلَوِ اشْتَرَيَاهُ فَلِأَحَدِهِمَا الرَّدُّ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ الْعَيْبِ صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ عَلَى حَسَبِ جَوَابِهِ. وَالزِّيَادَةُ المُتَّصِلَةُ كَالسِّمَنِ تَتْبَعُ الْأَصْلَ وَالمُنْفَصِلَةُ كَالْوَلَدِ وَالْأُجْرَةِ لَا تَمْنَعُ الرَّدَّ، وَهِيَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ رَدَّ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ بَاعَهَا حَامِلًا فَانْفَصَلَ رَدَّهُ مَعَهَا فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ الِاسْتِخْدَامُ وَوَطْءُ الثَّيِّبِ. وَاقْتِضَاضُ الْبِكْرِ بَعْدَ الْقَبْضِ نَقْصٌ حَدَثَ، وَقَبْلَهُ جِنَايَةٌ عَلَى المَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ.

فَصْلٌ

التَّصْرِيَةُ حَرَامٌ تُثْبِتُ الْخِيَارَ عَلَى الْفَوْرِ. وَقِيلَ: يَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. فَإِنْ رَدَّ بَعْدَ تَلَفِ اللَّبَنِ رَدَّ مَعَهَا صَاعَ تَمْرٍ. وَقِيلَ: يَكْفِي صَاعُ قُوتٍ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الصَّاعَ لَا يَخْتَلِفُ بِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، وَأَنَّ خِيَارَهَا لَا يَخْتَصُّ بِالنَّعَمِ بَلْ يَعُمُّ كُلَّ مَأْكُولٍ وَالجَارِيَةَ وَالْأَتَانَ، وَلَا يَرُدُّ مَعَهُمَا شَيْئًا، وَفِي الجَارِيَةِ وَجْهٌ. وَحَبْسُ مَاءِ الْقَنَاةِ وَالرَّحَى المُرْسَلِ عِنْدَ الْبَيْعِ، وَتَحْمِيرُ الْوَجْهِ، وَتَسْوِيدُ الشَّعْرِ وَتَجْعِيدُهُ يُثْبِتُ الْخِيَارَ، لَا لَطْخُ ثَوْبِهِ تَخْيِيلًا لِكِتَابَتِهِ فِي الْأَصَحِّ.

بَابٌ

المَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ. فَإِنْ تَلِفَ انْفَسَخَ الْبَيْعُ وَسَقَطَ الثَّمَنُ، وَلَوْ أَبْرَأَهُ المُشْتَرِي عَنِ الضَّمَانِ لَمْ يَبْرَأْ فِي الْأَظْهَرِ وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الحُكْمُ. وَإِتْلَافُ المُشْتَرِي قَبْضٌ إِنْ عَلِمَ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ كَأَكْلِ المَالِكِ طَعَامَهُ المَغْصُوبَ ضَيْفًا. وَالمَذْهَبُ: أَنَّ إِتْلَافَ الْبَائِعِ كَتَلَفِهِ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ إِتْلَافَ الْأَجْنَبِيِّ لَا يَفْسَخُ، بَلْ يَتَخَيَّرُ المُشْتَرِي بَيْنَ أَنْ يُجِيزَ وَيَغَرَمَ الْأَجْنَبِيَ، أَوْ يَفْسَخَ فَيُغَرِّمَ الْبَائِعُ الْأَجْنَبِيَّ. وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَرَضِيَهُ أَخَذَهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ. وَلَوْ عَيَّبَهُ المُشْتَرِي فَلَا خِيَارَ، أَوِ الْأَجْنَبِيُّ فَالْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازَ غَرِمَ الْأَجْنَبِيُّ الْأَرْشَ. وَلَوْ عَيَّبَهُ الْبَائِعُ فَالمَذْهَبُ: ثُبُوتُ الْخِيَارِ لَا التَّغْرِيمِ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ المَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ بَيْعَهُ لِلْبَائِعِ كَغَيْرِهِ، وَأَنَّ الْإِجَارَةَ وَالرَّهْنَ وَالْهِبَةَ كَالْبَيْعِ، وَأَنَّ الْإِعْتَاقَ بِخِلَافِهِ. وَالثَّمَنُ المُعَيَّنُ كَالمَبِيعِ فَلَا يَبِيعُهُ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ فِي يَدِ غَيْرِهِ أَمَانَةً كَوَدِيعَةٍ وَمُشْتَرَكٍ وَقِرَاضٍ، وَمَرْهُونٍ بَعْدَ انْفِكَاكِهِ، وَمَوْرُوثٍ، وَبَاقٍ فِي يَدِ وَلِيِّهِ بَعْدَ رُشْدِهِ، وَكَذَا عَارِيَةٌ وَمَأَخُوذٌ بِسَوْمٍ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ المُسْلَمِ فِيهِ، وَلَا الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ. وَالجَدِيدُ: جَوَازُ الِاسْتِبْدَالِ عَنِ الثَّمَنِ، فَإِنِ اسْتَبْدَلَ مُوَافِقًا فِي عِلَّةِ الرِّبَا كَدَرَاهِمَ عَنْ دَنَانِيرَ اشْتُرِطَ قَبْضُ الْبَدَلِ فِي المَجْلِسِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ فِي الْعَقْدِ، وَكَذَا الْقَبْضُ فِي المَجْلِسِ إِنِ اسْتَبْدَلَ مَا لَا يُوَافِقُ فِي الْعِلَّةِ كَثَوْبٍ عَنْ دَرَاهِمَ. وَلَوِ اسْتَبْدَلَ عَنِ الْقَرْضِ وَقِيمَةِ المُتْلَفِ جَازَ، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبْضِهِ فِي المَجْلِسِ مَا سَبَقَ. وَبَيْعُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ عَلَيْهِ بَاطِلٌ فِي الْأَظْهَرِ؛ بِأَنْ اْشْتَرِيَ عَبْدَ زَيْدٍ بِمِئَةٍ لَهُ عَلَى عَمْرٍو. وَلَوْ كَانَ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو دَيْنَانِ عَلَى شَخْصٍ، فَبَاعَ زَيْدٌ عَمْرًا دَيْنَهُ بِدَيْنِهِ بَطَلَ قَطْعًا. وَقَبْضُ الْعَقَارِ: تَخْلِيَتُهُ لِلْمُشْتَرِي وَتَمْكِينُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ، بِشَرْطِ فَرَاغِهِ مِنْ أَمْتِعَةِ الْبَائِعِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْعَاقِدَانِ المَبِيعَ اعْتُبِرَ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ المُضِيُّ إِلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَقَبْضُ المَنْقُولِ: تَحْوِيلُهُ، فَإِنْ جَرَى الْبَيْعُ بِمَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَائِعِ كَفَى نَقْلُهُ إِلَى حَيِّزٍ، وَإِنْ جَرَى فِي دَارِ الْبَائِعِ لَمْ يَكْفِ ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِ الْبَائِعِ فَيَكُونُ مُعِيرًا لِلْبُقْعَةِ.

فَرْعٌ

لِلْمُشْتَرِي قَبْضُ المَبِيعِ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا أَوْ سَلَّمَهُ، وَإِلَّا فَلَا يَسْتَقِلُّ بِهِ. وَلَوْ بِيعَ الشَّيْءُ تَقْدِيرًا كَثَوْبٍ وَأَرْضٍ ذَرْعًا، وَحِنْطَةٍ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا اشْتُرِطَ مَعَ النَّقْلِ ذَرْعُهُ أَوْ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ. مِثَالُهُ: (بِعْتُكَهَا كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ)، أَوْ (عَلَى أَنَّهَا عَشَرَةُ آصُعٍ). وَلَوْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ، وَلِعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَلْيَكْتَلْ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَكِيلُ لِعَمْرٍو. فَلَوْ قَالَ: (اقْبِضْ مِنْ زَيْدٍ مَا لِيَ عَلَيْهِ لِنَفْسِكَ)، فَفَعَلَ فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ.

فَرْعٌ

قَالَ الْبَائِعُ: (لَا أُسَلِّمُ المَبِيعَ حَتَّى أَقْبِضَ ثَمَنَهُ)، وَقَالَ المُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ مِثْلَهُ أُجْبِرَ الْبَائِعُ. وَفِي قَوْلٍ: المُشْتَرِي. وَفِي قَوْلٍ: لَا إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ أُجْبِرَ صَاحِبُهُ. وَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرَانِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا سَقَطَ الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ وَأُجْبِرَا فِي الْأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا سَلَّمَ الْبَائِعُ أُجْبِرَ المُشْتَرِي إِنْ حَضَرَ الثَّمَنُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ بِالْفَلَسِ، أَوْ مُوسِرًا وَمَالُهُ بِالْبَلَدِ أَوْ بِمَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ حُجِرَ عَلَيْهِ فِي أَمْوَالِهِ حَتَّى يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يُكَلَّفِ الْبَائِعُ الصَّبْرَ إِلَى إِحْضَارِهِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ الْفَسْخَ، فَإِنْ صَبَرَ فَالحَجْرُ كَمَا ذَكَرْنَا. وَلِلْبَائِعِ حَبْسُ مَبِيعِهِ حَتَّى يَقْبِضَ ثَمَنَهُ إِنْ خَافَ فَوْتَهُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْأَقْوَالُ إِذَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَهُ وَتَنَازَعَا فِي مُجَرَّدِ الِابْتِدَاءِ.

بَابُ التَّوْلِيَةِ وَالْإِشْرَاكِ وَالمُرَابَحَةِ

اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ قَالَ لِعَالِمٍ بِالثَّمَنِ: (وَلَّيْتُكَ هَذَا الْعَقْدَ)، فَقَبِلَ لَزِمَهُ مِثْلُ الثَّمَنِ، وَهُوَ بَيْعٌ فِي شَرْطِهِ وَتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ، لَكِنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الثَّمَنِ. وَلَوْ حُطَّ عَنِ المُوَلِّي بَعْضُ الثَّمَنِ انْحَطَّ عَنِ المُوَلَّى. وَالْإِشْرَاكُ فِي بَعْضِهِ كَالتَّوْلِيَةِ فِي كُلِّهِ إِنْ بَيَّنَ الْبَعْضَ، فَلَوْ أَطْلَقَ صَحَّ وَكَانَ مُنَاصَفَةً. وَقِيلَ: لَا. وَيَصِحُّ بَيْعُ المُرَابَحَةِ بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِمِئَةٍ ثُمَّ يَقُولُ: (بِعْتُكَ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَرِبْحِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ عَشَرَةٍ، أَوْ رِبْحِ «دَهْ يَازْدَهْ»). وَالمُحَاطَّةِ كَـ(بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ وَحَطَّ «دَهْ يَازْدَهْ»)، وَيُحَطُّ مِنْ كُلِّ أَحَدَ عَشَرَ وَاحِدٌ. وَقِيلَ: مِنْ كُلِّ عَشَرَةٍ. وَإِذَا قَالَ: (بِعْتُ بِمَا اشْتَرَيْتُ) لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ سِوَى الثَّمَنِ، وَلَوْ قَالَ: (بِمَا قَامَ عَلَيَّ) دَخَلَ مَعَ ثَمَنِهِ أُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَالدَّلَّالِ وَالحَارِسِ وَالْقَصَّارِ وَالرَّفَّاءِ وَالصَّبَّاغِ وَقِيمَةُ الصَّبْغِ وَسَائِرِ المُؤَنِ المُرَادَةِ لِلِاسْتِرْبَاحِ. وَلَوْ قَصَّرَ بِنَفْسِهِ أَوْ كَالَ أَوْ حَمَلَ أَوْ تَطَوَّعَ بِهِ شَخْصٌ لَمْ تَدْخُلْ أُجْرَتُهُ. وَلْيَعْلَمَا ثَمَنَهُ أَوْ مَا قَامَ بِهِ، فَلَوْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلْيَصَدُقِ الْبَائِعُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ وَالْأَجَلِ، وَالشِّرَاءِ بِالْعَرْضِ، وَبَيَانِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ عِنْدَهُ فَلَوْ قَالَ: (بِمِئَةٍ)، فَبَانَ بِتِسْعِينَ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَحُطُّ الزِّيَادَةَ وَرِبْحَهَا، وَأَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي. وَلَوْ زَعَمَ أَنَّهُ مِئَةٌ وَعَشَرَةٌ، وَصَدَّقَهُ المُشْتَرِي لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَذَّبَهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ لِغَلَطِهِ وَجْهًا مُحْتَمَلًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ، وَلَهُ تَحْلِيفُ المُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ بَيَّنَ فَلَهُ التَّحْلِيفُ، وَالْأَصَحُّ: سَمَاعُ بَيِّنَتِهِ.

بَابُ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ

قَالَ: (بِعْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ أَوِ السَّاحَةَ أَوِ الْبُقْعَةَ)، وَفِيهَا بِنَاءٌ وَشَجَرٌ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ. وَأُصُولُ الْبَقْلِ الَّتِي تَبْقَى سَنَتَيْنِ كَالْقَتِّ وَالْهِنْدِبَاءِ كَالشَّجَرِ، وَلَا يَدْخُلُ مَا يُؤْخَذُ دَفْعَةً كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَسَائِرِ الزُّرُوعِ. وَيَصِحُّ بَيْعُ الْأَرْضِ المَزْرُوعَةِ عَلَى المَذْهَبِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إِنْ جَهِلَهُ، وَلَا يَمْنَعُ الزَّرْعُ دُخُولَ الْأَرْضِ فِي يَدِ المُشْتَرِي وَضَمَانِهِ إِذَا حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ فِي الْأَصَحِّ. وَالْبَذْرُ كَالزَّرْعِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لِلْمُشْتَرِي مُدَّةَ بَقَاءِ الزَّرْعِ. وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ بَذْرٍ أَوْ زَرْعٍ لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ. وَقِيلَ: فِي الْأَرْضِ قَوْلَانِ. وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ الْحِجَارَةُ المَخْلُوقَةُ فِيهَا، دُونَ المَدْفُونَةِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي إِنْ عَلِمَ، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ النَّقْلُ، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ وَلَمْ يَضُرَّ قَلْعُهَا، وَإِنْ ضَرَّ فَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازَ لَزِمَ الْبَائِعَ النَّقْلُ وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، وَفِي وُجُوبِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ مُدَّةِ النَّقْلِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: تَجِبُ إِنْ نَقَلَ بَعْدَ الْقَبْضِ لَا قَبْلَهُ. وَيَدْخُلُ فِي بَيْعِ الْبُسْتَانِ: الْأَرْضُ وَالشَّجَرُ وَالْحِيطَانُ، وَكَذَا الْبِنَاءُ عَلَى المَذْهَبِ. وَفِي بَيْعِ الْقَرْيَةِ: الْأَبْنِيَةُ وَسَاحَاتٌ يُحِيطُ بِهَا السُّورُ، لَا المَزَارِعُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي بَيْعِ الدَّارِ: الْأَرْضُ، وَكُلُّ بِنَاءٍ حَتَّى حَمَّامُهَا، لَا المَنْقُولُ كَالدَّلْوِ وَالْبَكَرَةِ وَالسَّرِيرِ، وَتَدْخُلُ الْأَبْوَابُ المَنْصُوبَةُ وَحِلَقُهَا وَالْإِجَّانَاتُ، وَالرَّفُّ وَالسُّلَّمُ المُسَمَّرَانِ، وَكَذَا الْأَسْفَلُ مِنْ حَجَرَيِ الرَّحَى عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْأَعْلَى، وَمِفْتَاحُ غَلَقٍ مُثْبَتٍ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي بَيْعِ الدَّابَّةِ: نَعْلُهَا، وَكَذَا ثِيَابُ الْعَبْدِ فِي بَيْعِهِ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَا تَدْخُلُ ثِيَابُ الْعَبْدِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَرْعٌ

بَاعَ شَجَرَةً دَخَلَ عُرُوقُهَا وَوَرَقُهَا وَفِي وَرَقِ التُّوتِ وَجْهٌ وَأَغْصَانُهَا إِلَّا الْيَابِسَ، وَيَصِحُّ بَيْعُهَا بِشَرْطِ الْقَلْعِ أَوِ الْقَطْعِ، وَبِشَرْطِ الْإِبْقَاءِ، وَالْإِطْلَاقُ يَقْتَضِي الْإِبْقَاءَ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ المَغْرِسُ لَكِنْ يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَهُ مَا بَقِيَتِ الشَّجَرَةُ. وَلَوْ كَانَتْ يَابِسَةً لَزِمَ المُشْتَرِيَ الْقَلْعُ. وَثَمَرَةُ النَّخْلِ المَبِيعِ إِنْ شُرِطَتْ لِلْبَائِعِ أَوِ المُشْتَرِي عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَتَأَبَّرْ مِنْهَا شَيْءٌ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِلَّا فَلِلْبَائِعِ. وَمَا يَخْرُجُ ثَمَرُهُ بِلَا نَوْرٍ كَتِينٍ وَعِنَبٍ إِنْ بَرَزَ ثَمَرُهُ فَلِلْبَائِعِ، وَإِلَّا فَلِلْمُشْتَرِي. وَمَا خَرَجَ فِي نَوْرٍ ثُمَّ سَقَطَ كَمِشْمِشٍ وَتُفَّاحٍ فَلِلْمُشْتَرِي إِنْ لَمْ تَنْعَقِدِ الثَّمَرَةُ، وَكَذَا إِنِ انْعَقَدَتْ وَلَمْ يَتَنَاثَرِ النَّوْرُ فِي الْأَصَحِّ، وَبَعْدَ التَّنَاثُرِ لِلْبَائِعِ. وَلَوْ بَاعَ نَخَلَاتِ بُسْتَانٍ مُطْلِعَةً وَبَعْضُهَا مُؤَبَّرٌ فَلِلْبَائِعِ، فَإِنْ أَفْرَدَ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ فَلِلْمُشْتَرِي فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ كَانْتْ فِي بُسْتَانَيْنِ فَالْأَصَحُّ: إِفْرَادُ كُلِّ بُسْتَانٍ بِحُكْمِهِ. وَإِذَا بَقِيَتِ الثَّمَرَةُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ شُرِطَ الْقَطْعُ لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَلَهُ تَرْكُهَا إِلَى الْجَدَادِ. وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا السَّقْيُ إِنِ انْتَفَعَ بِهِ الشَّجَرُ وَالثَّمَرُ، وَلَا مَنْعَ لِلْآخَرِ، وَإِنْ ضَرَّهُمَا لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِرِضَاهُمَا، وَإِنْ ضَرَّ أَحَدَهُمَا وَتَنَازَعَا فُسِخَ الْعَقْدُ إِلَّا أَنْ يُسَامِحَ المُتَضَرِّرُ. وَقِيلَ: لِطَالِبِ السَّقْيِ أَنْ يَسْقِيَ. وَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ يَمْتَصُّ رُطُوبَةَ الشَّجَرَ لَزِمَ الْبَائِعَ أَنْ يَقْطَعَ أَوْ يَسْقِيَ.

فَصْلٌ

يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ قَطْعِهِ، وَبِشَرْطِ إِبْقَائِهِ. وَقَبْلَ الصَّلَاحِ إِنْ بِيعَ مُنْفَرِدًا عَنِ الشَّجَرِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَأَنْ يَكُونَ المَقْطُوعُ مُنْتَفَعًا بِهِ لَا كَكُمَّثْرَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلْمُشْتَرِي جَازَ بِلَا شَرْطٍ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الشَّجَرُ لِلْمُشْتَرِي وَشَرَطْنَا الْقَطْعَ لَا يَجِبِ الْوَفَاءُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ بِيعَ مَعَ الشَّجَرِ جَازَ بِلَا شَرْطٍ، وَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ قَطْعِهِ. وَيَحْرُمُ بَيْعُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا بِشَرْطِ قَطْعِهِ، فَإِنْ بِيعَ مَعَهَا أَوْ بَعْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ جَازَ بِلَا شَرْطٍ، وَيُشْتَرَطُ لِبَيْعِهِ وَبَيْعِ الثَّمَرِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ: ظُهُورُ المَقْصُودِ كَتِينٍ وَعِنَبٍ وَشَعِيرٍ. وَمَا لَا يُرَى حَبُّهُ كَالْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ فِي السُّنْبُلِ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ دُونَ سُنْبُلِهِ، وَلَا مَعَهُ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا بَأْسَ بِكِمَامٍ لَا يُزَالُ إِلَّا عِنْدَ الْأَكْلِ. وَمَا لَهُ كِمَامَانِ كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبَاقِلَّا يُبَاعُ فِي قِشْرِهِ الْأَسْفَلِ، وَلَا يَصِحُّ فِي الْأَعْلَى، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ إِنْ كَانَ رَطْبًا. وَبُدُوُّ صَلَاحِ الثَّمَرِ: ظُهُورُ مَبَادِئِ النَّضْجِ وَالْحَلَاوَةِ فِيمَا لَا يَتَلَوَّنُ، وَفِي غَيْرِهِ: بِأَنْ يَأْخُذَ فِي الْحُمْرَةِ أَوِ السَّوَادِ. وَيَكْفِي بُدُوُّ صَلَاحِ بَعْضِهِ وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ بَاعَ ثَمَرَةَ بُسْتَانٍ أَوْ بُسْتَانَيْنِ بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّأْبِيرِ. وَمَنْ بَاعَ مَا بَدَا صَلَاحُهُ لَزِمَهُ سَقْيُهُ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ وَبَعْدَهَا، وَيَتَصَرَّفُ مُشْتَرِيهِ بَعْدَهَا. وَلَوْ عَرَضَ مُهْلِكٌ بَعْدَهَا كَبَرْدٍ فَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ المُشْتَرِي. فَلَوْ تَعَيَّبَ بِتَرْكِ الْبَائِعِ السَّقْيَ فَلَهُ الْخِيَارُ. وَلَوْ بِيعَ قَبْلَ صَلَاحِهِ بِشَرْطِ قَطْعِهِ وَلَمْ يُقْطَعْ حَتَّى هَلَكَ فَأَوْلَى بِكَوْنِهِ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ بِيعَ ثَمَرٌ يَغْلِبُ تَلَاحُقُهُ وَاخْتِلَاطُ حَادِثِهِ بِالمَوْجُودِ كَتِينٍ وَقِثَّاءٍ لَمْ يَصِحَّ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى المُشْتَرِي قَطْعَ ثَمَرِهِ. وَلَوْ حَصَلَ الِاخْتِلَاطُ فِيمَا يَنْدُرُ فِيهِ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بَلْ يَتَخَيَّرُ المُشْتَرِي، فَإِنْ سَمَحَ لَهُ الْبَائِعُ بِمَا حَدَثَ سَقَطَ خِيَارُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا بِصَافِيَةٍ وَهُوَ: المُحَاقَلَةُ، وَلَا الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ وَهُوَ: المُزَابَنَةُ. وَيُرَخَّصُ فِي الْعَرَايَا، وَهُوَ: بَيْعُ الرُّطَبِ عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ فِي الْأَرْضِ، أَوِ الْعِنَبِ فِي الشَّجَرِ بِزَبِيبٍ، فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَلَوْ زَادَ فِي صَفْقَتَيْنِ جَازَ، وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ بِتَسْلِيمِ التَّمْرِ كَيْلًا، وَالتَّخْلِيَةِ فِي النَّخْلِ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْفُقَرَاءِ.

بَابُ اخْتِلَافِ المُتَبَايِعَيْنِ

إِذَا اتَّفَقَا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي كَيْفِيَّتِهِ كَقَدْرِ الثَّمَنِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوِ الْأَجَلِ أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ قَدْرِ المَبِيعِ وَلَا بَيِّنَةَ تَحَالَفَا، فَيَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ قَوْلِ صَاحِبِهِ وَإِثْبَاتِ قَوْلِهِ، وَيُبْدَأُ بِالْبَائِعِ، وَفِي قَوْلٍ: بِالمُشْتَرِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَسَاوَيَانِ فَيَتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَكْفِي كُلَّ وَاحِدٍ يَمِينٌ تَجْمَعُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَيُقَدَّمُ النَّفْيُ فَيَقُولُ: (مَا بِعْتُ بِكَذَا وَلَقَدْ بِعْتُ بِكَذَا). وَإِذَا تَحَالَفَا فَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْفَسِخُ، بَلْ إِنْ تَرَاضَيَا، وَإِلَّا فَيَفْسَخَانِهِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَوِ الْحَاكِمُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، ثُمَّ عَلَى المُشْتَرِي رَدُّ المَبِيعِ، فَإِنْ كَانَ وَقَفَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ أَوْ كَاتَبَهُ أَوْ مَاتَ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، وَهِيَ قِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ فِي أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ، وَإِنْ تَعَيَّبَ رَدَّهُ مَعَ أَرْشِهِ، وَاخْتِلَافُ وَرَثَتِهِمَا كَهُمَا. وَلَوْ قَالَ: (بِعْتُكَهُ بِكَذَا)، فَقَالَ: (بَلْ وَهَبْتَنِيهِ) فَلَا تَحَالُفَ، بَلْ يَحْلِفُ كُلٌّ عَلَى نَفْيِ دَعْوَى الْآخَرِ. فَإِذَا حَلَفَا رَدَّهُ مُدَّعِي الْهِبَةِ بِزَوَائِدِهِ. وَلَوِ ادَّعَى صِحَّةَ الْبَيْعِ وَالْآخَرُ فَسَادَهُ فَالْأَصَحُّ: تَصْدِيقُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ بِيَمِينِهِ. وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَجَاءَ بِعَبْدٍ مَعِيبٍ لِيَرُدَّهُ فَقَالَ الْبَائِعُ: (لَيْسَ هَذَا المَبِيعَ) صُدِّقَ الْبَائِعُ بِيَمِينِهِ، وَفِي مِثْلِهِ فِي السَّلَمِ يُصَدَّقُ المُسْلِمُ فِي الْأَصَحِّ.

بَابٌ

الْعَبْدُ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَسْتَرِدُّهُ الْبَائِعُ سَوَاءٌ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَوْ سَيِّدِهِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ، أَوْ فِي يَدِ السَّيِّدِ فَلِلْبَائِعِ تَضْمِينُهُ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَاقْتِرَاضُهُ كَشِرَائِهِ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ تَصَرَّفَ بِحَسَبِ الْإِذْنِ، فَإِنْ أَذِنَ فِي نَوْعٍ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِّكَاحٌ، وَلَا يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ، وَلَا يَأْذَنُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا يَتَصَدَّقُ، وَلَا يُعَامِلُ سَيِّدَهُ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِإِبَاقِهِ، وَلَا يَصِيرُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ سَيِّدِهِ عَلَى تَصَرُّفِهِ، وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِدُيُونِ المُعَامَلَةِ. وَمَنْ عَرَفَ رِقَّ عَبْدٍ لَمْ يُعَامِلْهُ حَتَّى يَعْلَمَ الْإِذْنَ بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ أَوْ شُيُوعٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَفِي الشُّيُوعِ وَجْهٌ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْعَبْدِ. فَإِنْ بَاعَ مَأْذُونٌ لَهُ وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَخَرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحَقَّةً رَجَعَ المُشْتَرِي بِبَدَلِهَا عَلَى الْعَبْدِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ أَيْضًا. وَقِيلَ: لَا. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءٌ فَلَا. وَلَوِ اشْتَرَى سِلْعَةً فَفِي مُطَالَبَةِ السَّيِّدِ بِثَمَنِهَا هَذَا الْخِلَافُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ دَيْنُ التِّجَارَةِ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا بِذِمَّةِ سَيِّدِهِ، بَلْ يُؤَدَّى مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، وَكَذَا مِنْ كَسْبِهِ بِالِاصْطِيَادِ وَنَحْوِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ فِي الْأَظْهَرِ.

كِتَابُ السَّلَمِ

هُوَ بَيْعُ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، يُشْتَرَطُ لَهُ مَعَ شُرُوطِ الْبَيْعِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: تَسْلِيمُ رَأْسِ المَالِ فِي المَجْلِسِ. فَلَوْ أَطْلَقَ ثُمَّ عَيَّنَ وَسَلَّمَ فِي المَجْلِسِ جَازَ، وَلَوْ أَحَالَ بِهِ وَقَبَضَهُ المُحَالُ فِي الْمَجْلِسِ فَلَا، وَلَوْ قَبَضَهُ وَأَوْدَعَهُ المُسْلِمُ جَازَ. وَيَجُوزُ كَوْنُهُ مَنْفَعَةً، وَيُقْبَضُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ. وَإِذَا فُسِخَ السَّلَمُ وَرَأْسُ المَالِ بَاقٍ اسْتَرَدَّهُ بِعَيْنِهِ، وَقِيلَ: لِلْمُسْلَمِ إِلَيْهِ رَدُّ بَدَلِهِ إِنْ عُيِّنَ فِي المَجْلِسِ دُونَ الْعَقْدِ. وَرُؤْيَةُ رَأْسِ المَالِ تَكْفِي عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ فِي الْأَظْهَرِ. الثَّانِي: كَوْنُ المُسْلَمِ فِيهِ دَيْنًا، فَلَوْ قَالَ: (أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ) فَلَيْسَ بِسَلَمٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعًا فِي الْأَظْهَرِ، وَلَوْ قَالَ: (اشْتَرَيْتُ مِنْكَ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ) فَقَالَ: (بِعْتُكَ) انْعَقَدَ بَيْعًا، وَقِيلَ: سَلَمًا. الثَّالِثُ: المَذْهَبُ: أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ بِمَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ، أَوْ يَصْلُحُ وَلِحَمْلِهِ مُؤْنَةٌ اشْتُرِطَ بَيَانُ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ، وَإِلَّا فَلَا. وَيِصِحُّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، فَإِنْ أَطْلَقَ انْعَقَدَ حَالًّا، وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ. وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْأَجَلِ. فَإِنْ عَيَّنَ شُهُورَ الْعَرَبِ أَوِ الْفُرْسِ أَوِ الرُّومِ جَازَ، وَإِنْ أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى الْهِلَالِيِّ، فَإِنِ انْكَسَرَ شَهْرٌ حُسِبَ الْبَاقِي بِالْأَهِلَّةِ وَتُمِّمَ الْأَوَّلُ ثَلَاثِينَ. وَالْأَصَحُّ: صِحَّةُ تَأْجِيلِهِ بِالْعِيدِ وَجُمَادَى، وَيُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ.

فَصْلٌ

يُشْتَرَطُ كَوْنُ المُسْلَمِ فِيهِ: مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ عِنْدِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَ يُوجَدُ بِبَلَدٍ آخَرَ صَحَّ إِنِ اعْتِيدِ نَقْلُهُ لِلْبَيْعِ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ أَسْلَمَ فِيمَا يَعُمُّ فَانْقَطَعَ فِي مَحِلِّهِ لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الْأَظْهَرِ، فَيَتَخَيَّرُ المُسْلِمُ بَيْنَ فَسْخِهِ، وَالصَّبْرِ حَتَّى يُوجَدَ، وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَ المَحِلِّ انْقِطَاعَهُ عِنْدَهُ فَلَا خِيَارَ قَبْلَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَكَوْنُهُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ عَدًّا أَوْ ذَرْعًا، وَيَصِحُّ المَكِيلُ وَزْنًا وَعَكْسُهُ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي مِئَةِ صَاعِ حِنْطَةٍ عَلَى أَنَّ وَزْنَهَا كَذَا لَمْ يَصِحَّ. وَيُشْتَرَطُ الْوَزْنُ فِي الْبِطِّيخِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْقِثَّاءِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالرُّمَّانِ. وَيَصِحُّ فِي الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ بِالْوَزْنِ فِي نَوْعٍ يَقِلُّ اخْتِلَافُهُ، وَكَذَا كَيْلًا فِي الْأَصَحِّ. وَيُجْمَعُ فِي اللَّبِنِ بَيْنَ الْعَدِّ وَالْوَزْنِ. وَلَوْ عَيَّنَ مِكْيَالًا فَسَدَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا، وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرِ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لَمْ يَصِحَّ، أَوْ عَظِيمَةٍ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَمَعْرِفَةُ الْأَوْصَافِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الْغَرَضُ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا، وَذِكْرُهَا فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ، فَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ مَقْصُودُهُ كَالمُخْتَلِطِ المَقْصُودِ الْأَرْكَانِ كَهَرِيسَةٍ وَمَعْجُونٍ وَغَالِيَةٍ وَخُفٍّ وَتِرْيَاقٍ مَخْلُوطٍ، وَالْأَصَحُّ: صِحَّتُهُ فِي المُخْتَلِطِ المُنْضَبِطِ كَعَتَّابِيٍّ وَخَزٍّ، وَجُبْنٍ وَأَقِطٍ وَشَهْدٍ، وَخَلِّ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ، لَا الْخُبْزِ فِي الْأَصَحِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَلَا يَصِحُّ فِيمَا نَدَرَ وُجُودُهُ كَلَحْمِ الصَّيْدِ بِمَوْضِعِ الْعِزَّةِ، وَلَا فِيمَا لَوِ اسْتُقْصِيَ وَصْفُهُ عَزَّ وُجُودُهُ كَاللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ وَالْيَوَاقِيتِ، وَجَارِيَةٍ وَأُخْتِهَا أَوْ وَلَدِهَا.

فَرْعٌ

يَصِحُّ فِي الْحَيَوَانِ، فَيُشْتَرَطُ: فِي الرَّقِيقِ: ذِكْرُ نَوْعِهِ كَتُرْكِيٍّ، وَلَوْنِهِ كَأَبْيَضَ وَيَصِفُ بَيَاضَهُ بِسُمْرَةٍ أَوْ شُقْرَةٍ وَذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ، وَسِنِّهِ، وَقَدِّهِ طُولًا وَقِصَرًا، وَكُلُّهُ عَلَى التَّقْرِيبِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْكَحَلِ وَالسِّمَنِ وَنَحْوِهِمَا فِي الْأَصَحِّ. وَفِي الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ: الذُّكُورَةُ وَالْأُنُوثَةُ، وَالسِّنُّ وَاللَّوْنُ وَالنَّوْعُ. وَفِي الطَّيْرِ: النَّوْعِ وَالصِّغَرُ وَكِبَرُ الْجُثَّةِ. وَفِي اللَّحْمِ: لَحْمُ بَقَرٍ، أَوْ ضَأْنٍ، أَوْ مَعْزٍ، ذَكَرٍ خَصِيٍّ رَضِيعٍ مَعْلُوفٍ أَوْ ضِدِّهَا، مِنْ فَخِذٍ أَوْ كَتِفٍ أَوْ جَنْبٍ، وَيُقْبَلُ عَظْمُهُ عَلَى الْعَادَةِ. وَفِي الثِّيَابِ: الْجِنْسُ، وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ، وَالْغِلَظُ وَالدِّقَّةُ، وَالصَّفَاقَةُ وَالرِّقَّةُ، وَالنُّعُومَةُ وَالخُشُونَةُ، وَمُطْلَقُهُ يُحْمَلُ عَلَى الْخَامِ. وَيَجُوزُ فِي المَقْصُورِ، وَمَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ النَّسْجِ كَالْبُرُودِ، وَالْأَقْيَسُ: صِحَّتُهُ فِي المَصْبُوغِ بَعْدَهُ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: مَنْعُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي التَّمْرِ: لَوْنُهُ وَنَوْعُهُ وَبَلَدُهُ، وَصِغَرُ الْحَبَّاتِ وَكِبَرُهَا، وَعِتْقُهُ وَحَدَاثَتُهُ. وَالْحِنْطَةُ وَسَائِرُ الْحُبُوبِ كَالتَّمْرِ. وَفِي الْعَسَلِ: جَبَلِيٌّ أَوْ بَلَدِيٌّ، صَيْفِيٌّ أَوْ خَرِيفِيٌّ، أَبْيَضُ أَوْ أَصْفَرُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِتْقُ وَالْحَدَاثَةُ. وَلَا يَصِحُّ فِي المَطْبُوخِ وَالمَشْوِيِّ، وَلَا يَضُرُّ تَأْثِيرُ الشَّمْسِ. وَالْأَظْهَرُ: مَنْعُهُ فِي رُؤُوسِ الْحَيَوَانِ. وَلَا يَصِحُّ فِي مُخْتَلِفٍ كَبُرْمَةٍ مَعْمُولَةٍ وَجِلْدٍ وَكُوزٍ وَطَسٍّ وَقُمْقُمٍ وَمَنَارَةٍ وَطِنْجِيرٍ وَنَحْوِهَا. وَيَصِحُّ فِي الْأَسْطَالِ المُرَبَّعَةِ وَفِيمَا صُبَّ مِنْهَا فِي قَالَبٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَيُحْمَلُ مُطْلَقُهُ عَلَى الْجَيِّدِ. وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَاقِدَيْنِ الصِّفَاتِ، وَكَذَا غَيْرُهُمَا فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَبْدَلَ عَنِ المُسْلَمِ فِيهِ غَيْرُ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي نَوْعِهِ وَلَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ أَرْدَأُ مِنَ المَشْرُوطِ وَلَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ أَجْوَدُ وَيَجِبُ قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَحْضَرَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَامْتَنَعَ المُسْلِمُ مِنْ قَبُولِهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ بِأَنْ كَانْ حَيَوَانًا أَوْ وَقْتَ غَارَةٍ لَمْ يُجْبَرْ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ صَحِيحٌ كَفَكِّ رَهْنٍ أُجْبِرَ، وَكَذَا لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الْبَرَاءَةِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ وَجَدَ المُسْلِمُ المُسْلَمَ إِلَيْهِ بَعْدَ المَحِلِّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْأَدَاءُ إِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، وَلَا يُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ لِلْحَيْلُولَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهِ هُنَاكَ لَمْ يُجْبَرْ إِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، أَوْ كَانَ المَوْضِعُ مَخُوفًا، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ: إِجْبَارُهُ.

فَصْلٌ

الْإِقْرَاضُ مَنْدُوبٌ. وَصِيغَتُهُ: (أَقْرَضْتُكَ) أَوْ (أَسْلَفْتُكَ) أَوْ (خُذْهُ بِمِثْلِهِ) أَوْ (مَلَّكْتُكَهُ عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ). وَيُشْتَرَطُ: قَبُولُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي المُقْرِضِ: أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ. وَيَجُوزُ إِقْرَاضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ إِلَّا الْجَارِيَةَ الَّتِي تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ فِي الْأَظْهَرِ، وَمَا لَا يُسْلَمُ فِيهِ لَا يَجُوزُ إِقْرَاضُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَرُدُّ الْمِثْلَ فِي الْمِثْلِيِّ، وَفِي المُتَقَوِّمِ الْمِثْلَ صُورَةً، وَقِيلَ: الْقِيمَةَ. وَلَوْ ظَفِرَ طَالِبُهُ بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْإِقْرَاضِ وَلِلنَّقْلِ مُؤْنَةٌ طَالَبَهُ بِقِيمَةِ بَلَدِ الْإِقْرَاضِ. وَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ رَدِّ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ أَوْ زِيَادَةٍ، وَلَوْ رَدَّ هَكَذَا بِلَا شَرْطٍ فَحَسَنٌ. وَلَوْ شَرَطَ مُكَسَّرًا عَنْ صَحِيحٍ أَوْ أَنْ يُقْرِضَهُ غَيْرَهُ لَغَا الشَّرْطُ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ. وَلَوْ شَرَطَ أَجَلًا فَهُوَ كَشَرْطِ مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْرِضِ غَرَضٌ، وَإِنْ كَانَ كَزَمَنِ نَهْبٍ فَكَشَرْطِ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَهُ شَرْطُ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ. وَيُمْلَكُ الْقَرْضُ بِالْقَبْضِ، وَفِي قَوْلٍ: بِالتَّصَرُّفِ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي عَيْنِهِ مَا دَامَ بَاقِيًا بِحَالِهِ فِي الْأَصَحِّ.

كِتَابُ الرَّهْنِ

لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ. فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مُقْتَضَاهُ كَتَقَدُّمِ المُرْتَهِنِ بِهِ، أَوْ مَصْلَحَةٍ لِلْعَقْدِ كَالْإِشْهَادِ، أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ صَحَّ الْعَقْدُ. وَإِنْ شُرِطَ مَا يَضُرُّ المُرْتَهِنَ بَطَلَ الرَّهْنُ. وَإِنْ نَفَعَ المُرْتَهِنَ وَضَرَّ الرَّاهِنَ كَشَرْطِ مَنْفَعَتِهِ لِلْمُرْتَهِنِ بَطَلَ الشَّرْطُ، وَكَذَا الرَّهْنُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ شُرِطَ أَنْ تَحْدُثَ زَوَائِدُهُ مَرْهُونَةً فَالْأَظْهَرُ: فَسَادُ الشَّرْطِ، وَأَنَّهُ مَتَى فَسَدَ فَسَدَ الْعَقْدُ. وَشَرْطُ الْعَاقِدِ: كَوْنُهُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَرْهَنُ الْوَلِيُّ مَالَ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ، وَلَا يَرْتَهِنُ لَهُمَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ. وَشَرْطُ الرَّهْنِ: كَوْنُهُ عَيْنًا فِي الْأَصَحِّ، وَيَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ وَالْأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا وَعَكْسُهُ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ يُبَاعَانِ، وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ. وَالْأَصَحُّ: أَنْ تُقَوَّمَ الْأُمُّ وَحْدَهَا ثُمَّ مَعَ الْوَلَدِ فَالزَّائِدُ قِيمَتُهُ. وَرَهْنُ الْجَانِي وَالْمُرْتَدِّ كَبَيْعِهِمَا. وَرَهْنُ المُدَبَّرِ، وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ يُمْكِنُ سَبْقُهَا حُلُولَ الدَّيْنِ بَاطِلٌ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ رَهَنَ مَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ: فَإِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ كَرُطَبٍ فُعِلَ، وَإِلَّا فَإِنْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ، أَوْ مُؤَجَّلٍ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ، أَوْ شَرَطَ بَيْعَهُ وَجَعَلَ الثَّمَنَ رَهْنًا صَحَّ، وَيُبَاعُ عِنْدَ خَوْفِ فَسَادِهِ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا، وَإِنْ شَرَطَ مَنْعَ بَيْعِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَسَدَ فِي الْأَظْهَرِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ يَفْسُدُ قَبْلَ الْأَجَلِ صَحَّ فِي الْأَظْهَرِ. وَإِنْ رَهَنَ مَا لَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ فَطَرَأَ مَا عَرَّضَهُ لِلْفَسَادِ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ لَمْ يَنْفَسِخِ الرَّهْنُ بِحَالٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ، وَهُوَ فِي قَوْلٍ: عَارِيَّةٌ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ فِي رَقَبَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ جِنْسِ الدَّيْنِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَكَذَا المَرْهُونُ عِنْدَهُ فِي الْأَصَحِّ. فلَوْ تَلِفَ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ فَلَا ضَمَانَ وَلَا رُجُوعَ لِلْمَالِكِ بَعْدَ قَبْضِ المُرْتَهِنِ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ أَوْ كَانَ حَالًّا رُوجِعَ المَالِكُ لِلْبَيْعِ، وَيُبَاعُ إِنْ لَمْ يُقْضِ الدَّيْنُ، ثُمَّ يَرْجِعُ المَالِكُ بِمَا بِيعَ بِهِ.

فَصْلٌ

شَرْطُ المَرْهُونِ بِهِ: كَوْنُهُ دَيْنًا ثَابِتًا لَازِمًا، فَلَا يَصِحُّ بِالْعَيْنِ المَغْصُوبَةِ وَالمُسْتَعَارَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا بِمَا سَيُقْرِضُهُ. وَلَوْ قَالَ: (أَقْرَضْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَارْتَهَنْتُ بِهَا عَبْدَكَ) فَقَالَ: (اقْتَرَضْتُ وَرَهَنْتُ) أَوْ قَالَ: (بِعْتُكَهُ بِكَذَا وَارْتَهَنْتُ الثَّوْبَ بِهِ) فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ) صَحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ بِنُجُومِ الْكِتَابَةِ، وَلَا بِجُعْلِ الْجِعَالَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بَعْدَ الشُّرُوعِ. وَيَجُوزُ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةَ الْخِيَارِ، وَبِالدَّيْنِ رَهْنٌ بَعْدَ رَهْنٍ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهُ المَرْهُونَ عِنْدَهُ بِدَيْنٍ آخَرَ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا يَلْزَمُ إِلَّا بِقَبْضِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ. وَتَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ لَكِنْ لَا يَسْتَنِيبُ الرَّاهِنَ، وَلَا عَبْدَهُ، وَفِي المَأْذُونِ لَهُ وَجْهٌ، وَيَسْتَنِيبُ مُكَاتَبَهُ. وَلَوْ رَهَنَ وَدِيعَةً عِنْدَ مُودَعٍ أَوْ مَغْصُوبًا عِنْدَ غَاصِبٍ لَمْ يَلْزَمْ مَا لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إِمْكَانِ قَبْضِهِ، وَالْأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ إِذْنِهِ فِي قَبْضِهِ، وَلَا يُبْرِئُهُ ارْتِهَانُهُ عَنِ الْغَصْبِ، وَيُبْرِئُهُ الْإِيدَاعُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ عَنِ الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِتَصَرُّفٍ يُزِيلُ الْمِلْكُ كَهِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ وَبِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ وَكِتَابَةٍ وَكَذَا تَدْبِيرُهُ فِي الْأَظْهَرِ، وَبِإِحْبَالِهَا، لَا وَطْءٍ وَتَزْوِيجٍ. وَلَوْ مَاتَ الْعَاقِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ جُنَّ أَوْ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ يَبْطُلِ الرَّهْنُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ المُقْبِضِ تَصَرُّفٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ لَكِنْ فِي إِعْتَاقِهِ أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا: يَنْفُذُ مِنَ المُوسِرِ وَيَغْرَمُ قِيمْتَهُ يَوْمَ عِتْقِهِ رَهْنًا، وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ فَانْفَكَّ لَمْ يَنْفُذْ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ فَوُجِدَتْ وَهُوَ رَهْنٌ فَكَالْإِعْتَاقِ، أَوْ بَعْدَهُ نَفَذَ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَا رَهْنُهُ لِغَيْرِهِ، وَلَا التَّزْوِيجُ، وَلَا الْإِجَارَةُ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ يَحِلُّ قَبْلَهَا، وَلَا الْوَطْءُ، فَإِنْ وَطِئَ فَالْوَلَدُ حُرٌّ. وَفِي نُفُوذِ الِاسْتِيلَادِ أَقْوَالُ الْإِعْتَاقِ، فَإِنْ لَمْ نُنْفِذْهُ فَانْفَكَّ نَفَذَ فِي الْأَصَحِّ. فَلَوْ مَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ غَرِمَ قِيمَتَهَا رَهْنًا فِي الْأَصَحِّ. وَلَهُ كُلُّ انْتِفَاعٍ لَا يَنْقُصُهُ كَالرُّكُوبِ وَالسُّكْنَى، لَا الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَقْلَعْ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَبَعْدَهُ يُقْلَعُ إِنْ لَمْ تَفِ الْأَرْضُ بِالدَّيْنِ وَزَادَتْ بِهِ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِغَيْرِ اسْتِرْدَادٍ لَمْ يَسْتَرِدِّ، وَإِلَّا فَيَسْتَرِدُّ، وَيُشْهِدُ إِنِ اتَّهَمَهُ، وَلَهُ بِإِذْنِ المُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ. وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ تَصَرَّفَ جَاهِلًا بِرُجُوعِهِ فَكَتَصَرُّفِ وَكِيلٍ جَهِلَ عَزْلَهُ. وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِهِ لِيُعَجِّلَ المُؤَجَّلَ مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ رَهْنَ الثَّمَنِ فِي الْأَظْهَرِ.

فَصْلٌ

إِذَا لَزِمَ الرَّهْنُ فَالْيَدُ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَا تُزَالُ إِلَّا لِلِانْتِفَاعِ كَمَا سَبَقَ. وَلَوْ شَرَطَا وَضْعَهُ عِنْدَ عَدْلٍ جَازَ، أَوْ عِنْدَ اثْنَيْنِ وَنَصًّا عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى حِفْظِهِ أَوِ الِانْفِرَادِ بِهِ فَذَاكَ، وَإِنْ أَطْلَقَا فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ الْعَدْلُ أَوْ فَسَقَ جَعَلَاهُ حَيْثُ يَتَّفِقَانِ، وَإِنْ تَشَاحَّا وَضَعَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ عَدْلٍ. وَيُسْتَحِقُّ بَيْعَ المَرْهُونِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيُقَدَّمُ المُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ، وَيَبِيعُهُ الرَّاهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ بِإِذْنِ المُرْتَهِنِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: (تَأْذَنُ أَوْ تُبْرِئُ). وَلَوْ طَلَبَ المُرْتَهِنُ بَيْعَهُ فَأَبَى الرَّاهِنُ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي قَضَاءَ الدَّيْنَ أَوْ بَيْعَهُ، فَإِنْ أَصَرَّ بَاعَهُ الْحَاكِمُ. وَلَوْ بَاعَهُ المُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ بَاعَ بِحَضْرَتِهِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ شُرِطَ أَنْ يَبِيعَهُ الْعَدْلُ جَازَ، وَلَا يُشْتَرَطُ مُرَاجَعَةُ الرَّاهِنُ فِي الْأَصَحِّ. فَإِذَا بَاعَ فَالثَّمَنُ عِنْدَهُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ حَتَّى يَقْبِضَهُ المُرْتَهِنُ. وَلَوْ تَلِفَ ثَمَنُهُ فِي يَدِ الْعَدْلِ ثُمَّ اسْتُحِقَّ المَرْهُونُ، فَإِنْ شَاءَ المُشْتَرِي رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ، وَإِنْ شَاءَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ. وَلَا يَبِيعُ الْعَدْلُ إِلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ حَالًّا مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ، فَإِنْ زَادَ رَاغِبٌ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ فَلْيَفْسَخْ وَلْيَبِعْهُ. وَمُؤْنَةُ المَرْهُونِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا لِحَقِّ المُرْتَهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يُمْنَعُ رَاهِنٌ مِنْ مَصْلَحَةِ المَرْهُونِ كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ. وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ، وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ. وَحُكْمُ فَاسِدِ الْعُقُودِ حُكْمُ صَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ. وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ المَرْهُونِ مَبِيعًا لَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ فَسَدَا. وَهُوَ قَبْلَ المَحِلِّ أَمَانَةٌ، وَيُصَدَّقُ المُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَلَوْ وَطِئَ المُرْتَهِنُ المَرْهُونَةَ بِلَا شُبْهَةٍ فَزَانٍ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: (جَهِلْتُ تَحْرِيمَهُ)، إِلَّا أَنْ يَقْرُبَ إِسْلَامُهُ، أَوْ يَنْشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ. وَإِنْ وَطِئَ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ قُبِلَ دَعْوَاهُ جَهْلَ التَّحْرِيمِ فِي الْأَصَحِّ، فَلَا حَدَّ، وَيَجِبُ المَهْرُ إِنْ أَكْرَهَهَا، وَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِلرَّاهِنِ. وَلَوْ أَتْلَفَ المَرْهُونَ وَقَبَضَ بَدَلَهُ صَارَ رَهْنًا، وَالْخَصْمُ فِي الْبَدَلِ الرَّاهِنُ، فَإِنْ لَمْ يُخَاصِمْ لَمْ يُخَاصِمِ المُرْتَهِنُ فِي الْأَصَحِّ. فَلَوْ وَجَبَ قِصَاصٌ اقْتَصَّ الرَّاهِنُ وَفَاتَ الرَّهْنُ، فَإِنْ وَجَبَ المَالُ بِعَفْوِهِ أَوْ بِجِنَايَةِ خَطَأٍ لَمْ يَصِحَّ عَفْوُهُ عَنْهُ وَلَا إِبْرَاءُ المُرْتَهِنِ الْجَانِي. وَلَا يَسْرِي الرَّهْنُ إِلَى زِيَادَةٍ مُنْفَصِلَةٍ كَثَمَرٍ وَوَلَدٍ، فَلَوْ رَهَنَ حَامِلًا وَحَلَّ الْأَجَلُ وَهِيَ حَامِلٌ بِيعَتْ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ بِيعَ مَعَهَا ِفي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الْبَيْعِ دُونَ الرَّهْنِ فَالْوَلَدُ لَيْسَ بِرَهْنٍ فِي الْأَظْهَرِ.

فَصْلٌ

جَنَى المَرْهُونُ قُدِّمَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَإِنْ اقْتَصَّ أَوْ بِيعَ لَهُ بَطَلَ الرَّهْنُ، وَإِنْ جَنَى عَلَى سَيِّدِهِ فَاقْتَصَّ بَطَلَ، وَإِنْ عُفِيَ عَلَى مَالٍ لَمْ يَثْبُتْ عَلَى الصَّحِيحِ فَيَبْقَى رَهْنًا. وَإِنْ قَتَلَ مَرْهُونًا لِسَيِّدِهِ عِنْدَ آخَرَ فَاقْتَصَّ بَطَلَ الرَّهْنَانِ. وَإِنْ وَجَبَ مَالٌ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ مُرْتَهِنِ الْقَتِيلِ فَيُبَاعُ وَثَمَنُهُ رَهْنٌ. وَقِيلَ: يَصِيرُ رَهْنًا، فَإِنْ كَانَا مَرْهُونَيْنِ عِنْدَ شَخْصٍ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ نَقَصَتِ الْوَثِيقَةُ، أَوْ بِدَيْنَيْنِ وَفِي نَقْلِ الْوَثِيقَةِ غَرَضٌ نُقِلَتْ. وَلَوْ تَلِفَ المَرْهُونُ بِآفَةٍ بَطَلَ. وَيَنْفَكُّ بِفَسْخِ المُرْتَهِنِ وَبِالْبَرَاءَةِ مِنَ الدَّيْنِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْهُ لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ. وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ بِدَيْنٍ وَنِصْفَهُ بِآخَرَ فَبَرِئَ مِنْ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ قِسْطُهُ، وَلَوْ رَهَنَاهُ فَبَرِئَ أَحَدُهُمَا انْفَكَّ نَصِيبُهُ.

فَصْلٌ

اخْتَلَفَا فِي الرَّهْنِ أَوْ قَدْرِهِ صُدِّقَ الرَّاهِنُ بِيَمِينِهِ إِنْ كَانَ رَهْنَ تَبَرُّعٍ، وَإِنْ شُرِطَ فِي بَيْعٍ تَحَالَفَا. وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُمَا رَهَنَاهُ عَبْدَهُمَا بِمِئَةٍ وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا فَنَصِيبُ المُصَدِّقِ رَهْنٌ بِخَمْسِينَ، وَالْقَوْلُ فِي نَصِيبِ الثَّانِي قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ المُصَدِّقِ عَلَيْهِ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِهِ فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، أَوْ فِي يَدِ المُرْتَهِنِ وَقَالَ الرَّاهِنُ: (غَصَبْتَهُ) صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَكَذَا إِنْ قَالَ: (أَقْبَضْتُهُ عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى) فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَقَرَّ بِقَبْضِهِ ثُمَّ قَالَ: (لَمْ يَكُنْ إِقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ) فَلَهُ تَحْلِيفُهُ. وَقِيلَ: لَا يُحَلِّفُهُ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ لِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا كَقَوْلِهِ: (أَشْهَدْتُ عَلَى رَسْمِ الْقَبَالَةِ). وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: (جَنَى المَرْهُونُ)، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ صُدِّقَ المُنْكِرُ بِيَمِينِهِ. وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: (جَنَى قَبْلَ الْقَبْضِ) فَالْأَظْهَرُ: تَصْدِيقُ المُرْتَهِنِ بِيَمِينِهِ فِي إِنْكَارِهِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ غَرِمَ الرَّاهِنُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَغْرَمُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ نَكَلَ المُرْتَهِنُ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، لَا عَلَى الرَّاهِنِ. فَإِذَا حَلَفَ بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ. وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِ المَرْهُونِ فَبِيعَ وَرَجَعَ عَنِ الْإِذْنِ، وَقَالَ: (رَجَعْتُ قَبْلَ الْبَيْعِ)، وَقَالَ الرَّاهِنُ: (بَعْدَهُ) فَالْأَصَحُّ: تَصْدِيقُ المُرْتَهِنِ. وَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَأَدَّى أَلْفًا، وَقَالَ: (أَدَّيْتُهُ عَنْ أَلْفِ الرَّهْنِ) صُدِّقَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا جَعَلَهُ عَمَّا شَاءَ، وَقِيلَ: يُقَسَّطُ.

فَصْلٌ

مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ تَعَلُّقَهُ بِالمَرْهُونِ، وَفِي قَوْلٍ: كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي. فَعَلَى الْأَظْهَرِ: يَسْتَوِي الدَّيْنُ المُسْتَغْرِقُ وَغَيْرُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ تَصَرَّفَ الْوَارِثُ وَلَا دَيْنَ ظَاهِرٌ، فَظَهَرَ دَيْنٌ بِرَدِّ مَبِيعٍ بِعَيْبٍ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ فَسَادُ تَصَرُّفِهِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يُقْضِ الدَّيْنَ فَسَخَ. وَلَا خِلَافَ أَنَّ لِلْوَارِثِ إِمْسَاكَ عَيْنِ التَّرِكَةِ وَقَضَاءَ الدَّيْنِ مِنْ مَالِهِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لَا يَمْنَعُ الْإِرْثَ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ كَالْكَسْبِ وَالنِّتَاجِ.

كِتَابُ التَّفْلِيسِ

مَنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ حَالَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَالِهِ يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِسُؤَالِ الْغُرَمَاءِ. وَلَا حَجْرَ بِالمُؤَجَّلِ. وَإِذَا حُجِرَ بِحَالٍّ لَمْ يَحِلَّ المُؤَجَّلُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ كَانَتِ الدُّيُونُ بِقَدْرِ المَالِ، فَإِنْ كَانَ كَسُوبًا يُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ فَلَا حَجْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسُوبًا وَكَانَتْ نَفَقَتُهُ مِنْ مَالِهِ فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يُحْجَرُ بِغَيْرِ طَلَبٍ، فَلَوْ طَلَبَ بَعْضُهُمْ وَدَيْنُهُ قَدْرٌ يُحْجَرُ بِهِ حُجِرَ، وَإِلَّا فَلَا. وَيُحْجَرُ بِطَلَبِ المُفْلِسِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِذَا حُجِرَ تَعَلَّقَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، وَأُشْهِدَ عَلَى حَجْرِهِ لِيُحْذَرَ. وَلَوْ بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ أَعْتَقَ فَفِي قَوْلٍ: يُوقَفُ تَصَرُّفُهُ، فَإِنْ فَضَلَ ذَلِكَ عَنِ الدَّيْنِ نَفَذَ، وَإِلَّا لَغَا، وَالْأَظْهَرُ: بُطْلَانُهُ. وَلَوْ بَاعَ مَالَهُ لِغُرَمَائِهِ بِدَيْنِهِمْ بَطَلَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ بَاعَ سَلَمًا أَوِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ فَالصَّحِيحُ: صِحَّتُهُ، وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ. وَيَصِحُّ نِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَخُلْعُهُ وَاقْتِصَاصُهُ وَإِسْقَاطُهُ. وَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ وَجَبَ قَبْلَ الْحَجْرِ فَالْأَظْهَرُ: قَبُولُهُ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ إِلَى مَا بَعْدَ الْحَجْرِ بِمُعَامَلَةٍ أَوْ مُطْلَقًا لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنْ قَالَ: عَنْ جِنَايَةٍ قُبِلَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَهُ أَنْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ مَا كَانَ اشْتَرَاهُ إِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي الرَّدِّ. وَالْأَصَحُّ: تَعَدِّي الْحَجْرِ إِلَى مَا حَدَثَ بَعْدَهُ بِالِاصْطِيَادِ وَالْوَصِيَّةِ وَالشِّرَاءِ إِنْ صَحَّحْنَاهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِبَائِعِهِ أَنْ يَفْسَخَ وَيَتَعَلَّقَ بِعَيْنِ مَتَاعِهِ إِنْ عَلِمَ الْحَالَ، وَإِنْ جَهِلَ فَلَهُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ التَّعَلُّقُ بِهَا لَا يُزَاحِمُ الْغُرَمَاءَ بِالثَّمَنِ.

فَصْلٌ

يُبَادِرُ الْقَاضِي بَعْدَ الحَجْرِ بِبَيْعِ مَالِهِ وَقَسْمِهِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَيُقَدِّمُ مَا يَخَافُ فَسَادَهَ، ثُمَّ الْحَيَوَانَ، ثُمَّ المَنْقُولَ، ثُمَّ الْعَقَارَ. وَلْيَبِعْ بِحَضْرَةِ المُفْلِسِ وَغُرَمَائِهِ كُلَّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ، بِثَمَنِ مِثْلِهِ، حَالًّا، مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ. ثُمَّ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ جِنْسِ النَّقْدِ وَلَمْ يَرْضَ الْغَرِيمُ إِلَّا بِجِنْسِ حَقِّهِ اشْتُرِيَ، وَإِنْ رَضِيَ جَازَ صَرْفُ النَّقْدِ إِلَيْهِ إِلَّا فِي السَّلَمِ. وَلَا يُسَلِّمُ مَبِيعًا قَبْلَ قَبْضِ ثَمَنِهِ. وَمَا قَبَضَهُ قَسَمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ لِقِلَّتِهِ فَيُؤَخِّرَ لِيَجْتَمِعَ. وَلَا يُكَلَّفُونَ بَيِّنَةً بِأَنْ لَا غَرِيمَ غَيْرُهُمْ، فَلَوْ قَسَمَ فَظَهَرَ غَرِيمٌ شَارَكَ بِالْحِصَّةِ، وَقِيلَ: تُنْقَضُ الْقِسْمَةُ. وَلَوْ خَرَجَ شَيْءٌ بَاعَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ مُسْتَحَقًّا وَالثَّمَنُ تَالِفٌ فَكَدَيْنٍ ظَهَرَ، وَإِنِ اسْتُحِقَّ شَيْءٌ بَاعَهُ الْحَاكِمُ قُدِّمَ المُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَفِي قَوْلٍ: يُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ. وَيُنْفِقُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ حَتَّى يُقَسِّمَ مَالَهُ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ بِكَسْبٍ. وَيُبَاعُ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ فِي الْأَصَحِّ وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى خَادِمٍ لِزَمَانَتِهِ وَمَنْصِبِهِ. وَيُتْرَكُ لَهُ دَسْتُ ثَوْبٍ يَلِيقُ بِهِ، وَهُوَ: قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَعِمَامَةٌ وَمِكْعَبٌ، وَيُزَادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةً. وَيُتْرَكُ لَهُ قُوتُ يَوْمِ الْقِسْمَةِ لِمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ. وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَنْ يَكْتَسِبَ أَوْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِبَقِيَّةِ الدَّيْنِ، وَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ إِجَارَةِ أُمِّ وَلَدِهِ وَالْأَرْضِ المَوْقُوفَةِ عَلَيْهِ. وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ مُعْسِرٌ أَوْ قَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَأَنْكَرُوا فَإِنْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ فِي مُعَامَلَةِ مَالٍ كَشِرَاءٍ أَوْ قَرْضٍ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَإِلَّا فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْإِعْسَارِ فِي الْحَالِ. وَشَرْطُ شَاهِدِهِ: خِبْرَةُ بَاطِنِهِ، وَلْيَقُلْ: (هُوَ مُعْسِرٌ)، وَلَا يُمَحِّضُ النَّفْيَ كَقَوْلِهِ: (لَا يَمْلِكُ شَيْئًا). وَإِذَا ثَبَتَ إِعْسَارُهُ لَمْ يَجُزْ حَبْسُهُ وَلَا مُلَازَمَتُهُ، بَلْ يُمْهَلُ حَتَّى يُوسِرَ. وَالْغَرِيبُ الْعَاجِزُ عَنْ بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ يُوَكِّلُ الْقَاضِي بِهِ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ حَالِهِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِعْسَارُهُ شَهِدَ بِهِ.

فَصْلٌ

مَنْ بَاعَ وَلَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ حَتَّى حُجِرَ عَلَى المُشْتَرِي بِالْفَلَسِ فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ وَاسْتِرْدَادُ المَبِيعِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ خِيَارَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْفَسْخُ بِالْوَطْءِ وَالْإِعْتَاقِ وَالْبَيْعِ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي سَائِرِ المُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ. وَلَهُ شُرُوطٌ مِنْهَا: كَوْنُ الثَّمَنِ حَالًّا. وَأَنْ يَتَعَذَّرَ حُصُولُهُ بِالْإِفْلَاسِ فَلَوِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ الثَّمَنِ مَعَ يَسَارِهِ أَوْ هَرَبَ فَلَا فَسْخَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: (لَا تَفْسَخْ وَنُقَدِّمُكَ بِالثَّمَنِ) فَلَهُ الْفَسْخُ. وَكَوْنُ المَبِيعِ بَاقِيًا فِي مِلْكِ المُشْتَرِي، فَلَوْ فَاتَ أَوْ كَاتَبَ الْعَبْدَ فَلَا رُجُوعَ، وَلَا يَمْنَعُ التَّزْوِيجُ. وَلَوْ تَعَيَّبَ بِآفَةٍ أَخَذَهُ نَاقِصًا، أَوْ ضَارَبَ بِالثَّمَنِ. أَوْ بِجِنَايَةِ أَجْنَبِيٍّ أَوِ الْبَائِعِ فَلَهُ أَخْذُهُ، وَيُضَارِبُ مِنْ ثَمَنِهِ بِنِسْبَةِ نَقْصِ الْقِيمَةِ. وَجِنَايَةُ المُشْتَرِي كَآفَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ تَلِفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ أَفْلَسَ أَخَذَ الْبَاقِيَ وَضَارَبَ بِحِصَّةِ التَّالِفِ، فَلَوْ كَانَ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ رَجَعَ فِي الْجَدِيدِ، فَإِنْ تَسَاوَتْ قِيمَتُهُمَا وَقَبَضَ نِصْفَ الثَّمَنِ أَخَذَ الْبَاقِي بِبَاقِي الثَّمَنِ، وَفِي قَوْلٍ: يَأْخُذُ نِصْفَهُ بِنِصْفِ بَاقِي الثَّمَنِ وَيُضَارِبُ بِنِصْفِهِ. وَلَوْ زَادَ المَبِيعُ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً كَسِمَنٍ وَصَنْعَةٍ فَازَ الْبَائِعُ بِهَا، وَالمُنْفَصِلَةُ كَالثَّمَرَةِ وَالْوَلَدِ لِلْمُشْتَرِي، وَيَرْجِعُ الْبَائِعُ فِي الْأَصْلِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا وَبَذَلَ الْبَائِعُ قِيمَتَهُ أَخَذَهُ مَعَ أُمِّهِ، وَإِلَّا فَيُبَاعَانِ وَتُصْرَفُ إِلَيْهِ حِصَّةُ الْأُمِّ، وَقِيلَ: لَا رُجُوعَ. وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا عِنْدَ الرُّجُوعِ دُونَ الْبَيْعِ أَوْ عَكْسَهُ فَالْأَصَحُّ: تَعَدِّي الرُّجُوعِ إِلَى الْوَلَدِ. وَاسْتِتَارُ الثَّمَرِ بِكِمَامِهِ وَظُهُورُهُ بِالتَّأْبِيرِ قَرِيبٌ مِنَ اسْتِتَارِ الْجَنِينِ وَانْفِصَالِهِ، وَأَوْلَى بِتَعَدِّي الرُّجُوعِ. وَلَوْ غَرَسَ الْأَرْضَ أَوْ بَنَى فَإِنِ اتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ وَالمُفْلِسُ عَلَى تَفْرِيغِهَا فَعَلُوا وَأَخَذَهَا، وَإِنِ امْتَنَعُوا لَمْ يُجْبَرُوا، بَلْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيَتَمَلَّكَ الْغِرَاسَ وَالْبِنَاءَ بِقِيمَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يَقْلَعَ وَيَضْمِنَ أَرْشَ النَقْصِ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا، وَيَبْقَى الْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ. وَلَوْ كَانَ المَبِيعُ حِنْطَةً فَخَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا فَلَهُ أَخْذُ قَدْرِ المَبِيعِ مِنَ المَخْلُوطِ، أَوْ بِأَجْوَدَ فَلَا رُجُوعَ فِي المَخْلُوطِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ طَحَنَهَا أَوْ قَصَرَ الثَّوْبَ، فَإِنْ لَمْ تَزِدِ الْقِيمَةُ رَجَعَ وَلَا شَيْءَ لِلْمُفْلِسِ، وَإِنْ زَادَتْ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُبَاعُ وَلِلْمُفْلِسِ مِنْ ثَمَنِهِ بِنِسْبَةِ مَا زَادَ. وَلَوْ صَبَغَهُ بِصِبْغِهِ فَإِنْ زَادَتِ الْقِيمَةُ قَدْرَ قِيمَةِ الصِّبْغِ رَجَعَ، وَالمُفْلِسُ شَرِيكٌ بِالصِّبْغِ، أَوْ أَقَلَّ فَالنَّقْصُ عَلَى الصِّبْغِ، أَوْ أَكْثَرَ فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمُفْلِسِ. وَلَوِ اشْتَرَى مِنْهُ الصِّبْغَ وَالثَّوْبَ رَجَعَ فِيهِمَا إِلَّا أَلَّا تَزِيدَ قِيمَتُهُمَا عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ فَيَكُونُ فَاقِدًا لِلصِّبْغِ. وَلَوِ اشْتَرَاهُمَا مِنِ اثْنَيْنِ فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ مَصْبُوغًا عَلَى قِيمَةِ الثَّوْبِ فَصَاحِبُ الصِّبْغِ فَاقِدٌ، وَإِنْ زَادَتْ بِقَدْرِ قِيمَةِ الصِّبْغِ اشْتَرَكَا، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهِمَا فَالْأَصَحُّ: أَنَّ المُفْلِسَ شَرِيكٌ لَهُمَا بِالزِّيَادَةِ.

بَابُ الْحَجْرِ

مِنْهُ: حَجْرُ المُفْلِسِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَالرَّاهِنِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَالمَرِيضِ لِلْوَرَثَةِ، وَالْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَالمُرْتَدِّ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَهَا أَبْوَابٌ. وَمَقْصُودُ الْبَابِ: حَجْرُ المَجْنُونِ وَالصِّبِيِّ وَالمُبَذِّرِ. فَبِالْجُنُونِ تَنْسَلِبُ الْوِلَايَاتُ وَاعْتِبَارُ الْأَقْوَالِ، وَيَرْتَفِعُ بِالْإِفَاقَةِ. وَحَجْرُ الصَّبِيِّ يَرْتَفِعُ بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا. وَالْبُلُوغُ: بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ خُرُوجِ المَنِيِّ. وَوَقْتُ إِمْكَانِهِ: اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ، وَنَبَاتُ الْعَانَةِ يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِبُلُوغِ وَلَدِ الْكَافِرِ، لَا المُسْلِمِ فِي الْأَصَحِّ، وَتَزِيدُ المَرْأَةُ حَيْضًا وَحَبَلًا. وَالرُّشْدُ: صَلَاحُ الدِّينِ وَالمَالِ، فَلَا يَفْعَلُ مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ، وَلَا يُبَذِّرُ بِأَنْ يُضَيِّعَ المَالَ بِاحْتِمَالِ غَبْنٍ فَاحِشٍ فِي المُعَامَلَةِ أَوْ رَمْيِهِ فِي بَحْرٍ أَوْ إِنْفَاقِهِ فِي مُحَرَّمٍ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ صَرْفَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَوُجُوهِ الْخَيْرِ وَالمَطَاعِمِ وَالمَلَابِسِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِحَالِهِ لَيْسَ بِتَبْذِيرٍ. وَيُخْتَبَرُ رُشْدُ الصَّبِيِّ. وَيَخْتَلِفُ بِالمَرَاتِبِ: فَيُخْتَبَرُ وَلَدُ التَّاجِرِ: بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالمُمَاكَسَةِ فِيهِمَا. وَوَلَدُ الزَّرَّاعِ: بِالزِّرَاعَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَى الْقُوَّامِ بِهَا. وَالمُحْتَرِفُ: بِمَا يَتَعَلَّقُ بِحِرْفَتِهِ. وَالمَرْأَةُ: بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَزْلِ وَالْقُطْنِ، وَصَوْنِ الْأَطْعِمَةِ عَنِ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهَا. وَيُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ الِاخْتِبَارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. وَوَقْتُهُ: قَبْلَ الْبُلُوغ، وَقِيلَ: بَعْدَهُ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُهُ، بَلْ يُمْتَحَنُ فِي المُمَاكَسَةِ، فَإِذَا أَرَادَ الْعَقْدَ عَقَدَ الْوَلِيُّ. فَلَوْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ دَامَ الْحَجْرُ. وَإِنْ بَلَغَ رَشِيدًا انْفَكَّ بِنَفْسِ الْبُلُوغِ وَأُعْطِيَ مَالَهُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فَكُّ الْقَاضِي، فَلَوْ بَذَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ حُجِرَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَعُودُ الْحَجْرُ بِلَا إِعَادَةٍ وَلَوْ فَسَقَ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ طَرَأَ فَوَلِيُّهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ. وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ فَوَلِيُّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ، وَقِيلَ: الْقَاضِي. وَلَا يَصِحُّ مِنَ المَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ بَيْعٌ وَلَا شِرَاءٌ وَلَا إِعْتَاقٌ وَهِبَةٌ وَنِكَاحٌ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، فَلَوِ اشْتَرَى أَوِ اقْتَرَضَ وَقَبَضَ وَتَلِفَ المَأْخُوذُ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ فَلَا ضَمَانَ فِي الْحَالِ، وَلَا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ، سَوَاءٌ عَلِمَ حَالَهُ مَنْ عَامَلَهُ أَوْ جَهِلَهُ. وَيَصِحُّ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ نِكَاحُهُ، لَا التَّصَرُّفُ المَالِيُّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِدَيْنٍ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ وَكَذَا بِإِتْلَافِ المَالِ فِي الْأَظْهَرِ وَيَصِحُّ بِالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَطَلَاقُهُ وَخُلْعُهُ وَظِهَارُهُ وَنَفْيُهُ النَّسَبَ بِلِعَانٍ. وَحُكْمُهُ فِي الْعِبَادَةِ كَالرَّشِيدِ، لَكِنْ لَا يُفَرِّقُ الزَّكَاةَ بِنَفْسِهِ، وَإِذَا أَحْرَمَ بِحَجِّ فَرْضٍ أَعْطَى الْوَلِيُّ كِفَايَتَهُ لِثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي طَرِيقِهِ. وَإِنْ أَحْرَمَ بِتَطَوُّعٍ وَزَادَتْ مُؤْنَةُ سَفَرِهِ عَلَى نَفَقَتِهِ المَعْهُودَةِ فَلِلْوَلِيِّ مَنْعُهُ، وَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَمُحْصَرٍ فَيَتَحَلَّلُ. قُلْتُ: وَيَتَحَلَّلُ بِالصَّوْمِ إِنْ قُلْنَا: لِدَمِ الْإِحْصَارِ بَدَلٌ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ المَالِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ كَسْبٌ قَدْرَ زِيَادَةِ المُؤْنَةِ لَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

وَلِيُّ الصَّبِيِّ: أَبُوهُ، ثُمَّ جَدُّهُ، ثُمَّ وَصِيُّهُمَا، ثُمَّ الْقَاضِي. وَلَا تَلِي الْأُمُّ فِي الْأَصَحِّ. وَيَتَصَرَّفُ الْوَلِيُّ بِالمَصْلَحَةِ، وَيَبْنِي دُورَهُ بِالطِّينِ وَالْآجُرِّ لَا اللَّبِنِ وَالْجِصِّ، وَلَا يَبِيعُ عَقَارَهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ. وَلَهُ بَيْعُ مَالِهِ بِعَرْضٍ وَنَسِيئَةً لِلْمَصْلَحَةِ، وَإِذَا بَاعَ نَسِيئَةً أَشْهَدَ وَارْتَهَنَ بِهِ، وَيَأْخُذُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ يَتْرُكُ بِحَسَبِ المَصْلَحَةِ، وَيُزَكِّي مَالَهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالمَعْرُوفُ. فَإِذَا ادَّعَى بَعْدَ بُلُوغِهِ عَلَى الْأَبِ وَالْجَدِّ بَيْعًا بِلَا مَصْلَحَةٍ صُدِّقَا بِالْيَمِينِ. وَإِنِ ادَّعَاهُ عَلَى الْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ صُدِّقَ هُوَ بِيَمِينِهِ.

بَابُ الصُّلْحِ

هُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجْرِي بَيْنَ المُتَدَاعِيَيْنِ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: صُلْحٌ عَلَى إِقْرَارٍ، فَإِنْ جَرَى: عَلَى عَيْنٍ غَيْرِ المُدَّعَاةِ فَهُوَ بَيْعٌ بِلَفْظِ الصُّلْحِ تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ كَالشُّفْعَةِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَمَنْعِ تَصَرُّفِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَاشْتِرَاطِ التَّقَابُضِ إِنِ اتَّفَقَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا. أَوْ عَلَى مَنْفَعَةٍ فَإِجَارَةٌ تَثْبُتُ أَحْكَامُهَا. أَوْ عَلَى بَعْضِ الْعَيْنِ المُدَّعَاةِ فَهِبَةٌ لِبَعْضِهَا لِصَاحِبِ الْيَدِ فَتَثْبُتُ أَحْكَامُهَا. وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْبَيْعِ. وَالْأَصَحُّ: صِحَّتُهُ بِلَفْظِ الصُّلْحِ. وَلَوْ قَالَ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خُصُومَةٍ: (صَالِحْنِي عَنْ دَارِكَ بِكَذَا) فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُ. وَلَوْ صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى عَيْنٍ صَحَّ. فَإِنْ تَوَافَقَا فِي عِلَّةِ الرِّبَا اشْتُرِطَ قَبْضُ الْعِوَضِ فِي المَجْلِسِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ عَيْنًا لَمْ يُشْتَرَطْ قَبْضُهُ فِي المَجْلِسِ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ دَيْنًا اشْتُرِطَ تَعْيِينُهُ فِي المَجْلِسِ، وَفِي قَبْضِهِ الْوَجْهَانِ. وَإِنْ صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى بَعْضِهِ فَهُوَ إِبْرَاءٌ عَنْ بَاقِيهِ. وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَالْحَطِّ وَنَحْوِهِمَا، وَبِلَفْظِ الصُّلْحِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ صَالَحَ مِنْ حَالٍّ عَلَى مُؤَجَّلٍ مِثْلِهِ أَوْ عَكَسَ لَغَا، فَإِنْ عَجَّلَ المُؤَجَّلَ صَحَّ الْأَدَاءُ. وَلَوْ صَالَحَ مِنْ عَشَرَةٍ حَالَّةٍ عَلَى خَمْسَةٍ مُؤَجَّلَةٍ بَرِئَ مِنْ خَمْسَةٍ وَبَقِيَتْ خَمْسَةٌ حَالَّةٌ، وَلَوْ عَكَسَ لَغَا. النَّوْعُ الثَّانِي: الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ، فَيَبْطُلُ إِنْ جَرَى عَلَى نَفْسِ المُدَّعَى، وَكَذَا إِنْ جَرَى عَلَى بَعْضِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (صَالِحْنِي عَلَى الدَّارِ الَّتِي تَدَّعِيهَا) لَيْسَ إِقْرَارًا فِي الْأَصَحِّ. الْقِسْمُ الثَّانِي: يَجْرِي بَيْنَ المُدَّعِي وَأَجْنَبِيٍّ: فَإِنْ قَالَ: (وَكَّلَنِي المُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الصُّلْحِ وَهُوَ مُقِرٌّ لَكَ) صَحَّ، وَلَوْ صَالَحَ لِنَفْسِهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ صَحَّ وَكَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ. وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا وَقَالَ الْأَجْنَبِيُّ: (هُوَ مُبْطِلٌ فِي إِنْكَارِهِ) فَهُوَ شِرَاءُ مَغْصُوبٍ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ قُدْرَتِهِ عَلَى انْتِزَاعِهِ وَعَدَمِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: (هُوَ مُبْطِلٌ) لَغَا الصُّلْحُ.

فَصْلٌ

الطَّرِيقُ النَّافِذُ لَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا يَضُرُّ المَارَّةَ، وَلَا يُشْرَعُ فِيهِ جَنَاحٌ وَلَا سَابَاطٌ يَضُرُّهُمْ، بَلْ يُشْتَرَطُ ارْتِفَاعُهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتَهُ مُنْتَصِبًا. وَإِنْ كَانَ مَمَرَّ الْفُرْسَانِ وَالْقَوَافِلِ فَلْيَرْفَعْهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتَهُ المَحْمِلُ عَلَى الْبَعِيرِ مَعَ أَخْشَابِ الْمِظَلَّةِ. وَيَحْرُمُ الصُّلْحُ عَلَى إِشْرَاعِ الْجَنَاحِ وَأَنْ يَبْنِيَ فِي الطَّرِيقِ دَكَّةً أَوْ يَغْرِسَ شَجَرَةً، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَضُرَّ جَازَ. وَغَيْرُ النَّافِذِ يَحْرُمُ الْإِشْرَاعُ إِلَيْهِ لِغَيْرِ أَهْلِهِ، وَكَذَا لِبَعْضِ أَهْلِهِ فِي الْأَصَحِّ إِلَّا بِرِضَا الْبَاقِينَ. وَأَهْلُهُ: مَنْ نَفَذَ بَابُ دَارِهِ إِلَيْهِ، لَا مَنْ لَاصَقَهُ جِدَارُهُ. وَهَلِ الِاسْتِحْقَاقُ فِي كُلِّهَا لِكُلِّهِمْ؟ أَمْ تَخْتَصُّ شِرْكَةُ كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا بَيْنَ رَأْسِ الدَّرْبِ وَبَابِ دَارِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ فَتْحُ بَابٍ إِلَيْهِ لِلِاسْتِطْرَاقِ، وَلَهُ فَتْحُهُ إِذَا سَمَّرَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ لَهُ فِيهِ بَابٌ فَفَتَحَ آخَرَ أَبْعَدَ مِنْ رَأْسِ الدَّرْبِ فَلِشُرَكَائِهِ مَنْعُهُ، فَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَسُدَّ الْبَابَ الْقَدِيمَ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ سَدَّهُ فَلَا مَنْعَ. وَمَنْ لَهُ دَارَانِ تَفْتَحَانِ إِلَى دَرْبَيْنِ مَسْدُودَيْنِ أَوْ مَسْدُودٍ وَشَارِعٍ، فَفَتَحَ بَابًا بَيْنَهُمَا لَمْ يُمْنَعْ فِي الْأَصَحِّ. وَحَيْثُ مُنِعَ فَتْحُ الْبَابِ فَصَالَحَهُ أَهْلُ الدَّرْبِ بِمَالٍ صَحَّ. وَيَجُوزُ فَتْحُ الْكَوَّاتِ. وَالْجِدَارُ بَيْنَ المَالِكَيْنِ قَدْ يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَقَدْ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ. فَالمُخْتَصُّ: لَيْسَ لِلْآخَرِ وَضْعُ الْجُذُوعِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فِي الْجَدِيدِ، وَلَا يُجْبَرُ المَالِكُ. فَلَوْ رَضِيَ بِلَا عِوَضٍ فَهُوَ إِعَارَةٌ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَذَا بَعْدَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَفَائِدَةُ الرُّجُوعِ: تَخْيِيرُهُ بَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ أَوْ يَقْلَعَ وَيَغْرَمَ أَرْشَ نَقْصِهِ، وَقِيلَ: فَائِدَتُهُ: طَلَبُ الْأُجْرَةِ فَقَطْ. وَلَوْ رَضِيَ بِوَضْعِ الْجُذُوعِ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا بِعِوَضٍ فَإِنْ أَجَّرَ رَأْسَ الْجِدَارِ لِلْبِنَاءِ فَهُوَ إِجَارَةٌ. وَإِنْ قَالَ: (بِعْتُهُ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ) أَوْ (بِعْتُ حَقَّ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ) فَالْأَصَحُّ: أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ فِيهِ شَوْبُ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، فَإِذَا بَنَى فَلَيْسَ لِمَالِكِ الْجِدَارِ نَقْضُهُ بِحَالٍ. وَلَوِ انْهَدَمَ الْجِدَارُ فَأَعَادَهُ مَالِكُهُ فَلِلْمُشْتَرِي إِعَادَةُ الْبِنَاءِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْإِذْنُ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، يُشْتَرَطُ بَيَانُ قَدْرِ المَوْضِعِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ طُولًا وَعَرْضًا، وَسَمْكِ الْجُدْرَانِ وَكَيْفِيَّتِهَا، وَكَيْفِيَّةِ السَّقْفِ المَحْمُولِ عَلَيْهَا. وَلَوْ أَذِنَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى أَرْضِهِ كَفَى بَيَانُ قَدْرِ مَحَلِّ الْبِنَاءِ. وَأَمَّا الْجِدَارُ المُشْتَرَكُ: فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا وَضْعُ جُذُوعِهِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فِي الْجَدِيدِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتِدَ فِيهِ وَتِدًا أَوْ يَفْتَحَ كَوَّةً إِلْاَ بِإِذْنِهِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَيْهِ وَيَسْنِدَ مَتَاعًا لَا يَضُرُّ، وَلَهُ ذَلِكَ فِي جِدَارِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ شَرِيكِهِ عَلَى الْعِمَارَةِ فِي الْجَدِيدِ. فَإِنْ أَرَادَ إِعَادَةَ مُنْهَدِمٍ بِآلَةٍ لِنَفْسِهِ لَمْ يُمْنَعْ، وَيَكُونُ المُعَادُ مِلْكَهُ يَضَعُ عَلَيْهِ مَا شَاءَ وَيَنْقُضُهُ إِذَا شَاءَ. وَلَوْ قَالَ الْآخَرُ: (لَا تَنْقُضْهُ وَأَغْرَمُ لَكَ حِصَّتِي) لَمْ تَلْزَمْهُ إِجَابَتُهُ. وَإِنْ أَرَادَ إِعَادَتَهُ بِنِقْضِهِ المُشْتَرَكِ فَلِلْآخَرِ مَنْعُهُ. وَلَوْ تَعَاوَنَا عَلَى إِعَادَتِهِ بِنِقْضِهِ عَادَ مُشْتَرَكًا كَمَا كَانَ. وَلَوِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا وَشَرَطَ لَهُ الْآخَرُ زِيَادَةً جَازَ وَكَانَتْ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى إِجْرَاءِ المَاءِ وَإِلْقَاءِ الثَّلْجِ فِي مِلْكِهِ عَلَى مَالٍ. وَلَوْ تَنَازَعَا جِدَارًا بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا فَإِنِ اتَّصَلَ بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُمَا بُنِيَا مَعًا فَلَهُ الْيَدُ، وَإِلَّا فَلَهُمَا. فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً قُضِيَ لَهُ، وَإِلَّا حَلَفَا، فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا جُعِلَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا قُضِيَ لَهُ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ لَمْ يُرَجَّحْ. وَالسَّقْفُ بَيْنَ عُلْوِهِ وَسُفْلِ غَيْرِهِ كَجِدَارٍ بَيْنَ مِلْكَيْنِ، فَيُنْظَرُ: أَيُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ بَعْدَ الْعُلْوِ فَيَكُونَ فِي يَدِهِمَا، أَوْ لَا فَلِصَاحِبِ السُّفْلِ.

بَابُ الْحَوَالَةِ

يُشْتَرَطُ لَهَا: رِضَا المُحِيلِ وَالمُحْتَالِ، لَا المُحَالِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا تَصِحُّ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَصِحُّ بِرِضَاهُ. وَتَصِحُّ بِالدَّيْنِ اللَّازِمِ، وَعَلَيْهِ وَالْمِثْلِيِّ، وَكَذَا المُتَقَوِّمُ فِي الْأَصَحِّ، وَبِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَعَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَالْأَصَحُّ: صِحَّةُ حَوَالَةِ المُكَاتَبِ سَيِّدَهُ بِالنُّجُومِ، دُونَ حَوَالَةِ السَّيِّدِ عَلَيْهِ. وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِمَا يُحَالُ بِهِ وَعَلَيْهِ قَدْرًا وَصِفَةً، وَفِي قَوْلٍ: تَصِحُّ بَإِبِلِ الدِّيَةِ وَعَلَيْهَا. وَيُشْتَرَطُ تَسَاوِيهِمَا جِنْسًا وَقَدْرًا، وَكَذَا حُلُولًا وَأَجَلًا وَصِحَّةً وَكَسْرًا فِي الْأَصَحِّ. وَيَبْرَأُ بِالْحَوَالَةِ المُحِيلُ عَنْ دَيْنِ المُحْتَالِ، وَالمُحَالُ عَلَيْهِ عَنْ دَيْنِ المُحِيلِ، وَيَتَحَوَّلُ حَقُّ المُحْتَالِ إِلَى ذِمَّةِ المُحَالِ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ بِفَلَسٍ أَوْ جَحْدٍ وَحَلَفَ وَنَحْوِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى المُحِيلِ، فَلَوْ كَانَ مُفْلِسًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ وَجَهِلَهُ المُحْتَالُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَقِيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ إِنْ شُرِطَا يَسَارُهُ. وَلَوْ أَحَالَ المُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَرَدَّ المَبِيعَ بِعَيْبٍ بَطَلَتْ فِي الْأَظْهَرِ، أَوِ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ فَوُجِدَ الرَّدُّ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَالَ بِثَمَنِهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ المُتَبَايِعَانِ وَالمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ، أَوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ، وَإِنْ كَذَّبَهُمَا المُحْتَالُ وَلَا بَيِّنَةَ حَلَّفَاهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ثُمَّ يَأْخُذُ المَالَ مِنَ المُشْتَرِي. وَلَوْ قَالَ المُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ: (وَكَّلْتُكَ لِتَقْبِضَ لِي) وَقَالَ المُسْتَحِقُّ: (أَحَلْتَنِي) أَوْ قَالَ: (أَرَدْتُ بِقَوْلِي: «أَحَلْتُكَ» الْوَكَالَةَ) وَقَالَ المُسْتَحِقُّ: (بَلْ أَرَدْتَ الْحَوَالَةَ) صُدِّقَ المُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهٌ. وَإِنْ قَالَ: (أَحَلْتُكَ) فَقَالَ: (وَكَّلْتَنِي) صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ.

بَابُ الضَّمَانِ

شَرْطُ الضَّامِنِ: الرُّشْدُ، وَضَمَانُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ كَشِرَائِهِ. وَضَمَانُ عَبْدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ بَاطِلٌ فِي الْأَصَحِّ، وَيَصِحُّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ عَيَّنَ لِلْأَدَاءِ كَسْبَهُ أَوْ غَيْرَهُ قُضِيَ مِنْهُ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ تَعَلَّقَ بِمَا فِي يَدِهِ وَمَا يَكْسِبُهُ بَعْدَ الْإِذْنِ، وَإِلَّا فَبِمَا يَكْسِبُهُ. وَالْأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ مَعْرِفَةِ المَضْمُونِ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ وَرِضَاهُ. وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا المَضْمُونِ عَنْهِ قَطْعًا، وَلَا مَعْرِفَتُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ فِي المَضْمُونِ: كَوْنُهُ ثَابِتًا وَصَحَّحَ الْقَدِيمُ ضَمَانَ مَا سَيَجِبُ. وَالمَذْهَبُ: صِحَّةُ ضَمَانِ الدَّرَكِ بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ، وَهُوَ: أَنْ يَضْمَنَ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إِنْ خَرَجَ المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا أَوْ نَاقِصًا لِنَقْصِ الصَّنْجَةِ. وَكَوْنُهُ لَازِمًا، لَا كَنُجُومِ كِتَابَةٍ، وَيَصِحُّ ضَمَانُ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي الْأَصَحِّ، وَضَمَانُ الْجُعْلِ كَالرَّهْنِ بِهِ. وَكَوْنُهُ مَعْلُومًا فِي الْجَدِيدِ، وَالْإِبْرَاءُ مِنَ المَجْهُولِ بَاطِلٌ فِي الْجَدِيدِ إِلَّا مِنْ إِبِلِ الدِّيَةِ، وَيَصِحُّ ضَمَانُهَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (ضَمِنْتُ مَا لَكَ عَلَى زَيْدٍ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ) فَالْأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَأَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِعَشَرَةٍ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لِتِسْعَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

المَذْهَبُ: صِحَّةُ كَفَالَةِ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَفَلَ بَدَنَ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ لَمْ يُشْتَرَطِ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِمَّا يَصِحُّ ضَمَانُهُ. وَالمَذْهَبُ: صِحَّتُهَا بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ لِآدَمِيٍّ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَمَنْعُهَا فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى. وَتَصِحُّ بِبَدَنِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَحْبُوسٍ وَغَائِبٍ وَمَيِّتٍ لِيُحْضِرَهُ فَيَشْهَدَ عَلَى صُورَتِهِ. ثُمَّ إِنْ عَيَّنَ مَكَانَ التَّسْلِيمِ تَعَيَّنَ، وَإِلَّا فَمَكَانُهَا. وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِتَسْلِيمِهِ فِي مَكَانِ التَّسْلِيمِ بِلَا حَائِلٍ كَمُتَغَلِّبٍ، وَبِأَنْ يَحْضُرَ المَكْفُولُ بِهِ وَيَقُولَ: (سَلَّمْتُ نَفْسِي عَنْ جِهَةِ الْكَفِيلِ) وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ حُضُورِهِ. فَإِنْ غَابَ لَمْ يَلْزَمِ الْكَفِيلَ إِحْضَارُهُ إِنْ جَهِلَ مَكَانَهُ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُهُ، وَيُمْهَلُ مُدَّةَ ذَهَابٍ وَإِيَابٍ، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يُحْضِرْهُ حُبِسَ، وَقِيلَ: إِنْ غَابَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِحْضَارُهُ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا مَاتَ وَدُفِنَ لَا يُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِالمَالِ، وَأَنَّهُ لَوْ شُرِطَ فِي الْكَفَالَةِ أَنَّهُ يَغْرَمُ المَالَ إِنْ فَاتَ التَّسْلِيمُ بَطَلَتْ، وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِغَيْرِ رِضَا المَكْفُولِ.

فَصْلٌ

يُشْتَرَطُ فِي الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالْتِزَامِ كَـ(ضَمِنْتُ دَيْنَكَ عَلَيْهِ) أَوْ (تَحَمَّلْتُهُ) أَوْ (تَقَلَّدْتُهُ) أَوْ (تَكَفَّلْتُ بِبَدَنِهِ) أَوْ (أَنَا بِالمَالِ، أَوْ بِإِحْضَارِ الشَّخْصِ ضَامِنٌ) أَوْ (كَفِيلٌ) أَوْ (زَعِيمٌ) أَوْ (حَمِيلٌ). وَلَوْ قَالَ: (أُؤَدِّي المَالَ أَوْ أُحْضِرُ الشَّخْصَ) فَهُوَ وَعْدٌ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُمَا بِشَرْطٍ، وَلَا تَوْقِيتُ الْكَفَالَةِ، وَلَوْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ تَأْخِيرَ الْإِحْضَارِ شَهْرًا جَازَ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِ مُؤَجَّلًا أَجَلًا مَعْلُومًا، وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ المُؤَجَّلِ حَالًّا، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّعْجِيلُ. وَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالْأَصِيلِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ. وَلَوْ أَبْرَأَ الْأَصِيلَ بَرِئَ الضَّامِنُ، وَلَا عَكْسَ. وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا حَلَّ عَلَيْهِ دُونَ الْآخَرِ. وَإِذَا طَالَبَ المُسْتَحِقُّ الضَّامِنَ فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْأَصِيلِ بِتَخْلِيصِهِ بِالْأَدَاءِ إِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ قَبْلَ أَنْ يُطَالَبَ. وَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ عَلَى الْأَصِيلِ إِنْ وُجِدَ إِذْنُهُ فِي الضَّمَانِ وَالْأَدَاءِ، وَإِنِ انْتَفَى فِيهِمَا فَلَا، وَإِنْ أَذِنَ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ رَجَعَ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا عَكْسَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَدَّى مُكَسَّرًا عَنْ صِحَاحٍ أَوْ صَالَحَ عَنْ مِئَةٍ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِمَا غَرِمَ. وَمَنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِه بِلَا ضَمَانٍ وَلَا إِذْنٍ فَلَا رُجُوعَ، وَإِنْ أَذِنَ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ رَجَعَ، وَكَذَا إِنْ أَذِنَ مُطْلَقًا فِي الْأَصَحِّ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ مُصَالَحَتَهُ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. ثُمَّ إِنَّمَا يَرْجِعُ الضَّامِنُ وَالمُؤَدِّي إِذَا أَشْهَدَا بِالْأَدَاءِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَكَذَا رَجُلٌ لِيَحْلِفَ مَعَهُ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ فَلَا رُجُوعَ إِنْ أَدَّى فِي غَيْبَةِ الْأَصِيلِ وَكَذَّبَهُ، وَكَذَا إِنْ صَدَّقَهُ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ صَدَّقَهُ المَضْمُونُ لَهُ أَوْ أَدَّى بِحَضْرَةِ الْأَصِيلِ رَجَعَ عَلَى المَذْهَبِ.

كِتَابُ الشَّرِكَةِ

هِيَ أَنْوَاعٌ: شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ كَشَرِكَةِ الْحَمَّالِينَ وَسَائِرِ المُحْتَرِفَةِ لِيَكُونَ بَيْنَهُمَا كَسْبُهُمَا مُتَسَاوِيًا أَوْ مُتَفَاوِتًا مَعَ اتِّفَاقِ الصَّنْعَةِ أَوِ اخْتِلَافِهَا. وَشَرِكَةُ المُفَاوَضَةِ لِيَكُونَ بَيْنَهُمَا كَسْبُهُمَا وَعَلَيْهِمَا مَا يَعْرِضُ مِنْ غُرْمٍ. وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ بِأَنْ يَشْتَرِكَ الْوَجِيهَانِ لِيَبْتَاعَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمُؤَجَّلٍ لَهُمَا، فَإِذَا بَاعَا كَانَ الْفاَضِلُ عَنِ الْأَثْمَانِ بَيْنَهُمَا. وَهَذِهِ الْأَنْوَاعُ بَاطِلَةٌ. وَشَرِكَةُ الْعِنَانِ: صَحِيحَةٌ. وَيُشْتَرَطُ فِيهَا: لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الْإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، فَلَوِ اقْتَصَرَا عَلَى: (اشْتَرَكْنَا) لَمْ يَكْفِ فِي الْأَصَحِّ، وَفِيهِمَا: أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ. وَتَصِحُّ فِي كُلِّ مِثْلِيٍّ دُونَ المُتَقَوِّمِ، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالنَّقْدِ المَضْرُوبِ. وَيُشْتَرَطُ: خَلْطُ المَالَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزَانِ، وَلَا يَكْفِي الْخَلْطُ مَعَ اخْتِلَافِ جِنْسٍ، أَوْ صِفَةٍ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ، هَذَا إِذَا أَخْرَجَا مَالَيْنِ وَعَقَدَا، فَإِنْ مَلَكَا مُشْتَرَكًا بِإِرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِهِمَا وَأَذِنَ كُلٌّ لِلْآخَرِ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ تَمَّتِ الشَّرِكَةُ. وَالْحِيلَةُ فِي الشَّرِكَةِ فِي الْعُرُوضِ: أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ بَعْضَ عَرْضِهِ بِبَعْضِ عَرْضِ الْآخَرِ وَيَأْذَنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ. وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي قَدْرِ المَالَيْنِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ. وَيَتَسَلَّطُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ بِلَا ضَرَرٍ فَلَا يَبِيعُ نَسِيئَةً وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَلَا يُسَافِرُ بِهِ وَلَا يُبْضِعُهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ. وَلِكُلٍّ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ، وَيَنْعَزِلَانِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِفَسْخِهِمَا، فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: (عَزَلْتُكَ) أَوْ (لَا تَتَصَرَّفْ فِي نَصِيبِي) لَمْ يَنْعَزِلِ الْعَازِلُ. وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَبِجُنُونِهِ وَبِإِغْمَائِهِ. وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ المَالَيْنِ، تَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ أَوْ تَفَاوَتَا، فَإِنْ شَرَطَا خِلَافَهُ فَسَدَ الْعَقْدُ، فَيَرْجِعُ كُلٌّ عَلَى الْآخَرِ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ فِي مَالِهِ، وَتَنْفُذُ التَّصَرُّفَاتُ، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ المَالَيْنِ. وَيَدُ الشَّرِيكِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَالْخُسْرَانِ وَالتَّلَفِ، فَإِنِ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ بِالسَّبَبِ، ثُمَّ يُصَدَّقُ فِي التَّلَفِ بِهِ. وَلَوْ قَالَ مَنْ فِي يَدِهِ المَالُ: (هُوَ لِي) وَقَالَ الْآخَرُ: (مُشْتَرَكٌ) أَوْ بِالْعَكْسِ صُدِّقَ صَاحِبُ الْيَدِ، وَلَوْ قَالَ: (اقْتَسَمْنَا وَصَارَ لِي) صُدِّقَ المُنْكِرُ، وَلَوِ اشْتَرَى وَقَالَ: (اشْتَرَيْتُهُ لِلشَّرِكَةِ أَوْ لِنَفْسِي)، وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ صُدِّقَ المُشْتَرِي.

كِتَابُ الْوَكَالَةِ

شَرْطُ المُوَكِّلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ مَا وَكَّلَ فِيهِ بِمِلْكٍ أَوْ وِلَايَةٍ، فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا المَرْأَةِ وَالمُحْرِمِ فِي النِّكَاحِ، وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوَلِيِّ فِي حَقِّ الطِّفْلِ، وَيُسْتَثْنَى تَوْكِيلُ الْأَعْمَى فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَيَصِحُّ. وَشَرْطُ الْوَكِيلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ، لَا صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، وَكَذَا المَرْأَةُ وَالمُحْرِمُ فِي النِّكَاحِ، لَكِنِ الصَّحِيحُ: اعْتِمَادُ قَوْلِ صَبِيٍّ فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ دَارٍ وَإِيصَالِ هَدِيَّةٍ. وَالْأَصَحُّ: صِحَّةُ تَوْكِيلِ عَبْدٍ فِي قَبُولِ نِكَاحٍ، وَمَنْعُهُ فِي الْإِيجَابِ. وَشَرْطُ المُوَكَّلِ فِيهِ: أَنْ يَمْلِكَهُ المُوَكِّلُ، فَلَوْ وَكَّلَ بِبَيْعِ عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ، وَطَلَاقِ مَنْ سَيَنْكِحُهَا بَطَلَ فِي الْأَصَحِّ. وَأَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلنِّيَابَةِ، فَلَا يَصِحُّ فِي عِبَادَةٍ إِلَّا الْحَجَّ، وَتَفْرِقَةَ زَكَاةٍ، وَذَبْحَ أُضْحِيَةٍ، وَلَا فِي شَهَادَةٍ، وَإِيلَاءٍ، وَلِعَانٍ، وَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَلَا فِي الظِهَارِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَصِحُّ فِي طَرَفَيْ بَيْعٍ، وَهِبَةٍ، وَسَلَمٍ، وَرَهْنٍ، وَنِكَاحٍ، وَطَلَاقٍ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، وَقَبْضِ الدُّيُونِ وَإِقْبَاضِهَا، وَالدَّعْوَى وَالْجَوَابِ، وَكَذَا فِي تَمَلُّكِ المُبَاحَاتِ كَالْإِحْيَاءِ وَالِاصْطِيَادِ وَالِاحْتِطَابِ فِي الْأَظْهَرِ، لَا فِي الإِقْرَارِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَصِحُّ فِي اسْتِيفَاءِ عُقُوبَةِ آدَمِيٍّ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِحَضْرَةِ المُوَكِّلِ. وَلْيَكُنِ المُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَوْ قَالَ: (وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ) أَوْ (فِي كُلِّ أُمُورِي) أَوْ (فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كُلَّ شَيْءٍ) لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: (فِي بَيْعِ أَمْوَالِي وَعِتْقِ أَرِقَّائِي) صَحَّ، وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ وَجَبَ بَيَانُ نَوْعِهِ، أَوْ دَارٍ وَجَبَ بَيَانُ المَحِلَّةِ وَالسِّكَّةِ، لَا قَدْرِ الثَّمَنِ فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ مِنَ المُوَكِّلِ لَفْظٌ يَقْتَضِي رِضَاهُ كَـ(وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا) أَوْ (فَوَّضْتُهُ إِلَيْكَ) أَوْ (أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ)، فَلَوْ قَالَ: (بِعْ) أَوْ (أَعْتِقْ) حَصَلَ الْإِذْنُ. وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ كَـ(وَكَّلْتُكَ)، دُونَ صِيَغِ الْأَمْرِ كَـ(بِعْ) وَ(أَعْتِقْ). وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ لِلتَّصَرُّفِ شَرْطًا جَازَ، وَلَوْ قَالَ : (وَكَّلْتُكَ وَمَتَى عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي) صَحَّتْ فِي الْحَالِ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي عَوْدِهِ وَكِيلًا بَعْدَ الْعَزْلِ الْوَجْهَانِ فِي تَعْلِيقِهَا، وَيَجْرِيَانِ فِي تَعْلِيقِ الْعَزْلِ.

فَصْلٌ

الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ مُطْلَقًا لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَلَا بِنَسِيئَةٍ، وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ، وَهُوَ: مَا لَا يُحْتَمَلُ غَالِبًا. فَلَوْ بَاعَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ وَسَلَّمَ المَبِيعَ ضَمِنَ، فَإِنْ وَكَّلَهُ لِيَبِيعَ مُؤَجَّلًا وَقَدَّرَ الْأَجَلَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَطْلَقَ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، وَحُمِلَ عَلَى المُتَعَارَفِ فِي مِثْلِهِ. وَلَا يَبِيعُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَبِيعُ لِأَبِيهِ وَابْنِهِ الْبَالِغِ، وَأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ وَتَسْلِيمُ المَبِيعِ، وَلَا يُسَلِّمُهُ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، فَإِنْ خَالَفَ ضَمِنَ. وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءٍ لَا يَشْتَرِي مَعِيبًا، فَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ يُسَاوِي مَعَ الْعَيْبِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ وَقَعَ عَنِ المُوَكِّلِ إِنْ جَهِلَ الْعَيْبَ، وَإِنْ عَلِمَهُ فَلَا فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يُسَاوِهِ لَمْ يَقَعْ عَنْهُ إِنْ عَلِمَهُ، وَإِنْ جَهِلَهُ وَقَعَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِذَا وَقَعَ لِلْمُوَكِّلِ فَلِكُلٍّ مِنَ الْوَكِيلِ وَالمُوَكِّلِ الرَّدُّ. وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ أَنْ يُوَكِّلَ بِلَا إِذْنٍ إِنْ تَأَتَّى مِنْهُ مَا وُكِّلَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ لِكَوْنِهِ لَا يُحْسِنُهُ أَوْ لَا يَلِيقُ بِهِ فَلَهُ التَّوْكِيلُ، وَلَوْ كَثُرَ وَعَجَزَ عَنِ الْإِتْيَانِ بِكُلِّهِ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُوَكِّلُ فِيمَا زَادَ عَلَى المُمْكِنِ. وَلَوْ أَذِنَ فِي التَّوْكِيلِ وَقَالَ: (وَكِّلْ عَنْ نَفْسِكَ)، فَفَعَلَ فَالثَّانِي وَكِيلُ الْوَكِيلِ، وَالْأَصَحُّ: أَنّهُ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَانْعِزَالِهِ، وَإِنْ قَالَ: (وَكِّلْ عَنِّي) فَالثَّانِي وَكِيلُ المُوَكِّلِ، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: وَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لَا يَعْزِلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِهِ، وَحَيْثُ جُوَّزْنَا لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلَ يُشْتَرَطُ أَنْ يُوَكِّلَ أَمِينًا إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَ المُوَكِّلُ غَيْرَهُ، وَلَوْ وَكَّلَ أَمِينًا فَفَسَقَ لَمْ يَمْلِكِ الْوَكِيلُ عَزْلَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

قَالَ: (بِعْ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ) أَوْ (فِي زَمَنٍ أَوْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ) تَعَيَّنَ، وَفِي المَكَانِ وَجْهٌ إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ. وَإِنْ قَالَ: (بِعْ بِمِئَةٍ) لَمْ يَبِعْ بِأَقَلَّ، وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالنَّهْيِ. وَلَوْ قَالَ: (اشْتَرِ بِهَذَا الدِّينَارِ شَاةً) وَوَصَفَهَا، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ بِالصِّفَةِ، فَإِنْ لَمْ تُسَاوِ وَاحِدَةٌ دِينَارًا لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ سَاوَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ فَالْأَظْهَرُ: الصِّحَّةُ وَحُصُولُ الْمِلْكِ فِيهِمَا لِلْمُوَكِّلِ. وَلَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ بِمُعَيَّنٍ فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَقَعْ لِلْمُوَكِّلِ، وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَمَتَى خَالَفَ المُوَكِّلَ فِي بَيْعِ مَالِهِ أَوِ الشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ. وَلَوِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُسَمِّ المُوَكِّلَ وَقَعَ لِلْوَكِيلِ، وَإِنْ سَمَّاهُ فَقَالَ الْباَئِعُ: (بِعْتُكَ) فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ لِفُلَانٍ) فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ قَالَ: (بِعْتُ مُوَكِّلَكَ زَيْدًا) فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ لَهُ) فَالمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ. وَيَدُ الْوَكِيلِ يَدُ أَمَانَةٍ وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَإِنْ تَعَدَّى ضَمِنَ وَلَا يَنْعَزِلُ فِي الْأَصَحِّ. وَأَحْكَامُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُونَ المُوَكِّلِ، فَيُعْتَبَرُ فِي الرُّؤْيَةِ، وَلُزُومِ الْعَقْدِ بِمُفَارَقَةِ المَجْلِسِ وَالتَّقَابُضِ فِي المَجْلِسِ، حَيْثُ يُشْتَرَطُ الْوَكِيلُ دُونَ المُوَكِّلِ. وَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ طَالَبَهُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ إِنْ كَانَ دَفَعَهُ إِلَيْهِ المُوَكِّلُ، وَإِلَّا فَلَا إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ طَالَبَهُ إِنْ أَنْكَرَ وَكَالَتَهُ أَوْ قَالَ: (لَا أَعْلَمُهَا)، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا طَالَبَهُ أَيْضًا فِي الْأَصَحِّ كَمَا يُطَالِبُ المُوَكِّلَ، وَيَكُونُ الْوَكِيلُ كَضَامِنٍ وَالمُوَكِّلُ كَأَصِيلٍ. وَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ الثَّمَنَ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ وَخَرَجَ المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا رَجَعَ عَلَيْهِ المُشْتَرِي وَإِنِ اعْتَرَفَ بِوَكَالَتِهِ فِي الْأَصَحِّ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى المُوَكِّلِ. قُلْتُ: وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى المُوَكِّلِ ابْتِدَاءً فِي الْأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

الْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَإِذَا عَزَلَهُ المُوَكِّلُ فِي حُضُورِهِ، أَوْ قَالَ: (رَفَعْتُ الْوَكَالَةَ) أَوْ (أَبْطَلْتُهَا) أَوْ (أَخْرَجْتُكَ مِنْهَا) انْعَزَلَ. فَإِنْ عَزَلَهُ وَهُوَ غَائِبٌ انْعَزَلَ فِي الْحَالِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا حَتَّى يَبْلُغَهُ الْخَبَرُ. وَلَوْ قَالَ: (عَزَلْتُ نَفْسِي) أَوْ (رَدَدْتُ الْوَكَالَةَ) انْعَزَلَ. وَيَنْعَزِلُ بِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ، وَكَذَا إِغْمَاءٌ فِي الْأَصَحِّ، وَبِخُرُوجِ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ عَنْ مِلْكِ المُوَكِّلِ. وَإِنْكَارُ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ لِنِسْيَانٍ أَوْ لِغَرَضٍ فِي الْإِخْفَاءِ لَيْسَ بِعَزْلٍ، فَإِنْ تَعَمَّدَ وَلَا غَرَضَ انْعَزَلَ. وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِهَا، أَوْ صِفَتِهَا بِأَنْ قَالَ: (وَكَّلْتَنِي فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، أَوِ الشِّرَاءِ بِعِشْرِينَ)، فَقَالَ: (بَلْ نَقْدًا أَوْ بِعَشَرَةٍ) صُدِّقَ المُوَكِّلُ بِيَمِينِهِ. وَلَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً بِعِشْرِينَ وَزَعَمَ أَنَّ المُوَكِّلَ أَمَرَهُ، فَقَالَ: (بَلْ فِي عَشَرَةٍ) وَحَلَفَ فَإِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ المُوَكِّلِ وَسَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ أَوْ قَالَ بَعْدَهُ: (اشْتَرَيْتُهُ لِفُلَانٍ وَالمَالُ لَهُ) وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَذَّبَهُ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ وَوَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ، وَكَذَا إِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُسَمِّ المُوَكِّلَ، وَكَذَا إِنْ سَمَّاهُ وَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ صَدَّقَهُ بَطَلَ الشِّرَاءُ. وَحَيْثُ حُكِمَ بِالشِّرَاءِ لِلْوَكِيلِ يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْفُقَ بِالمُوَكِّلِ لِيَقُولَ لِلْوَكِيلِ: (إِنْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ بِعِشْرِينَ فَقَدْ بِعْتُكَهَا بِهَا) وَيَقُولُ هُوَ: (اشْتَرَيْتُ لِتَحِلَّ لَهُ). وَلَوْ قَالَ: (أَتَيْتُ بِالتَّصَرُّفِ المَأْذُونِ فِيهِ)، وَأَنْكَرَ المُوَكِّلُ صُدِّقَ المُوَكِّلُ، وَفِي قَوْلٍ: الْوَكِيلُ. وَقَوْلُ الْوَكِيلِ فِي تَلَفِ المَالِ مَقْبُولٌ بِيَمِينِهِ، وَكَذَا فِي الرَّدِّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بِجُعْل فَلَا. وَلَوِ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى رَسُولِ المُوَكِّلِ وَأَنْكَرَ الرَّسُولُ صُدِّقَ الرَّسُولُ، وَلَا يَلْزَمُ المُوَكِّلَ تَصْدِيقُ الْوَكِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (قَبَضْتُ الثَّمَنَ وَتَلِفَ)، وَأَنْكَرَ المُوَكِّلُ صُدِّقَ المُوَكِّلُ إِنْ كَانَ قَبْلَ تَسْلِيمِ المَبِيعِ، وَإِلَّا فَالْوَكِيلُ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ وَكَّلَهُ بِقَضَاءِ دَيْنٍ، فَقَالَ: (قَضَيْتُهُ) وَأَنْكَرَ المُسْتَحِقُّ صُدِّقَ المُسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ الْوَكِيلُ عَلَى المُوَكِّلِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَقَيِّمُ الْيَتِيم إِذَا ادَّعَى دَفْعَ المَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ وَلَا مُودَعٍ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ طَلَبِ المَالِكِ: (لَا أَرُدُّ المَالَ إِلَّا بِإِشْهَادٍ) فِي الْأَصَحِّ، وَلِلْغَاصِبِ وَمَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ ذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: (وَكَّلَنِي المُسْتَحِقُّ بِقَبْضِ مَا لَهُ عِنْدَكَ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ) وَصَدَّقَهُ فَلَهُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ، وَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى وَكَالَتِهِ، وَلَوْ قَالَ: (أَحَالَنِي عَلَيْكَ) وَصَدَّقَهُ وَجَبَ الدَّفْعُ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: وَإِنْ قَالَ: (أَنَا وَارِثُهُ) وَصَدَّقَهُ وَجَبَ الدَّفْعُ عَلَى المَذْهَبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

كِتَابُ الْإِقْرَارِ

يَصِحُّ مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ، وَإِقْرَارُ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ لَاغٍ، فَإِنِ ادَّعَى الْبُلُوغَ بِالِاحْتِلَامِ مَعَ الْإِمْكَانِ صُدِّقَ وَلَا يُحَلَّفُ، وَإِنِ ادَّعَاهُ بِالسِّنِّ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ. وَالسَّفِيهُ وَالمُفْلِسُ سَبَقَ حُكْمُ إِقْرَارِهِمَا. وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الرَّقِيقِ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ، وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنِ جِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ عُقُوبَةً فَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ لَمْ يُقْبَلْ عَلَى السَّيِّدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَيُقْبَلُ إِنْ كَانَ، وَيُؤَدِّي مِنْ كَسْبِهِ وَمَا فِي يَدِهِ. وَيَصِحُّ إِقْرَارُ المَرِيضِ مَرَضَ المَوْتِ لِأَجْنَبِيٍّ، وَكَذَا لِوَارِثٍ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ بِدَيْنٍ، وَفِي مَرَضِهِ لِآخَرَ لَمْ يُقَدَّمِ الْأَوَّلُ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ وَأَقَرَّ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ لِآخَرَ لَمْ يُقَدَّمِ الْأَوَّلُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُ مُكْرَهٍ. وَيُشْتَرَطُ فِي المُقَرِّ لَهُ أَهْلِيَّةُ اسْتِحْقَاقِ الْمُقَرِّ بِهِ، فَلَوْ قَالَ: (لِهَذِهِ الدَّابَّةِ عَلَيَّ كَذَا) فَلَغْوٌ، فَإِنْ قَالَ: (بِسَبَبِهَا لِمَالِكِهَا) وَجَبَ، وَلَوْ قَالَ: (لِحَمْلِ هِنْدٍ كَذَا بِإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ) لَزِمَهُ. وَإِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى جِهَةٍ لَا تُمْكِنُ فِي حَقِّهِ فَلَغْوٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ صَحَّ فِي الْأَظْهَرِ. وَإِذَا كَذَّبَ المُقَرُّ لَهُ المُقِرَّ تُرِكَ المَالُ فِي يَدِهِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ رَجَعَ المُقِرُّ فِي حَالِ تَكْذِيبِهِ وَقَالَ: (غَلِطْتُ) قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

قَوْلُهُ: (لِزَيْدٍ كَذَا) صِيغَةُ إِقْرَارٍ، وَقَوْلُهُ: (عَلَيَّ) وَ(فِي ذِمَّتِي) لِلدَّيْنِ، وَ(مَعِي) وَ(عِنْدِي) لِلْعَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: (لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ)، فَقَالَ: (زِنْ) أَوْ (خُذْ) أَوْ (زِنْهُ) أَوْ (خُذْهُ) أَوِ (اخْتِمْ عَلَيْهِ) أَوِ (اجْعَلْهُ فِي كِيسِكَ) فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ، وَلَوْ قَالَ: (بَلَى) أَوْ (نَعَمْ) أَوْ (صَدَقْتَ) أَوْ (أَبْرَأْتَنِي مِنْهُ) أَوْ (قَضَيْتُهُ) أَوْ (أَنَا مُقِرٌّ بِهِ) فَهُوَ إِقْرَارٌ، وَلَوْ قَالَ: (أَنَا مُقِرٌّ) أَوْ (أَنَا أُقِرُّ بِهِ) فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ. وَلَوْ قَالَ: (ألَيْسَ لِي عَلَيْكَ كَذَا؟) فَقَالَ: (بَلَى) أَوْ (نَعَمْ) فَإِقْرَارٌ، وَفِي (نَعَمْ) وَجْهٌ. وَلَوْ قَالَ: (اقْضِ الْأَلْفَ الَّذِي لِي عَلَيْكَ) فَقَالَ: (نَعَمْ) أَوْ (أَقْضِي غَدًا) أَوْ (أَمْهِلْنِي يَوْمًا) أَوْ (حَتَّى أَقْعُدَ) أَوْ (أَفْتَحَ الْكِيسَ) أَوْ (أَجِدَ) فَإِقْرَارٌ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

يُشْتَرَطُ فِي المُقَرِّ بِهِ أَلَّا يَكُونَ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ، فَلَوْ قَالَ: (دَارِي) أَوْ (ثَوْبِي) أَوْ (دَيْنِي الَّذِي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو) فَهُوَ لَغْوٌ، وَلَوْ قَالَ: (هَذَا لِفُلَانٍ وَكَانَ مِلْكِي إِلَى أَنْ أَقْرَرْتُ بِهِ) فَأَوَّلُ كَلَامِهِ إِقْرَارٌ وَآخِرُهُ لَغْوٌ. وَلْيَكُنِ المُقَرُّ بِهِ فِي يَدِ المُقِرِّ لِيُسَلَّمَ بِالْإِقْرَارِ لِلْمُقَرِّ لَهُ. فَلَوْ أَقَرَّ وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ ثُمَّ صَارَ عُمِلَ بِمُقْتَضَى الْإِقْرَارِ، فَلَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ قَالَ: (هُوَ حُرُّ الْأَصْلِ) فَشِرَاؤُهُ افْتِدَاءٌ، وَإِنْ قَالَ: (أَعْتِقْهُ) فَافْتِدَاءٌ مِنْ جِهَتِهِ وَبَيْعٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ عَلَى المَذْهَبِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارَانِ لِلْبَائِعِ فَقَطْ. وَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالمَجْهُولِ، فَإِذَا قَالَ: (لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ) قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِكُلِّ مَا يُتَمَوَّلُ وَإِنْ قَلَّ، وَلَوْ فَسَّرَهُ بِمَا لَا يُتَمَوَّلُ لَكِنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ، أَوْ بِمَا يَحِلُّ اقْتِنَاؤُهُ كَكَلْبٍ مُعَلَّمٍ وَسِرْجِينٍ قُبِلَ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يُقْبَلُ بِمَا لَا يُقْتَنَى كَخِنْزِيرٍ وَكَلْبٍ لَا نَفْعَ فِيهِ، وَلَا بِعِيَادَةٍ وَرَدِّ سَلَامٍ. وَلَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ أَوْ مَالٍ عَظِيمٍ أَوْ كَبِيرٍ أَوْ كَثِيرٍ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِمَا قَلَّ مِنْهُ، وَكَذَا بِالمُسْتَوْلَدَةِ فِي الْأَصَحِّ، لَا بِكَلْبٍ وَجِلْدِ مَيْتَةٍ. وَقَوْلُهُ: (لَهُ كَذَا) كَقَوْلِهِ: (شَيْءٌ)، وَقَوْلُهُ: (شَيْءٌ شَيْءٌ) أَوْ (كَذَا كَذَا) كَمَا لَوْ لَمْ يُكَرِّرْ، وَلَوْ قَالَ: (شَيْءٌ وَشَيْءٌ) أَوْ (كَذَا وَكَذَا) وَجَبَ شَيْئَانِ. وَلَوْ قَالَ: (كَذَا دِرْهَمًا) أَوْ رَفَعَ الدِّرْهَمَ أَوْ جَرَّهُ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ. وَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: (كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا) بِالنَّصْبِ وَجَبَ دِرْهَمَانِ، وَأَنَّهُ لَوْ رَفَعَ أَوْ جَرَّ فَدِرْهَمٌ، وَلَوْ حَذَفَ الْوَاوَ فَدِرْهَمٌ فِي الْأَحْوَالِ. وَلَوْ قَالَ: (أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ) قُبِلَ تَفْسِيرُ الْأَلْفِ بِغَيْرِ الدَّرَاهِمِ. وَلَوْ قَالَ: (خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا) فَالْجَمِيعُ دَرَاهِمُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (الدَّرَاهِمُ الَّتِي أَقْرَرْتُ بِهَا نَاقِصَةُ الْوَزْنِ) فَإِنْ كَانَتْ دَرَاهِمُ الْبَلَدِ تَامَّةَ الْوَزْنِ فَالصَّحِيحُ: قَبُولُهُ إِنْ ذَكَرَهُ مُتَّصِلًا، وَمَنْعُهُ إِنْ فَصَلَهُ عَنِ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً قُبِلَ إِنْ وَصَلَهُ، وَكَذَا إِنْ فَصَلَهُ فِي النَّصِّ. وَالتَّفْسِيرُ بِالمَغْشُوشَةِ كَهُوَ بِالنَّاقِصَةِ. وَلَوْ قَالَ: (عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ) لَزِمَهُ تِسْعَةٌ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ قَالَ: (دِرْهَمٌ فِي عَشَرَةٍ) فَإِنْ أَرَادَ المَعِيَّةَ لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ، أَوِ الْحِسَابَ فَعَشَرَةٌ، وَإِلَّا فَدِرْهَمٌ.

فَصْلٌ

قَالَ: (لَهُ عِنْدِي سَيْفٌ فِي غِمْدٍ) أَوْ (ثَوْبٌ فِي صُنْدُوقٍ) لَا يَلْزَمُهُ الظَّرْفُ، أَوْ (غِمْدٌ فِيهِ سَيْفٌ) أَوْ (صُنْدُوقٌ فِيهِ ثَوْبٍ) لَزِمَهُ الظَّرْفُ وَحْدَهُ، أَوْ (عَبْدٌ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ) لَمْ تَلْزَمْهُ الْعِمَامَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ (دَابَّةٌ بِسَرْجِهَا) أَوْ (ثَوْبٌ مُطَرَّزٌ) لَزِمَهُ الْجَمِيعُ. وَلَوْ قَالَ: (فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفٌ) فَهُوَ إِقْرَارٌ عَلَى أَبِيهِ بِدَيْنٍ، وَلَوْ قَالَ: (فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي) فَهُوَ وَعْدُ هِبَةٍ. وَلَوْ قَالَ: (لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ) لَزِمَهُ دِرْهَمٌ، فَإِنْ قَالَ: (وَدِرْهَمٌ) لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ، وَلَوْ قَالَ: ( دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ) لَزِمَهُ بِالْأَوَّلَيْنِ دِرْهَمَانِ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ تَأْكِيدَ الثَّانِي لَمْ يَجِبْ بِهِ شَيْءٌ، وَإِنْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ لَزِمَهُ ثَالِثٌ، وَكَذَا إِنْ نَوَى تَأْكِيدَ الْأَوَّلِ أَوْ أَطْلَقَ فِي الْأَصَحِّ. وَمَتَى أَقَرَّ بِمُبْهَمٍ كَـ(شَيْءٍ) وَ(ثَوْبٍ) وَطُولِبَ بِالْبَيَانِ فَامْتَنَعَ فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُحْبَسُ، وَلَوْ بَيَّنَ وَكَذَّبَهُ المُقَرُّ لَهُ فَلْيُبَيِّنْ وَلْيَدَّعِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ المُقِرِّ فِي نَفْيِهِ. وَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفٍ فِي يَوْمٍ آخَرَ لَزِمَهُ أَلْفٌ فَقَطْ، وَإِنْ اخْتَلَفَ الْقَدْرُ دَخَلَ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ، فَلَوْ وَصَفَهُمَا بِصِفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، أَوْ أَسْنَدَهُمَا إِلَى جِهَتَيْنِ، أَوْ قَالَ: (قَبَضْتُ يَوْمَ السَّبْتِ عَشَرَةً) ثُمَّ قَالَ: (قَبَضْتُ يَوْمَ الْأَحَدِ عَشَرَةً) لَزِمَا. وَلَوْ قَالَ: (لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ أَلْفٌ قَضَيْتُهُ) لَزِمَهُ الْأَلْفُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ: (مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ إِذَا سَلَّمَهُ سَلَّمْتُ) قُبِلَ عَلَى المَذْهَبِ وَجُعِلَ ثَمَنًا. وَلَوْ قَالَ: (أَلْفٌ إِنْ شَاءَ اللهُ) لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ قَالَ: (أَلْفٌ لَا تَلْزَمُ) لَزِمَهُ. وَلَوْ قَالَ: (لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ)، ثُمَّ جَاءَ بِأَلْفٍ وَقَالَ: (أَرَدْتُ هَذَا وَهُوَ وَدِيعَةٌ)، فَقَالَ المُقَرَّ لَهُ: (لِي عَلَيْهِ أَلْفٌ آخَرُ) صُدِّقَ المُقِرُّ فِي الْأَظْهَرِ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَ قَالَ: (فِي ذِمَّتِي) أَوْ (دَيْنًا) صُدِّقَ المُقَرُّ لَهُ عَلَى المَذْهَبِ. قُلْتُ: فَإِذَا قَبِلْنَا التَّفْسِيرَ بِالْوَدِيعَةِ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا أَمَانَةٌ، فَيُقْبَلُ دَعْوَاهُ التَّلَفَ بَعْدَ الْإِقْرَارِ، وَدَعْوَى الرَّدِّ، وَإِنْ قَالَ: (لَهُ عِنْدِي أَوْ مَعِي أَلْفٌ) صُدِّقَ فِي دَعْوَى الْوَدِيعَةِ وَالرَّدِّ وَالتَّلَفِ قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَقَرَّ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ وَإِقْبَاضٍ ثُمَّ قَالَ: (كَانَ فَاسِدًا وَأَقْرَرْتُ لِظَنِّيَ الصِّحَّةَ) لَمْ يُقْبَلْ، وَلَهُ تَحْلِيفُ المُقَرِّ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ المُقِرُّ وَبَرِئَ. وَلَوْ قَالَ: (هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ بَلْ لِعَمْرٍو) أَوْ (غَصَبْتُهَا مِنْ زَيْدٍ بَلْ مِنْ عَمْرٍو) سُلِّمَتْ لِزَيْدٍ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ المُقِرَّ يَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِعَمْرٍو. وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ إِنِ اتَّصَلَ وَلَمْ يَسْتَغْرِقْ، فَلَوْ قَالَ: (لَهُ عَشَرَةٌ إِلَّا تِسْعَةً إِلَّا ثَمَانِيَةً) وَجَبَ تِسْعَةُ، وَيَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ كَـ(أَلْفٍ إِلَّا ثَوْبًا)، وَيُبَيِّنُ بِثَوْبٍ قِيمَتَهُ دُونَ أَلْفٍ، وَمِنَ المُعَيَّنِ كَـ(هَذِهِ الدَّارُ لَهُ إِلَّا هَذَا الْبَيْتَ) أَوْ (هَذِهِ الدَّرَاهِمُ لَهُ إِلَّا ذَا الدِّرْهَمَ)، وَفِي المُعَيَّنِ وَجْهٌ شَاذٌّ. قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: (هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ لَهُ إِلَّا وَاحِدًا) قُبِلَ وَرُجِعَ فِي الْبَيَانِ إِلَيْهِ، فَإِنْ مَاتُوا إِلَّا وَاحِدًا وَزَعَمَ أَنَّهُ المُسْتَثْنَى صُدِّقَ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

أَقَرَّ بِنَسَبٍ إِنْ أَلْحَقَهُ بِنَفْسِهِ اشْتُرِطَ لِصِحَّتِهِ أَلَّا يُكَذِّبَهُ الْحِسُّ وَلَا الشَّرْعُ، بِأَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَنْ يُصَدِّقَهُ المُسْتَلْحَقُ إِنْ كَانَ أَهْلًا لِلتَّصْدِيقِ، فَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَكَذَّبَهُ لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَإِنِ اسْتَلْحَقَ صَغِيرًا ثَبَتَ، فَلَوْ بَلَغَ وَكَذَّبَهُ لَمْ يَبْطُلْ فِي الْأَصَحِّ. وَيَصِحُّ أَنْ يَسْتَلْحِقَ مَيْتًا صَغِيرًا، وَكَذَا كَبِيرًا فِي الْأَصَحِّ، وَيَرِثُهُ. وَلَوِ اسْتَلْحَقَ اثْنَانِ بَالِغًا ثَبَتَ لِمَنْ صَدَّقَهُ. وَحُكْمُ الصَّغِيرِ يَأْتِي فِي اللَّقِيطِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَلَوْ قَالَ لِوَلَدِ أَمَتِهِ: (هَذَا وَلَدِي) ثَبَتَ نَسَبُهُ، وَلَا يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ فِي الْأَظْهَرِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (وَلَدِي وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِي) فَإِنْ قَالَ: (عَلِقَتْ بِهِ فِي مِلْكِي) ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ، فَإِنْ كَانَتْ فِرَاشًا لَهُ لَحِقَهُ بِالْفِرَاشِ مِنْ غَيْرِ اسْتِلْحَاقٍ، وَإِنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً فَالْوَلَدُ لِلزَّوْجِ وَاسْتِلْحَاقُ السَّيِّدِ بَاطِلٌ. وَأَمَّا إِذَا أَلْحَقَ النَّسَبَ بِغَيْرِهِ كَـ(هَذَا أَخِي) أَوْ (عَمِّي) فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنَ المُلْحَقِ بِهِ بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ، وَبِشَرْطِ كَوْنِ المُلْحَقِ بِهِ مَيْتًا، وَلَا يُشْتَرَطُ أَلَّا يَكُونَ نَفَاهُ فِي الْأَصَحِّ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ المُقِرِّ وَارِثًا حَائِزًا. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ المُسْتَلْحَقَ لَا يَرِثُ، وَلَا يُشَارِكُ المُقِرَّ فِي حِصَّتِهِ، وَأَنَّ الْبَالِغَ مِنَ الْوَرَثَةِ لَا يَنْفَرِدُ بِالْإِقْرَارِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْوَارِثَيْنِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ وَمَاتَ وَلَمْ يَرِثْهُ إِلَّا المُقِرُّ ثَبَتَ النَّسَبُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ ابْنٌ حَائِزٌ بِأُخُوَّةِ مَجْهُولٍ فَأَنْكَرَ المَجْهُولُ نَسَبَ المُقِرِّ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ وَيَثْبُتُ أَيْضًا نَسَبُ المَجْهُولِ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَارِثُ الظَّاهِرُ يَحْجُبُهُ المُسْتَلْحَقُ كَأَخٍ أَقَرَّ بِابْنٍ لِلْمَيِّتِ ثَبَتَ النَّسَبُ وَلَا إِرْثَ.

كِتَابُ الْعَارِيَةِ

شَرْطُ المُعِيرِ: صِحَّةُ تَبَرُّعِهِ، وَمِلْكُهُ المَنْفَعَةَ، فَيُعِيرُ مُسْتَأْجِرٌ لَا مُسْتَعِيرٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَسْتَوْفِي المَنْفَعَةَ لَهُ. وَالمُسْتَعَارِ: كَوْنُهُ مُنْتَفَعًا بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَتَجُوزُ إِعَارَةُ جَارِيَةٍ لِخِدْمَةِ امْرَأَةٍ أَوْ مَحْرَمٍ، وَيُكْرَهُ إِعَارَةُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ. وَالْأصَحُّ: اشْتِرَاطُ لَفْظٍ كَـ(أَعَرْتُكَ) أَوْ (أَعِرْني)، وَيَكْفِي لَفْظُ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلِ الْآخَرِ، وَلَوْ قَالَ: (أَعَرْتُكَهُ لِتَعْلِفَهُ) أَوْ (لِتُعِيرَنِي فَرَسَكَ) فَهُوَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ تُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ. وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى المُسْتَعِيرِ. فَإِنْ تَلِفَتْ لَا بِاسْتِعْمَالٍ ضَمِنَهَا وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ أَوْ يَنْسَحِقُ بِاسْتِعْمَالٍ، وَالثَّالِثُ: يَضْمَنُ المُنْمَحِقَ. وَالمُسْتَعِيرُ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ لَا يَضْمَنُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ تَلِفَتْ دَابَّتُهُ فِي يَدِ وَكِيلٍ بَعَثَهُ فِي شُغْلِهِ أَوْ فِي يَدِ مَنْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ لِيُرَوِّضَهَا فَلَا ضَمَانَ. وَلَهُ الِانْتِفَاعُ بِحَسَبِ الْإِذْنِ، فَإِنْ أَعَارَهُ لِزِرَاعَةِ حِنْطَةٍ زَرَعَهَا وَمِثْلَهَا إِنْ لَمْ يَنْهَهُ، أَوْ لِشَعِيرٍ لَمْ يَزْرَعْ فَوْقَهُ كَحِنْطَةٍ، وَلَوْ أَطْلَقَ الزِّرَاعَةَ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ وَيَزْرَعُ مَا شَاءَ. وَإِذَا اسْتَعَارَ لِبِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ فَلَهُ الزَّرْعُ وَلَا عَكْسَ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَغْرِسُ مُسْتَعِيرٌ لِبِنَاءٍ وَكَذَا الْعَكْسُ، وَأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إِعَارَةُ الْأَرْضِ مُطْلَقَةً، بَلْ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ نَوْعِ المَنْفَعَةِ.

فَصْلٌ

لِكُلٍّ مِنْهُمَا رَدُّ الْعَارِيَةِ مَتَى شَاءَ، إِلَّا إِذَا أَعَارَ لِدَفْنٍ فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَنْدَرِسَ أَثَرُ المَدْفُونِ. وَإِذَا أَعَارَ لِلْبِنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّةً ثُمَّ رَجَعَ فَإِنْ كَانَ شَرَطَ الْقَلْعَ مَجَّانًا لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَإِنِ اخْتَارَ المُسْتَعِيرُ الْقَلْعَ قَلَعَ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: يَلْزَمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا، بَلْ لِلْمُعِيرِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ، أَوْ يَقْلَعَ وَيَضْمَنَ أَرْشَ النَّقْصِ، قِيلَ: أَوْ يَتَمَلَّكَهُ بِقِيمَتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا إِنْ بَذَلَ المُسْتَعِيرُ الْأُجْرَةَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَبْذُلْهَا فِي الْأَصَحِّ. ثُمَّ قِيلَ: يَبِيعُ الْحَاكِمُ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا وَيُقْسَمُ بَيْنَهُمَا، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُمَا حَتَّى يَخْتَارَا شَيْئًا، وَلِلْمُعِيرِ دُخُولُهَا وَالِانْتِفَاعُ بِهَا، وَلَا يَدْخُلُهَا المُسْتَعِيرُ بِغَيْرِ إِذْنٍ لِلْتَفَرُّجٍ، وَيَجُوزُ لِلسَّقْيِ وَالْإِصْلَاحِ فِي الْأَصَحِّ، وَلِكُلٍّ بَيْعُ مِلْكِهِ. وَقِيلَ: لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُهُ لِثَالِثٍ. وَالْعَارِيَةُ المُؤَقَّتَةُ كَالمُطْلَقَةِ. وَفِي قَوْلٍ: لَهُ الْقَلْعُ فِيهَا مَجَّانًا إِذَا رَجَعَ. وَإِذَا أَعَارَهُ لِزِرَاعَةٍ وَرَجَعَ قَبْلَ إِدْرَاكِ الزَّرْعِ فَالصَّحِيحُ: أَنَّ عَلَيْهِ الْإِبْقَاءَ إِلَى الْحَصَادِ، وَأَنَّ لَهُ الْأُجْرَةَ. فَلَوْ عَيَّنَ مُدَّةً وَلَمْ يُدْرِكْ فِيهَا لِتَقْصِيرِهِ بِتَأْخِيرِ الزِّرَاعَةِ قَلَعَ مَجَّانًا. وَلَوْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إِلَى أَرْضِهِ فَنَبَتَ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ. وَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً وَقَالَ لِمَالِكِهَا: (أَعَرْتَنِيهَا) فَقَالَ: (بَلْ أَجَّرْتُكَهَا)، أَوِ اخْتَلَفَ مَالِكُ الْأَرْضِ وَزَارِعُهَا كَذَلِكَ فَالمُصَدَّقُ المَالِكُ عَلَى المَذْهَبِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَعَرْتَنِي) وَقَالَ: (بَلْ غَصَبْتَ مِنِّي) فَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى الضَّمَانِ، لَكِنِ الْأَصَحُّ: أَنَّ الْعَارِيَةَ تُضْمَنُ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، لَا بِأَقْصَى الْقِيَمِ، وَلَا بِيَوْمِ الْقَبْضِ، فَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ المَالِكُ أَكْثَرَ حَلَفَ لِلزِّيَادَةِ.

كِتَابُ الْغَصْبِ

هُوَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا، فَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً أَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشٍ فَغَاصِبٌ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ. وَلَوْ دَخَلَ دَارَهُ وَأَزْعَجَهُ عَنْهَا، أَوْ أَزْعَجَهُ وَقَهَرَهُ عَلَى الدَّارِ وَلَمْ يَدْخُلْ فَغَاصِبٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ وَاهٍ. وَلَوْ سَكَنَ بَيْتًا وَمَنَعَ المَالِكَ مِنْهُ دُونَ بَاقِي الدَّارِ فَغَاصِبٌ لِلْبَيْتِ فَقَطْ. وَلَوْ دَخَلَ بِقَصْدِ الِاسْتِيلَاءِ وَلَيْسَ المَالِكُ فِيهَا فَغَاصِبٌ، وَإِنْ كَانَ وَلَمْ يُزْعِجْهُ فَغَاصِبٌ لِنِصْفِ الدَّارِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لَا يُعَدُّ مُسْتَوْلِيًا عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ. وَعَلَى الْغَاصِبِ الرَّدُّ، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ ضَمِنَهُ. وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا فِي يَدِ مَالِكِهِ ضَمِنَهُ. وَلَوْ فَتَحَ رَأْسَ زِقٍّ مَطْرُوحٍ عَلَى الْأَرْضِ فَخَرَجَ مَا فِيهِ بِالْفَتْحِ، أَوْ مَنْصُوبٍ فَسَقَطَ بِالْفَتْحِ وَخَرَجَ مَا فِيهِ ضَمِنَ، وَإِنْ سَقَطَ بِعَارِضِ رِيحٍ لَمْ يَضْمَنْ. وَلَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ وَهَيَّجَهُ فَطَارَ ضَمِنَهُ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَتْحِ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِذَا طَارَ فِي الْحَالِ ضَمِنَ، وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ فَلَا. وَالْأَيْدِي المُتَرَتِّبَةُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ أَيْدِي ضَمَانٍ وَإِنْ جَهِلَ صَاحِبُهَا الْغَصْبَ. ثُمَّ إِنْ عَلِمَ فَكَغَاصِبٍ مِنْ غَاصِبٍ، فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ وَكَانَتْ يَدُهُ فِي أَصْلِهَا يَدَ ضَمَانٍ كَالْعَارِيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَوَدِيعَةٍ فَالْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ. وَمَتَى أَتْلَفَ الْآخِذُ مِنَ الْغَاصِبِ مُسْتَقِلًّا بِهِ فَالْقَرَارُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا. وَإِنْ حَمَلَهُ الْغَاصِبُ عَلَيْهِ بِأَنْ قَدَّمَ لَهُ طَعَامًا مَغْصُوبًا ضِيَافَةً فَأَكَلَهُ فَكَذَا فِي الْأَظْهَرِ. وَعَلَى هَذَا: لَوْ قَدَّمَهُ لِمَالِكِهِ فَأَكَلَهُ بَرِئَ الْغَاصِبُ.

فَصْلٌ

تُضْمَنُ نَفْسُ الرَّقِيقِ بِقِيمَتِهِ تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ، وَأَبْعَاضُهُ الَّتِي لَا يَتَقَدَّرُ أَرْشُهَا مِنَ الْحُرِّ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَكَذَا المُقَدَّرَةُ إِنْ تَلِفَتْ، وَإِنْ أُتْلِفَتْ فَكَذَا فِي الْقَدِيمِ، وَعَلَى الْجَدِيدِ: تَتَقَدَّرُ مِنَ الرَّقِيقِ، وَالْقِيمَةُ فِيهِ كَالدِّيَةِ فِي الْحُرِّ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ. وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ بِالْقِيمَةِ، وَغَيْرُهُ مِثْلِىٌّ وَمُتَقَوِّمٌ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْمِثْلِيَّ: مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ كَمَاءٍ وَتُرَابٍ وَنُحَاسٍ وَتِبْرٍ وَمِسْكٍ وَكَافُورٍ وَقُطْنٍ وَعِنَبٍ وَدَقِيقٍ، لَا غَالِيَةٍ وَمَعْجُونٍ. فَيُضْمَنُ الْمِثْلِيُّ بِمِثْلِهِ تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْقِيمَةُ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ المُعْتَبَرَ أَقْصَى قِيَمِهِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى تَعَذُّرِ الْمِثْلِ. وَلَوْ نَقَلَ المَغْصُوبَ الْمِثْلِيَّ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُكَلِّفَهُ رَدَّهُ، وَأَنْ يُطَالِبَهُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَالِ، فَإِذَا رَدَّهُ رَدَّهَا. فَإِنْ تَلِفَ فِي الْبَلَدِ المَنْقُولِ إِلَيْهِ طَالَبَهُ بِالْمِثْلِ فِي أَيِّ الْبَلَدَيْنِ شَاءَ، فَإِنْ فُقِدَ الْمِثْلُ غَرَّمَهُ قِيمَةَ أَكْثَرِ الْبَلَدَيْنِ قِيمَةً. وَلَوْ ظَفِرَ بِالْغَاصِبِ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّلَفِ فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَا مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ كَالنَّقْدِ فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْمِثْلِ، وَإِلَّا فَلَا مُطَالَبَةَ بِالْمِثْلِ، بَلْ يُغَرِّمُهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ. وَأَمَّا المُتَقَوِّمُ فَيُضْمَنُ بِأَقْصَى قِيَمِهِ مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، وَفِي الْإِتْلَافِ بِلَا غَصْبٍ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، فَإِنْ جَنَى وَتَلِفَ بِسِرَايَةٍ فَالْوَاجِبُ: الْأَقْصَى أَيْضًا. وَلَا تُضْمَنُ الْخَمْرُ وَلَا تُرَاقُ عَلَى ذِمِّيٍّ إِلَّا أَنْ يُظْهِرَ شُرْبَهَا أَوْ بَيْعَهَا، وَتُرَدُّ عَلَيْهِ إِنْ بَقِيَتِ الْعَيْنُ، وَكَذَا المُحْتَرَمَةُ إِذَا غُصِبَتْ مِنْ مُسْلِمٍ. وَالْأَصْنَامُ وَآلَاتُ المَلَاهِي لَا يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيْءٌ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تُكْسَرُ الْكَسْرَ الْفَاحِشَ، بَلْ تُفَصَلُ لِتَعُودَ كَمَا قَبْلَ التَّأْلِيفِ، فَإِنْ عَجَزَ المُنْكِرُ عَنْ رِعَايَةِ هَذَا الْحَدِّ لِمَنْعِ صَاحِبِ المُنْكَرِ أَبْطَلَهُ كَيْفَ تَيَسَّرَ. وَتُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الدَّارِ وَالْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا بِالتَّفْوِيتِ وَالْفَوَاتِ فِي يَدٍ عَادِيَةٍ، وَلَا تُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ إِلَّا بِتَفْوِيتٍ، وَكَذَا مَنْفَعَةُ بَدَنِ الْحُرِّ فِي الْأَصَحِّ. وَإِذَا نَقَصَ المَغْصُوبُ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالٍ وَجَبَ الْأَرْشُ مَعَ الْأُجْرَةِ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ بِهِ بِأَنْ بَلِيَ الثَّوْبُ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

ادَّعَى تَلَفَهُ وَأَنْكَرَ المَالِكُ صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِذَا حَلَفَ غَرَّمَهُ المَالِكُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ أَوِ فِي الثِّيَابِ الَّتِي عَلَى الْعَبْدِ المَغْصُوبِ أَوْ فِي عَيْبٍ خِلْقِيٍّ صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ، وَفِي عَيْبٍ حَادِثٍ يُصَدَّقُ المَالِكُ بِيَمِينِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ رَدَّهُ نَاقِصَ الْقِيمَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، فَصَارَتْ بِالرُّخْصِ دِرْهَمًا، ثُمَّ لَبِسَهُ فَصَارَتْ نِصْفَ دِرْهَمٍ فَرَدَّهُ لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، وَهِيَ قِسْطُ التَّالِفِ مِنْ أَقْصَى الْقِيَمِ. قُلْتُ: وَلَوْ غَصَبَ خُفَّيْنِ قِيمَتُهُمَا عَشَرَةٌ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الْآخَرَ وَقِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ، أَوْ أَتْلَفَ أَحَدَهُمَا غَصْبًا، أَوْ فِي يَدِ مَالِكِهِ لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ فِي الْأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ حَدَثَ نَقْصٌ يَسْرِي إِلَى التَّلَفِ بِأَنْ جَعَلَ الْحِنْطَةَ هَرِيسَةً فَكَالتَّالِفِ. وَفِي قَوْلٍ: يَرُدُّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ. وَلَو جَنَى المَغْصُوبُ فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ لَزِمَ الْغَاصِبَ تَخْلِيصُهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالمَالِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ غَرَّمَهُ المَالِكُ، وَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ تَغْرِيمُهُ وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَا أَخَذَهُ المَالِكُ، ثُمَّ يَرْجِعُ المَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ. وَلَوْ رَدَّ الْعَبْدَ إِلَى المَالِكِ فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ رَجَعَ المَالِكُ بِمَا أَخَذَهُ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَلَى الْغَاصِبِ. وَلَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَنَقَلَ تُرَابَهَا أَجْبَرَهَا المَالِكُ عَلَى رَدِّهِ أَوْ رَدِّ مِثْلِهِ وَإِعَادَةِ الْأَرْضِ كَمَا كَانَتْ، وَلِلنَّاقِلِ الرَّدُّ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ المَالِكُ إِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ، وَإِلَّا فَلَا يَرُدُّهُ بِلَا إِذْنٍ فِي الْأَصَحِّ، وَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَا حَفْرُ الْبِئْرِ وَطَمُّهَا. إِذَا أَعَادَ الْأَرْضَ كَمَا كَانَتْ وَلَمْ يَبْقَ نَقْصٌ فَلَا أَرْشَ، لَكِنْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ الْإِعَادَةِ، وَإِنْ بَقِيَ نَقْصٌ وَجَبَ أَرْشُهُ مَعَهَا. وَلَوْ غَصَبَ زَيْتًا وَنَحْوَهُ وَأَغْلَاهُ فَنَقَصَتْ عَيْنُهُ دُونَ قِيمَتِهِ رَدَّهُ وَلَزِمَهُ مِثْلُ الذَّاهِبِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ فَقَطْ لَزِمَهُ الْأَرْشُ، وَإِنْ نَقَصَتَا غَرِمَ الذَّاهِبَ وَرَدَّ الْبَاقِيَ مَعَ أَرْشِهِ إِنْ كَانَ نَقْصُ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ. وَالْأَصَحُّ: أَنْ السِّمَنَ لَا يَجْبُرُ نَقْصَ هُزَالٍ قَبْلَهُ، وَأَنَّ تَذَكُّرَ صَنْعَةٍ نَسِيَهَا يَجْبُرُ النِّسْيَانَ. وَتَعَلُّمُ صَنْعَةٍ لَا يَجْبُرُ نِسْيَانَ أُخْرَى قَطْعًا. وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْخَلَّ لِلْمَالِكِ، وَعَلَى الْغَاصِبِ الْأَرْشُ إِنْ كَانَ الْخَلُّ أَنْقَصَ قِيمَةً. وَلَوْ غَصَبَ خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْخَلَّ وَالْجِلْدَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ.

فَصْلٌ

زِيَادَةُ المَغْصُوبِ إِنْ كَانَتْ أَثَرًا مَحْضًا كَقِصَارَةٍ فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ بِسَبَبِهَا، وَلِلْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ رَدَّهُ كَمَا كَانَ إِنْ أَمْكَنَ، وَأَرْشَ النَّقْصِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا كَبِنَاءٍ وَغِرَاسٍ كُلِّفَ الْقَلْعَ. وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ بِصِبْغِهِ وَأَمْكَنَ فَصْلُهُ أُجْبِرَ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ لَزِمَهُ الْأَرْشُ، وَإِنْ زَادَتِ اشْتَرَكَا فِيهِ. وَلَوْ خَلَطَ المَغْصُوبَ بِغَيْرِهِ وَأَمْكَنَ التَّمْيِيزُ لَزِمَهُ وَإِنْ شَقَّ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَالتَّالِفِ فَلَهُ تَغْرِيمُهُ، وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ المَخْلُوطِ. وَلَوْ غَصَبَ خَشَبَةً وَبَنَى عَلَيْهَا أُخْرِجَتْ، وَلَوْ أَدْرَجَهَا فِي سَفِينَةٍ فَكَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَخَافَ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ مَعْصُومَيْنِ. وَلَوْ وَطِئَ المَغْصُوبَةَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ حُدَّ، وَإِنْ جَهِلَ فَلَا حَدَّ، وَفِي الْحَالَيْنِ يَجِبُ المَهْرُ إِلَّا أَنْ تُطَاوِعَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَيْهَا الْحَدُّ إِنْ عَلِمَتْ. وَوَطْءُ المُشْتَرِي مِنَ الْغَاصِبِ كَوَطْئِهِ فِي الْحَدِّ وَالمَهْرِ، فَإِنْ غَرِمَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ أَحْبَلَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ غَيْرُ نَسِيبٍ، وَإِنْ جَهِلَ فَحُرٌّ نَسِيبٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِانْفِصَالِ، وَيَرْجِعُ بِهَا المُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ. وَلَوْ تَلِفَ المَغْصُوبُ عِنْدَ المُشْتَرِي وَغَرِمَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ، وَكَذَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَا يَرْجِعُ بِغُرْمِ مَنْفَعَةٍ اسْتَوْفَاهَا فِي الْأَظْهَرِ، وَيَرْجِعُ بِغُرْمِ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ وَبِأَرْشِ نَقْصِ بِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ إِذَا نُقِضَ فِي الْأَصَحِّ. وَكُلُّ مَا لَوْ غَرِمَهُ المُشْتَرِي رَجَعَ بِهِ لَوْ غَرِمَهُ الْغَاصِبُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى المُشْتَرِي، وَمَا لَا فَيَرْجِعُ. قُلْتُ: وَكُلُّ مَنِ انْبَنَتْ يَدُهُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ فَكَالمُشْتَرِي، وَاللهُ أَعْلَمُ.

كِتَابُ الشُّفْعَةِ

لَا تَثْبُتُ فِي مَنْقُولٍ، بَلْ فِي أَرْضٍ وَمَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ تَبَعًا، وَكَذَا ثَمَرٌ لَمْ يُؤَبَّرْ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا شُفْعَةَ فِي حُجْرَةٍ بُنِيَتْ عَلَى سَقْفٍ غَيْرِ مُشْتَرَكٍ، وَكَذَا مُشْتَرَكٌ فِي الْأَصَحِّ. وَكُلُّ مَا لَوْ قُسِمَ بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهُ المَقْصُودَةُ كَحَمَّامٍ وَرَحًى لَا شُفْعَةَ فِيهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا شُفْعَةَ إِلَّا لِشَرِيكٍ، وَلَوْ بَاعَ دَارًا وَلَهُ شَرِيكٌ فِي مَمَرِّهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا، وَالصَّحِيحُ: ثُبُوتُهَا فِي المَمَرِّ إِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي طَرِيقٌ آخَرَ إِلَى الدَّارِ، أَوْ أَمْكَنَ فَتْحُ بَابٍ إِلَى شَارِعٍ، وَإِلَّا فَلَا. وَإِنَّمَا تَثْبُتُ فِيمَا مُلِكَ بِمُعَاوَضَةٍ مِلْكًا لَازِمًا مُتَأَخِّرًا عَنْ مِلْكِ الشَّفِيعِ كَمَبِيعٍ، وَمَهْرٍ، وَعِوَضِ خُلْعٍ وَصُلْحِ دَمٍ وَنُجُومٍ، وَأُجْرَةٍ، وَرَأْسِ مَالِ سَلَمٍ. وَلَوْ شُرِطَ فِي الْبَيْعِ الْخِيَارُ لَهُمَا أَوْ لِلْبَائِعِ لَمْ يُؤْخَذْ بِالشُّفْعَةِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الْخِيَارُ، وَإِنْ شُرِطَ لِلْمُشْتَرِي وَحْدَهُ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُؤْخَذُ إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ وَجَدَ المُشْتَرِي بِالشِّقْصِ عَيْبًا وَأَرَادَ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ وَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ وَيَرْضَى بِالْعَيْبِ فَالْأَظْهَرُ: إِجَابَةُ الشَّفِيعِ. وَلَوِ اشْتَرَى اثْنَانِ دَارًا أَوْ بَعْضَهَا فَلَا شُفْعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. وَلَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي شِرْكٌ فِي الْأَرْضِ فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الشَّرِيكَ لَا يَأْخُذُ كُلَّ المَبِيعِ، بَلْ حِصَّتَهُ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي التَّمَلُّكِ بِالشُّفْعَةِ حُكْمُ حَاكِمٍ، وَلَا إِحْضَارُ الثَّمَنِ، وَلَا حُضُورُ المُشْتَرِي. وَيُشْتَرَطُ لَفْظٌ مِنَ الشَّفِيعِ كَـ(تَمَلَّكْتُ) أَوْ (أَخَذْتُ بِالشُّفْعَةِ)، وَيُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ إِمَّا تَسْلِيمُ الْعِوَضِ إِلَى المُشْتَرِي، فَإِذَا تَسَلَّمَهُ أَوْ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي التَّسَلُّمَ مَلَكَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ. وَإِمَّا رِضَا المُشْتَرِي بِكَوْنِ الْعِوَضِ فِي ذِمَّتِهِ. وَإِمَّا قَضَاءُ الْقَاضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ إِذَا حَضَرَ مَجْلِسَهُ وَأَثْبَتَ حَقَّهُ فَيَمْلِكُ بِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَتَمَلَّكُ شِقْصًا لَمْ يَرَهُ الشَّفِيعُ عَلَى المَذْهَبِ.

فَصْلٌ

إِنِ اشْتَرَى بِمِثْلِيٍّ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمِثْلِهِ، أَوْ بِمُتَقَوِّمٍ فَبِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْبَيْعِ. وَقِيلَ: يَوْمَ اسْتِقْرَارِهِ بِانْقِطَاعِ الْخِيَارِ، أَوْ بِمُؤَجَّلٍ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُعَجِّلَ وَيَأْخُذَ فِي الْحَالِ، أَوْ يَصْبِرَ إِلَى المَحِلِّ وَيَأْخُذَ. وَلَوْ بِيعَ شِقْصٌ وَغَيْرُهُ أَخَذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْقِيمَةِ، وَيُؤْخَذُ المَمْهُورُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا، وَكَذَا عِوَضُ الْخُلْعِ. وَلَوِ اشْتَرَى بِجُزَافٍ وَتَلِفَ امْتَنَعَ الْأَخْذُ، فَإِنْ عَيَّنَ الشَّفِيعُ قَدْرًا وَقَالَ المُشْتَرِي: (لَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الْقَدْرِ) حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، وَإِنِ ادَّعَى عِلْمَهُ وَلَمْ يُعَيِّنْ قَدْرًا لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ فِي الْأَصَحِّ. وَإِذَا ظَهَرَ الثَّمَنُ مُسْتَحَقًّا فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا بَطَلَ الْبَيْعُ وَالشُّفْعَةُ، وَإِلَّا أُبْدِلَ وَبَقِيَا. وَإِنْ دَفَعَ الشَّفِيعُ مُسْتَحَقًّا لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ إِنْ جَهِلَ، وَكَذَا إِنْ عَلِمَ فِي الْأَصَحِّ. وَتَصَرُّفُ المُشْتَرِي فِي الشِّقْصِ كَبَيْعٍ وَوَقْفٍ وَإِجَارَةٍ صَحِيحٌ. وَلِلشَّفِيعِ نَقْضُ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ كَالْوَقْفِ وَأَخْذُهُ، وَيَتَخَيَّرُ فِيمَا فِيهِ شُفْعَةٌ كَبَيْعٍ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالْبَيْعِ الثَّانِي أَوْ يَنْقُضَهُ وَيَأْخُذَ بِالْأَوَّلِ. وَلَوِ اخْتَلَفَ المُشْتَرِي وَالشَّفِيعُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ صُدِّقَ المُشْتَرِي، وَكَذَا لَوْ أَنْكَرَ الشِّرَاءَ أَوْ كَوْنَ الطَّالِبِ شَرِيكًا فَإِنِ اعْتَرَفَ الشَّرِيكُ بِالْبَيْعِ فَالْأَصَحُّ: ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ، وَيُسَلَّمُ الثَّمَنُ إِلَى الْبَائِعِ إِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِقَبْضِهِ، وَإِنِ اعْتَرَفَ: فَهَلْ يُتْرَكُ فِي يَدِ الشَّفِيعِ أَمْ يَأْخُذُهُ الْقَاضِي وَيَحْفَظُهُ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْإِقْرَارِ نَظِيرُهُ. وَلَوِ اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ جَمْعٌ أَخَذُوا عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، وَفِي قَوْلٍ: عَلَى الرَّؤُوسِ. وَلَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَرِيكَيْنِ نِصْفَ حِصَّتِهِ لِرَجُلٍ ثُمَّ بَاقِيَهَا لِآخَرَ فَالشُّفْعَةُ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ لِلشَّرِيكِ الْقَدِيمِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ عَفَا عَنِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ شَارَكَهُ المُشْتَرِي الْأَوَّلُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَإِلَّا فَلَا. وَالْأَصَّحُ: أَنَّهُ لَوْ عَفَا أَحَدُ شَفِيعَيْنِ سَقَطَ حَقُّهُ، وَتَخْيَّرَ الْآخَرُ بَيْنَ أَخْذِ الْجَمِيعِ وَتَرْكِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى حِصَّتِهِ، وَأَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا أَسْقَطَ بَعْضَ حَقِّهِ سَقَطَ كُلُّهُ. وَلَوْ حَضَرَ أَحَدُ شَفِيعَيْنِ فَلَهُ أَخْذُ الْجَمِيعِ فِي الْحَالِ، فَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ شَارَكَهُ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ تَأْخِيرَ الْأَخْذِ إِلَى قُدُومِ الْغَائِبِ. وَلَوِ اشْتَرَيَا شِقْصًا فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ نَصِيبِهِمَا وَنَصِيبِ أَحَدِهِمَا. وَلَوِ اشْتَرَى وَاحِدٌ مِنَ اثْنَيْنِ فَلَهُ أَخْذُ حِصَّةِ أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ فِي الْأَصَحِّ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الْفَوْرِ. فَإِذَا عَلِمَ الشَّفِيعُ بِالْبَيْعِ فَلْيُبَادِرْ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ غَائِبًا عَنْ بَلَدِ المُشْتَرِي أَوْ خَائِفًا مِنْ عَدُوٍّ فَلْيُوَكِّلْ إِنْ قَدَرَ، وَإِلَّا فَلْيُشْهِدْ عَلَى الطَّلَبِ، فَإِنْ تَرَكَ المَقْدُورَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا بَطَلَ حَقُّهُ فِي الْأَظْهَرِ. فَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ طَعَامٍ فَلَهُ الْإِتْمَامُ. وَلَوْ أَخَّرَ وَقَالَ: (لَمْ أُصَدِّقِ المُخْبِرَ) لَمْ يُعْذَرْ إِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ، وَكَذَا ثِقَةٌ فِي الْأَصَحِّ، وَيُعْذَرُ إِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ. وَلَوْ أُخْبِرَ بِالْبَيْعِ بِأَلْفٍ فَتَرَكَ، فَبَانَ بِخَمْسِمِئَةٍ بَقِيَ حَقُّهُ، وَإِنْ بَانَ بِأَكْثَرَ بَطَلَ. وَلَوْ لَقِيَ المُشْتَرِيَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، أَوْ قَالَ: (بَارَكَ اللهُ فِي صَفْقَتِكَ) لَمْ يَبْطُلْ، وَفِي الدُّعَاءِ وَجْهٌ. وَلَوْ بَاعَ الشَّفِيعُ حِصَّتَهُ جَاهِلًا بِالشُّفْعَةِ فَالْأَصَحُّ: بُطْلَانُهَا.

كِتَابُ الْقِرَاضِ

الْقِرَاضُ وَالمُضَارَبَةُ: أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَالًا لِيَتَّجِرَ فِيهِ وَالرِّبْحُ مُشْتَرَكٌ. وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ: كَوْنُ المَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ خَالِصَة، فَلَا يَجُوزُ عَلَى تِبْرٍ وَحُلِيٍّ وَمَغْشُوشٍ وَعُرُوضٍ. وَمَعْلُومًا مُعَيَّنًا. وَقِيلَ: يَجُوزُ عَلَى إِحْدَى الصُّرَّتَيْنِ. وَمُسَلَّمًا إِلَى الْعَامِلِ، فَلَا يَجُوزُ شَرْطُ كَوْنِ المَالِ فِي يَدِ المَالِكِ، وَلَا عَمَلِهِ مَعَهُ، وَيَجُوزُ شَرْطُ عَمَلِ غُلَامِ المَالِكِ مَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَوَظِيفَةُ الْعَامِلِ التِّجَارَةُ وَتَوَابِعُهَا كَنَشْرِ الثِّيَابِ وَطَيِّهَا، فَلَوْ قَارَضَهُ لِيَشْتَرِيَ حِنْطَةً فَيَطْحَنَ وَيَخْبِزَ، أَوْ غَزْلًا يَنْسُجُهُ وَيَبِيعُهُ فَسَدَ الْقِرَاضُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ شِرَاءَ مَتَاعٍ مُعَيَّنٍ أَوْ نَوْعٍ يَنْدُرُ وُجُودُهُ، أَوْ مُعَامَلَةَ شَخْصٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ مُدَّةِ الْقِرَاضِ، فَلَوْ ذَكَرَ مُدَّةً وَمَنَعَهُ التَّصَرُّفَ بَعْدَهَا فَسَدَ، وَإِنْ مَنَعَهُ الشِّرَاءَ بَعْدَهَا فَلَا فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ اخْتِصَاصُهُمَا بِالرِّبْحِ وَاشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ، وَلَوْ قَالَ: (قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ الرِّبْحِ لَكَ) فَقِرَاضٌ فَاسِدٌ، وَقِيلَ: قِرْاضٌ صَحِيحٌ. وَإِنْ قَالَ: (كُلُّهُ لِي) فَقِرَاضٌ فَاسِدٌ، وَقِيلَ: إِبْضَاعٌ. وَكَوْنُهُ مَعْلُومًا بِالجُزْئِيَّةِ، فَلَوْ قَالَ: (عَلَى أَنَّ لَكَ فِيهِ شَرِكَةً أَوْ نَصِيبًا) فَسَدَ، أَوْ (بَيْنَنَا) فَالْأَصَحُّ: الصِّحَّةُ، وَيَكُونُ نِصْفَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: (لِيَ النِّصْفُ) فَسَدَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ قَالَ: (لَكَ النِّصْفُ) صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ شُرِطَ لِأَحَدِهِمَا عَشَرَةٌ أَوْ رِبْحُ صِنْفٍ فَسَدَ.

فَصْلٌ

يُشْتَرَطُ: إِيجَابٌ وَقَبُولٌ. وَقِيلَ: يَكْفِي الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ وَشَرْطُهُمَا كَوَكِيلٍ وَمُوَكِّلٍ. وَلَوْ قَارَضَ الْعَامِلُ آخَرَ بِإِذْنِ المَالِكِ لِيُشَارِكَهُ فِي الْعَمَلِ وَالرِّبْحِ لَمْ يَجُزْ فِي الْأَصَحِّ، وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ فَاسِدٌ، فَإِنْ تَصَرَّفَ الثَّانِي فَتَصَرُّفُ غَاصِبٍ، فَإِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَقُلْنَا بِالجَدِيدِ فَالرِّبْحُ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ فِي الْأَصَحِّ، وَعَلَيْهِ لِلثَّانِي أُجْرَتُهُ وَقِيلَ: هُوَ لِلثَّانِي وَإِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ فَبَاطِلٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَ الْوَاحِدُ اثْنَيْنِ مُتَفَاضِلًا وَمُتَسَاوِيًا، وَالِاثْنَانِ وَاحِدًا وَالرِّبْحُ بَعْدَ نَصِيبِ الْعَامِلِ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ المَالِ. وَإِذَا فَسَدَ الْقِرَاضُ نَفَذَ تَصَرُّفُ الْعَامِلِ، وَالرِّبْحُ لِلْمَالِكِ، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ إِلَّا إِذَا قَالَ: (قَارَضْتُكَ وَجَمِيعُ الرِّبْحِ لِي) فَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَتَصَرَّفُ الْعَامِلُ: مُحْتَاطًا لَا بِغَبْنٍ وَلَا نَسِيئَةٍ بِلَا إِذْنٍ. وَلَهُ الْبَيْعُ بِعَرْضٍ. وَلَهُ الرَّدُّ بِعَيْبٍ تَقْتَضِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَإِنِ اقْتَضَتِ الْإِمْسَاكَ فَلَا فِي الْأَصَحِّ، وَلِلْمَالِكِ الرَّدُّ، فَإِنِ اخْتَلَفَا عُمِلَ بِالمَصْلَحَةِ. وَلَا يُعَامِلُ المَالِكَ. وَلَا يَشْتَرِي لِلْقِرَاضِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ المَالِ، وَلَا مَنْ يَعْتِقُ عَلَى المَالِكِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَكَذَا زَوْجُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَقَعْ لِلْمَالِكِ، وَيَقَعُ لِلْعَامِلِ إِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ. وَلَا يُسَافِرُ بِالمَالِ بِلَا إِذْنٍ. وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ حَضَرًا، وَكَذَا سَفَرٌ فِي الْأَظْهَرِ. وَعَلَيْهِ فِعْلُ مَا يُعْتَادُ كَطَيِّ الثَّوْبِ، وَوَزْنُ الخَفِيفِ كَذَهَبٍ وَمِسْكٍ لَا الْأَمْتِعَةِ الثَّقِيلَةِ، وَنَحْوُهُ. وَمَا لَا يَلْزَمُهُ لَهُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْعَامِلَ يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ بِالْقِسْمَةِ لَا بِالظُّهُورِ. وَثِمَارُ الشَّجَرِ وَالنِّتَاجُ وَكَسْبُ الرَّقِيقِ وَالمَهْرُ الحَاصِلَةُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ يَفُوزُ بِهَا المَالِكُ. وَقِيلَ: مَالُ قِرَاضٍ. وَالنَّقْصُ الحَاصِلُ بِالرُّخْصِ مَحْسُوبٌ مِنَ الرِّبْحِ مَا أَمْكَنَ وَمَجْبُورٌ بِهِ، وَكَذَا لَوْ تَلِفَ بَعْضُهُ بِآفَةٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْعَامِلِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ فَمِنْ رَأْسِ المَالِ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

لِكُلٍّ فَسْخُهُ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ انْفَسَخَ، وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ الِاسْتِيفَاءُ إِذَا فَسَخَ أَحَدُهُمَا، وَتَنْضِيضُ رَأْسِ المَالِ إِنْ كَانَ عَرْضًا. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ التَّنْضِيضُ إِنْ لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ. وَلَوِ اسْتَرَدَّ المَالِكُ بَعْضَهُ قَبْلَ ظُهُورِ رِبْحٍ وَخُسْرَانٍ رَجَعَ رَأْسُ المَالِ إِلَى الْبَاقِي. وَإِنِ اسْتَرَدَّ بَعْدَ الرِّبْحِ فَالمُسْتَرَدُّ شَائِعٌ رِبْحًا وَرَأْسَ مَالٍ مِثَالُهُ: رَأْسُ المَالِ مِئَةٌ وَالرِّبْحُ عِشْرُونَ وَاسْتَرَدَّ عِشْرِينَ فَالرِّبْحُ سُدُسُ المَالِ، فَيَكُونُ المُسْتَرَدُّ سُدُسَهُ مِنَ الرِّبْحِ، فَيَسْتَقِرُّ لِلْعَامِلِ المَشْرُوطُ مِنْهُ، وَبَاقِيهِ مِنْ رَأْسِ المَالِ. وَإِنِ اسْتَرَدَّ بَعْدَ الخُسْرَانِ فَالخُسْرَانُ مُوَزَّعٌ عَلَى المُسْتَرَدِّ وَالْبَاقِي، فَلَا يَلْزَمُ جَبْرُ حِصَّةِ المُسْتَرَدِّ لَوْ رَبِحَ بَعْدَ ذَلِكَ مِثَالُهُ: المَالُ مِائَةٌ وَالخُسْرَانُ عِشْرُونَ ثُمَّ اسْتَرَدَّ عِشْرِينَ فَرُبُعُ الْعِشْرِينَ حِصَّةُ المُسْتَرَدِّ، وَيَعُودُ رَأْسُ المَالِ إِلَى خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ. وَيُصَدَّقُ الْعَامِلُ بِيَمِينِهِ فِي قَوْلِهِ: (لَمْ أَرْبَحْ) أَوْ (لَمْ أَرْبَحْ إِلَّا كَذَا) أَوِ (اشْتَرَيْتُ هَذَا لِلْقِرَاضِ أَوْ لِي) أَوْ (لَمْ تَنْهَنِي عَنْ شِرَاءِ كَذَا)، وَفِي قَدْرِ رَأْسِ المَالِ، وَدَعْوَى التَّلَفِ، وَكَذَا دَعْوَى الرَّدِّ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي المَشْرُوطِ لَهُ تَحَالَفَا، وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.

كِتَابُ المُسَاقَاةِ

تَصِحُّ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ، وَلِصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ بِالْوِلَايَةِ. وَمَوْرِدُهَا: النَّخْلُ وَالْعِنَبُ، وَجَوَّزَهَا الْقَدِيمُ فِي سَائِرِ الْأَشْجَارِ المُثْمِرَةِ. وَلَا تَصِحُّ المُخَابَرَةُ، وَهِيَ: عَمَلُ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ. وَلَا المُزَارَعَةُ وَهِيَ: هَذِهِ المُعَامَلَةُ، وَالْبَذْرُ مِنَ المَالِكِ. فَلَوْ كَانَ بَيْنَ النَّخْلِ بَيَاضٌ صَحَّتِ المُزَارَعَةُ عَلَيْهِ مَعَ المُسَاقَاةِ عَلَى النَّخْلِ بِشَرْطِ: اتِّحَادِ الْعَامِلِ، وَعُسْرِ إِفْرَادِ النَّخْلِ بِالسَّقْيِ وَالْبَيَاضِ بِالْعِمَارَةِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَلَّا يُفْصَلَ بَيْنَهُمَا، وَأَلَّا يُقَدَّمَ المُزَارَعَةُ، وَأَنَّ كَثِيرَ الْبَيَاضِ كَقَلِيلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي الجُزْءِ المَشْرُوطِ مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَابِرَ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ. فَإِنْ أُفْرِدَتِ أَرْضٌ بِالمُزَرَاعَةِ فَالمُغَلُّ لِلْمَالِكِ، وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ وَدَوَابِّهِ وَآلَاتِهِ، وَطَرِيقُ جَعْلِ الْغَلَّةِ لَهُمَا وَلَا أُجْرَةَ: أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْرِ لِيَزْرَعَ لَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ وَيُعِيرَهُ نِصْفَ الْأَرْضِ، أَوْ يَسْتَأْجِرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَنِصْفِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ لِيَزْرَعَ النِّصْفَ الْآخَرَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مِنَ الْأَرْضِ.

فَصْلٌ

يُشْتَرَطُ: تَخْصِيصُ الثَّمَرِ بِهِمَا، وَاشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ، وَالْعِلْمُ بِالنَّصِيبَيْنِ بِالجُزْئِيَّةِ كَالْقِرَاضِ. وَالْأَظْهَرُ: صِحَّةُ المُسَاقَاةِ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرِ، لَكِنْ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ. وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ لِيَغْرِسَهُ وَيَكُونَ الشَّجَرُ لَهُمَا لَمْ يَجُزْ، وَلَوْ كَانَ مَغْرُوسًا وَشَرَطَ لَهُ جُزْءًا مِنَ الثَّمَرِ عَلَى الْعَمَلِ فَإِنْ قَدَّرَ لَهُ مُدَّةً يُثْمِرُ فِيهَا غَالِبًا صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: إِنْ تَعَارَضَ الِاحْتِمَالَانِ صَحَّ. وَلَهُ مُسَاقَاةُ شَرِيكِهِ فِي الشَّجَرِ إِذَا شَرَطَ لَهُ زِيَادَةً عَلَى حِصَّتِهِ. وَيُشْتَرَطُ أَلَّا يَشْرِطَ عَلَى الْعَامِلِ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ أَعْمَالِهَا، وَأَنْ يَنْفَرِدَ بِالْعَمَلِ وَبِالْيَدِ فِي الْحَدِيقَةِ، وَمَعْرِفَةُ الْعَمَلِ بِتَقْدِيرِ المُدَّةِ كَسَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ ، وَلَا يَجُوزُ التَّوْقِيتُ بِإِدْرَاكِ الثَّمَرِ فِي الْأَصَحِّ. وَصِيغَتُهَا: (سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذَا النَّخْلِ بِكَذَا) أَوْ (سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ لِتَتَعَهَّدَهُ). وَيُشْتَرَطُ الْقَبُولُ دُونَ تَفْصِيلِ الْأَعْمَالِ، وَيُحْمَلُ المُطْلَقُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ عَلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ. وَعَلَى الْعَامِلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِصَلَاحِ الثَّمَرِ وَاسْتِزَادَتِهِ مِمَّا يَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ كَسَقْيٍ وَتَنْقِيَةِ نَهْرٍ وَإِصْلَاحِ الْأَجَاجِينِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا المَاءُ وَتَلْقِيحٍ وَتَنْحِيَةِ حَشِيشٍ وَقُضْبَانٍ مُضِرَّةٍ، وَتَعْرِيشٍ جَرَتْ بِهِ عَادَةٌ، وَكَذَا حِفْظُ الثَّمَرِ وَجُذَاذُهُ وَتَجْفِيفُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَمَا قُصِدَ بِهِ حِفْظُ الْأَصْلِ وَلَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ كَبِنَاءِ الْحِيطَانِ وَحَفْرِ نَهْرٍ جَدِيدٍ فَعَلَى المَالِكِ. وَالمُسَاقَاةُ لَازِمَةٌ، فَلَوْ هَرَبَ الْعَامِلُ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَأَتَمَّهُ المَالِكُ مُتَبَرِّعًا بَقِيَ اسْتِحْقَاقُ الْعَامِلِ، وَإِلَّا اسْتَأْجَرَ الحَاكِمُ عَلَيْهِ مَنْ يُتِمُّهُ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الحَاكِمِ فَلْيُشْهِدْ عَلَى الْإِنْفَاقِ إِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ. وَلَوْ مَاتَ وَخَلَّفَ تَرِكَةً أَتَمَّ الْوَارِثُ الْعَمَلَ مِنْهَا، وَلَهُ أَنْ يُتِمَّ العَمَلَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ. وَلَوْ ثَبَتَتْ خِيَانَةُ عَامِلٍ ضُمَّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَفَّظْ بِهِ اسْتُؤْجِرَ مِنْ مَالِ العَامِلِ. وَلَوْ خَرَجَ الثَّمَرُ مُسْتَحَقًّا فَلِلْعَامِلِ عَلَى المُسَاقِي أُجْرَةُ الْمِثْلِ.

كِتَابُ الْإِجَارَةِ

شَرْطُهُمَا كَبَائِعٍ وَمُشْتَرٍ. وَالصِّيغَةُ: (أَجَّرْتُكَ هَذَا) أَوْ (أَكْرَيْتُكَ) أَوْ (مَلَّكْتُكَ مَنَافِعَهُ سَنَةً بِكَذَا)، فَيَقُولُ: (قَبِلْتُ) أَوِ (اسْتَأْجَرْتُ) أَوِ (اكْتَرَيْتُ). وَالْأَصَحُّ: انْعِقَادُهَا بِقَوْلِهِ: (أَجَّرْتُكَ مَنْفَعَتَهَا)، وَمَنْعُهَا بِقَوْلِهِ: (بِعْتُكَ مَنْفَعَتَهَا). وَهِيَ قِسْمَانِ: وَارِدَةٌ عَلَى عَيْنٍ كَإِجَارَةِ الْعَقَارِ وَدَابَّةٍ أَوْ شَخْصٍ مُعَيَّنَيْنِ. وَعَلَى الذِّمَّةِ كَاسْتِئْجَارِ دَابَّةٍ مَوْصُوفَةٍ، وَبِأَنْ يُلْزِمَ ذِمَّتَهُ خِيَاطَةً أَوْ بِنَاءً. وَلَوْ قَالَ: (اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَعْمَلَ كَذَا) فَإِجَارَةُ عَيْنٍ. وَقِيلَ: ذِمَّةٍ. وَيُشْتَرَطُ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ: تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ فِي المَجْلِسِ، وَإِجَارَةُ الْعَيْنِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهَا، وَيَجُوزُ فِيهَا التَّعْجِيلُ وَالتَّأْجِيلُ إِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ، وَإِذَا أُطْلِقَتْ تَعَجَّلَتْ، وَإِنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً مُلِكَتْ فِي الحَالِ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْأُجْرَةِ مَعْلُومَةً، فَلَا تَصِحُّ بِالْعِمَارَةِ وَالْعَلْفِ، وَلَا لِيَسْلَخَ بِالْجِلْدِ، وَيَطْحَنَ بِبَعْضِ الدَّقِيقِ أَوْ بِالنُّخَالَةِ، وَلَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِتُرْضِعَ رَقِيقًا بِبَعْضِهِ فِي الْحَالِ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَكَوْنُ المَنْفَعَةِ مُتَقَوِّمَةً، فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ بَيَّاعٍ عَلَى كَلِمَةٍ لَا تُتْعِبُ وَإِنْ رَوَّجَتِ السِّلْعَةَ، وَكَذَا دَرَاهِمُ وَدَنَانِيرُ لِلتَّزْيِينِ، وَكَلْبٌ لِلصَيْدِ فِي الْأَصَحِّ. وَكَوْنُ المُؤَجِّرِ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِهَا، فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ آبِقٍ وَمَغْصُوبٍ وَأَعْمَى لِلْحِفْظِ، وَأَرْضٍ لِلزِّرَاعَةِ لَا مَاءَ لَهَا دَائِمٌ، وَلَا يَكْفِيهَا المَطَرُ المُعْتَادُ ، وَيَجُوزُ إِنْ كَانَ لَهَا مَاءٌ دَائِمٌ، وَكَذَا إِنْ كَفَاهَا المَطَرُ المُعْتَادُ أَوْ مَاءُ الثُّلُوجِ المُجْتَمِعَةِ، وَالْغَالِبُ حُصُولُهَا فِي الْأَصَحِّ. وَالِامْتِنَاعُ الشَّرْعِيُّ كَالْحِسِّيِّ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارٌ لِقَلْعِ سِنٍّ صَحِيحَةٍ، وَلَا حَائِضٍ لِخِدْمَةِ مَسْجِدٍ، وَكَذَا مَنْكُوحَةٌ لِرَضَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ فِي الْأَصَحِّ. وَيَجُوزُ تَأْجِيلُ المَنْفَعَةِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ كَـ(أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ الحَمْلَ إِلَى مَكَّةَ أَوَّلَ شَهْرِ كَذَا). وَلَا تَجُوزُ إِجَارَةُ عَيْنٍ لِمَنْفَعَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، فَلَوْ أَجَّرَ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ لِمُسْتَأْجِرِ الْأُولَى قَبْلَ انْقِضَائِهَا جَازَ فِي الْأَصَحِّ. وَيَجُوزُ كِرَاءُ الْعُقَبِ فِي الْأَصَحِّ، وَهُوَ: أَنْ يُؤَجِّرَ دَابَّةً رَجُلًا لِيَرْكَبَهَا بَعْضَ الطَّرِيقِ، أَوْ رَجُلَيْنِ لِيَرْكَبَ هَذَا أَيَّامًا وَذَا أَيَّامًا وَيُبَيِّنَ الْبَعْضَيْنِ، ثُمَّ يَقْتَسِمَانِ.

فَصْلٌ

يُشْتَرَطُ كَوْنُ المَنْفَعَةِ مَعْلُومَةً، ثُمَّ تَارَةً تُقَدَّرُ بِزَمَانٍ كَدَارٍ سَنَةً، وَتَارَةً بِعَمَلٍ كَدَابَّةٍ إِلَى مَكَّةَ، وَكَخِيَاطَةِ ذَا الثَّوْبِ، فَلَوْ جَمَعَهُمَا فَاسْتَأْجَرَهُ لِيَخِيطَهُ بَيَاضَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَيُقَدَّرُ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ بِمُدَّةٍ، أَوْ تَعْيِينِ سُوَرٍ. وَفِي الْبِنَاءِ يُبَيِّنُ المَوْضِعَ، وَالطُّولَ وَالْعَرْضَ، وَالسَّمْكَ، وَمَا يُبْنَى بِهِ إِنْ قُدِّرَ بِالْعَمَلِ. وَإِذَا صَلَحَتِ الْأَرْضُ لِبِنَاءٍ وَزِرَاعَةٍ وَغِرَاسٍ اشْتُرِطَ تَعْيِينُ المَنْفَعَةِ، وَيَكْفِي تَعْيِينُ الزِّرَاعَةِ عَنْ ذِكْرِ مَا يُزْرَعُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: (لِتَنْتَفِعَ بِهَا بِمَا شِئْتَ) صَحَّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (إِنْ شِئْتَ فَازْرَعْ وَإِنْ شِئْتَ فَاغْرِسْ) فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ فِي إِجَارَةِ دَابَّةٍ لِرُكُوبٍ مَعْرِفَةُ الرَّاكِبِ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ وَصْفٍ تَامٍّ. وَقِيلَ: لَا يَكْفِي الْوَصْفُ، وَكَذَا الحُكْمُ فِيمَا يُرْكَبُ عَلَيْهِ مِنْ مَحْمِلٍ وَغَيْرِهِ إِنْ كَانَ لَهُ. وَلَوْ شَرَطَ حَمْلَ المَعَالِيقِ مُطْلَقًا فَسَدَ الْعَقْدُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ. وَيُشْتَرَطُ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ: تَعْيِينُ الدَّابَّةِ وَفِي اشْتِرَاطِ رُؤْيَتِهَا الْخِلَافُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ وَفِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ ذِكْرُ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا: بَيَانُ قَدْرِ السَّيْرِ كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِالطَّرِيقِ مَنَازِلُ مَضْبُوطَةٌ فَيُنَزَّلُ عَلَيْهَا. وَيَجِبُ فِي الْإِيجَارِ لِلْحَمْلِ أَنْ يَعْرِفَ المَحْمُولَ فَإِنْ حَضَرَ رَآهُ وَامْتَحَنَهُ بِيَدِهِ إِنْ كَانَ فِي ظَرْفٍ، وَإِنْ غَابَ قُدِّرَ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ وَجِنْسَهُ، لَا جِنْسَ الدَّابَّةِ وَصِفَتَهَا إِنْ كَانَتْ إِجَارَةَ ذِمَّةٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ المَحْمُولُ زُجَاجًا وَنَحْوَهُ.

فَصْلٌ

لَا تَصِحُّ إِجَارَةُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ، وَلَا عِبَادَةٍ تَجِبُ لَهَا نِيَّةٌ إِلَّا حَجٍّ وَتَفْرِقَةِ زَكَاةٍ. وَتَصِحُّ لِتَجْهِيزِ مَيْتٍ وَدَفْنِهِ، وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَلِحَضَانَةٍ وَإِرْضَاعٍ مَعًا، وَلِأَحَدِهِمَا فَقَطْ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَسْتَتْبِعُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ. وَالحَضَانَةُ: حِفْظُ الصَّبِيِّ وَتَعَهُّدُهُ بِغَسْلِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ وَثِيَابِهِ وَدَهْنِهِ وَكَحْلِهِ وَرَبْطِهِ فِي المَهْدِ وَتَحْرِيكِهِ لِيَنَامَ وَنَحْوِهَا. وَلَوِ اسْتَأْجَرَ لَهُمَا فَانْقَطَعَ اللَّبَنُ فَالمَذْهَبُ: انْفِسَاخُ الْعَقْدِ فِي الْإِرْضَاعِ دُونَ الحَضَانَةِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ حِبْرٌ وَخَيْطٌ وَكُحْلٌ عَلَى وَرَّاقٍ وَخَيَّاطٍ وَكَحَّالٍ. قُلْتُ: صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي «الشَّرْحِ» الرُّجُوعَ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ، فَإِنِ اضْطَرَبَتْ وَجَبَ الْبَيَانُ، وَإِلَّا فَتَبْطُلُ الْإِجَارَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

يَجِبُ تَسْلِيمُ مِفْتَاحِ الدَّارِ إِلَى المُكْتَرِي. وَعِمَارَتُهَا عَلَى المُؤَجِّرِ، فَإِنْ بَادَرَ وَأَصْلَحَهَا، وَإِلَّا فَلِلْمُكْتَرِي الْخِيَارُ. وَكَسْحُ الثَّلْجِ عَنِ السَّطْحِ عَلَى المُؤَجِّرِ. وَتَنْظِيفُ عَرْصَةِ الدَّارِ عَنْ ثَلْجٍ وَكُنَاسَةٍ عَلَى المُكْتَرِي. وَإِنْ أَجَّرَ دَابَّةً لِرُكُوبٍ فَعَلَى المُؤَجِّرِ إِكَافٌ وَبَرْذَعَةٌ وَحِزَامٌ وَثَفَرٌ وَبُرَةٌ وَخِطَامٌ، وَعَلَى المُكْتَرِي مَحْمِلٌ وَمِظَلَّةٌ وَوِطَاءٌ وَغِطَاءٌ وَتَوَابِعُهَا، وَالْأَصَحُّ فِي السَّرْجِ: اتِّبَاعُ الْعُرْفِ. وَظَرْفُ المَحْمُولِ عَلَى المُؤَجِّرِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، وَعَلَى المُكْتَرِي فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ. وَعَلَى المُؤَجِّرِ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ: الخُرُوجُ مَعَ الدَّابَّةِ لِتَعَهُّدِهَا، وَإِعَانَةُ الرَّاكِبِ فِي رُكُوبِهِ وَنُزُولِهِ بِحَسَبِ الحَاجَةِ، وَرَفْعُ الْحِمْلِ وَحَطُّهُ، وَشَدُّ المَحْمِلِ وَحَلُّهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي إِجَارَةِ الْعَيْنِ إِلَّا التَّخْلِيَةُ بَيْنَ المُكْتَرِي وَالدَّابَّةِ. وَتَنْفَسِخُ إِجَارَةُ الْعَيْنِ بِتَلَفِ الدَّابَّةِ، وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بِعَيْبِهَا. وَلَا خِيَارَ فِي إِجَارَةِ الذِّمَّةِ، بَلْ يَلْزَمُهُ الْإِبْدَالُ، وَالطَّعَامُ المَحْمُولُ لِيُؤْكَلَ يُبْدَلُ إِذَا أُكِلَ فِي الْأَظْهَرِ.

فَصْلٌ

يَصِحُّ عَقْدُ الْإِجَارَةِ مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا الْعَيْنُ غَالِبًا. وَفِي قَوْلٍ: لَا يُزَادُ عَلَى سَنَةٍ. وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثِينَ. وَلِلْمُكْتَرِي اسْتِيفَاءُ المَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ فَيُرْكِبُ وَيُسْكِنُ مِثْلَهُ، وَلَا يُسْكِنُ حَدَّادًا وَقَصَّارًا. وَمَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ كَدَارٍ وَدَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا يُبْدَلُ، وَمَا يُسْتَوْفَى بِهِ كَثَوْبٍ وَصَبِيٍّ عُيِّنَ لِلْخِيَاطَةِ وَالِارْتِضَاعِ يَجُوزُ إِبْدَالُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَدُ المُكْتَرِي عَلَى الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ يَدُ أَمَانَةٍ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ، وَكَذَا بَعْدَهَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ رَبَطَ دَابَّةً اكْتَرَاهَا لِحَمْلٍ أَوْ رُكُوبٍ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا لَمْ يَضْمَنْ إِلَّا إِذَا انْهَدَمَ عَلَيْهَا إِصْطَبْلٌ فِي وَقْتٍ لَوِ انْتَفَعَ بِهَا لَمْ يُصِبْهَا الهَدْمُ. وَلَوْ تَلِفَ المَالُ فِي يَدِ أَجِيرٍ بِلَا تَعَدٍّ كَثَوْبٍ اسْتُؤْجِرَ لِخِيَاطَتِهِ أَوْ صَبْغِهِ لَمْ يَضْمَنْ إِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِالْيَدِ بِأَنْ قَعَدَ المُسْتَأْجِرُ مَعَهُ أَوْ أَحْضَرَهُ مَنْزِلَهُ، وَكَذَا إِنِ انْفَرَدَ فِي أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ، وَالثَّالِثُ: يَضْمَنُ المُشْتَرِكُ وَهُوَ مَنِ الْتَزَمَ عَمَلًا فِي ذِمَّتِهِ لَا المُنْفَرِدُ وَهُوَ: مَنْ أَجَّرَ نَفْسَهُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً لِعَمَلٍ. وَلَوْ دَفَعَ ثَوْبًا إِلَى قَصَّارٍ لِيَقْصُرَهُ، أَوْ خَيَّاطٍ لِيَخِيطَهُ فَفَعَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ أُجْرَةً فَلَا أُجْرَةَ لَهُ. وَقِيلَ: لَهُ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ الْعَمَلِ فَلَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَدْ يُسْتَحْسَنُ. وَلَوْ تَعَدَّى المُسْتَأْجِرُ بِأَنْ ضَرَبَ الدَّابَّةَ، أَوْ كَبَحَهَا فَوْقَ الْعَادَةِ، أَوْ أَرْكَبَهَا أَثْقَلَ مِنْهُ، أَوْ أَسْكَنَ حَدَّادًا أَوْ قَصَّارًا ضَمِنَ الْعَيْنَ، وَكَذَا لَوِ اكْتَرَى لِحَمْلِ مِئَةِ رَطْلٍ مِنْ حِنْطَةً فَحَمَلَ مِئَةً شَعِيرًا أَوْ عَكَسَ أَوْ لِعَشَرَةِ أَقْفِزَةِ شَعِيرٍ فَحَمَلَ حِنْطَةً دُونَ عَكْسِهِ. وَلَوِ اكْتَرَى لِمِئَةٍ فَحَمَلَ مِئَةً وَعَشَرَةً لَزِمَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزِّيَادَةِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بِذَلِكَ ضَمِنَهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا مَعَهَا، فَإِنْ كَانَ ضَمِنَ قِسْطَ الزِّيَادَةِ. وَفِي قَوْلٍ: نِصْفَ الْقِيمَةِ. وَلَوْ سَلَّمَ الْمِئَةَ وَالْعَشَرَةَ إِلَى المُؤَجِّرِ، فَحَمَّلَهَا جَاهِلًا ضَمِنَ المُكْتَرِي عَلَى المَذْهَبِ، وَلَوْ وَزَنَ المُؤَجِّرُ وَحَمَلَ فَلَا أُجْرَةَ لِلزِّيَادَةِ، وَلَا يَضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ. وَلَوْ أَعْطَاهُ ثَوْبًا لِيَخِيطَهُ فَخَاطَهُ قَبَاءً وَقَالَ: (أَمَرْتَنِي بِقَطْعِهِ قَبَاءً)، فَقَالَ: (بَلْ قَمِيصًا) فَالْأَظْهَرُ: تَصْدِيقُ المَالِكِ بِيَمِينِهِ، وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْخَيَّاطِ أَرْشُ النَّقْصِ.

فَصْلٌ

لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِعُذْرٍ كَتَعَذُّرِ وَقُودِ حَمَّامٍ، وَسَفَرٍ، وَمَرَضِ مُسْتَأْجِرِ دَابَّةٍ لِسَفَرٍ. وَلَوِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِزِرَاعَةٍ فَزَرَعَ فَهَلَكَ الزَّرْعُ بِجَائِحَةٍ فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ وَلَا حَطُّ شَيْءٍ مِنَ الْأُجْرَةِ. وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الدَّابَّةِ وَالْأَجِيرِ المُعَيَّنَيْنِ فِي المُسْتَقْبَلِ لَا المَاضِي فِي الْأَظْهَرِ، فَيَسْتَقِرُّ قِسْطُهُ مِنَ المُسَمَّى. وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْعَاقِدَيْنِ وَمُتَوَلِّي الْوَقْفِ. وَلَوْ أَجَّرَ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ مُدَّةً وَمَاتَ قَبْلَ تَمَامِهَا، أَوِ الْوَلِيُّ صَبِيًّا مُدَّةً لَا يَبْلُغُ فِيهَا بِالسِّنِّ فَبَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ فَالْأَصَحُّ: انْفِسَاخُهَا فِي الْوَقْفِ لَا الصَّبِيِّ، وَأَنَّهَا تَنْفَسِخُ بِانْهِدَامِ الدَّارِ، لَا انْقِطَاعِ مَاءِ أَرْضٍ اسْتُؤْجِرَتْ لِزِرَاعَةٍ، بَلْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ. وَغَصْبُ الدَّابَّةِ وَإِبَاقُ الْعَبْدِ يُثْبِتُ الْخِيَارَ. وَلَوْ أَكْرَى جِمَالًا وَهَرَبَ وَتَرَكَهَا عِنْدَ المُكْتَرِي رَاجَعَ الْقَاضِيَ لِيَمُونَهَا مِنْ مَالِ الجَمَّالِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا اقْتَرَضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَثِقَ بِالمُكْتَرِي دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا جَعَلَهُ عِنْدَ ثِقَةٍ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا قَدْرَ النَّفَقَةِ، وَلَوْ أَذِنَ لِلْمُكْتَرِي فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ جَازَ فِي الْأَظْهَرِ. وَمَتَى قَبَضَ المُكْتَرِي الدَّابَّةَ أَوِ الدَّارَ وَأَمْسَكَهَا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ اسْتَقَرَّتِ الْأُجْرَةُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ، وَكَذَا لَوِ اكْتَرَى دَابَّةً لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَقَبَضَهَا وَمَضَتْ مُدَّةُ إِمْكَانِ السَّيْرِ إِلَيْهِ، وَسَوَاءٌ فِيهِ إِجَارَةُ الْعَيْنِ وَالذِّمَّةِ إِذَا سَلَّمَ الدَّابَّةَ المَوْصُوفَةَ. وَتَسْتَقِرُّ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ بِمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ المُسَمَّى فِي الصَّحِيحَةِ. وَلَوْ أَكْرَى عَيْنًا مُدَّةً وَلَمْ يُسَلِّمْهَا حَتَّى مَضَتِ انْفَسَخَتْ، وَلَوْ لَمْ يُقَدِّرْ مُدَّةً وَأَجَّرَ لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا حَتَّى مَضَتْ مُدَّةُ السَّيْرِ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ. وَلَوْ أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ، وَأَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلْعَبْدِ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِأُجْرَةِ مَا بَعْدَ الْعِتْقِ. وَيَصِحُّ بَيْعُ المُسْتَأْجَرَةِ لِلْمُكْتَرِي، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ بَاعَهَا لِغَيْرِهِ جَازَ فِي الْأَظْهَرِ وَلَا تَنْفَسِخُ.

كِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِ

الْأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُعْمَرْ قَطُّ إِنْ كَانَتْ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ فَلِلْمُسْلِمِ تَمَلُّكُهَا بِالْإِحْيَاءِ، وَلَيْسَ هُوَ لِذِمِّيٍّ، وَإِنْ كَانَتْ بِبِلَادِ الْكُفَّارِ فَلَهُمْ إِحْيَاؤُهَا، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يَذُبُّونَ المُسْلِمِينَ عَنْهَا. وَمَا كَانَ مَعْمُورًا فَلِمَالِكِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ وَالْعِمَارَةُ إِسْلَامِيَّةٌ فَمَالٌ ضَائِعٌ، وَإِنْ كَانَتْ جَاهِلِيَّةً فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ. وَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ حَرِيمُ المَعْمُورِ، وَهُوَ مَا تَمَسُّ الحَاجَةُ إِلَيْهِ لِتَمَامِ الِانْتِفَاعِ. فَحَرِيمُ الْقَرْيَةِ: النَّادِي، وَمُرْتَكَضُ الخَيْلِ، وَمُنَاخُ الْإِبِلِ، وَمَطْرَحُ الرَّمَادِ وَنَحْوُهَا. وَحَرِيمُ الْبِئْرِ فِي المَوَاتِ: مَوْقِفُ النَّازِحِ، وَالحَوْضُ وَالدُّولَابُ، وَمُجْتَمَعُ المَاءِ، وَمُتَرَدَّدُ الدَّابَّةِ. وَحَرِيمُ الدَّارِ فِي المَوَاتِ: مَطْرَحُ رَمَادٍ وَكُنَاسَةٍ وَثَلْجٍ، وَمَمَرٌّ فِي صَوْبِ الْبَابِ. وَحَرِيمُ آبَارِ الْقَنَاةِ: مَا لَوْ حُفِرَ فِيهِ نَقَصَ مَاؤُهَا أَوْ خِيفَ الِانْهِيَارُ. وَالدَّارُ المَحْفُوفَةُ بِدُورٍ لَا حَرِيمَ لَهَا، وَيَتَصَرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ تَعَدَّى ضَمِنَ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ دَارَهُ المَحْفُوفَةَ بِمَسَاكِنَ حَمَّامًا وَإِصْطَبْلًا، وَحَانُوتَهُ فِي الْبَزَّازِينَ حَانُوتَ حَدَّادٍ إِذَا احْتَاطَ وَأَحْكَمَ الجُدْرَانَ. وَيَجُوزُ إِحْيَاءُ مَوَاتِ الحَرَمِ دُونَ عَرَفَاتٍ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنًى كَعَرَفَةَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَخْتَلِفُ الْإِحْيَاءُ بِحَسَبِ الْغَرَضِ فَإِنْ أَرَادَ: مَسْكَنًا اشْتُرِطَ تَحْوِيطُ الْبُقْعَةِ وَسَقْفُ بَعْضِهَا وَتَعْلِيقُ بَابٍ، وَفِي الْبَابِ وَجْهٌ. أَوْ زَرِيبَةَ دَوَابَّ فَتَحْوِيطٌ لَا سَقْفٌ، وَفِي الْبَابِ الْخِلَافُ. أَوْ مَزْرَعَةً فَجَمْعُ التُّرَابِ حَوْلَهَا وَتَسْوِيَةُ الْأَرْضِ وَتَرْتِيبُ مَاءٍ لَهَا إِنْ لَمْ يَكْفِهَا المَطَرُ المُعْتَادُ، لَا الزِّرَاعَةُ فِي الْأَصَحِّ. أَوْ بُسْتَانًا فَجَمْعُ التُّرَابِ وَالتَّحْوِيطُ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ وَتَهْيِئَةُ مَاءٍ، وَيُشْتَرَطُ الْغَرْسُ عَلَى المَذْهَبِ. وَمَنْ شَرَعَ فِي عَمَلِ إِحْيَاءٍ وَلَمْ يُتِمَّهُ، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بُقْعَةٍ بِنَصْبِ أَحْجَارٍ أَوْ غَرَزَ خَشَبًا فَمُتَحَجِّرٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ لَكِنِ الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَحْيَاهُ آخَرُ مَلَكَهُ وَلَوْ طَالَتْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: (أَحْيِ أَوِ اتْرُكْ)، فَإِنِ اسْتَمْهَلَ أُمْهِلَ مُدَّةً قَرِيبَةً. وَلَوْ أَقْطَعَهُ الْإِمَامُ مَوَاتًا صَارَ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ كَالمُتَحَجِّرِ. وَلَا يُقْطِعُ إِلَّا قَادِرًا عَلَى الْإِحْيَاءِ، وَقَدْرًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَذَا المُتَحَجِّرُ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ بُقْعَةَ مَوَاتٍ لِرَعْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ وَصَدَقَةٍ وَضَالَّةٍ وَضَعِيفٍ عَنِ النُّجْعَةِ، وَأَنَّ لَهُ نَقْضَ حِمَاهُ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يَحْمِي لِنَفْسِهِ.

فَصْلٌ

مَنْفَعَةُ الشَّارِعِ: المُرُورُ، وَيَجُوزُ الجُلُوسُ بِهِ لِاسْتِرَاحَةٍ وَمُعَامَلَةٍ وَنَحْوِهِمَا إِذَا لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى المَارَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ، وَلَهُ تَظْلِيلُ مَقْعَدِهِ بِبَارِيَّةٍ وَغَيْرِهَا. وَلَوْ سَبَقَ إِلَيْهِ اثْنَانِ أُقْرِعَ. وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الْإِمَامُ بِرَأْيِهِ. وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ لِلْمُعَامَلَةِ ثُمَّ فَارَقَهُ تَارِكًا لِلْحِرْفَةِ أَوْ مُنْتَقِلًا إِلَى غَيْرِهِ بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ فَارَقَهُ لِيَعُودَ لَمْ يَبْطُلْ إِلَّا أَنْ تَطُولَ مُفَارَقَتُهُ بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ مُعَامِلُوهُ عَنْهُ وَيَأْلَفُونَ غَيْرَهُ. وَمَنْ أَلِفَ مِنَ المَسْجِدِ مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ وَيُقْرِئُ كَالجَالِسِ فِي شَارِعٍ لِمُعَامَلَةٍ، وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ لِصَلَاةٍ لَمْ يَصِرْ أَحَقَّ بِهِ فِي غَيْرِهَا، فَلَوْ فَارَقَهُ لِحَاجَةٍ لِيَعُودَ لَمْ يَبْطُلِ اخْتِصَاصُهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إِزَارَهُ. وَلَوْ سَبَقَ رَجُلٌ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ، أَوْ فَقِيهٌ إِلَى مَدْرَسَةٍ، أَوْ صُوفِيٌّ إِلَى خَانِقَاهٍ لَمْ يُزْعَجْ، وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهِ.

فَصْلٌ

المَعْدِنُ الظَّاهِرُ وَهُوَ: مَا خَرَجَ بِلَا عِلَاجٍ كَنِفْطٍ وَكِبْرِيتٍ وَقَارٍ وَمُومْيَاءَ وَبِرَامٍ وَأَحْجَارِ رَحًى لَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاصٌ بِتَحَجُّرٍ وَلَا إِقْطَاعٍ. فَإِنْ ضَاقَ نَيْلُهُ قُدِّمَ السَّابِقُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، فَإِنْ طَلَبَ زِيَادَةً فَالْأَصَحُّ: إِزْعَاجُهُ. فَلَوْ جَاءَا مَعًا أُقْرِعَ فِي الْأَصَحِّ. وَالمَعْدِنُ الْبَاطِنُ وَهُوَ: مَا لَا يَخْرُجُ إِلَّا بِعِلَاجٍ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ لَا يُمْلَكُ بِالحَفْرِ وَالْعَمَلِ فِي الْأَظْهَرِ. وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَظَهَرَ فِيهِ مَعْدِنٌ بَاطِنٌ مَلَكَهُ. وَالْمِيَاهُ المُبَاحَةُ مِنَ الْأَوْدِيَةِ وَالْعُيُونِ فِي الْجِبَالِ يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهَا، فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَضِيهِمْ مِنْهَا فَضَاقَ سُقِيَ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى وَحَبَسَ كُلُّ وَاحِدٍ المَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ أُفْرِدَ كُلُّ طَرَفٍ بِسَقْيٍ، وَمَا أُخِذَ مِنْ هَذَا المَاءِ فِي إِنَاءٍ مُلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَحَافِرُ بِئْرٍ بِمَوَاتٍ لِلِارْتِفَاقِ أَوْلَى بِمَائِهَا حَتَّى يَرْتَحِلَ. وَالمَحْفُورَةُ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ فِي مِلْكٍ يُمْلَكُ مَاؤُهَا فِي الْأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ مَلَكَهُ أَمْ لَا لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ لِزَرْعٍ، وَيَجِبُ لِمَاشِيَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْقَنَاةُ المُشْتَرَكَةُ يُقْسَمُ مَاؤُهَا بِنَصْبِ خَشَبَةٍ فِي عَرْضِ النَّهْرِ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، وَلَهُمُ الْقِسْمَةُ مُهَايَأَةً.

كِتَابُ الْوَقْفِ

شَرْطُ الْوَاقِفِ: صِحَّةُ عِبَارَتِهِ، وَأَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ. وَالمَوْقُوفِ: دَوَامُ الِانْتِفَاعِ بِهِ، لَا مَطْعُومٌ وَرَيْحَانٌ. وَيَصِحُّ وَقْفُ عَقَارٍ وَمَنْقُولٍ وَمُشَاعٍ، لَا عَبْدٍ وَثَوْبٍ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا وَقْفُ حُرٍّ نَفْسَهُ، وَكَذَا مُسْتَوْلَدَةٌ وَكَلْبٌ مُعَلَّمٌ وَأَحَدُ عَبْدَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَقَفَ بِنَاءً أَوْ غِرَاسًا فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ لَهُمَا فَالْأَصَحُّ: جَوَازُهُ. فَإِنْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمْعٍ اشْتُرِطَ إِمْكَانُ تَمْلِيكِهِ فَلَا يَصِحُّ عَلَى جَنِينٍ، وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ، فَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى بَهِيمَةٍ لَغَا. وَقِيلَ: هُوَ وَقْفٌ عَلَى مَالِكِهَا. وَيَصِحُّ عَلَى ذَمِّيٍّ، لَا مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَنَفْسِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةِ مَعْصِيَةٍ كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ فَبَاطِلٌ، أَوْ جِهَةِ قُرْبَةٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالمَسَاجِدِ وَالمَدَارِسِ صَحَّ، أَوْ جِهَةٍ لَا تَظْهَرُ فِيهَا الْقُرْبَةُ كَالْأَغْنِيَاءِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظٍ، وَصَرِيحُهُ: (وَقَفْتُ كَذَا) أَوْ (أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ)، وَالتَّسْبِيلُ وَالتَّحْبِيسُ صَرِيحَانِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (تَصَدَّقْتُ بِكَذَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةً) أَوْ (مَوْقُوفَةً) أَوْ (لَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ) فَصَرِيحٌ فِي الْأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (تَصَدَّقْتُ) فَقَطْ لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَإِنْ نَوَى، إِلَّا أَنْ يُضِيفَ إِلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ وَيَنْوِيَ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ قَوْلَهُ: (حَرَّمْتُهُ) أَوْ (أَبَّدْتُهُ) لَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: (جَعَلْتُ الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا ) تَصِيرُ بِهِ مَسْجِدًا، وَأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَبُولُهُ. وَلَوْ رَدَّ بَطَلَ حَقُّهُ شَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا. وَلَوْ قَالَ: (وَقَفْتُ هَذَا سَنَةً) فَبَاطِلٌ. وَلَوْ قَالَ: (وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي) أَوْ (عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ نَسْلِهِ) وَلَمْ يَزِدْ فَالْأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْوَقْفِ، فَإِذَا انْقَرَضَ المَذْكُورُ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَبْقَى وَقْفًا، وَأَنَّ مَصْرِفَهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ المَذْكُورِ. وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ كَـ(وَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي) فَالمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ، أَوْ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ كَـ(وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ رَجُلٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ) فَالمَذْهَبُ: صِحَّتُهُ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: (وَقَفْتُ) فَالْأَظْهَرُ: بُطْلَانُهُ. وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ كَقَوْلِهِ: (إِذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ وَقَفْتُ). وَلَوْ وَقَفَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِشَرْطِ أَلَّا يُؤَجَّرَ اتُّبِعَ شَرْطُهُ، وَأَنَّهُ إِذَا شَرَطَ فِي وَقْفِ المَسْجِدِ اخْتِصَاصَهُ بِطَائِفَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ اخْتُصَّ كَالمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَالْأَصَحُّ المَنْصُوصُ: أَنَّ نَصِيبَهُ يُصْرَفُ إِلَى الْآخَرِ.

فَصْلٌ

قَوْلُهُ: (وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي) يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْكُلِّ، وَكَذَا لَوْ زَادَ: (مَا تَنَاسَلُوا). أَوْ (بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ). وَلَوْ قَالَ: (عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ مَا تَنَاسَلُوا) أَوْ (عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى) أَوِ (الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ) فَهُوَ لِلتَّرْتِيبِ. وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأَوْلَادِ فِي الْأَصَحِّ. وَيَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْلِ وَالْعَقِبِ وَأَوْلَادِ الْأَوْلَادِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: (عَلَى مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيَّ مِنْهُمْ). وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مُعْتِقٌ وَمُعْتَقٌ قُسِمَ بَيْنَهُمَا. وَقِيلَ: يَبْطُلُ. وَالصِّفَةُ المُتَقَدِّمَةُ عَلَى جُمَلٍ مَعْطُوفَةٍ تُعْتَبَرُ فِي الْكُلِّ كَـ(وَقَفْتُ عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي)، وَكَذَا المُتَأَخِّرَةُ عَلَيْهَا وَالِاسْتِثْنَاءُ إِذَا عُطِفَ بِـ(وَاوٍ) كَقَوْلِهِ: (عَلَى أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي المُحْتَاجِينَ) أَوْ (إِلَّا أَنْ يَفْسُقَ بَعْضُهُمْ).

فَصْلٌ

الْأَظْهَرُ: أَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ المَوْقُوفِ يَنْتَقِلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَيْ: يَنْفَكُّ عَنِ اخْتِصَاصِ الْآدَمِيِّ، فَلَا يَكُونُ لِلْوَاقِفِ وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. وَمَنَافِعُهُ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَوْفِيهَا بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ بِإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ، وَيَمْلِكُ الْأُجْرَةَ وَفَوَائِدَهُ كَثَمَرَةٍ وَصُوفٍ وَلَبَنٍ، وَكَذَا الْوَلَدُ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي: يَكُونُ وَقْفًا. وَلَوْ مَاتَتِ الْبَهِيمَةُ اخْتَصَّ بِجِلْدِهَا. وَلَهُ مَهْرُ الجَارِيَةِ إِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ إِنْ صَحَّحْنَاهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قِيمَةَ الْعَبْدِ المَوْقُوفِ إِذَا أُتْلِفَ، بَلْ يُشْتَرَى بِهَا عَبْدٌ لِيَكُونَ وَقْفًا مَكَانَهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَبَعْضُ عَبْدٍ. وَلَوْ جَفَّتِ الشَّجَرَةُ لَمْ يَنْقَطِعِ الْوَقْفُ عَلَى المَذْهَبِ، بَلْ يُنْتَفَعُ بِهَا جِذْعًا. وَقِيلَ: تُبَاعُ وَالثَّمَنُ كَقِيمَةِ الْعَبْدِ. وَالْأَصَحُّ: جَوَازُ بَيْعِ حُصُرِ المَسْجِدِ إِذَا بَلِيَتْ، وَجُذُوعِهِ إِذَا انْكَسَرَتْ وَلَمْ تَصْلُحْ إِلَّا لِلْإِحْرَاقِ. وَلَوِ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ لَمْ يُبَعْ بِحَالٍ.

فَصْلٌ

إِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ اتُّبِعَ، وَإِلَّا فَالنَّظَرُ لِلْقَاضِي عَلَى المَذْهَبِ. وَشَرْطُ النَّاظِرِ: الْعَدَالَةُ وَالْكِفَايَةُ وَالِاهْتِدَاءُ إِلَى التَّصَرُّفِ. وَوَظِيفَتُهُ: الْعِمَارَةُ وَالْإِجَارَةُ وَتَحْصِيلُ الْغَلَّةِ وَقِسْمَتُهَا، فَإِنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ بَعْضَ هَذِهِ الْأُمُورِ لَمْ يَتَعَدَّهُ. وَلِلْوَاقِفِ عَزْلُ مَنْ وَلَّاهُ وَنَصْبُ غَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ يَشْرِطَ نَظَرَهُ حَالَ الْوَقْفِ. وَإِذَا أَجَّرَ النَّاظِرُ فَزَادَتِ الْأُجْرَةُ فِي المُدَّةِ أَوْ ظَهَرَ طَالِبٌ بِالزِّيَادَةِ لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ فِي الْأَصَحِّ.

كِتَابُ الْهِبَةِ

التَّمْلِيكُ بِلَا عِوَضٍ هِبَةٌ، فَإِنْ مَلَّكَ مُحْتَاجًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ فَصَدَقَةٌ، فَإِنْ نَقَلَهُ إِلَى مَكَانِ المَوْهُوبِ لَهُ إِكْرَامًا فَهَدِيَّةٌ. وَشَرْطُ الْهِبَةِ: إِيجَابٌ وَقَبُولٌ لَفْظًا، وَلَا يُشْتَرَطَانِ فِي الْهَدِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يَكْفِي الْبَعْثُ مِنْ هَذَا وَالْقَبْضُ مِنْ ذَاكَ. وَلَوْ قَالَ: (أَعَمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ فَإِذَا مِتَّ فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ) فَهِيَ هِبَةٌ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: (أَعَمَرْتُكَ) فَكَذَا فِي الجَدِيدِ، وَلَوْ قَالَ: (فَإِذَا مِتَّ عَادَتْ إِلَيَّ) فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (أَرْقَبْتُكَ) أَوْ (جَعَلْتُهَا لَكَ رُقْبَى أَيْ: إِنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَتْ إِلَيَّ، وَإِنْ مِتُّ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّتْ لَكَ) فَالمَذْهَبُ: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ الجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ. وَمَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ هِبَتُهُ، وَمَا لَا كَمَجْهُولٍ وَمَغْصُوبٍ وَضَالٍّ فَلَا، إِلَّا حَبَّتَيْ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهَمَا. وَهِبَةُ الدَّيْنِ لِلْمَدِينِ إِبْرَاءٌ، وَلِغَيْرِهِ بَاطِلَةٌ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يُمْلَكُ مَوْهُوبٌ إِلَّا بِقَبْضٍ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْقَبْضِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ. وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ. وَيُسَنُّ لِلْوَالِدِ الْعَدْلُ فِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ بِأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَقِيلَ: كَقِسْمَةِ الْإِرْثِ. وَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَةِ وَلَدِهِ، وَكَذَا لِسَائِرِ الْأُصُولِ عَلَى المَشْهُورِ. وَشَرْطُ رُجُوعِهِ: بَقَاءُ المَوْهُوبِ فِي سَلْطَنَةِ المُتَّهَبِ فَيَمْتَنِعُ بِبَيْعِهِ وَوَقْفِهِ، لَا بِرَهْنِهِ وَهِبَتِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَتَعْلِيقِ عِتْقِهِ وَتَزْوِيجِهَا وَزِرَاعَتِهَا، وَكَذَا الْإِجَارَةُ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ زَالَ مِلْكُهُ وَعَادَ لَمْ يَرْجِعْ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ زَادَ رَجَعَ فِيهِ بِزِيَادَتِهِ المُتَّصِلَةِ لَا المُنْفَصِلَةِ. وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِـ(رَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ) أَوِ (اسْتَرْجَعْتُهُ) أَوْ (رَدَدْتُهُ إِلَى مِلْكِي) أَوْ (نَقَضْتُ الْهِبَةَ)، لَا بِبَيْعِهِ وَوَقْفِهِ وَهِبَتِهِ وَإِعْتَاقِهِ وَوَطْئِهَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَا رُجُوعَ لِغَيْرِ الْأُصُولِ فِي هِبَةٍ مُقَيَّدَةٍ بِنَفْيِ الثَّوَابِ. وَمَتَى وَهَبَ مُطْلَقًا فَلَا ثَوَابَ إِنْ وَهَبَ لِدُونِهِ، وَكَذَا لِأَعْلَى مِنْهُ فِي الْأَظْهَرِ، وَلِنَظِيرِهِ عَلَى المَذْهَبِ، فَإِنْ وَجَبَ فَهُوَ قِيمَةُ المَوْهُوبِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يُثِبْهُ فَلَهُ الرُّجُوعُ. وَلَوْ وَهَبَ بِشَرْطِ ثَوَابٍ مَعْلُومٍ فالْأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَيَكُونُ بَيْعًا عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ مَجْهُولٍ فَالمَذْهَبُ بُطْلَانُهُ. وَلَوْ بَعَثَ هَدِيَّةً فِي ظَرْفٍ فَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ كَقَوْصَرَّةِ تَمْرٍ فَهُوَ هَدِيَّةٌ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ إِلَّا فِي أَكْلِ الهَدِيَّةِ مِنْهُ إِنِ اقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ.

كِتَابُ اللُّقَطَةِ

يُسْتَحَبُّ الِالْتِقَاطُ لِوَاثِقٍ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ وَقِيلَ: يَجِبُ وَلَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ وَاثِقٍ، وَيَجُوزُ فِي الْأَصَحِّ، وَيُكْرَهُ لِفَاسِقٍ. وَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَى الِالْتِقَاطِ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْتِقَاطُ الْفَاسِقِ وَالصَّبِيِّ وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. ثُمَّ الْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُنْزَعُ مِنَ الْفَاسِقِ، وَيُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ، وَأَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ تَعْرِيفُهُ، بَلْ يُضَمُّ إِلَيْهِ رَقِيبٌ. وَيَنْزِعُ الْوَلِيُّ لُقَطَةَ الصَّبِيِّ وَيُعَرِّفُ وَيَتَمَلَّكُهَا لِلصَّبِيِّ إِنْ رَأَى ذَلِكَ حَيْثُ يَجُوزُ الِاقْتِرَاضُ لَهُ، وَيَضْمَنُ الْوَلِيُّ إِنْ قَصَّرَ فِي انْتِزَاعِهِ حَتَّى تَلِفَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ. وَالْأَظْهَرُ: بُطْلَانُ الْتِقَاطِ الْعَبْدِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِتَعْرِيفِهِ، فَلَوْ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ مِنْهُ كَانَ الْتِقَاطًا. قُلْتُ: المَذْهَبُ: صِحَّةُ الْتِقَاطِ المُكَاتَبِ كِتَابَةً صَحِيحَةً وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، وَهِيَ لَهُ وَلِسَيِّدِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مُهَايَأَةً فَلِصَاحِبِ النَّوْبَةِ فِي الْأَظْهَرِ، وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ النَّادِرِ مِنَ الْأَكْسَابِ وَالمُؤَنِ إِلَّا أَرْشَ الْجِنَايَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

الحَيَوَانُ المَمْلُوكُ المُمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بِقُوَّةٍ كَبَعِيرٍ وَفَرَسٍ، أَوْ بِعَدْوٍ كَأَرْنَبٍ وَظَبْيٍ، أَوْ طَيَرَانٍ كَحَمَامٍ إِنْ وُجِدَ بِمَفَازَةٍ فَلِلْقَاضِي الْتِقَاطُهُ لِلْحِفْظِ، وَكَذَا لِغَيْرِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَحْرُمُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكٍ، وَإِنْ وُجِدَ بِقَرْيَةٍ فَالْأَصَحُّ: جَوَازُ الْتِقَاطِهِ لِلتَّمَلُّكِ. وَمَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْهَا كَشَاةٍ يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ لِلتَّمَلُّكِ فِي الْقَرْيَةِ وَالمَفَازَةِ. وَيَتَخَيَّرُ آخِذُهُ مِنْ مَفَازَةٍ فَإِنْ شَاءَ عَرَّفَهُ وَتَمَلَّكَهُ، أَوْ بَاعَهُ وَحَفِظَ ثَمَنَهُ وَعَرَّفَهَا ثُمَّ تَمَلَّكَهُ، أَوْ أَكَلَهُ وَغَرِمَ قِيمَتَهُ إِنْ ظَهَرَ مَالِكُهُ. فَإِنْ أَخَذَ مِنَ الْعُمْرَانِ فَلَهُ الخَصْلَتَانِ الْأُولَيَانِ لَا الثَّالِثَةُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَجُوزُ أَنْ يَلْتَقِطَ عَبْدًا لَا يُمَيِّزُ، وَيَلْتَقِطَ غَيْرَ الحَيَوَانِ فَإِنْ كَانَ يَسْرُعُ فَسَادُهُ كَهَرِيسَةٍ فَإِنْ شَاءَ بَاعَهُ وَعَرَّفَهُ لِيَتَمَلَّكَ ثَمَنَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَمَلَّكَهُ فِي الحَالِ وَأَكَلَهُ. وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَهُ فِي عُمْرَانٍ وَجَبَ الْبَيْعُ. وَإِنْ أَمْكَنَ بَقَاؤُهُ بِعِلَاجٍ كَرُطَبٍ يَتَجَفَّفُ فَإِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي بَيْعِهِ بِيعَ، أَوْ فِي تَجْفِيفِهِ وَتَبَرَّعَ بِهِ الْوَاجِدُ جَفَّفَهُ، وَإِلَّا بِيعَ بَعْضُهُ لِتَجْفِيفِ الْبَاقِي. وَمَنْ أَخَذَ لُقَطَةً لِلْحِفْظِ أَبَدًا فَهِيَ أَمَانَةٌ، فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْقَاضِي لَزِمَهُ الْقَبُولُ، وَلَمْ يُوجِبِ الْأَكْثَرُونَ التَّعْرِيفَ وَالحَالَةُ هَذِهِ، فَلَوْ قَصَدَ بَعْدَ ذَلِكَ خِيَانَةً لَمْ يَصِرْ ضَامِنًا فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ أَخَذَ بِقَصْدِ خِيَانَةٍ فَضَامِنٌ، وَلَيْسَ لَهُ بَعْدَهُ أَنْ يُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ عَلَى المَذْهَبِ. وَإِنْ أَخَذَ لِيُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ فَأَمَانَةٌ مُدَّةَ التَّعْرِيفِ، وَكَذَا بَعْدَهَا مَا لَمْ يَخْتَرِ التَّمَلُّكَ فِي الْأَصَحِّ. وَيَعْرِفُ جِنْسَهَا وَصِفَتَهَا وَقَدْرَهَا وَعِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ يُعَرِّفُهَا فِي الْأَسْوَاقِ وَأَبْوَابِ المَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا سَنَةً عَلَى الْعَادَةِ يُعَرِّفُ أَوَّلًا كُلَّ يَوْمٍ طَرَفَيِ النَّهَارِ، ثُمَّ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثُمَّ كُلَّ أُسْبُوعٍ، ثُمَّ كُلَّ شَهْرٍ، وَلَا تَكْفِي سَنَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: تَكْفِي، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَذْكُرُ بَعْضَ أَوْصَافِهَا وَلَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ إِنْ أَخَذَ لِحِفْظٍ، بَلْ يُرَتِّبُهَا الْقَاضِي مِنْ بَيْتِ المَالِ أَوْ يَقْتَرِضُ عَلَى المَالِكِ، وَإِنْ أَخَذَ لِتَمَلُّكٍ لَزِمَتْهُ. وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَمَلَّكْ فَعَلَى المَالِكِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الحَقِيرَ لَا يُعَرَّفُ سَنَةً، بَلْ زَمَنًا يُظَنُّ أَنَّ فَاقِدَهُ يُعْرِضُ عَنْهُ غَالِبًا.

فَصْلٌ

إِذَا عَرَّفَ سَنَةً لَمْ يَمْلِكْهَا حَتَّى يَخْتَارَهُ بِلَفْظٍ كَتَمَلَّكْتُ. وَقِيلَ: تَكْفِي النِّيَّةُ. وَقِيلَ: يَمْلِكُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ. فَإِنْ تَمَلَّكَ فَظَهَرَ المَالِكُ وَاتَّفَقَا عَلَى رَدِّ عَيْنِهَا فَذَاكَ، وَإِنْ أَرَادَهَا المَالِكُ وَأَرَادَ المُلْتَقِطُ الْعُدُولَ إِلَى بَدَلِهَا أُجِيبَ المَالِكُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ تَلِفَتْ غَرِمَ مِثْلَهَا أَوْ قِيمَتَهَا يَوْمَ التَّمَلُّكِ، وَإِنْ نَقَصَتْ بِعَيْبٍ فَلَهُ أَخْذُهَا مَعَ الْأَرْشِ فِي الْأَصَحِّ. وَإِذَا ادَّعَاهَا رَجُلٌ وَلَمْ يَصِفْهَا وَلَا بَيِّنَةَ لَمْ تُدْفَعْ إِلَيْهِ، وَإِنْ وَصَفَهَا وَظَنَّ صِدْقَهُ جَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى المَذْهَبِ، فَإِنْ دَفَعَ فَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً بِهَا حُوِّلَتْ إِلَيْهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ فَلِصَاحِبِ الْبَيِّنَةِ تَضْمِينُ المُلْتَقِطِ وَالمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ الحَرَمِ لِلتَّمَلُّكِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.

كِتَابُ اللَّقِيطِ

الْتِقَاطُ المَنْبُوذِ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيَجِبُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الِالْتِقَاطِ لِمُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ عَدْلٍ رَشِيدٍ. وَلَوِ الْتَقَطَ عَبْدٌ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ انْتُزِعَ مِنْهُ، فَإِنْ عَلِمَهُ فَأَقَرَّهُ عِنْدَهُ أَوِ الْتَقَطَ بِإِذْنِهِ فَالسَّيِّدُ المُلْتَقِطُ. وَلَوِ الْتَقَطَ صَبِيٌّ أَوْ فَاسِقٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ أَوْ كَافِرٌ مُسْلِمًا انْتُزِعَ مِنْهُ. وَلَوِ ازْدَحَمَ اثْنَانِ عَلَى أَخْذِهِ جَعَلَهُ الحَاكِمُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ سَبَقَ وَاحِدٌ فَالْتَقَطَهُ مُنِعَ الْآخَرُ مِنْ مُزَاحَمَتِهِ، وَإِنِ الْتَقَطَاهُ مَعًا وَهُمَا أَهْلٌ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ غَنِيٌّ عَلَى فَقِيرٍ، وَعَدْلٌ عَلَى مَسْتُورٍ، فَإِنِ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ. وَإِذَا وَجَدَ بَلَدِيٌّ لَقِيطًا بِبَلَدٍ فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إِلَى بَادِيَةٍ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ نَقْلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَأَنَّ لِلْغَرِيبِ إِذَا الْتَقَطَهُ بِبَلَدٍ أَنْ يَنْقُلَهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَإِنْ وَجَدَهُ بِبَادِيَةٍ فَلَهُ نَقْلُهُ إِلَى بَلَدٍ، وَإِنْ وَجَدَهُ بَدَوِيٌّ بِبَلَدٍ فَكَالحَضَرِيِّ، أَوْ بِبَادِيَةٍ أُقِرَّ فِي يَدِهِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانُوا يَنْتَقِلُونَ لِلنُّجْعَةِ لَمْ يُقَرَّ. وَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ الْعَامِّ كَوَقْفٍ عَلَى اللُّقَطَاءِ، أَوِ الخَاصِّ وَهُوَ: مَا اخْتَصَّ بِهِ كَثِيَابٍ مَلْفُوفَةٍ عَلَيْهِ وَمَفْرُوشَةٍ تَحْتَهُ وَمَا فِي جَيْبِهِ مِنْ دَرَاهِمَ وَغَيْرِهَا وَمَهْدِهِ وَدَنَانِيرَ مَنْثُورَةٍ فَوْقَهُ وَتَحْتَهُ. وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارٍ فَهِيَ لَهُ. وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ مَدْفُونٌ تَحْتَهُ وَكَذَا ثِيَابٌ وَأَمْتِعَةٌ مَوْضُوعَةٌ بِقُرْبِهِ فِي الْأَصَحِّ. فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَامَ المُسْلِمُونَ بِكِفَايَتِهِ قَرْضًا. وَفِي قَوْلٍ: نَفَقَةً. وَلِلْمُلْتَقِطِ الِاسْتِقْلَالُ بِحِفْظِ مَالِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي قَطْعًا.

فَصْلٌ

إِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَفِيهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ، أَوْ بِدَارٍ فَتَحُوهَا وَأَقَرُّوهَا بِيَدِ كُفَّارٍ صُلْحًا أَوْ بَعْدَ مِلْكِهَا بِجِزْيَةٍ وَفِيهَا مُسْلِمٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ. وَإِنْ وُجِدَ بِدَارِ كُفَّارٍ فَكَافِرٌ إِنْ لَمْ يَسْكُنْهَا مُسْلِمٌ، وَإِنْ سَكَنَهَا مُسْلِمٌ كَأَسِيرٍ وَتَاجِرٍ فَمُسْلِمٌ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ فَأَقَامَ ذِمِّيٌّ بَيِّنَةً بِنَسَبِهِ لَحِقَهُ وَتَبِعَهُ فِي الْكُفْرِ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الدَّعْوَى فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَتْبَعُهُ فِي الْكُفْرِ. وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الصَّبِيِّ بِجِهَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لَا تُفْرَضَانِ فِي لَقِيطٍ: إِحْدَاهُمَا: الْوِلَادَةُ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمًا وَقْتَ الْعُلُوقِ فَهُوَ مُسْلِمٌ، فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا فَمُرْتَدٌّ، وَلَوْ عَلِقَ بَيْنَ كَافِرَيْنِ ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ كُفْرًا فَمُرْتَدٌّ. وَفِي قَوْلٍ: كَافِرٌ أَصْلِيٌّ. الثَّانِيَةُ: إِذَا سَبَى مُسْلِمٌ طِفْلًا تَبِعَ السَّابِيَ فِي الْإِسْلَامِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ، وَلَوْ سَبَاهُ ذِمِّيٌّ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ اسْتِقْلَالًا عَلَى الصَّحِيحِ.

فَصْلٌ

إِذَا لَمْ يُقِرَّ اللَّقِيطُ بِرِقٍّ فَهُوَ حُرٌّ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ أَحَدٌ بَيِّنَةً بِرِقِّهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِشَخْصٍ فَصَدَّقَهُ قُبِلَ إِنْ لَمْ يَسْبِقْ إِقْرَارُهُ بِحُرِّيَّةٍ، وَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَلَّا يَسْبِقَ تَصَرُّفٌ يَقْتَضِي نُفُوذُهُ حُرِّيَّةً كَبَيْعٍ وَنِكَاحٍ، بَلْ يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي أَصْلِ الرِّقِّ وَأَحْكَامِهِ المُسْتَقْبَلَةِ لَا المَاضِيَةِ المُضِرَّةِ بِغَيْرِهِ فِي الْأَظْهَرِ، فَلَوْ لَزِمَهُ دَيْنٌ فَأَقَرَّ بِرِقٍّ وَفِي يَدِهِ مَالٌ قُضِيَ مِنْهُ، وَلَوِ ادَّعَى رِقَّهُ مَنْ لَيْسَ فِي يَدِهِ بِلَا بَيِّنَةٍ لَمْ يُقْبَلْ، وَكَذَا إِنِ ادَّعَاهُ المُلْتَقِطُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ رَأَيْنَا صَغِيرًا مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَهُ فِي يَدِ مَنْ يَسْتَرِقُّهُ وَلَمْ يُعْرَفِ اسْتِنَادُهَا إِلَى الالْتِقَاطِ حُكِمَ لَهُ بِالرِّقِّ، فَإِنْ بَلَغَ وَقَالَ: (أَنَا حُرٌّ) لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِرِقِّهِ عُمِلَ بِهَا، وَيُشْتَرَطُ أَنْ تَتَعَرَّضَ الْبَيِّنَةُ لِسَبَبِ الْمِلْكِ. وَفِي قَوْلٍ: يَكْفِي مُطْلَقُ الْمِلْكِ. وَلَوِ اسْتَلْحَقَ اللَّقِيطَ حُرٌّ مُسْلِمٌ لَحِقَهُ وَصَارَ أَوْلَى بِتَرْبِيَتِهِ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ عَبْدٌ لَحِقَهُ. وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ تَصْدِيقُ سَيِّدِهِ، وَإِنِ اسْتَلْحَقَتْهُ امْرَأَةٌ لَمْ يَلْحَقْهَا فِي الْأَصَحِّ، أَوِ اثْنَانِ لَمْ يُقَدَّمْ مُسْلِمٌ وَحُرٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ وَعَبْدٍ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ فَيَلْحَقُ مَنْ أَلْحَقَهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِفٌ، أَوْ تَحَيَّرَ، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا أُمِرَ بِالِانْتِسَابِ بَعْدَ بُلُوغِهِ إِلَى مَنْ يَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَيْهِ مِنْهُمَا، وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِ سَقَطَتَا فِي الْأَظْهَرِ.

كِتَابُ الْجِعَالَةِ

هِيَ كَقَوْلِهِ: (مَنْ رَدَّ آبِقِي فَلَهُ كَذَا)، وَيُشْتَرَطُ صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْعَمَلِ بِعِوَضٍ مُلْتَزَمٍ، فَلَوْ عَمِلَ بِلَا إِذْنٍ أَوْ أَذِنَ لِشَخْصٍ فَعَمِلَ غَيْرُهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَلَوْ قَالَ أَجْنَبِيٌّ: (مَنْ رَدَّ عَبْدَ زَيْدٍ فَلَهُ كَذَا) اسْتَحَقَّهُ الرَّادُّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ قَالَ: (قَالَ زَيْدٌ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا) وَكَانَ كَاذِبًا لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى زَيْدٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُ الْعَامِلِ وَإِنْ عَيَّنَهُ. وَتَصِحُّ عَلَى عَمَلٍ مَجْهُولٍ، وَكَذَا مَعْلُومٌ فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الجُعْلِ مَعْلُومًا، فَلَوْ قَالَ: (مَنْ رَدَّهُ فَلَهُ ثَوْبٌ أَوْ أُرْضِيهِ) فَسَدَ الْعَقْدُ، وَلِلرَّادِّ أُجْرَةُ مِثْلِهِ. وَلَوْ قَالَ: (مِنْ بَلَدِ كَذَا) فَرَدَّهُ مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ فَلَهُ قِسْطُهُ مِنَ الجُعْلِ. وَلَوِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي رَدِّهِ اشْتَرَكَا فِي الجُعْلِ. وَلَوِ الْتَزَمَ جُعْلًا لِمُعَيَّنٍ فَشَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي الْعَمَلِ إِنْ قَصَدَ إِعَانَتَهُ فَلَهُ كُلُّ الجُعْلِ، وَإِنْ قَصَدَ الْعَمَلَ لِلْمَالِكِ فَلِلْأَوَّلِ قِسْطُهُ، وَلَا شَيْءَ لِلْمُشَارِكِ بِحَالٍ. وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الْفَسْخُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ، فَإِنْ فُسِخَ قَبْلَ الشُّرُوعِ أَوْ فَسَخَ الْعَامِلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ فَسَخَ المَالِكُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ فِي الْأَصَحِّ. وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ فِي الجُعْلِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَفَائِدَتُهُ بَعْدَ الشُّرُوعِ: وُجُوبُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَلَوْ مَاتَ الْآبِقُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ أَوْ هَرَبَ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ، وَإِذَا رَدَّهُ فَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ لِقَبْضِ الجُعْلِ. وَيُصَدَّقُ المَالِكُ إِذَا أَنْكَرَ شَرْطَ الجُعْلِ أَوْ سَعْيَهُ فِي رَدِّهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الجُعْلِ تَحَالَفَا.

كِتَابُ الْفَرَائِضِ

يُبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ المَيِّتِ بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ، ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ، ثُمَّ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي، ثُمَّ يُقْسَمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ. قُلْتُ: فَإِنْ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ حَقٌّ كَالزَّكَاةِ وَالجَانِي وَالمَرْهُونِ وَالمَبِيعِ إِذَا مَاتَ المُشْتَرِي مُفْلِسًا قُدِّمَ عَلَى مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَسْبَابُ الْإِرْثِ أَرْبَعَةٌ: قَرَابَةٌ، وَنِكَاحٌ، وَوَلَاءٌ فَيَرِثُ المُعْتِقُ الْعَتِيقَ وَلَا عَكْسَ، وَالرَّابِعُ: الْإِسْلَامُ فَتُصْرَفُ التَّرِكَةُ لِبَيْتِ المَالِ إِرْثًا إِذَا لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ بِالْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ. وَالمُجْمَعُ عَلَى إِرْثِهِمْ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةٌ: الِابْنُ وَابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْأَبُ وَأَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، وَالْأَخُ وَابْنُهُ إِلَّا مِنَ الْأُمِّ، وَالْعَمُّ إِلَّا لِلْأُمِّ، وَكَذَا ابْنُهُ، وَالزَّوْجُ، وَالمُعْتِقُ. وَمِنَ النِّسَاءِ سَبْعٌ: الْبِنْتُ، وَبِنْتُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْأُمُّ، وَالجَدَّةُ، وَالْأُخْتُ، وَالزَّوْجَةُ، وَالمُعْتِقَةُ. فَلَوِ اجْتَمَعَ كُلُّ الرِّجَالِ وَرِثَ الْأَبُ وَالِابْنُ وَالزَّوْجُ فَقَطْ، أَوِ النِّسَاءِ فَالْبِنْتُ وَبِنْتُ الِابْنِ وَالْأُمُّ وَالْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةُ، أَوِ الَّذِينَ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمْ مِنَ الصِّنْفَيْنِ فَالْأَبَوَانِ وَالِابْنُ وَالْبِنْتُ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ. وَلَوْ فُقِدُوا كُلُّهُمْ فَأَصْلُ المَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُورَثُ ذَوُو الْأَرْحَامِ، وَلَا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْفَرْضِ، بَلِ المَالُ لِبَيْتِ المَالِ، وَأَفْتَى المُتَأَخِّرُونَ: إِذَا لَمْ يَنْتَظِمْ أَمْرُ بَيْتِ المَالِ بِالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْفَرْضِ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ مَا فَضَلَ عَنْ فُرُوضِهِمْ بِالنِّسْبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا صُرِفَ إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَهُمْ: مَنْ سِوَى المَذْكُورِينَ مِنَ الْأَقَارِبِ، وَهُمْ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ: أَبُو الْأُمِّ، وَكُلُّ جَدٍّ وَجَدَّةٍ سَاقِطَيْنِ، وَأَوْلَادُ الْبَنَاتِ، وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ، وَأَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ، وَبَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ، وَالْعَمُّ لِلْأُمِّ، وَبَنَاتُ الْأَعْمَامِ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْأَخْوَالُ، وَالخَالَاتُ، وَالمُدْلُونَ بِهِمْ.

فَصْلٌ

الْفُرُوضُ المُقَدَّرَةُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى سِتَّةٌ: النِّصْفُ: فَرْضُ خَمْسَةٍ: زَوْجٍ لَمْ تُخَلِّفْ زَوْجَتُهُ وَلَدًا وَلَا وَلَدَ ابْنٍ، وَبِنْتٍ أَوْ بِنْتِ ابْنٍ أَوْ أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ مُنْفَرِدَاتٌ. وَالرُّبُعُ: فَرْضُ زَوْجٍ لِزَوْجَتِهِ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ، وَزَوْجَةٍ لَيْسَ لِزَوْجِهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وَالثُّمُنُ: فَرْضُهَا مَعَ أَحَدِهِمَا. وَالثُّلُثَانِ: فَرْضُ بِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا، وَبِنْتَيِ ابْنٍ فَأَكْثَرَ، وَأُخْتَيْنِ فَأَكْثَرَ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ. وَالثُّلُثُ: فَرْضُ أُمٍّ لَيْسَ لِمَيِّتِهَا وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ وَلَا اثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَفَرْضُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ، وَقَدْ يُفْرَضُ لِلْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ. وَالسُّدُسُ: فَرْضُ سَبْعَةٍ: أَبٍ وَجَدٍّ لِمَيِّتِهِمَا وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ، وَأُمٍّ لِمَيِّتِهَا وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ أَوِ اثْنَانِ مِنَ إِخْوَةٍ وَأَخَوَاتِ، وَجَدَّةٍ، وَلِبِنْتِ ابْنٍ مَعَ بِنْتِ صُلْبٍ، وَلِأُخْتٍ أَوْ أَخَوَاتٍ لِأَبٍ مَعَ أُخْتٍ لِأَبَوَيْنِ، وَلِوَاحِدٍ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ.

فَصْلٌ

الْأَبُ وَالِابْنُ وَالزَّوْجُ لَا يَحْجُبُهُمْ أَحَدٌ. وَابْنُ الِابْنِ لَا يَحْجُبُهُ إِلَّا الِابْنُ أَوِ ابْنُ ابْنٍ أَقْرَبُ مِنْهُ. وَالجَدُّ لَا يَحْجُبُهُ إِلَّا مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَيِّتِ. وَالْأَخُ لِأَبَوَيْنِ يَحْجُبُهُ الْأَبُ، وَالِابْنُ، وَابْنُ الِابْنِ، وَلِأَبٍ يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَأَخٌ لِأَبَوَيْنِ، وَلِأُمٍّ يَحْجُبُهُ أَبٌ وَجَدٌّ وَوَلَدٌ وَوَلَدُ ابْنٍ. وَابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ يَحْجُبُهُ سِتَّةٌ: أَبٌ، وَجَدٌّ، وَابْنٌ وَابْنُهُ، وَأَخٌ لِأَبَوَيْنِ وَلِأَبٍ، وَلِأَبٍ يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَابْنُ أَخٍ لِأَبَوَيْنِ. وَالْعَمُّ لِأَبَوَيْنِ يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَابْنُ أَخٍ لِأَبٍ، وَلِأَبٍ يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَعَمٌّ لِأَبَوَيْنِ. وَابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَعَمٌّ لِأَبٍ، وَلِأَبٍ يَحْجُبُهُ هَؤُلَاءِ وَابْنُ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ. وَالمُعْتِقُ يَحْجُبُهُ عَصَبَةُ النَّسَبِ. وَالْبِنْتُ وَالْأُمُّ وَالزَّوْجَةُ لَا يُحْجَبْنَ. وَبِنْتُ الِابْنِ يَحْجُبُهَا ابْنٌ أَوْ بِنْتَانِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَنْ يُعَصِّبُهَا. وَالجَدَّةُ لِأُمٍّ لَا يَحْجُبُهَا إِلَّا الْأُمُّ، وَلِأَبٍ يَحْجُبُهَا الْأَبُ أَوِ الْأُمُّ. وَالْقُرْبَى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْهَا، وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ كَأُمِّ أُمٍّ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَأُمِّ أُمِّ أَبٍ. وَالْقُرْبَى مِنْ جِهَةِ الْأَبِ لَا تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ فِي الْأَظْهَرِ. وَالْأُخْتُ مِنَ الجِهَاتِ كَالْأَخِ. وَالْأَخَوَاتُ الخُلَّصُ لِأَبٍ يَحْجُبُهُنَّ أَيْضًا أُخْتَانِ لِأَبَوَيْنِ. وَالمُعْتِقَةُ كَالمُعْتِقِ. وَكُلُّ عَصَبَةٍ يَحْجُبُهُ أَصْحَابُ فُرُوضٍ مُسْتَغْرِقَةٍ.

فَصْلٌ

الِابْنُ يَسْتَغْرِقُ المَالَ، وَكَذَا الْبَنُونَ، وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْبِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ بَنُونَ وَبَنَاتٌ فَالمَالُ لَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَأَوْلَادُ الِابْنِ إِذَا انْفَرَدُوا كَأَوْلَادِ الصُّلْبِ. فَلَوِ اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ فَإِنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ حَجَبَ أَوْلَادَ الِابْنِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ لِلصُّلْبِ بِنْتٌ فَلَهَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِوَلَدِ الِابْنِ الذُّكُورِ أَوِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أُنْثَى أَوْ إِنَاثٌ فَلَهَا أَوْ لَهُنَّ السُّدُسُ. وَإِنْ كَانَ لِلصُّلْبِ بِنْتَانِ فَصَاعِدًا أَخَذَتَا الثُّلُثَيْنِ، وَالْبَاقِي لِوَلَدِ الِابْنِ الذُّكُورِ أَوِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، وَلَا شَيْءَ لِلْإِنَاثِ الخُلَّصِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ ذَكَرٌ فَيُعَصِّبُهُنَّ. وَأَوْلَادُ ابْنِ الِابْنِ مَعَ أَوْلَادِ الِابْنِ كَأَوْلَادِ الِابْنِ مَعَ أَوْلَادِ الصُّلْبِ، وَكَذَا سَائِرُ المَنَازِلِ. وَإِنَّمَا يُعَصِّبُ الذَّكَرُ النَّازِلُ مَنْ فِي دَرَجَتِهِ، وَيُعَصِّبُ مَنْ فَوْقَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ مِنَ الثُّلُثَيْنِ.

فَصْلٌ

الْأَبُ يَرِثُ بِفَرْضٍ إِذَا كَانَ مَعَهُ ابْنٌ أَوِ ابْنُ ابْنٍ، وَبِتَعْصِيبٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ، وَبِهِمَا إِذَا كَانَ مَعَهُ بِنْتٌ أَوْ بِنْتُ ابْنٍ لَهُ السُّدُسُ فَرْضًا وَالْبَاقِي بَعْدَ فَرْضِهِمَا بِالْعُصُوبَةِ. وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ أَوِ السُّدُسُ فِي الحَالَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْفُرُوضِ، وَلَهَا فِي مَسْأَلَتَيْ زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ ثُلُثُ مَا بَقِيَ بَعْدَ فَرْضِ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ. وَالجَدُّ كَالْأَبِ إِلَّا أَنَّ الْأَبَ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ، وَالجَدَّ يُقَاسِمُهُمْ إِنْ كَانُوا لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ، وَالْأَبَ يُسْقِطُ أُمَّ نَفْسِهِ وَلَا يُسْقِطُهَا الجَدُّ، وَالْأَبَ فِي زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ يَرُدُّ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى ثُلُثِ الْبَاقِي، وَلَا يَرُدُّهَا الجَدُّ. وَلِلْجَدَّةِ السُّدُسُ، وَكَذَا الجَدَّاتُ، وَتَرِثُ مِنْهُنَّ أُمُّ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهَا المُدْلِيَاتُ بِإِنَاثٍ خُلَّصٍ، وَأُمُّ الْأَبِ وَأُمَّهَاتُهَا كَذَلِكَ، وَكَذَا أُمُّ أَبِ الْأَبِ وَأُمُّ الْأَجْدَادِ فَوْقَهُ وَأُمَّهَاتُهُنَّ عَلَى المَشْهُورِ. وَضَابِطُهُ: كُلُّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِمَحْضِ إِنَاثٍ أَوْ ذُكُورٍ أَوْ إِنَاثٍ إِلَى ذُكُورٍ تَرِثُ، وَمَنْ أَدْلَتْ بِذَكَرٍ بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ فَلَا.

فَصْلٌ

الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِأَبَوَيْنِ إِنِ انْفَرَدُوا وَرِثُوا كَأَوْلَادِ الصُّلْبِ، وَكَذَا إِنْ كَانُوا لِأَبٍ إِلَّا فِي المُشَرَّكَةِ، وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَوَلَدَا أُمٍّ وَأَخٌ لِأَبَوَيْنِ، فَيُشَارِكُ الْأَخُ وَلَدَيِ الْأُمِّ فِي الثُّلُثِ. وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الْأَخِ أَخٌ لِأَبٍ سَقَطَ. وَلَوِ اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ فَكَاجْتِمَاعِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَأَوْلَادِ ابْنِهِ إِلَّا أَنَّ بَنَاتِ الِابْنِ يُعَصِّبُهُنَّ مَنْ فِي دَرَجَتِهِنَّ أَوْ أَسْفَلَ، وَالْأُخْتُ لَا يُعَصِّبُهَا إِلَّا أَخُوهَا. وَلِلْوَاحِدِ مِنَ الْإِخْوَةِ أَوِ الْأَخَوَاتِ لِأُمٍّ: السُّدُسُ، وَلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا: الثُّلُثُ سَوَاءٌ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ. وَالْأَخَوَاتُ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ مَعَ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الِابْنِ عَصَبَةٌ كَالْإِخْوَةِ فَتُسْقِطُ أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ مَعَ الْبِنْتِ الْأَخَوَاتِ لِأَبٍ. وَبَنُو الْإِخْوَةِ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ كُلٌّ مِنْهُمْ كَأَبِيهِ اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا، لَكِنْ يُخَالِفُونَهُمْ فِي أَنَّهُمْ لَا يَرُدُّونَ الْأُمَّ إِلَى السُّدُسِ، وَلَا يَرِثُونَ مَعَ الجَدِّ، وَلَا يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ، وَيَسْقُطُونَ فِي المُشَرَّكَةِ. وَالْعَمُّ لِأَبَوَيْنِ وَلِأَبٍ كَالْأَخِ مِنَ الجِهَتَيْنِ اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا، وَكَذَا قِيَاسُ بَنِي الْعَمِّ وَسَائِرِ عَصَبَةِ النَّسَبِ. وَالْعَصَبَةُ: مَنْ لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ مِنَ المُجْمَعِ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ، فَيَرِثُ المَالَ أَوْ مَا فَضَلَ بَعْدَ الْفُرُوضِ.

فَصْلٌ

مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ بِنَسَبٍ وَلَهُ مُعْتِقٌ فَمَالُهُ أَوِ الْفَاضِلُ عَنِ الْفُرُوضِ لَهُ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلِعَصَبَتِهِ بِنَسَبٍ المُتَعَصِّبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ لَا لِبِنْتِهِ وَأُخْتِهِ، وَتَرْتِيبُهُمْ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي النَّسَبِ، لَكِنِ الْأَظْهَرُ: أَنَّ أَخَا المُعْتِقِ وَابْنَ أَخِيهِ يُقَدَّمَانِ عَلَى جَدِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ فَلِمُعْتِقِ المُعْتِقِ ثُمَّ عَصَبَتُهُ كَذَلِكَ. وَلَا تَرِثُ امْرَأَةٌ بِوَلَاءٍ إِلَّا مُعْتَقَهَا أَوْ مُنْتَمِيًا إِلَيْهِ بِنَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ.

فَصْلٌ

اجْتَمَعَ جَدٌّ وَإِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ ذُو فَرْضٍ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ المَالِ وَمُقَاسَمَتُهِمْ كَأَخٍ، فَإِنْ أَخَذَ الثُّلُثَ فَالْبَاقِي لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ فَلَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ سُدُسِ التَّرِكَةِ وَثُلُثِ الْبَاقِي وَالمُقَاسَمَةِ. وَقَدْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ كَبِنْتَيْنِ وَأُمٍّ وَزَوْجٍ فَيُفْرَضُ لَهُ سُدُسٌ وَيُزَادُ فِي الْعَوْلِ. وَقَدْ يَبْقَى دُونَ سُدُسٍ كَبِنْتَيْنِ وَزَوْجٍ فَيُفْرَضُ لَهُ وَتُعَالُ. وَقَدْ يَبْقَى سُدُسٌ كَبِنْتَيْنِ وَأُمٍّ فَيَفُوزُ بِهِ الجَدُّ. وَتَسْقُطُ الْإِخْوَةُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ. وَلَوْ كَانَ مَعَ الجَدِّ إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ لِأَبَوَيْنِ وَلِأَبٍ فَحُكْمُ الجَدِّ مَا سَبَقَ وَيُعَدُّ أَوْلَادُ الْأَبَوَيْنِ عَلَيْهِ أَوْلَادَ الْأَبِ فِي الْقِسْمَةِ. فَإِذَا أَخَذَ حِصَّتَهُ فَإِنْ كَانَ فِي أَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ ذَكَرٌ فَالْبَاقِي لَهُمْ وَسَقَطَ أَوْلَادُ الْأَبِ، وَإِلَّا فَتَأْخُذُ الْوَاحِدَةُ إِلَى النِّصْفِ، وَالثِّنْتَانِ فَصَاعِدًا إِلَى الثُّلُثَيْنِ. وَلَا يَفْضُلُ عَنِ الثُّلُثَيْنِ شَيْءٌ، وَقَدْ يَفْضُلُ عَنِ النِّصْفِ فَيَكُونُ لِأَوْلَادِ الْأَبِ. وَالجَدُّ مَعَ أَخَوَاتٍ كَأَخٍ فَلَا يُفْرَضُ لَهُنَّ مَعَهُ إِلَّا فِي الْأَكْدَرِيَّةِ، وَهِيَ زَوْجٌ وَأُمٌّ وَجَدٌّ وَأُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ فَلِلزَّوْجِ نِصْفٌ، وَلِلْأُمِّ ثُلُثٌ، وَلِلْجَدِّ سُدُسٌ، وَلِلْأُخْتِ نِصْفٌ، فَتَعُولُ ثُمَّ يَقْتَسِمُ الجَدُّ وَالْأُخْتُ نَصِيبَيْهِمَا أَثْلَاثًا، لَهُ الثُّلُثَانِ.

فَصْلٌ

لَا يَتَوَارَثُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ. وَلَا يَرِثُ مُرْتَدٌّ وَلَا يُورَثُ. وَيَرِثُ الْكَافِرُ الْكَافِرَ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا، لَكِنِ المَشْهُورُ: أَنَّهُ لَا تَوَارُثَ بَيْنَ حَرْبِيٍّ وَذِمِّيٍّ. وَلَا يَرِثُ مَنْ فِيهِ رِقٌّ، وَالجَدِيدُ: أَنَّ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ يُورَثُ وَلَا قَاتِلٌ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُضْمَنْ وَرِثَ. وَلَوْ مَاتَ مُتَوَارِثَانِ بِغَرَقٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ فِي غُرْبَةٍ مَعًا، أَوْ جُهِلَ أَسْبَقُهُمَا لَمْ يَتَوَارَثَا وَمَالُ كُلٍّ لِبَاقِي وَرَثَتِهِ. وَمَنْ أُسِرَ، أَوْ فُقِدَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ تُرِكَ مَالُهُ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِمَوْتِهِ، أَوْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ فَوْقَهَا، فَيَجْتَهِدُ الْقَاضِي وَيَحْكُمُ بِمَوْتِهِ، ثُمَّ يُعْطِي مَالَهُ مَنْ يَرِثُهُ وَقْتَ الحُكْمِ. وَلَوْ مَاتَ مَنْ يَرِثُهُ المَفْقُودُ وَقَفْنَا حِصَّتَهُ وَعَمِلْنَا فِي الحَاضِرِينَ بِالْأَسْوَأِ. وَلَوْ خَلَّفَ حَمْلًا يَرِثُ أَوْ قَدْ يَرِثُ عُمِلَ بِالْأَحْوَطِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ، فَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَ المَوْتِ وَرِثَ، وَإِلَّا فَلَا. بَيَانُهُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ سِوَى الحَمْلِ، أَوْ كَانَ مَنْ قَدْ يَحْجُبُهُ وُقِفَ المَالُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ لَا يَحْجُبُهُ وَلَهُ مُقَدَّرٌ أُعْطِيَهُ عَائِلًا إِنْ أَمْكَنَ عَوْلٌ كَزَوْجَةٍ حَامِلٍ وَأَبَوَيْنِ لَهَا ثُمُنٌ وَلَهُمَا سُدُسَانِ عَائِلَاتٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مُقَدَّرٌ كَأَوْلَادٍ لَمْ يُعْطَوْا، وَقِيلَ: أَكْثَرُ الحَمْلِ أَرْبَعَةٌ فَيُعْطَوْنَ الْيَقِينَ. وَالخُنْثَى المُشْكِلُ إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ إِرْثُهُ كَوَلَدِ أُمٍّ وَمُعْتِقٍ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَيُعْمَلُ بِالْيَقِينِ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ غَيْرِهِ، وَيُوقَفُ المَشْكُوكُ فِيهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ. وَمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ جِهَتَا فَرْضٍ وَتَعْصِيبٍ كَزَوْجٍ هُوَ مُعْتِقٌ أَوِ ابْنُ عَمٍّ وَرِثَ بِهِمَا. قُلْتُ: فَلَوْ وُجِدَ فِي نِكَاحِ المَجُوسِ أَوِ الشُّبْهَةِ بِنْتٌ هِيَ أُخْتٌ وَرِثَتْ بِالْبُنُوَّةِ، وَقِيلَ: بِهِمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي جِهَةِ عُصُوبَةٍ وَزَادَ أَحَدُهُمَا بِقَرَابَةٍ أُخْرَى كَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ فَلَهُ السُّدُسُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا، فَلَوْ كَانَ مَعَهُمَا بِنْتٌ فَلَهَا النِّصْفٌ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِهِ الْأَخُ. وَمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ جِهَتَا فَرْضٍ وَرِثَ بِأَقْوَاهُمَا فَقَطْ. وَالْقُوَّةُ بِأَنْ تَحْجُبَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، أَوْ لَا تَحْجُبَ، أَوْ تَكُونَ أَقَلَّ حَجْبًا: فَالْأَوَّلُ: كَبِنْتٍ هِيَ أُخْتٌ لِأُمٍّ بِأَنْ يَطَأَ مَجُوسِيٌّ، أَوْ مُسْلِمٌ بِشُبْهَةٍ أُمَّهُ فَتَلِدُ بِنْتًا. وَالثَّانِي: كَأُمٍّ هِيَ أُخْتٌ لِأَبٍ بِأَنْ يَطَأَ بِنْتَهُ فَتَلِدَ بِنْتًا. وَالثَّالِثُ: كَأُمِّ أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ بِأَنْ يَطَأَ هَذِهِ الْبِنْتَ الثَّانِيَةَ فَتَلِدُ وَلَدًا فَالْأُولَى أُمُّ أُمِّهِ وَأُخْتُهُ.

فَصْلٌ

إِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ عَصَبَاتٍ قُسِمَ المَالُ بِالسَّوِيَّةِ إِنْ تَمَحَّضُوا ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا. وَإِنِ اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ قُدِّرَ كُلُّ ذَكَرٍ أُنْثَيَيْنِ، وَعَدَدُ رُؤُوسِ المَقْسُومِ عَلَيْهِمْ أَصْلُ المَسْأَلَةِ. وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ذُو فَرْضٍ أَوْ ذَوَا فَرْضَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ فَالمَسْأَلَةُ مِنْ مَخْرَجِ ذَلِكَ الْكَسْرِ فَمَخْرَجُ النِّصْفِ: اثْنَانِ، وَالثُّلُثِ: ثَلَاثَةٌ، وَالرُّبُعِ: أَرْبَعَةٌ، وَالسُّدُسِ: سِتَّةٌ، وَالثُّمُنِ: ثَمَانِيَةٌ. وَإِنْ كَانَ فَرْضَانِ مُخْتَلِفَا المَخْرَجِ: فَإِنْ تَدَاخَلَ مَخْرَجَاهُمَا فَأَصْلُ المَسْأَلَةِ أَكْثَرُهُمَا كَسُدُسٍ وَثُلُثٍ، وَإِنْ تَوَافَقَا ضُرِبَ وَفْقُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ وَالحَاصِلُ أَصْلُ المَسْأَلَةِ كَسُدُسٍ وَثُمُنٍ فَالْأَصْلُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَإِنْ تَبَايَنَا ضُرِبَ كُلٌّ فِي كُلٍّ وَالحَاصِلُ الْأَصْلُ كَثُلُثٍ وَرُبُعٍ، فَالْأَصْلُ اثْنَا عَشَرَ. فَالْأُصُولُ سَبْعَةٌ: اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَسِتَّةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَاثْنَا عَشَرَ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَالَّذِي يَعُولُ مِنْهَا: السِّتَّةُ إِلَى سَبْعَةٍ كَزَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ، وَإِلَى ثَمَانِيَةٍ كَهُمْ وَأُمٍّ، وَإِلَى تِسْعَةٍ كَهُمْ وَأَخٍ لِأُمٍّ، وَإِلَى عَشَرَةٍ كَهُمْ وَآخَرَ لِأُمٍّ. وَالِاثْنَا عَشَرَ إِلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ كَزَوْجَةٍ وَأُمٍّ وَأُخْتَيْنِ، وَإِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ كَهُمْ وَأَخٍ لِأُمٍّ، وَسَبْعَةَ عَشَرَ كَهُمْ وَآخَرَ لِأُمٍّ. وَالْأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ إِلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ كَبِنْتَيْنِ وَأَبَوَيْنِ وَزَوْجَةٍ. وَإِذَا تَمَاثَلَ الْعَدَدَانِ فَذَاكَ. وَإِنِ اخْتَلَفَا وَفَنِيَ الْأَكْثَرُ بِالْأَقَلِّ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَمُتَدَاخِلَانِ كَثَلَاثَةٍ مَعَ سِتَّةٍ أَوْ تِسْعَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُفْنِهِمَا إِلَّا عَدَدٌ ثَالِثٌ فَمُتَوَافِقَانِ بِجُزْئِهِ كَأَرْبَعَةٍ وَسِتَّةٍ بِالنِّصْفِ، وَإِنْ لَمْ يُفْنِهِمَا إِلَّا وَاحِدٌ تَبَايَنَا كَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ. وَالمُتَدَاخِلَانِ مُتَوَافِقَانِ، وَلَا عَكْسَ.

فَرْعٌ

إِذَا عَرَفْتَ أَصْلَهَا وَانْقَسَمَتِ السِّهَامُ عَلَيْهِمْ فَذَاكَ. وَإِنِ انْكَسَرَتْ عَلَى صِنْفٍ قُوبِلَتْ بِعَدَدِهِ فَإِنْ تَبَايَنَا ضُرِبَ عَدَدُهُ فِي المَسْأَلَةِ بِعَوْلِهَا إِنْ عَالَتْ، وَإِنْ تَوَافَقَا ضُرِبَ وَفْقُ عَدَدِهِ فِيهَا، فَمَا بَلَغَ صَحَّتْ مِنْهُ. وَإِنِ انْكَسَرَتْ عَلَى صِنْفَيْنِ قُوبِلَتْ سِهَامُ كُلِّ صِنْفٍ بِعَدَدِهِ فَإِنْ تَوَافَقَا رُدَّ الصِّنْفُ إِلَى وَفْقِهِ، وَإِلَّا تُرِكَ، ثُمَّ إِنْ تَمَاثَلَ عَدَدُ الرُّؤُوسِ ضُرِبَ أَحَدُهُمَا فِي أَصْلِ المَسْأَلَةِ بِعَوْلِهَا، وَإِنْ تَدَاخَلَا ضُرِبَ أَكْثَرُهُمَا، وَإِنْ تَوَافَقَا ضُرِبَ وَفْقُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ ثُمَّ الحَاصِلُ فِي المَسْأَلَةِ، وَإِنْ تَبَايَنَا ضُرِبَ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ ثُمَّ الحَاصِلُ فِي المَسْأَلَةِ، فَمَا بَلَغَ صَحَّتْ مِنْهُ. وَيُقَاسُ عَلَى هَذَا: الِانْكِسَارُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ وَأَرْبَعَةٍ، وَلَا يَزِيدُ الِانْكِسَارُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ نَصِيبِ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ مَبْلَغِ المَسْأَلَةِ فَاضْرِبْ نَصِيبَهُ مِنْ أَصْلِ المَسْأَلَةِ فِيمَا ضَرَبْتَهُ فِيهَا، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ نَصِيبُهُ، ثُمَّ تَقْسِمُهُ عَلَى عَدَدِ الصِّنْفِ.

فَرْعٌ

مَاتَ عَنْ وَرَثَةٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَإِنْ لَمْ يَرِثِ الثَّانِيَ غَيْرُ الْبَاقِينَ وَكَانَ إِرْثُهُمْ مِنْهُ كَإِرْثِهِمْ مِنَ الْأَوَّلِ جُعِلَ كَأَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ وَقُسِمَ بَيْنَ الْبَاقِينَ كَإِخْوَةٍ وَأَخَوَاتٍ أَوْ بَنِينَ وَبَنَاتٍ مَاتَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْبَاقِينَ. وَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرْ إِرْثُهُ فِي الْبَاقِينَ أَوِ انْحَصَرَ وَاخْتَلَفَ قَدْرُ الِاسْتِحْقَاقِ فَصَحِّحْ مَسْأَلَةَ الْأَوَّلِ ثُمَّ مَسْأَلَةَ الثَّانِي، ثُمَّ إِنِ انْقَسَمَ نَصِيبُ الثَّانِي مِنْ مَسْأَلَةِ الْأَوَّلِ عَلَى مَسْأَلَتِهِ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ ضُرِبَ وَفْقُ مَسْأَلَتِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا كُلُّهَا فِيهَا، فَمَا بَلَغَ صَحَّتَا مِنْهُ، ثُمَّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأُولَى أَخَذَهُ مَضْرُوبًا فِيمَا ضُرِبَ فِيهَا، وَمَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّانِيَةِ أَخَذَهُ مَضْرُوبًا فِي نَصِيبِ الثَّانِي مِنَ الْأُولَى أَوْ فِي وَفْقِهِ إِنْ كَانَ بَيْنَ مَسْأَلَتِهِ وَنَصِيبِهِ وَفْقٌ.

كِتَابُ الْوَصَايَا

تَصِحُّ وَصِيَّةُ كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَكَذَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ عَلَى المَذْهَبِ، لَا مَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَصَبِيٍّ، وَفِي قَوْلٍ: تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ وَلَا رَقِيقٍ، وَقِيلَ: إِنْ عَتَقَ ثُمَّ مَاتَ صَحَّتْ. وَإِذَا أَوْصَى لِجِهَةٍ عَامَّةٍ فَالشَّرْطُ: أَنْ لَا تَكُونَ مَعْصِيَةً كَعِمَارَةِ كَنِيسَةٍ، أَوْ لِشَخْصٍ فَالشَّرْطُ: أَنْ يُتَصَوَّرَ لَهُ الْمِلْكُ فَتَصِحُّ لِحَمْلٍ وَتَنْفُذُ إِنِ انْفَصَلَ حَيًّا وَعُلِمَ وُجُودُهُ عِنْدَهَا بِأَنِ انْفَصَلَ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنِ انْفَصَلَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، وَالمَرْأَةُ فِرَاشُ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِرَاشًا وَانْفَصَلَ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ فَكَذَلِكَ، أَوْ لِدُونِهِ اسْتَحَقَّ فِي الْأَظْهَرِ. وَإِنْ أَوْصَى لِعَبْدٍ فَاسْتَمَرَّ رِقُّهُ فَالْوَصِيَّةُ لِسَيِّدِهِ، فَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ مَوْتِ المُوصِي فَلَهُ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ ثُمَّ قَبِلَ بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَ تُمْلَكُ. وَإِنْ أَوْصَى لِدَابَّةٍ وَقَصَدَ تَمْلِيكَهَا أَوْ أَطْلَقَ فَبَاطِلَةٌ، وَإِنْ قَالَ: لِيُصْرَفَ فِي عَلْفِهَا فَالمَنْقُولُ صِحَّتُهَا. وَتَصِحُّ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الْأَصَحِّ، وَيُحْمَلُ عَلَى عِمَارَتِهِ وَمَصَالِحِهِ، وَلِذِمِّيٍّ، وَكَذَا حَرْبِيٌّ وَمُرْتَدٌّ فِي الْأَصَحِّ، وَقَاتِلٌ فِي الْأَظْهَرِ، وَلِوَارِثٍ فِي الْأَظْهَرِ إِنْ أَجَازَ بَاقِي الْوَرَثَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِرَدِّهِمْ وَإِجَازَتِهِمْ فِي حَيَاةِ المُوصِي، وَالْعِبْرَةُ فِي كَوْنِهِ وَارِثًا بِيَوْمِ المَوْتِ. وَالْوَصِيَّةُ لِكُلِّ وَارِثٍ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ لَغْوٌ، وَبِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ صَحِيحَةٌ وَتَفْتَقِرُ إِلَى الْإِجَازَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَتَصِحُّ بِالحَمْلِ، وَيُشْتَرَطُ انْفِصَالُهُ حَيًّا لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَهَا، وَبِالمَنَافِعِ، وَكَذَا بِثَمَرَةٍ أَوْ حَمْلٍ سَيَحْدُثَانِ فِي الْأَصَحِّ، وَبِأَحَدِ عَبْدَيْهِ، وَبِنَجَاسَةٍ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا كَكَلْبٍ مُعَلَّمٍ وَزِبْلٍ وَخَمْرٍ مُحْتَرَمَةٍ. وَلَوْ أَوْصَى بِكَلْبٍ مِنْ كِلَابِهِ أُعْطِيَ أَحَدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ لَغَتْ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَكِلَابٌ وَوَصَّى بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا فَالْأَصَحُّ: نُفُوذُهَا وَإِنْ كَثُرَتْ وَقَلَّ المَالُ. وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ وَطَبْلٌ يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَطَبْلِ حَرْبٍ وَحَجِيجٍ حُمِلَتْ عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلِ اللَّهْوِ لَغَتْ إِلَّا أَنْ يَصْلُحَ لِحَرْبٍ أَوْ حَجِيجٍ.

فَصْلٌ

يَنْبَغِي أَلَّا يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَإِنْ زَادَ وَرَدَّ الْوَارِثُ بَطَلَتْ فِي الزَّائِدِ، وَإِنْ أَجَازَ فَإِجَازَتُهُ تَنْفِيذٌ، وَفِي قَوْلٍ: عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وَالْوَصِيَّةُ بِالزِّيَادَةِ لَغْوٌ. وَيُعْتَبَرُ المَالُ يَوْمَ المَوْتِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْوَصِيَّةِ. وَيُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ أَيْضًا عِتْقٌ عُلِّقَ بِالمَوْتِ، وَتَبَرُّعٌ نُجِّزَ فِي مَرَضِهِ كَوَقْفٍ وَهِبَةٍ وَعِتْقٍ وَإِبْرَاءٍ. وَإِذَا اجْتَمَعَ تَبَرُّعَاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَوْتِ وَعَجَزَ الثُّلُثُ فَإِنْ تَمَحَّضَ الْعِتْقُ أُقْرِعَ. أَوْ غَيْرُهُ قُسِّطَ الثُّلُثُ. أَوْ هُوَ وَغَيْرُهُ قُسِّطَ بِالْقِيمَةِ، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ. أَوْ مُنَجَّزَةٌ قُدِّمَ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ حَتَّى يَتِمَّ الثُّلُثُ. فَإِنْ وُجِدَتْ دُفْعَةً وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ كَعِتْقِ عَبِيدٍ أَوْ إِبْرَاءِ جَمْعٍ أُقْرِعَ فِي الْعِتْقِ وَقُسِّطَ فِي غَيْرِهِ. وَإِنِ اخْتَلَفَ وَتَصَرَّفَ وُكَلَاءُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِتْقٌ قُسِّطَ، وَإِنْ كَانَ قُسِّطَ، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ. وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ فَقَطْ سَالِمٌ وَغَانِمٌ، فَقَالَ: (إِنْ أَعْتَقْتُ غَانِمًا فَسَالِمٌ حُرٌّ)، ثُمَّ أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَتَقَ وَلَا إِقْرَاعَ. وَلَوْ أَوْصَى بِعَيْنٍ حَاضِرَةٍ هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ وَبَاقِيهِ غَائِبٌ لَمْ تُدْفَعْ كُلُّهَا إِلَيْهِ فِي الحَالِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَتَسَلَّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الثُّلُثِ أَيْضًا.

فَصْلٌ

إِذَا ظَنَنَّا المَرَضَ مَخُوفًا لَمْ يَنْفُذْ تَبَرُّعٌ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ بَرَأَ نَفَذَ. وَإِنْ ظَنَنَّاهُ غَيْرَ مَخُوفٍ فَمَاتَ فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْفَجْأَةِ نَفَذَ، وَإِلَّا فَمَخُوفٌ. وَلَوْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مَخُوفًا لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِطَبِيبَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ. وَمِنَ المَخُوفِ: قُولَنْجٌ، وَذَاتُ جَنْبٍ، وَرُعَافٌ دَائِمٌ، وَإِسْهَالٌ مُتَوَاتِرٌ، وَدِقٌّ، وَابْتِدَاءُ فَالِجٍ، وَخُرُوجُ طَعَامٍ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ، أَوْ كَانَ يَخْرُجُ بِشِدَّةٍ وَوَجَعٍ، أَوْ وَمَعَهُ دَمٌ، وَحُمَّى مُطْبِقَةٌ، أَوْ غَيْرُهَا إِلَّا الرِّبْعَ. وَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالمَخُوفِ: أَسْرُ كُفَّارٍ اعْتَادُوا قَتْلَ الْأَسْرَى، وَالْتِحَامُ قِتَالٍ بَيْنَ مُتَكَافِئَيْنِ، وَتَقْدِيمٌ لِقِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ، وَاضْطِرَابُ رِيحٍ، وَهَيَجَانُ مَوْجٍ فِي رَاكِبِ سَفِينَةٍ، وَطَلْقُ حَامِلٍ، وَبَعْدَ الْوَضْعِ مَا لَمْ تَنْفَصِلِ المَشِيمَةُ. وَصِيغَتُهَا: (أَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا) أَوِ (ادْفَعُوا إِلَيْهِ) أَوْ (أَعْطُوهُ بَعْدَ مَوْتِي) أَوْ (جَعَلْتُهُ لَهُ) أَوْ (هُوَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي)، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: (هُوَ لَهُ) فَإِقْرَارٌ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: (هُوَ لَهُ مِنْ مَالِي) فَيَكُونُ وَصِيَّةً. وَتَنْعَقِدُ بِكِنَايَةٍ، وَالْكِتَابَةُ كِنَايَةٌ. وَإِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ لَزِمَتْ بِالمَوْتِ بَلَا قَبُولٍ، أَوْ لِمُعَيَّنٍ اشْتُرِطَ الْقَبُولُ. وَلَا يَصِحُّ قَبُولٌ وَلَا رَدٌّ فِي حَيَاةِ المُوصِي، وَلَا يُشْتَرَطُ بَعْدَ مَوْتِهِ الْفَوْرُ. فَإِنْ مَاتَ المُوصَى لَهُ قَبْلَهُ بَطَلَتْ، أَوْ بَعْدَهُ فَيَقْبَلُ وَارِثُهُ. وَهَلْ يَمْلِكُ المُوصَى لَهُ بِمَوْتِ المُوصِي، أَمْ بِقَبُولِهِ، أَمْ مَوْقُوفٌ فَإِنْ قَبِلَ بَانَ أَنَّهُ مَلَكَ بِالمَوْتِ، وَإِلَّا بَانَ لِلْوَارِثِ؟ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا الثَّالِثُ، وَعَلَيْهَا تُبْنَى الثَّمَرَةُ وَكَسْبُ عَبْدٍ حَصَلَا بَيْنَ المَوْتِ وَالْقَبُولِ، وَنَفَقَتُهُ وَفِطْرَتُهُ، وَنُطَالِبُ المُوصَى لَهُ بِالنَّفَقَةِ إِنْ تَوَقَّفَ فِي قَبُولِهِ وَرَدِّهِ.

فَصْلٌ

أَوْصَى بِشَاةٍ تَنَاوَلَ صَغِيرَةَ الجُثَّةِ وَكَبِيرَتَهَا، سَلِيمَةً وَمَعِيبَةً، ضَأْنًا وَمَعْزًا، وَكَذَا ذَكَرٌ فِي الْأَصَحِّ، لَا سَخْلَةٌ وَعَنَاقٌ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (أَعْطُوهُ شَاةً مِنْ غَنَمِي) وَلَا غَنَمَ لَهُ لَغَتْ، وَإِنْ قَالَ: (مِنْ مَالِي) اشْتُرِيَتْ لَهُ. وَالجَمَلُ وَالنَّاقَةُ يَتَنَاوَلَانِ الْبَخَاتِيَّ وَالْعِرَابَ، لَا أَحَدُهُمَا الْآخَرَ. وَالْأَصَحُّ: تَنَاوُلُ بَعِيرٍ نَاقَةً، لَا بَقَرَةٍ ثَوْرًا، وَالثَّوْرُ لِلذَّكَرِ. وَالمَذْهَبُ: حَمْلُ الدَّابَّةِ عَلَى فَرَسٍ وَبَغْلٍ وَحِمَارٍ. وَيَتَنَاوَلُ الرَّقِيقُ: صَغِيرًا وَأُنْثَى وَمَعِيبًا وَكَافِرًا وَعُكُوسَهَا. وَقِيلَ: إِنْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ وَجَبَ المُجْزِئُ كَفَّارَةً. وَلَوْ أَوْصَى بِأَحَدِ رَقِيقِهِ فَمَاتُوا أَوْ قُتِلُوا قَبْلَ مَوْتِهِ بَطَلَتْ، وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ، أَوْ بِإِعْتَاقِ رِقَابٍ فَثَلَاثٌ، فَإِنْ عَجَزَ ثُلُثُهُ عَنْهُنَّ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى شِقْصٌ بَلْ نَفِيسَتَانِ بِهِ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَنْفَسِ رَقَبَتَيْنِ شَيْءٌ فَلِلْوَرَثَةِ. وَلَوْ قَالَ: ثُلُثِي لِلْعِتْقِ اشْتُرِيَ شِقْصٌ. وَلَوْ وَصَّى لِحَمْلِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدَيْنِ فَلَهُمَا، أَوْ بِحَيٍّ وَمَيِّتٍ فَكُلُّهُ لِلْحَيِّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ حَمْلُكِ ذَكَرًا أَوْ قَالَ: أُنْثَى فَلَهُ كَذَا)، فَوَلَدَتْهُمَا لَغَتْ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ بِبَطْنِهَا ذَكَرٌ) فَوَلَدَتْهُمَا اسْتَحَقَّ الذَّكَرُ، أَوْ وَلَدَتْ ذَكَرَيْنِ فَالْأَصَحُّ: صِحَّتُهَا وَيُعْطِيهِ الْوَارِثُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. وَلَوْ وَصَّى لِجِيرَانِهِ فَلِأَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَالْعُلَمَاءُ: أَصْحَابُ عُلُومِ الشَّرْعِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَفِقْهٍ، لَا مُقْرِئٌ وَأَدِيبٌ وَمُعَبِّرٌ وَطَبِيبٌ، وَكَذَا مُتَكَلِّمٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَيَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ الْفُقَرَاءِ المَسَاكِينُ وَعَكْسُهُ، وَلَوْ جَمَعَهُمَا شُرِّكَ نِصْفَيْنِ، وَأَقَلُّ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةٌ، وَلَهُ التَّفْضِيلُ. أَوْ لِزَيْدٍ وَالْفُقَرَاءِ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَأَحَدِهِمْ فِي جَوَازِ إِعْطَائِهِ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ، لَكِنْ لَا يُحْرَمُ. أَوْ لِجَمْعٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مُنْحَصِرٍ كَالْعَلَوِيَّةِ صَحَّتْ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ. أَوْ لِأَقَارِبِ زَيْدٍ دَخَلَ كُلُّ قَرَابَةٍ وَإِنْ بَعُدَ، إِلَّا أَصْلًا وَفَرْعًا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا تَدْخُلُ قَرَابَةُ أُمٍّ فِي وَصِيَّةِ الْعَرَبِ فِي الْأَصَحِّ، وَالْعِبْرَةُ بِأَقْرَبِ جَدٍّ يُنْسَبُ إِلَيْهِ زَيْدٌ، وَتُعَدُّ أَوْلَادُهُ قَبِيلَةً. وَيَدْخُلُ فِي أَقْرَبِ أَقَارِبِهِ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ. وَالْأَصَحُّ: تَقْدِيمُ ابْنٍ عَلَى أَبٍ، وَأَخٍ عَلَى جَدٍّ، وَلَا يُرَجَّحُ بِذُكُورَةٍ وَوِرَاثَةٍ، بَلْ يَسْتَوِي الْأَبُ وَالْأُمُّ، وَالِابْنُ وَالْبِنْتُ، وَيُقَدَّمُ ابْنُ الْبِنْتِ عَلَى ابْنِ ابْنِ الِابْنِ. وَلَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِ نَفْسِهِ لَمْ تَدْخُلْ وَرَثَتُهُ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

تَصِحُّ بِمَنَافِعِ عَبْدٍ وَدَارٍ وَغَلَّةِ حَانُوتٍ، وَيَمْلِكُ المُوصَى لَهُ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ، وَأَكْسَابَهُ المُعْتَادَةَ، وَكَذَا مَهْرُهَا فِي الْأَصَحِّ، لَا وَلَدُهَا فِي الْأَصَحِّ، بَلْ هُوَ كَالْأُمِّ مَنْفَعَتُهُ لَهُ، وَرَقَبَتُهُ لِلْوَارِثِ، وَلَهُ إِعْتَاقُهُ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً، وَكَذَا أَبَدًا فِي الْأَصَحِّ، وَبَيْعُهُ إِنْ لَمْ يُؤَبَّدْ كَالمُسْتَأْجَرِ، وَإِنْ أَبَّدَ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْمُوصَى لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْعَبْدِ كُلُّهَا مِنَ الثُّلُثِ إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا، وَإِنْ أَوْصَى بِهَا مُدَّةً قُوِّمَ بِمَنْفَعَتِهِ ثُمَّ مَسْلُوبَهَا تِلْكَ المُدَّةَ، وَيُحْسَبُ النَّاقِصُ مِنَ الثُّلُثِ. وَتَصِحُّ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ فِي الْأَظْهَرِ، وَيُحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ أَوِ المِيقَاتِ كَمَا قَيَّدَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَمِنَ الْمِيقَاتِ فِي الْأَصَحِّ. وَحَجَّةُ الْإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِ المَالِ، فَإِنْ أَوْصَى بِهَا مِنْ رَأْسِ المَالِ أَوِ الثُّلُثِ عُمِلَ بِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ بِهَا فَمِنْ رَأْسِ المَالِ، وَقِيلَ: مِنَ الثُّلُثِ. وَيُحَجُّ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَلِلْأَجْنَبِيِّ أَنْ يَحُجَّ عَنِ المَيْتِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَيُؤَدِّي الْوَارِثُ عَنْهُ الْوَاجِبَ المَالِيَّ فِي كَفَّارَةٍ مُرَتَّبَةٍ، وَيُطْعِمُ وَيَكْسُو فِي المُخَيَّرَةِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْتِقُ أَيْضًا، وَأَنَّ لَهُ الْأَدَاءَ مِنْ مَالِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ، وَأَنَّهُ يَقَعُ عَنْهُ لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ، لَا إِعْتَاقٍ فِي الْأَصَحِّ. وَتَنْفَعُ المَيْتَ صَدَقَةٌ وَدُعَاءٌ مِنْ وَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ.

فَصْلٌ

لَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الْوَصِيَّةِ وَعَنْ بَعْضِهَا بِقَوْلِهِ: (نَقَضْتُ الْوَصِيَّةَ) أَوْ (أَبْطَلْتُهَا) أَوْ (رَجَعْتُ فِيهَا) أَوْ (فَسَخْتُهَا) أَوْ (هَذَا لِوَارِثِي). وَبِبَيْعٍ وَإِعْتَاقٍ وَإِصْدَاقٍ، وَكَذَا هِبَةٌ أَوْ رَهْنٌ مَعَ قَبْضٍ، وَكَذَا دُونَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَبِوَصِيَّةٍ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، وَكَذَا تَوْكِيلٌ فِي بَيْعِهِ وَعَرْضِهِ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ. وَخَلْطُ حِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ رُجُوعٌ، وَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَخَلَطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا فَرُجُوعٌ، أَوْ بِمِثْلِهَا فَلَا، وَكَذَا بِأَرْدَأَ فِي الْأَصَحِّ. وَطَحْنُ حِنْطَةٍ وَصَّى بِهَا، وَبَذْرُهَا، وَعَجْنُ دَقِيقٍ، وَغَزْلُ قُطْنٍ، وَنَسْجُ غَزْلٍ، وَقَطْعُ ثَوْبٍ قَمِيصًا، وَبِنَاءٌ وَغِرَاسٌ فِي عَرْصَةٍ رُجُوعٌ.

فَصْلٌ

يُسَنُّ الْإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَتَنْفِيذِ الْوَصَايَا، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ. وَشَرْطُ الْوَصِيِّ: تَكْلِيفٌ، وَحُرِّيَّةٌ، وَعَدَالَةٌ، وَهِدَايَةٌ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي المُوصَى بِهِ، وَإِسْلَامٌ، لَكِنِ الْأَصَحُّ: جَوَازُ وَصِيَّةِ ذِمِّيٍّ إِلَى ذِمِّيٍّ. وَلَا يَضُرُّ الْعَمَى فِي الْأَصَحِّ، وَلَا تُشْتَرَطُ الذُّكُورَةُ، وَأُمُّ الْأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا. وَيَنْعَزِلُ الْوَصِيُّ بِالْفِسْقِ، وَكَذَا الْقَاضِي فِي الْأَصَحِّ، لَا الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ. وَيَصِحُّ الْإِيصَاءُ فِي قَضَاءِ الدَّيْنِ. وَتَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ، وَيُشْتَرَطُ فِي أَمْرِ الْأَطْفَالِ مَعَ هَذَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ. وَلَيْسَ لِوَصِيٍّ إِيصَاءٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ جَازَ لَهُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ إِلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ الْوَصِيُّ) جَازَ. وَلَا يَجُوزُ نَصْبُ وَصِيٍّ وَالجَدُّ حَيٌّ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ، وَلَا الْإِيصَاءُ بِتَزْوِيجِ طِفْلٍ وَبِنْتٍ. وَلَفْظُهُ: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ) أَوْ (فَوَّضْتُ)، وَنَحْوُهُمَا. وَيَجُوزُ فِيهِ التَّوْقِيتُ وَالتَّعْلِيقُ. وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ مَا يُوصِي فِيهِ فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى: (أَوْصَيْتَ إِلَيْكَ) لَغَا وَالْقَبُولُ، وَلَا يَصِحُّ فِي حَيَاتِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَصَّى اثْنَيْنِ لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا إِلَّا إِنْ صَرَّحَ بِهِ. وَلِلْمُوصِي وَالْوَصِيِّ الْعَزْلُ مَتَى شَاءَ. وَإِذَا بَلَغَ الطِّفْلُ وَنَازَعَهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ صُدِّقَ الْوَصِيُّ، أَوْ فِي دَفْعٍ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ صُدِّقَ الْوَلَدُ.

كِتَابُ الْوَدِيعَةِ

مَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَمَنْ قَدَرَ وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَتِهِ كُرِهَ، فَإِنْ وَثِقَ اسْتُحِبَّ. وَشَرْطُهُمَا: شَرْطُ مُوَكِّلٍ وَوَكِيلٍ. وَيُشْتَرَطُ صِيغَةُ المُودِعِ كَاسْتَوْدَعْتُكَ هَذَا، أَوِ اسْتَحْفَظْتُكَ، أَوْ أَنَبْتُكَ فِي حِفْظِهِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا، وَيَكْفِي الْقَبْضُ. وَلَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ مَالًا لَمْ يَقْبَلْهُ، فَإِنْ قَبِلَ ضَمِنَ. وَلَوْ أَوْدَعَ صَبِيًّا مَالًا فَتَلِفَ عِنْدَهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ ضَمِنَ فِي الْأَصَحِّ. وَالمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَصَبِيٍّ. وَتَرْتَفِعُ بِمَوْتِ المُودِعِ أَوِ المُودَعِ وَجُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ. وَلَهُمَا الِاسْتِرْدَادُ وَالرَّدُّ كُلَّ وَقْتٍ. وَأَصْلُهَا: الْأَمَانَةُ، وَقَدْ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِعَوَارِضَ: مِنْهَا: أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ بِلَا إِذْنٍ وَلَا عُذْرٍ، فَيَضْمَنُ، وَقِيلَ: إِنْ أَوْدَعَ الْقَاضِيَ لَمْ يَضْمَنْ. وَإِذَا لَمْ يُزِلْ يَدَهُ عَنْهَا جَازَتِ الِاسْتِعَانَةُ بِمَنْ يَحْمِلُهَا إِلَى الْحِرْزِ أَوْ يَضَعُهَا فِي خِزَانَةٍ مُشْتَرَكَةٍ. وَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا فَلْيَرُدَّ إِلَى المَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ، فَإِنْ فَقَدَهُمَا فَالْقَاضِي، فَإِنْ فَقَدَهُ فَأَمِينٌ. فَإِنْ دَفَنَهَا بِمَوْضِعٍ وَسَافَرَ ضَمِنَ، فَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا أَمِينًا يَسْكُنُ المَوْضِعَ لَمْ يَضْمَنْ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ سَافَرَ بِهَا ضَمِنَ إِلَّا إِذَا وَقَعَ حَرِيقٌ أَوْ غَارَةٌ وَعَجَزَ عَمَّنْ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ كَمَا سَبَقَ. وَالحَرِيقُ وَالْغَارَةُ فِي الْبُقْعَةِ، وَإِشْرَافُ الْحِرْزِ عَلَى الخَرَابِ أَعْذَارٌ كَالسَّفَرِ. وَإِذَا مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا فَلْيَرُدَّهَا إِلَى المَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَإِلَّا فَالحَاكِمِ أَوْ أَمِينٍ، أَوْ يُوصِي بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ، إِلَّا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ بِأَنْ مَاتَ فَجْأَةً. وَمِنْهَا: إِذَا نَقَلَهَا مِنْ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ إِلَى أُخْرَى دُونَهَا فِي الْحِرْزِ ضَمِنَ، وَإِلَّا فَلَا. وَمِنْهَا: أَلَّا يَدْفَعَ مُتْلِفَاتِهَا، فَلَوْ أَوْدَعَهُ دَابَّةً فَتَرَكَ عَلْفَهَا ضَمِنَ، فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنْ أَعْطَاهُ المَالِكُ عَلَفًا عَلَفَهَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَيُرَاجِعُهُ أَوْ وَكِيلَهُ، فَإِنْ فُقِدَا فَالحَاكِمَ، وَلَوْ بَعَثَهَا مَعَ مَنْ يَسْقِيهَا لَمْ يَضْمَنْ فِي الْأَصَحِّ. وَعَلَى المُودَعِ تَعْرِيضُ ثِيَابِ الصُّوفِ لِلرِّيحِ كَيْلَا يُفْسِدَهَا الدُّودُ، وَكَذَا لُبْسُهَا عِنْدَ حَاجَتِهَا. وَمِنْهَا: أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الْحِفْظِ المَأْمُورِ بِهِ وَتَلِفَتْ بِسَبَبِ الْعُدُولِ فَيَضْمَنُ، فَلَوْ قَالَ: (لَا تَرْقُدْ عَلَى الصُّنْدُوقِ) فَرَقَدَ وَانْكَسَرَ بِثِقَلِهِ وَتَلِفَ مَا فِيهِ ضَمِنَ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِهِ فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا تُقْفِلْ عَلَيْهِ قُفْلَيْنِ فَأَقْفَلَهُمَا. وَلَوْ قَالَ: (ارْبِطِ الدَّرَاهِمَ فِي كُمِّكَ) فَأَمْسَكَهَا فِي يَدِهِ فَتَلِفَتْ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهَا إِنْ ضَاعَتْ بِنَوْمٍ وَنِسْيَانٍ ضَمِنَ، أَوْ بِأَخْذِ غَاصِبٍ فَلَا، وَلَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ بَدَلًا عَنِ الرَّبْطِ فِي الْكُمِّ لَمْ يَضْمَنْ، وَبِالْعَكْسِ يَضْمَنُ. وَلَوْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ بِالسُّوقِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الْحِفْظِ فَرَبَطَهَا فِي كُمِّهِ وَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ أَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ إِنْ أَخَذَهَا غَاصِبٌ، وَيَضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ بِغَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ، وَإِنْ قَالَ: (احْفَظْهَا فِي الْبَيْتِ) فَلْيَمْضِ إِلَيْهِ وَيُحْرِزْهَا فِيهِ، فَإِنْ أَخَّرَ بَلَا عُذْرٍ ضَمِنَ. وَمِنْهَا: أَنْ يُضَيِّعَهَا بِأَنْ يَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزٍ مِثْلِهَا، أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهَا سَارِقًا أَوْ مَنْ يُصَادِرُ المَالِكَ. فَلَوْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ حَتَّى سَلَّمَهَا إِلَيْهِ فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ فِي الْأَصَحِّ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الظَّالِمِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا بِأَنْ يَلْبَسَ أَوْ يَرْكَبَ خِيَانَةً، أَوْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ لِيَلْبَسَهُ أَوِ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا فَيَضْمَنَ. وَلَوْ نَوَى الْأَخْذَ وَلَمْ يَأْخُذْ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ خَلَطَهَا بِمَالِهِ وَلَمْ تَتَمَيَّزْ ضَمِنَ. وَلَوْ خَلَطَ دَرَاهِمَ كِيسَيْنِ لِلْمُودِعِ ضَمِنَ فِي الْأَصَحِّ. وَمَتَى صَارَتْ مَضْمُونَةً بِانْتِفَاعٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ تَرَكَ الْخِيَانَةَ لَمْ يَبْرَأْ، فَإِنْ أَحْدَثَ لَهُ المَالِكُ اسْتِئْمَانًا بَرِئَ فِي الْأَصَحِّ. وَمَتَى طَلَبَهَا المَالِكُ لَزِمَهُ الرَّدُّ بِأَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَإِنْ أَخَّرَ بَلَا عُذْرٍ ضَمِنَ. وَإِنِ ادَّعَى تَلَفَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبًا، أَوْ ذَكَرَ خَفِيًّا كَسَرِقَةٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ ذَكَرَ ظَاهِرًا كَحَرِيقٍ فَإِنْ عُرِفَ الحَرِيقُ وَعُمُومُهُ صُدِّقَ بَلَا يَمِينٍ، وَإِنْ عُرِفَ دُونَ عُمُومِهِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ جُهِلَ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ، ثُمَّ يُحَلَّفُ عَلَى التَّلَفِ بِهِ. وَإِنِ ادَّعَى رَدَّهَا عَلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ عَلَى غَيْرِهِ كَوَارِثِهِ، أَوِ ادَّعَى وَارِثُ المُودَعِ الرَّدَّ عَلَى المَالِكِ، أَوْ أَوْدَعَ عِنْدَ سَفَرِهِ أَمِينًا فَادَّعَى الْأَمِينُ الرَّدَّ عَلَى المَالِكِ طُولِبَ بِبَيِّنَةٍ. وَجُحُودُهَا بَعْدَ طَلَبِ المَالِكِ مُضَمِّنٌ.

كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ

الْفَيْءُ: مَالٌ حَصَلَ مِنْ كُفَّارٍ بَلَا قِتَالٍ وَإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ كَجِزْيَةٍ، وَعُشْرِ تِجَارَةٍ، وَمَا جَلَوْا عَنْهُ خَوْفًا، وَمَالِ مُرْتَدٍّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ، وَذِمِّيٍّ مَاتَ بَلَا وَارِثٍ فَيُخَمَّسُ، وَخُمُسُهُ لِخَمْسَةٍ: أَحَدُهَا: مَصَالِحُ المُسْلِمِينَ كَالثُّغُورِ وَالْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ، يُقَدَّمُ الْأَهَمُّ. وَالثَّانِي: بَنُو هَاشِمٍ وَالمُطَّلِبِ يَشْتَرِكُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالنِّسَاءُ، وَيُفَضَّلُ الذَّكَرُ كَالْإِرْثِ. وَالثَّالِثُ: الْيَتَامَى، وَهُوَ: صَغِيرٌ لَا أَبَ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ فَقْرُهُ عَلَى المَشْهُورِ. وَالرَّابِعُ وَالخَامِسُ: المَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيلِ. وَيَعُمُّ الْأَصْنَافَ الْأَرْبَعَةَ المُتَأَخِّرَةَ، وَقِيلَ: يُخَصُّ بِالحَاصِلِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ فِيهَا مِنْهُمْ. وَأَمَّا الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ وَهُمُ: الْأَجْنَادُ المُرْصَدُونَ لِلْجِهَادِ فَيَضَعُ الْإِمَامُ دِيوَانًا، وَيَنْصِبُ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ عَرِيفًا، وَيَبْحَثُ عَنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ وَعِيَالِهِ وَمَا يَكْفِيهِمْ، فَيُعْطِيهِ كِفَايَتَهُمْ. وَيُقَدِّمُ فِي إِثْبَاتِ الِاسْمِ وَالْإِعْطَاءِ قُرَيْشًا –وَهُمْ: وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَيُقَدِّمُ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ وَالمُطَّلِبِ ثُمَّ عَبْدِ شَمْسٍ ثُمَّ نَوْفَلٍ ثُمَّ عَبْدِ الْعُزَّى ثُمَّ سَائِرَ الْبُطُونِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ الْأَنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ الْعَرَبِ، ثُمَّ الْعَجَمَ. وَلَا يُثْبِتُ فِي الدِّيوَانِ أَعْمَى وَلَا زَمِنًا وَلَا مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ. وَلَوْ مَرِضَ بَعْضُهُمْ أَوْ جُنَّ وَرُجِيَ زَوَالُهُ أُعْطِيَ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُعْطَى، وَكَذَا زَوْجَتُهُ وَأَوْلَادُهُ إِذَا مَاتَ فَتُعْطَى الزَّوْجَةُ حَتَّى تَنْكِحَ، وَالْأَوْلَادُ حَتَّى يَسْتَقِلُّوا. فَإِنْ فَضَلَتِ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ عَنْ حَاجَاتِ المُرْتَزِقَةِ وُزِّعَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مُؤْنَتِهِمْ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ بَعْضُهُ فِي إِصْلَاحِ الثُّغُورِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ. هَذَا حُكْمُ مَنْقُولِ الْفَيْءِ، فَأَمَّا عَقَارُهُ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُجْعَلُ وَقْفًا، وَتُقْسَمُ غَلَّتُهُ كَذَلِكَ.

فَصْلٌ

الْغَنِيمَةُ: مَالٌ حَصَلَ مِنْ كُفَّارٍ بِقِتَالٍ وَإِيجَافٍ. فَيُقَدَّمُ مِنْهُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ وَهُوَ: ثِيَابُ الْقَتِيلِ وَالخُفُّ وَالرَّانُ، وَآلَاتُ الحَرْبِ كَدِرْعٍ وَسِلَاحٍ، وَمَرْكُوبٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ، وَكَذَا سِوَارٌ وَمِنْطَقَةٌ وَخَاتَمٌ، وَنَفَقَةٌ مَعَهُ، وَجَنِيبَةٌ تُقَادُ مَعَهُ فِي الْأَظْهَرِ، لَا حَقِيبَةٌ مَشْدُودَةٌ عَلَى الْفَرَسِ عَلَى المَذْهَبِ. وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِرُكُوبِ غَرَرٍ يَكْفِي بِهِ شَرَّ كَافِرٍ فِي حَالِ الحَرْبِ، فَلَوْ رَمَى مِنْ حِصْنٍ أَوْ مِنَ الصَّفِّ أَوْ قَتَلَ نَائِمًا أَوْ أَسِيرًا أَوْ قَتَلَهُ وَقَدِ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ فَلَا سَلَبَ. وَكِفَايَةُ شَرِّهِ: أَنْ يُزِيلَ امْتِنَاعَهُ بِأَنْ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ عَلَى المَشْهُورِ. وَبَعْدَ السَّلَبِ تُخْرَجُ مُؤْنَةُ الْحِفْظِ وَالنَّقْلِ وَغَيْرِهِمَا ثُمَّ يُخَمَّسُ الْبَاقِي: فَخُمُسُهُ لِأَهْلِ خُمُسِ الْفَيْءِ يُقَسَّمُ كَمَا سَبَقَ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ النَّفَلَ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الخُمُسِ المُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ إِنْ نَفَلَ مِمَّا سَيُغْنَمُ فِي هَذَا الْقِتَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ مَالِ المَصَالِحِ الحَاصِلِ عِنْدَهُ وَالنَّفَلُ: زِيَادَةٌ يَشْترِطُهَا الْإِمَامُ أَوِ الْأَمِيرُ لِمَنْ يَفْعَلُ مَا فِيهِ نِكَايَةً فِي الْكُفَّارِ، وَيَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ. وَالْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ عَقَارُهَا وَمَنْقُولُهَا لِلْغَانِمِينَ وَهُمْ: مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ بِنِيَّةِ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ. وَلَا شَيْءَ لِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، وَفِيمَا قَبْلَ حِيَازَةِ المَالِ وَجْهٌ. وَلَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ وَالْحِيَازَةِ فَحَقُّهُ لِوَارِثِهِ، وَكَذَا بَعْدَ الِانْقِضَاءِ، وَقَبْلَ الْحِيَازَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ فِي الْقِتَالِ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الْأَجِيرَ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ وَحِفْظِ الْأَمْتِعَةِ، وَالتَّاجِرَ وَالمُحْتَرِفَ يُسْهَمُ لَهُمْ إِذَا قَاتَلُوا. وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثَةٌ. وَلَا يُعْطَى إِلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لَا لِبَعِيرٍ وَغَيْرِهِ. وَلَا يُعْطَى لِفَرَسٍ أَعْجَفَ، وَمَا لَا غَنَاءَ فِيهِ. وَفِي قَوْلٍ: يُعْطَى إِنْ لَمْ يُعْلَمْ نَهْيُ الْأَمِيرِ عَنْ إِحْضَارِهِ. وَالْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ وَالمَرْأَةُ وَالذِّمِّيُّ إِذَا حَضَرُوا فَلَهُمُ الرَّضْخُ وَهُوَ: دُونَ سَهْمٍ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي قَدْرِهِ. وَمَحَلُّهُ: الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: إِنَّمَا يُرْضَخُ لِذِمِّيٍّ حَضَرَ بَلَا أُجْرَةٍ، وَبِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ

الْفَقِيرُ: مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ حَاجَتِهِ، وَلَا يَمْنَعُ الْفَقْرَ مَسْكَنُهُ وَثِيَابُهُ، وَمَالُهُ الْغَائِبُ فِي مَرْحَلَتَيْنِ، وَالمُؤَجَّلُ، وَكَسْبٌ لَا يَلِيقُ بِهِ. وَلَوِ اشْتَغَلَ بِعِلْمٍ وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ فَفَقِيرٌ ، وَلَوِ اشْتَغَلَ بِالنَّوَافِلِ فَلَا. وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الزَّمَانَةُ وَلَا التَّعَفُّفُ عَنِ المَسْأَلَةِ عَلَى الجَدِيدِ. وَالمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ أَوْ زَوْجٍ لَيْسَ فَقِيرًا فِي الْأَصَحِّ. وَالْمِسْكِينُ: مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلَا يَكْفِيهِ. وَالْعَامِلُ: سَاعٍ، وَكَاتِبٌ، وَقَاسِمٌ، وَحَاشِرٌ، يَجْمَعُ ذَوِي الْأَمْوَالِ، لَا الْقَاضِي وَالْوَالِي. وَالمُؤَلَّفَةُ: مَنْ أَسْلَمَ وَنِيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ، أَوْ لَهُ شَرَفٌ يُتَوَقَّعُ بِإِعْطَائِهِ إِسْلَامُ غَيْرِهِ، وَالمَذْهَبُ: أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ. وَالرِّقَابُ: المُكَاتَبُونَ. وَالْغَارِمُ: إِنِ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ أُعْطِيَ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: يُعْطَى إِذَا تَابَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ حَاجَتِهِ دُونَ حُلُولِ الدَّيْنِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ حُلُولِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. أَوْ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ أُعْطِيَ مَعَ الْغِنَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ فَلَا. وَسَبِيلُ اللهِ تَعَالَى: غُزَاةٌ لَا فَيْءَ لَهُمْ، فَيُعْطَوْنَ مَعَ الْغِنَى. وَابْنُ السَّبِيلُ: مُنْشِئُ سَفَرٍ أَوْ مُجْتَازٌ، وَشَرْطُهُ: الحَاجَةُ وَعَدَمُ المَعْصِيَةِ. وَشَرْطُ آخِذِ الزَّكَاةِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ: الْإِسْلَامُ وَأَلَّا يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا، وَكَذَا مَوْلَاهُمْ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

مَنْ طَلَبَ زَكَاةً وَعَلِمَ الْإِمَامُ اسْتِحْقَاقَهُ أَوْ عَدَمَهُ عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَإِلَّا فَإِنِ ادَّعَى فَقْرًا أَوْ مَسْكَنَةً لَمْ يُكَلَّفْ بَيِّنَةً، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ وَادَّعَى تَلَفَهُ كُلِّفَ، وَكَذَا إِنِ ادَّعَى عِيَالًا فِي الْأَصَحِّ. وَيُعْطَى غَازٍ وَابْنُ سَبِيلٍ بِقَوْلِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا اسْتُرِدَّ، وَيُطَالَبُ عَامِلٌ وَمُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ بِبَيِّنَةٍ، وَهِيَ: إِخْبَارُ عَدْلَيْنِ، وَيُغْنِي عَنْهَا الِاسْتِفَاضَةُ، وَكَذَا تَصْدِيقُ رَبِّ الدَّيْنِ وَالسَّيِّدِ فِي الْأَصَحِّ. وَيُعْطَى: الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ كِفَايَةَ سَنَةٍ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ المَنْصُوصُ، وَقَوْلُ الجُمْهُورِ: كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ، فَيَشْتَرِي بِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ: قَدْرَ دَيْنِهِ. وَابْنُ السَّبِيلِ: مَا يُوصِلُهُ مَقْصِدَهُ أَوْ مَوْضِعَ مَالِهِ. وَالْغَازِي: قَدْرَ حَاجَتِهِ لِنَفَقَةٍ وَكِسْوَةِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَمُقِيمًا هُنَاكَ وَفَرَسًا وَسِلَاحًا، وَيَصِيرُ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ، وَيُهَيَّأُ لَهُ وَلِابْنِ السَّبِيلِ مَرْكُوبٌ إِنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ كَانَ ضَعِيفًا لَا يُطِيقُ المَشْيَ، وَمَا يَنْقُلُ عَلَيْهِ الزَّادَ وَمَتَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يَعْتَادُ مِثْلُهُ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ. وَمَنْ فِيهِ صِفَتَا اسْتِحْقَاقٍ يُعْطَى بِإِحْدَاهُمَا فَقَطْ فِي الْأَظْهَرِ.

فَصْلٌ

يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ إِنْ قَسَّمَ الْإِمَامُ وَهُنَاكَ عَامِلٌ، وَإِلَّا فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةٍ، فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ فَعَلَى المَوْجُودِينَ. وَإِذَا قَسَّمَ الْإِمَامُ اسْتَوْعَبَ مِنَ الزَّكَوَاتِ الحَاصِلَةِ عِنْدَهُ آحَادَ كُلِّ صِنْفٍ. وَكَذَا يَسْتَوْعِبُ المَالِكُ إِنِ انْحَصَرَ المُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ وَوَفَى بِهِمُ المَالُ، وَإِلَّا فَيَجِبُ إِعْطَاءُ ثَلَاثَةٍ. وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَصْنَافِ، لَا بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ، إِلَّا أَنْ يُقَسِّمَ الْإِمَامُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ مَعَ تَسَاوِي الحَاجَاتِ. وَالْأَظْهَرُ: مَنْعُ نَقْلِ الزَّكَاةِ. وَلَوْ عُدِمَ الْأَصْنَافُ فِي الْبَلَدِ وَجَبَ النَّقْلُ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ وَجَبَ، وَإِلَّا فَيُرَدُّ عَلَى الْبَاقِينَ، وَقِيلَ: يُنْقَلُ. وَشَرْطُ السَّاعِي: كَوْنُهُ حُرًّا، عَدْلًا، فَقِيهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ عُيِّنَ لَهُ أَخْذٌ وَدَفْعٌ لَمْ يُشْتَرَطِ الْفِقْهُ. وَلْيُعْلِمْ شَهْرًا لِأَخْذِهَا. وَيُسَنُّ وَسْمُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكْثُرُ شَعْرُهُ، وَيُكْرَهُ فِي الْوَجْهِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ يَحْرُمُ، وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ، وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» لَعْنُ فَاعِلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ سُنَّةٌ، وَتَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَكَافِرٍ، وَدَفْعُهَا سِرًّا، وَفِي رَمَضَانَ وَلِقَرِيبٍ وَجَارٍ أَفْضَلُ. وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يُسْتَحَبُّ أَلَّا يَتَصَدَّقَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: تَحْرِيمُ صَدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أَوْ لِدَيْنٍ لَا يَرْجُو لَهُ وَفَاءً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ اسْتُحِبَّ، وَإِلَّا فَلَا.

كِتَابُ النِّكَاحِ

هُوَ مُسْتَحَبُّ لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهِ يَجِدُ أُهْبَتَهُ، فَإِنْ فَقَدَهَا اسْتُحِبَّ تَرْكُهُ، وَيَكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ. فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ كُرِهَ إِنْ فَقَدَ الْأُهْبَةَ، وَإِلَّا فَلَا، لَكِنِ الْعِبَادَةُ أَفْضَلُ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ فَالنِّكَاحُ أَفْضَلُ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ الْأُهْبَةَ وَبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ دَائِمٍ أَوْ تَعْنِينٍ كُرِهَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُسْتَحَبُّ دَيِّنَةٌ بِكْرٌ نَسِيبَةٌ لَيْسَتْ قَرَابَةً قَرِيبَةً. وَإِذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا سُنَّ نَظَرُهُ إِلَيْهَا قَبْلَ الْخِطْبَةِ وَإِنْ لَمْ تَأْذَنْ، وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ، وَلَا يَنْظُرُ غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إِلَى عَوْرَةِ حُرَّةٍ كَبِيرَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، وَكَذَا وَجْهُهَا وَكَفُّهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ، وَكَذَا عَنْدَ الْأَمْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَنْظُرُ مِنْ مَحْرَمِهِ بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، وَيَحِلُّ مَا سِوَاهُ، وَقِيلَ: مَا يَبْدُو فِي الْمِهْنَةِ فَقَطْ. وَالْأَصَحُّ: حِلُّ النَّظَرِ بِلَا شَهْوَةٍ إِلَى الْأَمَةِ إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، وَإِلَى صَغِيرَةٍ إِلَّا الْفَرْجَ. وَأَنَّ نَظَرَ الْعَبْدِ إِلَى سَيِّدَتِهِ وَنَظَرَ مَمْسُوحٍ كَالنَّظَرِ إِلَى مَحْرَمٍ. وَأَنَّ المُرَاهِقَ كَالْبَالِغِ. وَيَحِلُّ نَظَرُ رَجُلٍ إِلَى رَجُلٍ إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ. وَيَحْرُمُ نَظَرُ أَمْرَدَ بِشَهْوَةٍ. قُلْتُ: وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الْأَصَحِّ المَنْصُوصِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ: أَنَّ الْأَمَةَ كَالحُرَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالمَرْأَةُ مَعَ امْرَأَةٍ كَرَجُلٍ وَرَجُلٍ، وَالْأَصَحُّ: تَحْرِيمُ نَظَرِ ذِمِّيَّةٍ إِلَى مُسْلِمَةٍ، وَجَوَازُ نَظَرِ المَرْأَةِ إِلَى بَدَنِ أَجْنَبِيٍّ سِوَى مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ إِنْ لَمْ تَخَفْ فِتْنَةً. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: التَّحْرِيمُ كَهُوَ إِلَيْهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَنَظَرُهَا إِلَى مَحْرَمِهَا كَعَكْسِهِ. وَمَتَى حَرُمَ النَّظَرُ حَرُمَ المَسُّ، وَمُبَاحَانِ لِفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلَاجٍ. قُلْتُ: وَيُبَاحُ النَّظَرُ لِمُعَامَلَةٍ وَشَهَادَةٍ وَتَعْلِيمٍ وَنَحْوِهَا بِقَدْرِ الحَاجَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلِلزَّوْجِ النَّظَرُ إِلَى كُلِّ بَدَنِهَا.

فَصْلٌ

تَحِلُّ خِطْبَةُ خَلِيَّةٍ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ، لَا تَصْرِيحٌ لِمُعْتَدَّةٍ، وَلَا تَعْرِيضٌ لِرَجْعِيَّةٍ، وَيَحِلُّ تَعْرِيضٌ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، وَكَذَا لِبَائِنٍ فِي الْأَظْهَرِ. وَتَحْرُمُ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةِ مَنْ صُرِّحَ بِإِجَابَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجَبْ وَلَمْ يُرَدَّ لَمْ تَحْرُمْ فِي الْأَظْهَرِ. وَمَنِ اسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ بِصِدْقٍ. وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ خُطْبَةٍ قَبْلَ الْخِطْبَةِ وَقَبْلَ الْعَقْدِ. وَلَوْ خَطَبَ الْوَلِيُّ، فَقَالَ الزَّوْجُ: (الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَبِلْتُ) صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ طَالَ الذِّكْرُ الْفَاصِلُ لَمْ يَصِحَّ.

فَصْلٌ

إِنَّمَا يَصِحُّ النِّكَاحُ بِإِيجَابٍ وَهُوَ (زَوَّجْتُكَ) أَوْ (أَنْكَحْتُكَ)، وَقَبُولٍ بِأَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: (تَزَوَّجْتُ) أَوْ (نَكَحْتُ) أَوْ (قَبِلْتُ نِكَاحَهَا) أَوْ (تَزْوِيجَهَا). وَيَصِحُّ تَقَدُّمُ لَفْظِ الزَّوْجِ عَلَى الْوَلِيِّ. وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوِ الْإِنْكَاحِ. وَيَصِحُّ بِالْعَجَمِيَّةِ فِي الْأَصَحِّ، لَا بِكِنَايَةٍ قَطْعًا. وَلَوْ قَالَ: (زَوَّجْتُكَ)، فَقَالَ: (قَبِلْتُ) لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ قَالَ: (زَوِّجْنِي)، فَقَالَ: (زَوَّجْتُكَ)، أَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: (تَزَوَّجْهَا)، فَقَالَ: (تَزَوَّجْتُ) صَحَّ. وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، وَلَوْ بُشِّرَ بِوَلَدٍ فَقَالَ: (إِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا)، أَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَتْ بِنْتِي طُلِّقَتْ وَاعْتَدَّتْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا) فَالمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ. وَلَا تَوْقِيتُهُ، وَلَا نِكَاحُ الشِّغَارِ وَهُوَ: (زَوَّجْتُكَهَا عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقُ الْأُخْرَى) فَيَقْبَلُ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلِ الْبُضْعَ صَدَاقًا فَالْأَصَحُّ: الصِّحَّةُ، وَلَوْ سَمَّيَا مَالًا مَعَ جَعْلِ الْبُضْعِ صَدَاقًا بَطَلَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ، وَشَرْطُهُمَا: حُرِّيَّةٌ، وَذُكُورَةٌ، وَعَدَالَةٌ، وَسَمْعٌ، وَبَصَرٌ، وَفِي الْأَعْمَى وَجْهٌ. وَالْأَصَحُّ: انْعِقَادُهُ بِابْنَيِ الزَّوْجَيْنِ وَعَدُوَّيْهِمَا. وَيَنْعَقِدُ بِمَسْتُورَيِ الْعَدَالَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، لَا مَسْتُورَيِ الْإِسْلَامِ وَالحُرِّيَّةِ. وَلَوْ بَانَ فِسْقُ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَبَاطِلٌ عَلَى المَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ بِبَيِّنَةٍ أَوِ اتِّفَاقِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ: (كُنَّا فَاسِقَيْنِ). وَلَوِ اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ وَأَنْكَرَتْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ المَهْرِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِلَّا فَكُلُّهُ. وَيُسْتَحَبُّ الْإِشْهَادُ عَلَى رِضَا المَرْأَةِ حَيْثُ يُعْتَبَرُ رِضَاهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ.

فَصْلٌ

لَا تُزَوِّجُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا بِإِذْنٍ، وَلَا غَيْرَهَا بِوَكَالَةٍ، وَلَا تَقْبَلُ نِكَاحًا لِأَحَدٍ. وَالْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ، لَا الحَدَّ. وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْوَلِيِّ بِالنِّكَاحِ إِنِ اسْتَقَلَّ بِالْإِنْشَاءِ، وَإِلَّا فَلَا. وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ بِالنِّكَاحِ عَلَى الجَدِيدِ. وَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ الْبِكْرِ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُهَا، وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ ثَيِّبٍ إِلَّا بِإِذْنِهَا، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَمْ تُزَوَّجْ حَتَّى تَبْلُغَ، وَالجَدُّ كَالْأَبِ عِنْدَ عَدَمِهِ. وَسَوَاءٌ زَالَتِ الْبَكَارَةُ بِوَطْءٍ حَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ، وَلَا أَثَرَ لِزَوَالِهَا بِلَا وَطْءٍ كَسَقْطَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ كَأَخٍ وَعَمٍّ لَا يُزَوِّجُ صَغِيرَةً بِحَالٍ. وَتُزَوَّجُ الثَّيِّبُ الْبَالِغَةُ بِصَرِيحِ الْإِذْنِ، وَيَكْفِي فِي الْبِكْرِ سُكُوتُهَا فِي الْأَصَحِّ. وَالمُعْتِقُ وَالسُّلْطَانُ كَالْأَخِ. وَأَحَقُّ الْأَوْلِيَاءِ: أَبٌ ثُمَّ جَدٌّ ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ أَخٌ لِأَبَوَيْنِ أَوْ لِأَبٍ ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ عَمٌّ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَصَبَةِ كَالْإِرْثِ، وَيُقَدَّمُ أَخٌ لِأَبَوَيْنِ عَلَى أَخٍ لِأَبٍ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَا يُزَوِّجُ ابْنٌ بِبُنُوَّةٍ، فَإِنْ كَانَ ابْنَ ابْنِ عَمٍّ أَوْ مُعْتِقًا أَوْ قَاضِيًا زَوَّجَ بِهِ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نَسِيبٌ زَوَّجَ المُعْتِقُ، ثُمَّ عَصَبَتُهُ كَالْإِرْثِ. وَيُزَوِّجُ عَتِيقَةَ المَرْأَةِ مَنْ يُزَوِّجُ المُعْتِقَةَ مَا دَامَتْ حَيَّةً، وَلَا يُعْتَبَرُ إِذْنُ المُعْتِقَةِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِذَا مَاتَتْ زَوَّجَ مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ، فَإِنْ فُقِدَ المُعْتِقُ وَعَصَبَتُهُ زَوَّجَ السُّلْطَانُ، وَكَذَا يُزَوِّجُ إِذَا عَضَلَ الْقَرِيبُ وَالمُعْتِقُ. وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْعَضْلُ إِذَا دَعَتْ بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ إِلَى كُفْءٍ وَامْتَنَعَ. وَلَوْ عَيَّنَتْ كُفْئًا وَأَرَادَ الْأَبُ غَيْرَهُ فَلَهُ ذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

لَا وِلَايَةَ لِرَقِيقٍ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُخْتَلِّ النَّظَرِ بِهَرَمٍ أَوْ خَبَلٍ، وَكَذَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ عَلَى المَذْهَبِ. وَمَتَى كَانَ الْأَقْرَبُ بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَالْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ. وَالْإِغْمَاءُ إِنْ كَانَ لَا يَدُومُ غَالِبًا انْتُظِرَ إِفَاقَتُهُ، وَإِنْ كَانَ يَدُومُ أَيَّامًا انْتُظِرَ، وَقِيلَ: لِلْأَبْعَدِ. وَلَا يَقْدَحُ الْعَمَى فِي الْأَصَحِّ. وَلَا وِلَايَةَ لِفَاسِقٍ عَلَى المَذْهَبِ، وَيَلِي الْكَافِرُ الْكَافِرَةَ. وَإِحْرَامُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ أَوِ الزَّوْجَةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكَاحِ، وَلَا يَنْقُلُ الْوِلَايَةَ فِي الْأَصَحِّ، فَيُزَوِّجُ السُّلْطَانُ عِنْدَ إِحْرَامِ الْوَلِيِّ، لَا الْأَبْعَدُ. قُلْتُ: وَلَوْ أَحْرَمَ الْوَلِيُّ أَوِ الزَّوْجُ فَعَقَدَ وَكِيلُهُ الحَلَالُ لَمْ يَصِحَّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ غَابَ الْأَقْرَبُ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ زَوَّجَ السُّلْطَانُ، وَدُونَهُمَا لَا يُزَوِّجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلِلْمُجْبِرِ التَّوْكِيلُ فِي التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الزَّوْجِ فِي الْأَظْهَرِ، وَيَحْتَاطُ الْوَكِيلُ فَلَا يُزَوِّجُ غَيْرَ كُفْءٍ. وَغَيْرُ المُجْبِرِ إِنْ قَالَتْ لَهُ: (وَكِّلْ) وَكَّلَ، وَإِنْ نَهَتْهُ فَلَا، وَإِنْ قَالَتْ: (زَوِّجْنِي) فَلَهُ التَّوْكِيلُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ وَكَّلَ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلْيَقُلْ وَكِيلُ الْوَلِيِّ: (زَوَّجْتُكَ بِنْتَ فُلَانٍ)، وَلْيَقُلِ الْوَلِيُّ لِوَكِيلِ الزَّوْجِ: (زَوَّجْتُ بِنْتِي فُلَانًا)، فَيَقُولُ وَكِيلُهُ: (قَبِلْتُ نِكَاحَهَا لَهُ). وَيَلْزَمُ المُجْبِرَ تَزْوِيجُ مَجْنُونَةٍ بَالِغَةٍ وَمَجْنُونٍ ظَهَرَتْ حَاجَتُهُ، لَا صَغِيرَةٍ وَصَغِيرٍ. وَيَلْزَمُ المُجْبِرَ وَغَيْرَهُ إِنْ تَعَيَّنَ إِجَابَةُ مُلْتَمِسَةِ التَّزْوِيجِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَإِخْوَةٍ فَسَأَلَتْ بَعْضَهُمْ لَزِمَهُ الْإِجَابَةُ فِي الْأَصَحِّ. وَإِذَا اجْتَمَعَ أَوْلِيَاءُ فِي دَرَجَةٍ اسْتُحِبَّ أَنْ يُزَوِّجَهَا أَفْقَهُهُمْ وَأَسَنُّهُمْ بِرِضَاهُمْ، فَإِنْ تَشَاحُّوا أُقْرِعَ، فَلَوْ زَوَّجَ غَيْرُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ وَقَدْ أَذِنَتْ لِكُلٍّ مِنْهُمْ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ زَيْدًا وَآخَرُ عَمْرًا، فَإِنْ عُرِفَ السَّابِقُ فَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ وَقَعَا مَعًا أَوْ جُهِلَ السَّبْقُ وَالمَعِيَّةُ فَبَاطِلَانِ، وَكَذَا لَوْ عُرِفَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ سَبَقَ مُعَيَّنٌ ثُمَّ اشْتَبَهَ وَجَبَ التَّوَقُّفُ حَتَّى يَتَبِينَ، فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ زَوْجٍ عِلْمَهَا بِسَبْقِهِ سُمِعَتْ دَعْوَاهُمَا بِنَاءً عَلَى الجَدِيدِ وَهُوَ قَبُولُ إِقْرَارِهَا بِالنِّكَاحِ فَإِنْ أَنْكَرَتْ حُلِّفَتْ، وَإِنْ أَقَرَّتْ لِأَحَدِهِمَا ثَبَتَ نِكَاحُهُ. وَسَمَاعُ دَعْوَى الْآخَرِ وَتَحْلِيفُهَا لَهُ يُبْنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: (هَذَا لِزَيْدٍ بَلْ لِعَمْرٍو)، هَلْ يَغْرَمُ لِعَمْرٍو؟ إِنْ قُلْنَا: «نَعَمْ» فَنَعَمْ. وَلَوْ تَوَلَّى طَرَفَيْ عَقْدٍ فِي تَزْوِيجِ بِنْتِ ابْنِهِ بِابْنِ ابْنِهِ الْآخَرِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يُزَوِّجُ ابْنُ الْعَمِّ نَفْسَهُ بَلْ يُزَوِّجُهُ ابْنُ عَمٍّ فِي دَرَجَتِهِ، فَإِنْ فُقِدَ فَالْقَاضِي. فَلَوْ أَرَادَ الْقَاضِي نِكَاحَ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا زَوَّجَهُ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْوُلَاةِ أَوْ خَلِيفَتُهُ. وَكَمَا لَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ تَوَلِّي الطَّرَفَيْنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا فِي أَحَدِهِمَا، أَوْ وَكِيلَيْنِ فِيهِمَا فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ غَيْرَ كُفْءٍ بِرِضَاهَا، أَوْ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ المُسْتَوِينَ بِرِضَاهَا وَرِضَا الْبَاقِينَ صَحَّ. وَلَوْ زَوَّجَهَا الْأَقْرَبُ بِرِضَاهَا فَلَيْسَ لِلْأَبْعَدِ اعْتِرَاضٌ. وَلَوْ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ بِهِ بِرِضَاهَا دُونَ رِضَاهُمْ لَمْ يَصِحَّ، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ وَلَهُمُ الْفَسْخُ. وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي تَزْوِيجِ الْأَبِ بِكْرًا صَغِيرَةً أَوْ بَالِغَةً غَيْرَ كُفْءٍ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَفِي الْأَظْهَرِ بَاطِلٌ، وَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ وَلِلْبَالِغَةِ الْخِيَارُ، وَلِلصَّغِيرَةِ إِذَا بَلَغَتْ. وَلَوْ طَلَبَتْ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا السُّلْطَانُ بِغَيْرِ كُفْءٍ فَفَعَلَ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَخِصَالُ الْكَفَاءَةِ: سَلَامَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ المُثْبِتَةِ لِلْخِيَارِ. وَحُرِّيَّةٌ، فَالرَّقِيقُ لَيْسَ كُفْئًا لِحُرَّةٍ، وَالْعَتِيقُ لَيْسَ كُفْئًا لِحُرَّةٍ أَصْلِيَّةٍ. وَنَسَبٌ، فَالْعَجَمِيُّ لَيْسَ كُفْءَ عَرَبِيَّةٍ، وَلَا غَيْرُ قُرَشِيٍّ قُرَشِيَّةً، وَلَا غَيْرُ هَاشِمِيٍّ وَمُطَّلِبِيٍّ لَهُمَا. وَالْأَصَحُّ: اعْتِبَارُ النَّسَبِ فِي الْعَجَمِ كَالْعَرَبِ. وَعِفَّةٌ، فَلَيْسَ فَاسِقٌ كُفْءَ عَفِيفَةٍ. وَحِرْفَةٌ، فَصَاحِبُ حِرْفَةٍ دَنِيئَةٍ لَيْسَ كُفْءَ أَرْفَعَ مِنْهُ فَكَنَّاسٌ وَحَجَّامٌ وَحَارِسٌ وَرَاعٍ وَقَيِّمُ حَمَّامٍ لَيْسَ كُفْءَ بِنْتِ خَيَّاطٍ، وَلَا خَيَّاطٌ بِنْتَ تَاجِرٍ أَوْ بَزَّازٍ، وَلَا هُمَا بِنْتَ عَالِمٍ وَقَاضٍ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْيَسَارَ لَا يُعْتَبَرُ، وَأَنَّ بَعْضَ الْخِصَالِ لَا يُقَابَلُ بِبَعْضٍ. وَلَيْسَ لَهُ تَزْوِيجُ ابْنِهِ الصَّغِيرِ أَمَةً، وَكَذَا مَعِيبَةٌ عَلَى المَذْهَبِ، وَيَجُوزُ مَنْ لَا تُكَافِئُهُ بِبَاقِي الْخِصَالِ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

لَا يُزَوَّجُ مَجْنُونٌ صَغِيرٌ، وَكَذَا كَبِيرٌ إِلَّا لِحَاجَةٍ فَوَاحِدَةً. وَلَهُ تَزْوِيجُ صَغِيرٍ عَاقِلٍ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ. وَيُزَوِّجُ المَجْنُونَةَ أَبٌ أَوْ جَدٌّ إِنْ ظَهَرَتْ مَصْلَحَةٌ، وَلَا تُشْتَرَطُ الحَاجَةُ، وَسَوَاءٌ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ، ثَيِّبٌ وَبِكْرٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ وَ جَدٌّ لَمْ تُزَوَّجْ فِي صِغَرِهَا، فَإِنْ بَلَغَتْ زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ فِي الْأَصَحِّ لِلْحَاجَةِ، لَا لِمَصْلَحَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنِكَاحٍ، بَلْ يَنْكِحُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ أَوْ يَقْبَلُ لَهُ الْوَلِيُّ. فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَعَيَّنَ امْرَأَةً لَمْ يَنْكِحْ غَيْرَهَا، وَيَنْكِحُهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ فَالمَشْهُورُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مِنَ الْمُسَمَّى. وَلَوْ قَالَ: (انْكِحْ بِأَلْفٍ) وَلَمْ يُعَيِّنِ امْرَأَةً نَكَحَ بِالْأَقَلِّ مِنْ أَلْفٍ وَمَهْرِ مِثْلِهَا. وَلَوْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ فَالْأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَيَنْكِحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ مَنْ تَلِيقُ بِهِ. وَإِنْ قَبِلَ لَهُ وَلِيُّهُ اشْتُرِطَ إِذْنُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَيَقْبَلُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَأَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ صَحَّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ: يَبْطُلُ. وَلَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِلَا إِذْنٍ فَبَاطِلٌ، فَإِنْ وَطِئَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ: مَهْرُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: أَقَلُّ مُتَمَوَّلٍ. وَمَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ يَصِحُّ نِكَاحُهُ، وَمُؤَنُ النِّكَاحِ فِي كَسْبِهِ، لَا فِيمَا مَعَهُ. وَنِكَاحُ عَبْدٍ بِلَا إِذْنِ سَيِّدِهِ بَاطِلٌ، وَبِإِذْنِهِ صَحِيحٌ، وَلَهُ إِطْلَاقُ الْإِذْنِ، وَلَهُ تَقْيِيدُهُ بِامْرَأَةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ أَوْ بَلَدٍ، وَلَا يَعْدِلُ عَمَّا أُذِنَ فِيهِ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُ عَبْدِهِ عَلَى النِّكَاحِ وَلَا عَكْسُهُ. وَلَهُ إِجْبَارُ أَمَتِهِ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ، فَإِنْ طَلَبَتْ لَمْ يَلْزَمْهُ تَزْوِيجُهَا. وَقِيلَ: إِنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ لَزِمَهُ. وَإِذَا زَوَّجَهَا فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ بِالْمِلْكِ لَا بِالْوِلَايَةِ فَيُزَوِّجُ مُسْلِمٌ أَمَتَهُ الْكَافِرَةَ وَفَاسِقٌ وَمُكَاتَبٌ، وَلَا يُزَوِّجُ وَلِيٌّ عَبْدَ صَبِيٍّ، وَيُزَوِّجُ أَمَتَهُ فِي الْأَصَحِّ.

بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنَ النِّكَاحِ

تَحْرُمُ الْأُمَّهَاتُ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدَتْكَ أَوْ وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ فَهِيَ أُمُّكَ، وَالْبَنَاتُ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدْتَهَا أَوْ وَلَدْتَ مَنْ وَلَدَهَا فَبِنْتُكَ. قُلْتُ: وَالمَخْلُوقَةُ مِنْ زِنَاهُ تَحِلُّ لَهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى المَرْأَةِ وَلَدُهَا مِنْ زِنًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْأَخَوَاتُ، وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَالْعَمَّاتُ، وَالخَالَاتُ، وَكُلُّ مَنْ هِيَ أُخْتُ ذَكَرٍ وَلَدَكَ فَعَمَّتُكَ، أَوْ أُخْتُ أُنْثَى وَلَدَتْكَ فَخَالَتُكَ. وَيَحْرُمُ هَؤُلَاءِ السَّبْعُ بِالرَّضَاعِ أَيْضًا. وَكُلُّ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ أَرْضَعَتْ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ مَنْ وَلَدَكَ، أَوْ وَلَدَتْ مُرْضِعَتَكَ، أَوْ ذَا لَبَنِهَا فَأُمُّ رَضَاعٍ، وَقِسِ الْبَاقِيَ. وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْكَ مَنْ أَرْضَعَتْ أَخَاكَ وَنَافِلَتَكَ، وَلَا أُمُّ مُرْضِعَةِ وَلَدِكَ وَبِنْتُهَا، وَلَا أُخْتُ أَخِيكَ مِنْ نَسَبٍ وَلَا رَضَاعٍ، وَهِيَ: أُخْتُ أَخِيكَ لِأَبِيكَ لِأُمِّهِ وَعَكْسُهُ. وَتَحْرُمُ زَوْجَةُ مَنْ وَلَدْتَ أَوْ وَلَدَكَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَأُمَّهَاتُ زَوْجَتِكَ مِنْهُمَا، وَكَذَا بَنَاتُهَا إِنْ دَخَلْتَ بِهَا. وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِمِلْكٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا، وَحَرُمَتْ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، وَكَذَا المَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ فِي حَقِّهِ، قِيلَ: أَوْ حَقِّهَا لَا المَزْنِيُّ بِهَا. وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةً بِشَهْوَةٍ كَوَطْءٍ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوِ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ نَكَحَ مِنْهُنَّ، لَا بِمَحْصُورَاتٍ. وَلَوْ طَرَأَ مُؤَبِّدُ تَحْرِيمٍ عَلَى نِكَاحٍ قَطَعَهُ كَوَطْءِ زَوْجَةِ أَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ بِشُبْهَةٍ. وَيَحْرُمُ جَمْعُ المَرْأَةِ وَأُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا مِنْ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ، فَإِنْ جَمَعَ بِعَقْدٍ بَطَلَ، أَوْ مُرَتِّبًا فَالثَّانِي. وَمَنْ حَرُمَ جَمْعُهُمَا بِنِكَاحٍ حَرُمَ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكٍ، لَا مِلْكُهُمَا، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً حَرُمَتِ الْأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الْأُولَى بِبَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ كِتَابَةٍ لَا حَيْضٍ وَإِحْرَامٍ، وَكَذَا رَهْنٌ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ مَلَكَهَا ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا أَوْ عَكَسَ حَلَّتِ المَنْكُوحَةُ دُونَهَا. وَلِلْعَبْدِ امْرَأَتَانِ، وَلِلْحُرِّ أَرْبَعٌ فَقَطْ، فَإِنْ نَكَحَ خَمْسًا مَعًا بَطَلْنَ، أَوْ مُرَتِّبًا فَالخَامِسَةُ. وَتَحِلُّ الْأُخْتُ، وَالخَامِسَةُ فِي عِدَّةِ بَائِنٍ لَا رَجْعِيَّةٍ. وَإِذَا طَلَّقَ الحُرُّ ثَلَاثًا أَوِ الْعَبْدُ طَلْقَتَيْنِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ، وَتَغِيبَ بِقُبُلِهَا حَشَفَتُهُ أَوْ قَدْرُهَا، بِشَرْطِ الِانْتِشَارِ، وَصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَكَوْنِهِ مِمَّنْ يُمْكِنُ جِمَاعُهُ، لَا طِفْلًا عَلَى المَذْهَبِ فِيهِنَّ. وَلَوْ نَكَحَ بِشَرْطِ إِذَا وَطِئَ طَلَّقَ أَوْ بَانَتْ أَوْ فَلَا نِكَاحَ بَطَلَ، وَفِي التَّطْلِيقِ قَوْلٌ.

فَصْلٌ

لَا يَنْكِحُ مَنْ يَمْلِكُهَا أَوْ بَعْضَهَا، وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا بَطَلَ نِكَاحُهُ، وَلَا تَنْكِحُ مَنْ تَمْلِكُهُ أَوْ بَعْضَهُ. وَلَا الحُرُّ أَمَةَ غَيْرِهِ إِلَّا بِشُرُوطٍ: أَلَّا تَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ تَصْلُحُ لِلِاسْتِمْتَاعِ، قِيلَ: وَلَا غَيْرُ صَالِحَةٍ. وَأَنْ يَعْجِزَ عَنْ حُرَّةٍ تَصْلُحُ، قِيلَ: أَوْ لَا تَصْلُحُ. فَلَوْ قَدَرَ عَلَى غَائِبَةٍ حَلَّتْ لَهُ أَمَةٌ إِنْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي قَصْدِهَا. أَوْ خَافَ زِنًا مُدَّتَهُ، وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً بِمُؤَجَّلٍ أَوْ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَالْأَصَحُّ: حِلُّ أَمَةٍ فِي الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ. وَأَنْ يَخَافَ زِنًا، فَلَوْ أَمْكَنَهُ تَسَرٍّ فَلَا خَوْفَ فِي الْأَصَحِّ. وَإِسْلَامُهَا، وَتَحِلُّ لِحُرٍّ وَعَبْدٍ كِتَابِيَّيْنِ أَمَةٌ كِتَابِيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لَا لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ فِي المَشْهُورِ. وَمَنْ بَعْضُهَا رَقِيقٌ كَرَقِيقَةٍ. وَلَوْ نَكَحَ حُرٌّ أَمَةً بِشَرْطِهِ ثُمَّ أَيْسَرَ، أَوْ نَكَحَ حُرَّةً لَمْ تَنْفَسِخِ الْأَمَةُ. وَلَوْ جَمَعَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ الأَمَةُ حُرَّةً وَأَمَةً بِعَقْدٍ بَطَلَتِ الْأَمَةُ، لَا الحُرَّةُ فِي الْأَظْهَرِ.

فَصْلٌ

يَحْرُمُ نِكَاحُ مَنْ لَا كِتَابَ لَهَا كَوَثَنِيَّةٍ وَمَجُوسِيَّةٍ. وَتَحِلُّ كِتَابِيَّةٌ، لَكِنْ تُكْرَهُ حَرْبِيَّةٌ، وَكَذَا ذِمِّيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْكِتَابِيَّةُ: يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ، لَا مُتَمَسِّكَةٌ بِالزَّبُورِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْكِتَابِيَّةُ إِسْرَائِيلِيَّةً فَالْأَظْهَرُ: حِلُّهَا إِنْ عُلِمَ دُخُولُ قَوْمِهَا فِي ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ نَسْخِهِ وَتَحْرِيفِهِ، وَقِيلَ: يَكْفِي قَبْلَ نَسْخِهِ. وَالْكِتَابِيَّةُ المَنْكُوحَةُ كَمُسْلِمَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَقَسْمٍ وَطَلَاقٍ، وَتُجْبَرُ عَلَى غُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، وَكَذَا جَنَابَةٌ، وَتَرْكُ أَكْلِ خِنْزِيرٍ فِي الْأَظْهَرِ، وَتُجْبَرُ هِيَ وَمُسْلِمَةٌ عَلَى غَسْلِ مَا نَجُسَ مِنْ أَعْضَائِهَا. وَتَحْرُمُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ وَثَنِيٍّ وَكِتَابِيَّةٍ، وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الْأَظْهَرِ. وَإِنْ خَالَفَتِ السَّامِرَةُ الْيَهُودَ، وَالصَّابِئُونَ النَّصَارَى فِي أَصْلِ دِينِهِمْ حَرُمْنَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يُقَرَّ فِي الْأَظْهَرِ فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً لَمْ تَحِلَّ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَتَهُ فَكَرِدَّةِ مُسْلِمَةٍ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ، وَفِي قَوْلٍ: أَوْ دِينُهُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ تَوَثَّنَ لَمْ يُقَرَّ، وَفِيمَا يُقْبَلُ الْقَوْلَانِ. وَلَوْ تَهَوَّدَ وَثَنِيٌّ أَوْ تَنَصَّرَ لَمْ يُقَرَّ، وَيَتَعَيَّنُ الْإِسْلَامُ كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ. وَلَا تَحِلُّ مُرْتَدَّةٌ لِأَحَدٍ، وَلَوِ ارْتَدَّ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ دُخُولٍ تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ وُقِفَتْ فَإِنْ جَمَعَهُمَا الْإِسْلَامُ فِي الْعِدَّةِ دَامَ النِّكَاحُ، وَإِلَّا فَالْفُرْقَةُ مِنَ الرِّدَّةِ، وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ فِي التَّوَقُّفِ وَلَا حَدَّ.

بَابُ نِكَاحِ المُشْرِكِ

أَسْلَمَ كِتَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ وَتَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ دَامَ نِكَاحُهُ، أَوْ وَثَنِيَّةٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ فَتَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ وَأَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ دَامَ نِكَاحُهُ، وَإِلَّا فَالْفُرْقَةُ مِنْ إِسْلَامِهِ. وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَأَصَرَّ فَكَعَكْسِهِ. وَلَوْ أَسْلَمَا مَعًا دَامَ النِّكَاحُ، وَالمَعِيَّةُ بِآخِرِ اللَّفْظِ. وَحَيْثُ أَدَمْنَا لَا تَضُرُّ مُقَارَنَةُ الْعَقْدِ لِمُفْسِدٍ هُوَ زَائِلٌ عِنْدَ الْإِسْلَامِ وَكَانَتْ بِحَيْثُ تَحِلُّ لَهُ الْآنَ. وَإِنْ بَقِيَ المُفْسِدُ فَلَا نِكَاحَ فَيُقَرُّ عَلَى نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَشُهُودٍ، وَفِي عِدَّةٍ هِيَ مُنْقَضِيَةٌ عِنْدَ الْإِسْلَامِ، وَمُؤَقَّتٍ إِنِ اعْتَقَدُوهُ مُؤَبَّدًا، وَكَذَا لَوْ قَارَنَ الْإِسْلَامَ عِدَّةُ شُبْهَةٍ عَلَى المَذْهَبِ، لَا نِكَاحُ مَحْرَمٍ. وَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَهُوَ مُحْرِمٌ أُقِرَّ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ نَكَحَ حُرَّةً وَأَمَةً وَأَسْلَمُوا تَعَيَّنَتِ الحُرَّةُ، وَانْدَفَعَتِ الْأَمَةُ عَلَى المَذْهَبِ. وَنِكَاحُ الْكُفَّارِ صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: فَاسِدٌ، وَقِيلَ: إِنْ أَسْلَمَ وَقُرِّرَ تَبَيَّنَّا صِحَّتَهُ، وَإِلَّا فَلَا. فَعَلَى الصَّحِيحِ: لَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمَا لَمْ تَحِلَّ إِلَّا بِمُحَلِّلٍ. وَمَنْ قُرِّرَتْ فَلَهَا المُسَمَّى الصَّحِيحُ، وَأَمَّا الْفَاسِدُ كَخَمْرٍ فَإِنْ قَبَضَتْهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِلَّا فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِنْ قَبَضَتْ بَعْضَهُ فَلَهَا قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ. وَمَنِ انْدَفَعَتْ بِإِسْلَامٍ بَعْدَ دُخُولٍ فَلَهَا المُسَمَّى الصَّحِيحُ إِنْ صُحِّحَ نِكَاحُهُمْ، وَإِلَّا فَمَهْرُ مِثْلٍ ، أَوْ قَبْلَهُ وَصُحِّحَ فَإِنْ كَانَ الِانْدِفَاعُ بِإِسْلَامِهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا، أَوْ بِإِسْلَامِهِ فَنِصْفُ مُسَمًّى إِنْ كَانَ صَحِيحًا، وَإِلَّا فَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ. وَلَوْ تَرَافَعَ إِلَيْنَا ذِمِّيٌّ وَمُسْلِمٌ وَجَبَ الحُكْمُ، أَوْ ذِمِّيَّانِ وَجَبَ فِي الْأَظْهَرِ، وَنُقِرُّهُمْ عَلَى مَا نُقِرُّ لَوْ أَسْلَمُوا، وَنُبْطِلُ مَا لَا نُقِرُّ.

فَصْلٌ

أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ لَزِمَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ، وَيَنْدَفِعُ مَنْ زَادَ. وَإِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَرْبَعٌ فَقَطْ تَعَيَّنَ. وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُمٌّ وَبِنْتُهَا كِتَابِيَّتَانِ ، أَوْ أَسْلَمَتَا، فَإِنْ دَخَلَ بِهِمَا حَرُمَتَا أَبَدًا، أَوْ لَا بِوَاحِدَةٍ تَعَيَّنَتِ الْبِنْتُ، وَفِي قَوْلٍ: يَتَخَيَّرُ أَوْ بِالْبِنْتِ تَعَيَّنَتْ، أَوْ بِالْأُمِّ حَرُمَتَا أَبَدًا، وَفِي قَوْلٍ: تَبْقَى الْأُمُّ. أَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ وَأَسْلَمَتْ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أُقِرَّ إِنْ حَلَّتْ لَهُ الْأَمَةُ، فَإِنْ تَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ. أَوْ إِمَاءٌ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ اخْتَارَ أَمَةً إِنْ حَلَّتْ لَهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ، وَإِلَّا انْدَفَعْنَ. أَوْ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ تَعَيَّنَتْ وَانْدَفَعْنَ، وَإِنْ أَصَرَّتْ فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا اخْتَارَ أَمَةً، وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَعَتَقْنَ ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ فَكَحَرَائِرَ فَيَخْتَارُ أَرْبَعًا. وَالِاخْتِيَارُ: (اخْتَرْتُكِ) أَوْ (قَرَّرْتُ نِكَاحَكِ) أَوْ (أَمْسَكْتُكِ) أَوْ (ثَبَّتُّكِ). وَالطَّلَاقُ اخْتِيَارٌ، لَا الظِّهَارُ وَالْإِيلَاءُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ اخْتِيَارٍ وَلَا فَسْخٍ. وَلَوْ حَصَرَ الِاخْتِيَارَ فِي خَمْسٍ انْدَفَعَ مَنْ زَادَ، وَعَلَيْهِ التَّعْيِينُ وَنَفَقَتُهُنَّ حَتَّى يَخْتَارَ، فَإِنْ تَرَكَ الِاخْتِيَارَ حُبِسَ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ اعْتَدَّتْ حَامِلٌ بِهِ، وَذَاتُ أَشْهُرٍ وَغَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَذَاتُ أَقْرَاءٍ بِالْأَكْثَرِ مِنَ الْأَقْرَاءِ وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَيُوقَفُ نَصِيبُ زَوْجَاتٍ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ.

فَصْلٌ

أَسْلَمَا مَعًا اسْتَمَرَّتِ النَّفَقَةُ، وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ فَلَا، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ لِمُدَّةِ التَّخَلُّفِ فِي الجَدِيدِ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ أَوَّلًا فَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ أَصَرَّ فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنِ ارْتَدَّتْ فَلَا نَفَقَةَ وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنِ ارْتَدَّ فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ.

بَابُ الْخِيَارِ وَالْإِعْفَافِ وَنِكَاحِ الْعَبْدِ

وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالْآخَرِ جُنُونًا أَوْ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا، أَوْ وَجَدَهَا رَتْقَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ وَجَدَتْهُ عِنِّينًا أَوْ مَجْبُوبًا ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ. وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَ بِهِ مِثْلَ عَيْبِهِ فَلَا. وَلَوْ وَجَدَهُ خُنْثَى وَاضِحًا فَلَا فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ تَخَيَّرَتْ إِلَّا عُنَّةً بَعْدَ دُخُولٍ، أَوْ بِهَا تَخَيَّرَ فِي الجَدِيدِ. وَلَا خِيَارَ لِوَلِيٍّ بِحَادِثٍ، وَكَذَا بِمُقَارِنٍ جَبٍّ وَعُنَّةٍ، وَيَتَخَيَّرُ بِمُقَارِنِ جُنُونٍ، وَكَذَا جُذَامٌ وَبَرَصٌ فِي الْأَصَحِّ. وَالْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ. وَالْفَسْخُ قَبْلَ دُخُولٍ يُسْقِطُ المَهْرَ، وَبَعْدَهُ الْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ فُسِخَ بِمُقَارِنٍ ، أَوْ بِحَادِثٍ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ جَهِلَهُ الْوَاطِئُ، وَالمُسَمَّى إِنْ حَدَثَ بَعْدَ وَطْءٍ. وَلَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ بَعْدَ وَطْءٍ فَالمُسَمَّى. وَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ بَعْدَ الْفَسْخِ بِالمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الجَدِيدِ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْعُنَّةِ رَفْعٌ إِلَى حَاكِمٍ، وَكَذَا سَائِرُ الْعُيُوبِ فِي الْأَصَحِّ. وَتَثْبُتُ الْعُنَّةُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ عَلَى إِقْرَارِهِ، وَكَذَا بِيَمِينِهَا بَعْدَ نُكُولِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَإِذَا ثَبَتَتْ ضَرَبَ الْقَاضِي لَهُ سَنَةً بِطَلَبِهَا، فَإِذَا تَمَّتْ رَفَعَتْهُ إِلَيْهِ فَإِنْ قَالَ: (وَطِئْتُ) حَلَفَ، فَإِنْ نَكَلَ حُلِّفَتْ، فَإِنْ حَلَفَتْ أَوْ أَقَرَّ اسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ، وَقِيلَ: تَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْقَاضِي أَوْ فَسْخِهِ. وَلَوِ اعْتَزَلَتْهُ أَوْ مَرِضَتْ أَوْ حُبِسَتْ فِي المُدَّةِ لَمْ تُحْسَبْ، وَلَوْ رَضِيَتْ بَعْدَهَا بِهِ بَطَلَ حَقُّهَا، وَكَذَا لَوْ أَجَّلَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ نَكَحَ وَشُرِطَ فِيهَا إِسْلَامٌ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا نَسَبٌ أَوْ حُرِّيَّةٌ، أَوْ غَيْرُهُمَا، فَأُخْلِفَ فَالْأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ، ثُمَّ إِنْ بَانَ خَيْرًا مِمَّا شُرِطَ فَلَا خِيَارَ، وَإِنْ بَانَ دُونَهُ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَكَذَا لَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ ظَنَّهَا مُسْلِمَةً أَوْ حُرَّةً فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ أَمَةً وَهِيَ تَحِلُّ لَهُ فَلَا خِيَارَ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ أَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا بِمَنْ ظَنَّتْهُ كُفْئًا فَبَانَ فِسْقُهُ أَوْ دَنَاءَةُ نَسَبِهِ وَحِرْفَتِهِ فَلَا خِيَارَ لَهَا. قُلْتُ: وَلَوْ بَانَ مَعِيبًا أَوْ عَبْدًا فَلَهَا الْخِيَارُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى فُسِخَ بِخُلْفٍ فَحُكْمُ المَهْرِ وَالرُّجُوعِ بِهِ عَلَى الْغَارِّ مَا سَبَقَ فِي الْعَيْبِ، وَالمُؤَثِّرُ تَغْرِيرٌ قَارَنَ الْعَقْدَ. وَلَوْ غُرَّ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ وَصَحَّحْنَاهُ فَالْوَلَدُ قَبْلَ الْعِلْمِ حُرٌّ، وَعَلَى المَغْرُورِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهَا وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَارِّ، وَالتَّغْرِيرُ بِالحُرِّيَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ سَيِّدِهَا بَلْ مِنْ وَكِيلِهِ أَوْ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْهَا تَعَلَّقَ الْغُرْمُ بِذِمَّتِهَا، وَلَوِ انْفَصَلَ الْوَلَدُ مَيْتًا بِلَا جِنَايَةٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ. وَمَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ رَقِيقٍ أَوْ مَنْ فِيهِ رِقٌّ تَخَيَّرَتْ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ قَالَتْ: (جَهِلْتُ الْعِتْقَ) صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا إِنْ أَمْكَنَ بِأَنْ كَانَ المُعْتِقُ غَائِبًا، وَكَذَا إِنْ قَالَتْ: (جَهِلْتُ الْخِيَارَ بِهِ) فِي الْأَظْهَرِ، فَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ وَطْءٍ فَلَا مَهْرَ، أَوْ بَعْدَهُ بِعِتْقٍ بَعْدَهُ وَجَبَ المُسَمَّى، أَوْ قَبْلَهُ فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: المُسَمَّى، وَلَوْ عَتَقَ بَعْضُهَا أَوْ كُوتِبَتْ أَوْ عَتَقَ عَبْدٌ تَحْتَهُ أَمَةٌ فَلَا خِيَارَ.

فَصْلٌ

يَلْزَمُ الْوَلَدَ إِعْفَافُ الْأَبِ وَالْأَجْدَادِ عَلَى المَشْهُورِ بِأَنْ يُعْطِيَهُ مَهْرَ حُرَّةٍ، أَوْ يَقُولَ: (انْكِحْ وَأُعْطِيَكَ المَهْرَ)، أَوْ يَنْكِحَ لَهُ بِإِذْنِهِ وَيُمْهِرَ، أَوْ يُمَلِّكَهُ أَمَةً أَوْ ثَمَنَهَا، ثُمَّ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُمَا. وَلَيْسَ لِلْأَبِ تَعْيِينُ النِّكَاحِ دُونَ التَّسَرِّي، وَلَا رَفِيعَةٍ. وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى مَهْرٍ فَتَعْيِينُهَا لِلْأَبِ. وَيَجِبُ التَّجْدِيدُ إِذَا مَاتَتْ أَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ أَوْ فَسَخَهُ بِعَيْبٍ، وَكَذَا إِنْ طَلَّقَ بِعُذْرٍ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنَّمَا يَجِبُ إِعْفَافُ فَاقِدِ مَهْرٍ مُحْتَاجٍ إِلَى نِكَاحٍ، وَيُصَدَّقُ إِذَا ظَهَرَتِ الحَاجَةُ بِلَا يَمِينٍ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ أَمَةِ وَلَدِهِ، وَالمَذْهَبُ: وُجُوبُ مَهْرٍ لَا حَدٍّ، فَإِنْ أَحْبَلَ فَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ، فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَوْلَدَةً لِلِابْنِ لَمْ تَصِرْ مُسْتَوْلَدَةً لِلْأَبِ، وَإِلَّا فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهَا تَصِيرُ، وَأَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا مَعَ مَهْرٍ، لَا قِيمَةَ وَلَدٍ فِي الْأَصَحِّ. وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا، فَلَوْ مَلَكَ زَوْجَةَ وَالِدِهِ الَّذِي لَا تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ أَمَةِ مُكَاتَبِهِ، فَإِنْ مَلَكَ مُكَاتَبٌ زَوْجَةَ سَيِّدِهِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

السَّيِّدُ بِإِذْنِهِ فِي نِكَاحِ عَبْدِهِ لَا يَضْمَنُ مَهْرًا وَنَفَقَةً فِي الجَدِيدِ، وَهُمَا فِي كَسْبِهِ بَعْدَ النِّكَاحِ المُعْتَادِ وَالنَّادِرِ. فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي تِجَارَةٍ فَفِيمَا بِيَدِهِ مِنْ رِبْحٍ، وَكَذَا رَأْسُ مَالٍ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْتَسِبًا وَلَا مَأْذُونًا لَهُ فَفِي ذِمَّتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: عَلَى السَّيِّدِ. وَلَهُ المُسَافَرَةُ بِهِ وَيَفُوتُ الِاسْتِمْتَاعُ. وَإِذَا لَمْ يُسَافِرْ لَزِمَهُ تَخْلِيَتُهُ لَيْلًا لِلِاسْتِمْتَاعِ، وَيَسْتَخْدِمُهُ نَهَارًا إِنْ تَكَفَّلَ المَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، وَإِلَّا فَيُخْلِيهِ لِكَسْبِهِمَا، وَإِنِ اسْتَخْدَمَهُ بِلَا تَكَفُّلٍ لَزِمَهُ الْأَقَلُّ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلٍ وَكُلِّ المَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ المَهْرُ وَالنَّفَقَةُ. وَلَوْ نَكَحَ فَاسِدًا وَوَطِئَ فَمَهْرُ مِثْلٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: فِي رَقَبَتِهِ. وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ اسْتَخْدَمَهَا نَهَارًا وَسَلَّمَهَا لِلزَّوْجِ لَيْلًا، وَلَا نَفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ حِينَئِذٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَخْلَى فِي دَارِهِ بَيْتًا وَقَالَ لِلزَّوْجِ: (تَخْلُو بِهَا فِيهِ) لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلِلسَّيِّدِ السَّفَرُ بِهَا وَلِلزَّوْجِ صُحْبَتُهَا. وَالمَذْهَبُ: أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَتَلَهَا أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ دُخُولٍ سَقَطَ مَهْرُهَا، وَأَنَّ الحُرَّةَ لَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا، أَوْ قَتَلَ الْأَمَةَ أَجْنَبِيٌّ أَوْ مَاتَتْ فَلَا كَمَا لَوْ هَلَكَتَا بَعْدَ دُخُولٍ. وَلَوْ بَاعَ مُزَوَّجَةً فَالمَهْرُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ طُلِّقَتْ قَبْلَ دُخُولٍ فَنِصْفُهُ لَهُ. وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ.

كِتَابُ الصَّدَاقِ

يُسَنُّ تَسْمِيَتُهُ فِي الْعَقْدِ، وَيَجُوزُ إِخْلَاؤُهُ مِنْهُ. وَمَا صَحَّ مَبِيعًا صَحَّ صَدَاقًا. وَإِذَا أَصْدَقَهَا عَيْنًا فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ ضَمِنَهَا ضَمَانَ عَقْدٍ، وَفِي قَوْلٍ: ضَمَانَ يَدٍ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَيْسَ لَهَا بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ. وَإِنْ أَتْلَفَتْهُ فَقَابِضَةٌ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ تَخَيَّرَتْ عَلَى المَذْهَبِ، فَإِنْ فَسَخَتِ الصَّدَاقَ أَخَذَتْ مِنَ الزَّوْجِ مَهْرَ مِثْلٍ، وَإِلَّا غَرَّمَتِ المُتْلِفَ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ الزَّوْجُ فَكَتَلَفِهِ، وَقِيلَ: كَأَجْنَبِيٍّ. وَلَوْ أَصْدَقَ عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ انْفَسَخَ فِيهِ لَا فِي الْبَاقِي عَلَى المَذْهَبِ، وَلَهَا الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَتْ فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِلَّا فَحِصَّةُ التَّالِفِ مِنْهُ. وَلَوْ تَغَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهِ تَخَيَّرَتْ عَلَى المَذْهَبِ، فَإِنْ فَسَخَتْ فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ. وَالمَنَافِعُ الْفَائِتَةُ فِي يَدِ الزَّوْجِ لَا يَضْمَنُهَا وَإِنْ طَلَبَتِ التَّسْلِيمَ فَامْتَنَعَ ضَمِنَ ضَمَانِ الْعَقْدِ، وَكَذَا الَّتِي اسْتَوْفَاهَا بِرُكُوبٍ وَنَحْوِهِ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لِتَقْبِضَ المَهْرَ المُعَيَّنَ وَالحَالَّ لَا المُؤَجَّلَ، فَلَوْ حَلَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَلَا حَبْسَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ كُلٌّ: (لَا أُسَلِّمُ حَتَّى تُسَلِّمَ) فَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرُ هُوَ، وَفِي قَوْلٍ: لَا إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ أُجْبِرَ صَاحِبُهُ، وَالْأَظْهَرُ يُجْبَرَانِ فَيُؤْمَرُ بِوَضْعِهِ عِنْدَ عَدْلٍ، وَتُؤْمَرُ بِالتَّمْكِينِ، فَإِذَا سَلَّمَتْ أَعْطَاهَا الْعَدْلُ الْمَهْرَ. وَلَوْ بَادَرَتْ فَمَكَّنَتْ طَالَبَتْهُ، فَإِنْ لَمْ يَطَأِ امْتَنَعَتْ حَتَّى يُسَلِّمَ، وَإِنْ وَطِئَ فَلَا. وَلَوْ بَادَرَ فَسَلَّمَ فَلْتُمَكِّنْ، فَإِنِ امْتَنَعَتْ بِلَا عُذْرٍ اسْتَرَدَّ إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يُجْبَرُ. وَلَوِ اسْتَمْهِلَتْ لِتَنَظُّفٍ وَنَحْوِهِ أُمْهِلَتْ مَا يَرَاهُ قَاضٍ وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا لِيَنْقَطِعَ حَيْضٌ. وَلَا تُسَلَّمُ صَغِيرَةٌ وَلَا مَرِيضَةٌ حَتَّى يَزُولَ مَانِعُ وَطْءٍ. وَيَسْتَقِرُّ المَهْرُ بِوَطْءٍ، وَإِنْ حَرُمَ كَحَائِضٍ، وَبِمَوْتِ أَحَدِهِمَا لَا بِخَلْوَةٍ فِي الجَدِيدِ.

فَصْلٌ

نَكَحَهَا بِخَمْرٍ أَوْ حُرٍّ أَوْ مَغْصُوبٍ وَجَبَ مَهْرُ مِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُ. أَوْ بِمَمْلُوكٍ وَمَغْصُوبٍ بَطَلَ فِيهِ وَصَحَّ فِي المَمْلُوكِ فِي الْأَظْهَرِ وَتَتَخَيَّرُ فَإِنْ فَسَخَتْ فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُمَا. وَإِنْ أَجَازَتْ فَلَهَا مَعَ المَمْلُوكِ حِصَّةُ المَغْصُوبِ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ بِحَسَبِ قِيمَتِهِمَا، وَفِي قَوْلٍ: تَقْنَعُ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: (زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَبِعْتُكَ ثَوْبَهَا بِهَذَا الْعَبْدِ) صَحَّ النِّكَاحُ، وَكَذَا المَهْرُ وَالْبَيْعُ فِي الْأَظْهَرِ، وَيُوَزَّعُ الْعَبْدُ عَلَى الثَّوْبِ وَمَهْرِ مِثْلٍ. وَلَوْ نَكَحَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ لِأَبِيهَا أَوْ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا فَالمَذْهَبُ: فَسَادُ الصَّدَاقِ وَوُجُوبُ مَهْرِ مِثْلِ. وَلَوْ شَرَطَ خِيَارًا فِي النِّكَاحِ بَطَلَ النِّكَاحُ، أَوْ فِي المَهْرِ فَالْأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ لَا المَهْرِ. وَسَائِرُ الشُّرُوطِ إِنْ وَافَقَ مُقْتَضَى النِّكَاحِ أَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ لَغَا، وَصَحَّ النِّكَاحُ وَالمَهْرُ. وَإِنْ خَالَفَ وَلَمْ يُخِلَّ بِمَقْصُودِهِ الْأَصْلِيِّ كَشَرْطِ أَلَّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ لَا نَفَقَةَ لَهَا صَحَّ النِّكَاحُ وَفَسَدَ الشَّرْطُ وَالمَهْرُ، وَإِنْ أَخَلَّ كَأَلَّا يَطَأَ أَوْ يُطَلِّقَ بَطَلَ النِّكَاحُ. وَلَوْ نَكَحَ نِسْوَةً بِمَهْرٍ فَالْأَظْهَرُ: فَسَادُ المَهْرِ، وَلِكُلٍّ مَهْرُ مِثْلٍ. وَلَوْ نَكَحَ لِطِفْلٍ بِفَوْقِ مَهْرِ مِثْلٍ، أَوْ أَنْكَحَ بِنْتًا لَا رَشِيدَةً، أَوْ رَشِيدَةً بِكْرًا بِلَا إِذْنٍ بِدُونِهِ فَسَدَ المُسَمَّى، وَالْأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ بِمَهْرِ مِثْلٍ. وَلَوْ تَوَافَقُوا عَلَى مَهْرٍ كَانَ سِرًّا وَأَعْلَنُوا زِيَادَةً فَالمَذْهَبُ: وُجُوبُ مَا عُقِدَ بِهِ. وَلَوْ قَالَتْ لِوَلِيِّهَا: (زَوِّجْنِي بِأَلْفٍ)، فَنَقَصَ عَنْهُ بَطَلَ النِّكَاحُ، فَلَوْ أَطْلَقَتْ فَنَقَصَ عَنْ مَهْرِ مِثْلٍ بَطَلَ، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ بِمَهْرِ مِثْلٍ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ فِي الصُّورَتَيْنِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

قَالَتْ رَشِيدَةٌ: (زَوِّجْنِي بِلَا مَهْرٍ)، فَزَوَّجَ وَنَفَى المَهْرَ أَوْ سَكَتَ فَهُوَ تَفْوِيضٌ صَحِيحٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ سَيِّدُ أَمَةٍ: (زَوَّجْتُكَهَا بِلَا مَهْرٍ). وَلَا يَصِحُّ تَفْوِيضُ غَيْرِ رَشِيدَةٍ. وَإِذَا جَرَى تَفْوِيضٌ صَحِيحٌ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَإِنْ وَطِئَ فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَيُعْتَبَرُ بِحَالِ الْعَقْدِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ بِأَنْ يَفْرِضَ مَهْرًا، وَحَبْسُ نَفْسِهَا لِيَفْرِضَ، وَكَذَا لِتَسْلِيمِ المَفْرُوضِ فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا بِمَا يَفْرِضُهُ الزَّوْجُ لَا عِلْمُهُمَا بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الْأَظْهَرِ. وَيَجُوزُ فَرْضُ مُؤَجَّلٍ فِي الْأَصَحِّ، وَفَوْقَ مَهْرِ مِثْلٍ. وَقِيلَ: لَا إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ. وَلَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْفَرْضِ أَوْ تَنَازَعَا فِيهِ فَرَضَ الْقَاضِي نَقْدَ الْبَلَدِ حَالًّا. قُلْتُ: وَيَفْرِضُ مَهْرَ مِثْلٍ وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا يَصِحُّ فَرْضُ أَجْنَبِيٍّ مِنْ مَالِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَالْفَرْضُ الصَّحِيحُ كَمُسَمًّى فَيَتَشَطَّرُ بِطَلَاقٍ قَبْلَ وَطْءٍ، وَلَوْ طَلَّقَ قَبْلَ فَرْضٍ وَوَطْءٍ فَلَا شَطْرَ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَهُمَا لَمْ يَجِبْ مَهْرُ مِثْلٍ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

مَهْرُ الْمِثْلِ: مَا يُرْغَبُ بِهِ فِي مِثْلِهَا، وَرُكْنُهُ الْأَعْظَمُ نَسَبٌ فَيُرَاعَى أَقْرَبُ مَنْ تُنْسَبُ إِلَى مَنْ تُنْسَبُ إِلَيْهِ. وَأَقْرَبُهُنَّ: أُخْتٌ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ بَنَاتُ أَخٍ، ثُمَّ عَمَّاتٌ كَذَلِكَ. فَإِنْ فُقِدَ نِسَاءُ الْعَصَبَةِ أَوْ لَمْ يَنْكِحْنَ أَوْ جُهِلَ مَهْرُهُنَّ فَأَرْحَامٌ كَجَدَّاتٍ وَخَالَاتٍ. وَيُعْتَبَرُ سِنٌّ وَعَقْلٌ وَيَسَارٌ وَبَكَارَةٌ وَثُيُوبَةٌ وَمَا اخْتَلَفَ بِهِ غَرَضٌ، فَإِنِ اخْتَصَّتْ بِفَضْلٍ أَوْ نَقْصٍ زِيدَ أَوْ نُقِصَ لَائِقٌ فِي بِالحَالِ. وَلَوْ سَامَحَتْ وَاحِدَةٌ لَمْ تَجِبْ مُوَافَقَتُهَا. وَلَوْ خَفَضْنَ لِلْعَشِيرَةِ فَقَطِ اعْتُبِرَ. وَفِي وَطْءِ نِكَاحٍ فَاسِدٍ مَهْرُ مِثْلٍ يَوْمَ الْوَطْءِ، فَإِنْ تَكَرَّرَ فَمَهْرٌ فِي أَعْلَى الْأَحْوَالِ. قُلْتُ: وَلَوْ تَكَرَّرَ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَهْرٌ، فَإِنْ تَعَدَّدَ جِنْسُهَا تَعَدَّدَ المَهْرُ، وَلَوْ كَرَّرَ وَطْءَ مَغْصُوبَةٍ أَوْ مُكْرَهَةٍ عَلَى زِنًا تَكَرَّرَ المَهْرُ، وَلَوْ تَكَرَّرَ وَطْءُ الْأَبِ وَالشَّرِيكِ وَالسَّيِّدِ مُكَاتَبَةً فَمَهْرٌ، وَقِيلَ: مُهُورٌ، وَقِيلَ: إِنِ اتَّحَدَ المَجْلِسُ فَمَهْرٌ، وَإِلَّا فَمُهُورٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

الْفُرْقَةُ قَبْلَ وَطْءٍ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبِهَا كَفَسْخِهِ بِعَيْبِهَا تُسْقِطُ المَهْرَ، وَمَا لَا كَطَلَاقٍ وَإِسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ وَلِعَانِهِ وَإِرْضَاعِ أُمِّهِ أَوْ أُمِّهَا يُشَطِّرُهُ، ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَى التَّشْطِيرِ: أَنَّ لَهُ خِيَارَ الرُّجُوعِ، وَالصَّحِيحُ: عَوْدُهُ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ. فَلَوْ زَادَ بَعْدَهُ فَلَهُ. وَإِنْ طَلَّقَ وَالمَهْرُ تَالِفٌ فَنِصْفُ بَدَلِهِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ. وَإِنْ تَعَيَّبَ فِي يَدِهَا فَإِنْ قَنِعَ بِهِ، وَإِلَّا فَنِصْفُ قِيمَتِهِ سَلِيمًا. وَإِنْ تَعَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهَا فَلَهُ نِصْفُهُ نَاقِصًا بِلَا خِيَارٍ. فَإِنْ عَابَ بِجِنَايَةٍ وَأَخَذَتْ أَرْشَهَا فَالْأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ نِصْفَ الْأَرْشِ. وَلَهَا زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، وَخِيَارٌ فِي مُتَّصِلَةٍ، فَإِنْ شَحَّتْ فَنِصْفُ قِيمَةٍ بِلَا زِيَادَةٍ، وَإِنْ سَمَحَتْ لَزِمَهُ الْقَبُولُ. وَإِنْ زَادَ وَنَقَصَ كَكِبَرِ عَبْدٍ وَطُولِ نَخْلَةٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ مَعَ بَرَصٍ فَإِنِ اتَّفَقَا بِنِصْفِ الْعَيْنِ، وَإِلَّا فَنِصْفُ قِيمَةٍ. وَزِرَاعَةُ الْأَرْضِ نَقْصٌ، وَحَرْثُهَا زِيَادَةٌ. وَحَمْلُ أَمَةٍ وَبَهِيمَةٍ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ، وَقِيلَ: الْبَهِيمَةُ زِيَادَةٌ. وَإِطْلَاعُ نَخْلٍ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَإِنْ طَلَّقَ وَعَلَيْهِ ثَمَرٌ مُؤَبَّرٌ لَمْ يَلْزَمْهَا قَطْفُهُ، فَإِنْ قَطَفَتْ تَعَيَّنَ نِصْفُ النَّخْلِ. وَلَوْ رَضِيَ بِنِصْفِ النَّخْلِ وَتَبْقِيَةِ الثَّمَرِ إِلَى جُذَاذِهِ أُجْبِرَتْ فِي الْأَصَحِّ، وَيَصِيرُ النَّخْلُ فِي يَدِهِمَا، وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ فَلَهُ الِامْتِنَاعُ وَالْقِيمَةُ. وَمَتَى ثَبَتَ خِيَارٌ لَهُ أَوْ لَهَا لَمْ يَمْلِكْ نِصْفَهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذُو الِاخْتِيَارِ. وَمَتَى رَجَعَ بِقِيمَةٍ اعْتُبِرَ الْأَقَلُّ مِنْ يَوْمَيِ الْإِصْدَاقِ وَالْقَبْضِ. وَلَوْ أَصْدَقَ تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَطَلَّقَ قَبْلَهُ فَالْأَصَحُّ: تَعَذُّرُ تَعْلِيمِهِ، وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ بَعْدَ وَطْءٍ، وَنِصْفُهُ قَبْلَهُ. وَلَوْ طَلَّقَ وَقَدْ زَالَ مِلْكُهَا عَنْهُ فَنِصْفُ بَدَلِهِ، فَإِنْ كَانَ زَالَ وَعَادَ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّ لَهُ نِصْفَ بَدَلِهِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ وَهَبَتْهُ النِّصْفَ فَلَهُ نِصْفُ الْبَاقِي وَرُبُعُ بَدَلِ كُلِّهِ، وَفِي قَوْلٍ: النِّصْفُ الْبَاقِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ بَدَلِ نِصْفِ كُلِّهِ أَوْ نِصْفِ الْبَاقِي وَرُبُعُ بَدَلِ كُلِّهِ. وَلَوْ كَانَ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا عَلَى المَذْهَبِ. وَلَيْسَ لِوَلِيٍّ عَفْوٌ عَنْ صَدَاقٍ عَلَى الجَدِيدِ.

فَصْلٌ

لِمُطَلَّقَةٍ قَبْلَ وَطْءٍ مُتْعَةٌ إِنْ لَمْ يَجِبْ شَطْرُ مَهْرٍ، وَكَذَا لِمَوْطُوءَةٍ فِي الْأَظْهَرِ، وَفُرْقَةٌ لَا بِسَبَبِهَا كَطَلَاقٍ. وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا تَنْقُصَ عَنْ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا. فَإِنْ تَنَازَعَا قَدَّرَهَا الْقَاضِي بِنَظَرِهِ مُعْتَبِرًا حَالَهُمَا، وَقِيلَ: حَالَهُ، وَقِيلَ: حَالَهَا، وَقِيلَ: أَقَلَّ مَالٍ.

فَصْلٌ

اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَهْرٍ أَوْ صِفَتِهِ تَحَالَفَا، وَيَتَحَالَفُ وَارِثَاهُمَا، وَوَارِثُ وَاحِدٍ وَالْآخَرُ، ثُمَّ يُفْسَخُ المَهْرُ وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ. وَلَوِ ادَّعَتْ تَسْمِيَةً فَأَنْكَرَهَا تَحَالَفَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوِ ادَّعَتْ نِكَاحًا وَمَهْرَ مِثْلٍ فَأَقَرَّ بِالنِّكَاحِ وَأَنْكَرَ المَهْرَ أَوْ سَكَتَ فَالْأَصَحُّ: تَكْلِيفُهُ الْبَيَانَ فَإِنْ ذَكَرَ قَدْرًا وَزَادَتْ تَحَالَفَا، وَإِنْ أَصَرَّ مُنْكِرًا حَلَفَتْ وَقُضِيَ لَهَا. وَلَوِ اخْتَلَفَ فِي قَدْرِهِ زَوْجٌ وَوَلِيُّ صَغِيرَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ تَحَالَفَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَتْ: (نَكَحَنِي يَوْمَ كَذَا بِأَلْفٍ، وَيَوْمَ كَذَا بِأَلْفٍ)، وَثَبَتَ الْعَقْدَانِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ لَزِمَ أَلْفَانِ، فَإِنْ قَالَ: (لَمْ أَطَأْ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا) صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَسَقَطَ الشَّطْرُ، وَإِنْ قَالَ: (كَانَ الثَّانِي تَجْدِيدَ لَفْظٍ لَا عَقْدًا) لَمْ يُقْبَلْ.

فَصْلٌ

وَلِيمَةُ الْعُرْسِ سُنَّةٌ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ: وَاجِبَةٌ. وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَقِيلَ: كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ. وَإِنَّمَا تَجِبُ أَوْ تُسَنُّ بِشَرْطِ أَلَّا يَخُصَّ الْأَغْنِيَاءَ. وَأَنْ يَدْعُوَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ أَوْلَمَ ثَلَاثَةً لَمْ تَجِبْ فِي الثَّانِي، وَتُكْرَهُ فِي الثَّالِثِ. وَأَلَّا يُحْضِرَهُ لِخَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ فِي جَاهِهِ. وَأَلَّا يَكُونَ ثَمَّ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ أَوْ لَا تَلِيقُ بِهِ مُجَالَسَتُهُ وَلَا مُنْكَرٌ، فَإِنْ كَانَ يَزُولُ بِحُضُورِهِ فَلْيَحْضُرْ. وَمِنَ المُنْكَرِ: فَرْشُ حَرِيرٍ وَصُورَةُ حَيَوَانٍ عَلَى سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ وِسَادَةٍ أَوْ سِتْرٍ أَوْ ثَوْبٍ مَلْبُوسٍ. وَيَجُوز مَا عَلَى أَرْضٍ وَبِسَاطٍ وَمِخَدَّةٍ، وَمَقْطوُعُ الرَّأْسِ، وَصُوْرَةُ شَجَرٍ، وَيَحْرُمُ تَصْوِيرُ حَيَوَانٍ. وَلَا تَسْقُطُ إِجَابَةٌ بِصَوْمٍ، فَإِنْ شَقَّ عَلَى الدَّاعِي صَوْمُ نَفْلٍ فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ. وَيَأْكُلُ الضَّيْفُ مِمَّا قُدِّمَ لَهُ بِلَا لَفْظٍ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ إِلَّا بِأَكْلٍ، وَلَهُ أَخْذُ مَا يَعْلَمُ رِضَاهُ بِهِ. وَيَحِلُّ نَثْرُ سُكَّرٍ وَغَيْرِهِ فِي الْأَمْلَاكِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي الْأَصَحِّ، وَيَحِلُّ الْتِقَاطُهُ، وَتَرْكُهُ أَوْلَى.

كِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزِ

يَخْتَصُّ الْقَسْمُ بِزَوْجَاتٍ. وَمَنْ بَاتَ عِنْدَ بَعْضِ نِسْوَتِهِ لَزِمَهُ عِنْدَ مَنْ بَقِيَ. وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْهُنَّ أَوْ عَنِ الْوَاحِدَةِ لَمْ يَأْثَمْ. وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا يُعَطِّلَهُنَّ. وَتَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ مَرِيضَةٌ وَرَتْقَاءُ وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ، لَا نَاشِزَةٌ. فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِمَسْكَنٍ دَارَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ، وَإِنِ انْفَرَدَ فَالْأَفْضَلُ المُضِيُّ إِلَيْهِنَّ، وَلَهُ دُعَاؤُهُنَّ، وَالْأَصَحُّ: تَحْرِيمُ ذَهَابِهِ إِلَى بَعْضٍ وَدُعَاءِ بَعْضٍ، إِلَّا لِغَرَضٍ كَقُرْبِ مَسْكَنِ مَنْ مَضَى إِلَيْهَا أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهَا. وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ بِمَسْكَنِ وَاحِدَةٍ وَيَدْعُوَهُنَّ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَجْمَعَ ضَرَّتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ إِلَّا بِرِضَاهُمَا. وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَ الْقَسْمَ عَلَى لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَالْأَصْلُ اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ تَبَعٌ، فَإِنْ عَمِلَ لَيْلًا وَسَكَنَ نَهَارًا كَحَارِسٍ فَعَكْسُهُ. وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ دُخُولٌ فِي نَوْبَةٍ عَلَى الْأُخْرَى لَيْلًا إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا المَخُوفِ، وَحِينَئِذٍ: إِنْ طَالَ مُكْثُهُ قَضَى، وَإِلَّا فَلَا، وَلَهُ الدُّخُولُ نَهَارًا لِوَضْعِ مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ، وَيَنْبَغِي أَلَّا يَطُولَ مُكْثُهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَقْضِي إِذَا دَخَلَ لِحَاجَةٍ، وَأَنَّ لَهُ مَا سِوَى وَطْءٍ مِنِ اسْتِمْتَاعٍ، وَأَنَّهُ يَقْضِي إِنْ دَخَلَ بِلَا سَبَبٍ، وَلَا تَجِبُ تَسْوِيَةٌ فِي الْإِقَامَةِ نَهَارًا. وَأَقَلُّ نُوَبِ الْقَسْمِ لَيْلَةٌ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَجُوز ثَلَاثًا، لَا زِيَادَةَ عَلَى المَذْهَبِ. وَالصَّحِيحُ: وُجُوبِ قُرْعَةٍ لِلِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ. وَلَا يُفَضِّلُ فِي قَدْرِ نَوْبَةٍ، لَكِنْ لِحُرَّةٍ مِثْلَا أَمَةٍ، وَتُخَصُّ بِكْرٌ جَدِيدَةٌ عِنْدَ زَفَافٍ بِسَبْعٍ بِلَا قَضَاءٍ، وَثَيِّبٌ بِثَلَاثٍ، وَيُسَنُّ تَخْيِيرُهَا بَيْنَ ثَلَاثٍ بِلَا قَضَاءٍ، وَسَبْعٍ بِقَضَاءٍ. وَمَنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَنَاشِزَةٌ، وَبِإِذْنِهِ لِغَرَضِهِ يَقْضِي لَهَا، وَلِغَرَضِهَا لَا فِي الجَدِيدِ. وَمَنْ سَافَرَ لِنُقْلَةٍ حَرُمَ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضَهُنَّ. وَفِي سَائِرِ الْأَسْفَارِ الطَّوِيلَةِ وَكَذَا الْقَصِيرَةُ فِي الْأَصَحِّ يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ، وَلَا يَقْضِي مُدَّةَ سَفَرِهِ، فَإِنْ وَصَلَ المَقْصِدَ وَصَارَ مُقِيمًا قَضَى مُدَّةَ الْإِقَامَةِ، لَا الرُّجُوعِ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا لَمْ يَلْزَمِ الزَّوْجَ الرِّضَا، فَإِنْ رَضيَ وَوَهَبَتْ لِمُعَيَّنَةٍ بَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَتَيْهِمَا، وَقِيلَ: يُوَالِيهِمَا، أَوْ لَهُنَّ سَوَّى، أَوْ لَهُ فَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَقِيلَ: يُسَوِّي.

فَصْلٌ

ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا وَعَظَهَا بِلَا هَجْرٍ. فَإِنْ تَحَقَّقَ نُشُوزٌ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ وَعَظَ وَهَجَرَ فِي المَضْجَعِ، وَلَا يَضْرِبُ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: يَضْرِبُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ تَكَرَّرَ ضَرَبَ. فَلَوْ مَنَعَهَا حَقَّهَا كَقَسْمٍ وَنَفَقَةٍ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي تَوْفِيَتَهُ، فَإِنْ أَسَاءَ خُلُقَهُ وَآذَاهَا بِلَا سَبَبٍ نَهَاهُ، فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ. وَإِنْ قَالَ كُلٌّ: إِنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَدٍّ تَعَرَّفَ الْقَاضِي الحَالَ بِثِقَةٍ يَخْبُرُهُمَا وَمَنَعَ الظَّالِمَ، فَإِنِ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ بَعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، وَهُمَا وَكِيلَانِ لَهُمَا، وَفِي قَوْلٍ: مُوَلَّيَانِ مِنَ الحَاكِمِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا، فَيُوَكِّلُ حَكَمَهُ بِطَلَاقٍ وَقَبُولِ عِوَضِ خُلْعٍ، وَتُوَكِّلُ حَكَمَهَا بِبَذْلِ عِوَضٍ وَقَبُولِ طَلَاقٍ بِهِ.

كِتَابُ الخُلْعِ

هُوَ فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ بِلَفْظِ طَلَاقٍ أَوْ خُلْعٍ. شَرْطُهُ: زَوْجٌ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، فَلَوْ خَالَعَ عَبْدٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ صَحَّ وَوَجَبَ دَفْعُ الْعِوَضِ إِلَى مَوْلَاهُ وَوَلِيِّهِ. وَشَرْطُ قَابِلِهِ: إِطْلَاقُ تَصَرُّفِهِ فِي المَالِ: فَإِنِ اخْتَلَعَتْ أَمَةٌ بِلَا إِذْنِ سَيِّدٍ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنِ مَالِهِ بَانَتْ، وَلِلزَّوْجِ فِي ذِمَّتِهَا: مَهْرُ مِثْلٍ فِي صُورَةِ الْعَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهَا. وَفِي صُورَةِ الدَّيْنِ: المُسَمَّى، وَفِي قَوْلٍ: مَهْرُ مِثْلٍ. وَإِنْ أَذِنَ وَعَيَّنَ عَيْنًا لَهُ أَوْ قَدَّرَ دَيْنَا فَامْتَثَلَتْ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ وَبِكَسْبِهَا فِي الدَّيْنِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْإِذْنَ اقْتَضَى مَهْرَ مِثْلٍ مِنْ كَسْبِهَا. وَإِنْ خَالَعَ سَفِيهَةً، أَوْ قَالَ: (طَلَّقْتُكِ عَلَى أَلْفٍ) فَقَبِلَتْ طَلُقَتْ رَجْعِيًّا، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ لَمْ تَطْلُقْ. وَيَصِحُّ اخْتِلَاعُ المَرِيضَةِ مَرَضَ المَوْتِ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الثُّلُثِ إِلَّا زَائِدٌ عَلَى مَهْرِ مِثْلٍ، وَرَجْعِيَّةٍ فِي الْأَظْهَرِ، لَا بَائِنٍ. وَيَصِحُّ عِوَضُهُ قَلِيلًا وَكَثِيرًا دَيْنًا وَعَيْنًا وَمَنْفَعَةً. وَلَوْ خَالَعَ بِمَجْهُولٍ أَوْ خَمْرٍ بَانَتْ بِمَهْرِ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: بِبَدَلِ الخَمْرِ. وَلَهُمَا التَّوْكِيلُ، فَلَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: (خَالِعْهَا بِمِئَةٍ) لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا، وَإِنْ أَطْلَقَ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ مَهْرِ مِثْلٍ، فَإِنْ نَقَصَ فِيهِمَا لَمْ تَطْلُقْ، وَفِي قَوْلٍ: يَقَعُ بِمَهْرِ مِثْلٍ. وَلَوْ قَالَتْ لِوَكِيلِهَا: (اخْتَلِعْ بِأَلْفٍ) فَامْتَثَلَ نَفَذَ، وَإِنْ زَادَ فَقَالَ: (اخْتَلَعْتُهَا بِأَلْفَيْنِ مِنْ مَالِهَا بِوَكَالَتِهَا) بَانَتْ وَيَلْزَمُهَا مَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: الْأَكْثَرُ مِنْهُ وَمِمَّا سَمَّتْهُ. وَإِنْ أَضَافَ الْوَكِيلُ الخُلْعَ إِلَى نَفْسِهِ فَخُلْعُ أَجْنَبِيٍّ وَالمَالُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّ عَلَيْهَا مَا سَمَّتْ وَعَلَيْهِ الزِّيَادَةُ. وَيَجُوز تَوْكِيلُهُ ذِمِّيًّا وَعَبْدًا وَمَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ. وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي قَبْضِ الْعِوَضِ. وَالْأَصَحُّ: صِحَّةُ تَوْكِيلِهِ امْرَأَةً بِخُلْعِ زَوْجَتِهِ أَوْ طَلَاقِهَا. وَلَوْ وَكَّلَا رَجُلًا تَوَلَّى طَرَفًا، وَقِيلَ: الطَّرَفَيْنِ.

فَصْلٌ

الْفُرْقَةُ بِلَفْظِ الخُلْعِ طَلَاقٌ، وَفِي قَوْلٍ: فَسْخٌ لَا يُنْقِصُ عَدَدًا. فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَفْظُ الْفَسْخِ كِنَايَةٌ. وَالمُفَادَاةُ كَخُلْعٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَفْظُ الخُلْعِ صَرِيحٌ، وَفِي قَوْلٍ: كِنَايَةٌ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ جَرَى بِغَيْرِ ذِكْرِ مَالٍ وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ فِي الْأَصَحِّ. وَيَصِحُّ بِكِنَايَاتِ الطَّلَاقِ مَعَ النِّيَّةِ وَبِالْعَجَمِيَّةِ. وَلَوْ قَالَ: (بِعْتُكِ نَفْسَكِ بِكَذَا)، فَقَالَتْ: (اشْتَرَيْتُ) فَكِنَايَةُ خُلْعٍ. وَإِذَا بَدَأَ بِصِيغَةِ مُعَاوَضَةٍ كَـ(طَلَّقْتُكِ) أَوْ (خَالَعْتُكِ بِكَذَا) وَقُلْنَا: الخُلْعُ طَلَاقٌ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ فِيهَا شَوْبُ تَعْلِيقٍ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَبُولِهَا. وَيُشْتَرَطُ قَبُولُهَا بِلَفْظٍ غَيْرِ مُنْفَصِلٍ. فَلَوِ اخْتَلَفَ إِيجَابٌ وَقَبُولٌ كَـ(طَلَّقْتُكِ بِأَلْفٍ) فَقَبِلَتْ بِأَلْفَيْنِ وَعَكْسِهِ، أَوْ (طَلَّقْتُكِ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ) فَقَبِلَتْ وَاحِدَةً بِثُلُثِ أَلْفٍ فَلَغْوٌ. وَلَوْ قَالَ: (طَلَّقْتُكِ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ) فَقَبِلَتْ وَاحِدَةً بِأَلْفٍ فَالْأَصَحُّ: وُقُوعُ الثَّلَاثِ وَوُجُوبُ أَلْفٍ. وَإِنْ بَدَأَ بِصِيغَةِ تَعْلِيقٍ كَـ(مَتَى أَوْ مَتَى مَا أَعْطَيْتِنِي) فَتَعْلِيقٌ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا وَلَا الْإِعْطَاءُ فِي المَجْلِسِ، وَإِنْ قَالَ: (إِنْ، أَوْ إِذَا أَعْطَيْتِنِي) فَكَذَلِكَ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ إِعْطَاءٌ عَلَى الْفَوْرِ. وَإِنْ بَدَأَتْ بِطَلَبِ طَلَاقٍ فَأَجَابَ فَمُعَاوَضَةٌ فيها شَوْبُ جَعَالَةٍ فَلَهَا الرُّجُوعُ قَبْلَ جَوَابِهِ. وَيُشْتَرَطُ فَوْرٌ لِجَوَابِهِ. وَلَوْ طَلَبَتْ ثَلَاثًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَ طَلْقَةً بِثُلُثِهِ فَوَاحِدَةٌ بِثُلُثِهِ. وَإِذَا خَالَعَ أَوْ طَلَّقَ بِعِوَضٍ فَلَا رَجْعَةَ، فَإِنْ شَرَطَهَا فَرَجْعِيٌّ وَلَا مَالَ، وَفِي قَوْلٍ: بَاِئنٌ بِمَهْرِ مِثْلٍ. وَلَوْ قَالَتْ: (طَلِّقْنِي بِكَذَا) وَارْتَدَّتْ فَأَجَابَ إِنْ كَانَ قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ بَعْدَهُ وَأَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ بَانَتْ بِالرِّدَّةِ وَلَا مَالَ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا طَلُقَتْ بِالمَالِ. وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ كَلَامٍ يَسِيرٍ بَيْنَ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ.

فَصْلٌ

قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَوْ وَلِي عَلَيْكِ كَذَا) وَلَمْ يَسْبِقْ طَلَبُهَا بِمَالٍ وَقَعَ رَجْعِيًّا قَبِلَتْ أَمْ لَا، وَلَا مَالَ، فَإِنْ قَالَ: (أَرَدْتُ مَا يُرَادُ بِـ«طَلَّقْتُكِ بِكَذَا») وَصَدَّقَتْهُ فَكَهُوَ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ سَبَقَ بَانَتْ بِالمَذْكُورِ. وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْكِ كَذَا) فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَـ(طَلَّقْتُكِ بِكَذَا)، فَإِذَا قَبِلَتْ بَانَتْ وَوَجَبَ المَالُ. وَإِنْ قَالَ: (إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ)، فَضَمِنَتْ فِي الْفَوْرِ بَانَتْ وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ، وَإِنْ قَالَ: (مَتَى ضَمِنْتِ) فَمَتَى ضَمِنَتْ طَلُقَتْ، وَإِنْ ضَمِنَتْ دُونَ الْأَلْفِ لَمْ تَطْلُقْ، وَلَوْ ضَمِنَتْ أَلْفَيْنِ طَلُقَتْ، وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفًا)، فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ وَضَمِنْتُ) أَوْ عَكْسُهُ بَانَتْ بِأَلْفٍ، فَإِنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا فَلَا. وَإِذَا عَلَّقَ بِإِعْطَاءِ مَالٍ فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ طَلُقَتْ، وَالْأَصَحُّ: دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ قَالَ: (إِنْ أَقْبَضْتِنِي) فَقِيلَ: كَالْإِعْطَاءِ، وَالْأَصَحُّ: كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ فَلَا يَمْلِكُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْإِقْبَاضِ مَجْلِسٌ. قُلْتُ: وَيَقَعُ رَجْعِيًّا، وَيُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الصِّفَةِ أَخْذٌ بِيَدِهِ مِنْهَا وَلَوْ مُكْرَهَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ عَلَّقَ بِإِعْطَاءِ عَبْدٍ وَوَصَفَهُ بِصِفَةِ سَلَمٍ، فَأَعْطَتْهُ لَا بِالصِّفَةَ لَمْ تَطْلُقْ، أَوْ بِهَا مَعِيبًا فَلَهُ رَدُّهُ وَمَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُ سَليِمًا. وَلَوْ قَالَ: (عَبْدًا) طَلُقَتْ بِعَبْدٍ، إِلَّا مَغْصُوبًا فِي الْأَصَحِّ، وَلَهُ مَهْرُ مِثْلٍ، وَلَوْ مَلَكَ طَلْقَةً فَقَطْ فَقَالَتْ: (طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ)، فَطَلَّقَ الطَّلْقَةَ فَلَهُ أَلْفٌ، وَقِيلَ: ثُلُثُهُ، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَتِ الحَالَ فَأَلْفٌ، وَإِلَّا فَثُلُثُهُ، وَلَوْ طَلَبَتْ طَلْقَةً بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَ بِمِئَةٍ وَقَعَ بِمِئَةٍ، وَقِيلَ: بِأَلْفٍ، وَقِيلَ: لَا تَقَعُ. وَلَوْ قَالَتْ: (طَلِّقْنِي غَدًا بِأَلْفٍ)، فَطَلَّقَ غَدًا أَوْ قَبْلَهُ بَانَتْ بِمَهْرِ مِثْلٍ، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: بِالمُسَمَّى. وَإِنْ قَالَ: (إِذَا دَخَلْتِ الدَار فَأَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ)، فَقَبِلَتْ وَدَخَلَتْ طَلُقَتْ عَلَى الصَّحِيحِ بِالمُسَمَّى، وَفِي وَجْهٍ أَوْ قَوْلٍ: بِمَهْرِ مِثْلٍ. وَيَصِحُّ اخْتِلَاعُ أَجْنَبِيٍّ وَإِنْ كَرِهَتِ الزَّوْجَةُ، وَهُوَ كَاخْتِلَاعِهَا لَفْظًا وَحُكْمًا. وَلِوَكِيلَهَا أَنْ يَخْتَلِعَ لَهُ. وَلِأَجْنَبِيٍّ تَوْكِيلُهَا فَتَتَخَيَّرُ هِيَ. وَلَوِ اخْتَلَعَ رَجُلٌ وَصَرَّحَ بِوَكَالَتِهَا كَاذِبًا لَمْ تَطْلُقْ. وَأَبُوهَا كَأَجْنَبِيٍّ فَيَخْتَلِعُ بِمَالِهِ، فَإِنِ اخْتَلِعَ بِمَالِهَا وَصَرَّحَ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ لَمْ تَطْلُقْ أَوْ بِاسْتِقْلَالٍ فَخُلْعٌ بِمَغْصُوبٍ.

فَصْلٌ

ادَّعَتْ خُلْعًا فَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ قَالَ: (طَلَّقْتُكِ بِكَذَا) فَقَالَتْ: (مَجَّانًا) بَانَتْ وَلَا عِوَضَ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ عِوَضِهِ أَوْ قَدْرِهِ وَلَا بَيِّنَةَ تَحَالَفَا وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ. وَلَوْ خَالَعَ بِأَلْفٍ وَنَوَيَا نَوْعًا لَزِمَ، وَقِيلَ: مَهْرُ مِثْلٍ، وَلَوْ قَالَ: (أَرَدْنَا دَنَانِيرَ)، فَقَالَتْ: (بَلْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا) تَحَالَفَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ بِلَا تَحَالُفٍ فِي الثَّانِي.

كِتَابُ الطَّلاَقِ

يُشْتَرَطُ لِنُفُوذِهِ التَّكْلِيفُ إِلَّا السَّكْرَانَ. وَيَقَعُ بِصَرِيحِهِ بِلَا نِيَّةٍ، وَبِكِنَايَةٍ بِنِيَّةٍ. فَصَرِيحُهُ: الطَّلَاقُ، وَكَذَا الْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ عَلَى المَشْهُورِ كَـ(طَلَّقْتُكِ) وَ(أَنْتِ طَالِقٌ) وَ(مُطَلَّقَةٌ) وَ(يَا طَالِقُ)، لَا (أَنْتِ طَلاَقٌ وَالطَّلَاقُ) فِي الْأَصَحِّ. وَتَرْجَمَةُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ عَلَى المَذْهَبِ. وَ(أَطْلَقْتُكِ) وَ (أَنْتِ مُطْلَقَةٌ) كِنَايَةٌ. وَلَوِ اشْتَهَرَ لَفْظٌ لِلطَّلَاقِ كَـ (الحَلَالُ أَوْ حَلَالُ اللهِ عَلَيَّ حَرَامٌ) فَصَرِيحٌ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَكِنَايَتُهُ: كَـ (أَنْتِ خَلِيَّةٌ)، (بَرِيَّةٌ)، (بَتَّةٌ)، (بَتْلَةٌ)، (بَائِنٌ)، (اعْتَدِّى)، (اسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ)، (الْحَقِي بِأَهْلِكِ)، (حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ)، لَا (أَنْدَهُ سَرْبَكِ)، (اعْزُبِي)، (اغْرُبِي)، (دَعِينِي)، (وَدِّعِينِي)، وَنَحْوِهَا. وَالْإِعْتَاقُ كِنَايَةُ طَلَاقٍ وَعَكْسُهُ، وَلَيْسَ الطَّلَاقُ كِنَايَةَ ظِهَارٍ وَعَكْسُهُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) أَوْ (حَرَّمْتُكِ) وَنَوَى طَلَاقًا أَوْ ظِهَارًا حَصَلَ، أَوْ نَوَاهُمَا تَخَيَّرَ وَثَبَتَ مَا اخْتَارَهُ، وَقِيلَ: طَلَاقٌ، وَقِيلَ: ظِهَارٌ أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا لَمْ تَحْرُمْ. وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَذَا إِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ فِي الْأَظْهَرِ، وَالثَّانِي: لَغْوٌ. وَإِنْ قَالَهُ لِأَمَتِهِ وَنَوَى عَتْقَاً ثَبَتَ، أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا أَوْ لَا نِيَّةَ فَكَالزَّوْجَةِ. وَلَوْ قَالَ: (هَذَا الثَّوْبُ أَوِ الطَّعَامُ أَوِ الْعَبْدُ حَرَامٌ عَلَيَّ) فَلَغْوٌ. وَشَرْطُ نِيَّةِ الْكِنَايَةِ: اقْتِرَانُهَا بِكُلِّ اللَّفْظِ، وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلِهِ وَإِشَارَةُ نَاطِقٍ بِطَلَاقٍ لَغْوٌ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ. وَيُعْتَدُّ بِإِشَارَةِ أَخْرَسَ فِي الْعُقُودِ وَالحُلُولِ، فَإِنْ فَهِمَ طَلَاقَهُ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ فَصَرِيحَةٌ، وَإِنِ اخْتَصَّ بِفَهْمِهِ فَطِنُونَ فَكِنَايَةٌ. وَلَوْ كَتَبَ نَاطِقٌ طَلَاقًا، وَلَمْ يَنْوِهِ فَلَغْوٌ، وَإِنْ نَوَاهُ فَالْأَظْهَرُ: وُقُوعُهُ، فَإِنْ كَتَبَ: (إِذَا بَلَغَكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَإِنَّمَا تَطْلُقُ بِبُلُوغِهِ، وَإِنْ كَتَبَ: (إِذَا قَرَأْتِ كِتَابِي) وَهِيَ قَارِئَةٌ، فَقَرَأَتْهُ طَلُقَتْ، وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهَا فَلَا فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَارِئَةً فَقُرِئَ عَلَيْهَا طَلُقَتْ.

فَصْلٌ

لَهُ تَفْوِيضُ طَلَاقِهَا إِلَيْهَا. وَهُوَ تَمْلِيكٌ فِي الجَدِيدِ فَيُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ تَطْلِيقُهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ قَالَ: (طَلِّقِي نَفْسَكِ بِأَلْفٍ) فَطَلَّقَتْ بَانَتْ وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ، وَفِي قَوْلٍ: تَوْكِيلٌ، فَلَا يُشْتَرَطٌ الْفَوْرُ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبُولِهَا خِلَافُ الْوَكِيلِ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ: لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَطْلِيقِهَا. وَلَوْ قَالَ: (إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَطَلِّقِي) لَغَا عَلَى التَّمْلِيكِ. وَلَوْ قَالَ: (أَبِينِي نَفْسَكِ) فَقَالَتْ: (أَبَنْتُ) وَنَوَيَا وَقَعَ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي) فَقَالَتْ: (أَبَنْتُ) وَنَوَتْ، أَوْ (أَبِينِي) وَنَوَى، فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ) وَقَعَ. وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي) وَنَوَى ثَلَاثًا فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ) وَنَوَتْهُنَّ فَثَلَاثٌ، وَإِلَّا فَوَاحِدَةٌ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (ثَلَاثًا) فَوَحَّدَتْ أَوْ عَكْسُهُ فَوَاحِدَةٌ.

فَصْلٌ

مَرَّ بِلِسَانِ نَائِمٍ طَلَاقٌ لَغَا. وَلَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِطَلَاقٍ بِلَا قَصْدٍ لَغَا، وَلَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا إِلَّا بِقَرِينَةٍ. وَلَوْ كَانَ اسْمُهَا طَالِقًا فَقَالَ: (يَا طَالِقُ) وَقَصَدَ النِّدَاءَ لَمْ تَطْلُقْ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ اسْمُهَا طَارِقًا أَوْ طَالِبًا فَقَالَ: (يَا طَالِقُ) وَقَالَ: (أَرَدْتُ النِّدَاءَ فَالْتَفَّ الحَرْفُ) صُدِّقَ. وَلَوْ خَاطَبَهَا بِطَلاَقٍ هَازِلًا أَوْ لَاعِبًا، أَوْ وَهُوَ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً بِأَنْ كَانَتْ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ أَنْكَحَهَا لَهُ وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ وَقَعَ. وَلَوْ لَفَظَ عَجَمِيٌّ بِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ لَمْ يَقَعْ، وَقِيلَ: إِنْ نَوَى مَعْنَاهَا وَقَعَ. وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ مُكْرَهٍ، فَإِنْ ظَهَرَ قَرِينَةُ اخْتِيَارٍ بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى ثَلَاثٍ فَوَحَّدَ، أَوْ صَرِيحٍ أَوْ تَعْلِيقٍ فَكَنَّى أَوْ نَجَّزَ، أَوْ عَلَى (طَلَّقْتُ) فَسَرَّحَ، أَوْ بِالْعُكُوسِ وَقَعَ. وَشَرْطُ الْإِكْرَاهِ: قُدْرَةُ المُكْرِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ، وَعَجْزُ المُكْرَهِ عَنْ دَفْعِهِ بِهَرَبٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَظَنُّهُ أَنَّهُ إِنِ امْتَنَعَ حَقَّقَهُ. وَيَحْصُلُ بِتَخْوِيفٍ بِضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ إِتْلَافِ مَالٍ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ قَتْلٌ، وَقِيلَ: قَتْلٌ أَوْ قَطْعٌ أَوْ ضَرْبٌ مَخُوفٌ. وَلَا تُشْتَرَطُ التَّوْرِيَةُ بِأَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا، وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَهَا بِلَا عُذْرٍ وَقَعَ. وَمَنْ أَثِمَ بِمُزِيلِ عَقْلِهِ مِنْ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ نَفَذَ طَلَاقُهُ وَتَصَرُّفُهُ لَهُ وَعَلَيْهِ قَوْلًا وَفِعْلًا عَلَى المَذْهَبِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، وَقِيلَ: عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ: (رُبُعُكِ أَوْ بَعْضُكِ أَوْ جُزْؤُكِ أَوْ كَبِدُكِ أَوْ شَعْرُكِ أَوْ ظُفْرُكِ طَالِقٌ) وَقَعَ، وَكَذَا دَمُكِ عَلَى المَذْهَبِ، لَا فَضَلَةٌ كَرِيقٍ وَعَرَقٍ، وَكَذَا مَنِيٌّ وَلَبَنٌ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ لِمَقْطُوعَةِ يَمِينٍ: (يَمِينُكِ طَالِقٌ) لَمْ يَقَعْ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ قَالَ: (أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ) وَنَوَى تَطْلِيقَهَا طَلُقَتْ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا فَلَا، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَنْوِ إِضَافَتَهُ إِلَيْهَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ) اشْتُرِطَ نِيَّةُ الطَّلَاقِ، وَفِي الْإِضَافَةِ الْوَجْهَانِ. وَلَوْ قَالَ: (اسْتَبْرِئِي رَحِمِي مِنْكِ) فَلَغْوٌ، وَقِيلَ: إِنْ نَوَى طَلَاقَهَا وَقَعَ.

فَصْلٌ

خِطَابُ الْأَجْنَبِيَّةِ بِطَلَاقٍ، وَتَعْلِيقُهُ بِنِكَاحٍ وَغَيْرِهِ لَغْوٌ. وَالْأَصَحُّ: صِحَّةُ تَعْلِيقِ الْعَبْدِ ثَالِثَةً كَقَوْلِهِ: (إِنْ عَتَقْتُ أَوْ إِنْ دَخَلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا)، فَيَقَعْنَ إِذَا عَتَقَ أَوْ دَخَلَتْ بَعْد عِتْقِهِ. وَيَلْحَقُ رَجْعِيَّةً لَا مُخْتَلِعَةً. وَلَوْ عَلَّقَهُ بِدُخُولٍ فَبَانَتْ ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ لَمْ يَقَعْ إِنْ دَخَلَتْ فِي الْبَيْنُونَةِ، وَكَذَا إِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْأَظْهَرِ، وَفِي ثَالِثٍ: يَقَعُ إِنْ بَانَتْ بِدُونِ ثَلَاثٍ. وَلَوْ طَلَّقَ دُونَ ثَلَاثٍ وَرَاجَعَ أَوْ جَدَّدَ وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ عَادَتْ بِبَقِيَّةِ الثَّلَاثِ، وَإِنْ ثَلَّثَ عَادَتْ بِثَلَاثٍ. وَلِلْعَبْدِ طَلْقَتَانِ فَقَطْ، وَلِلْحُرِّ ثَلَاثٌ. وَيَقَعُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَيَتَوَارَثَانِ فِي عِدَّةِ رَجْعِيٍّ لَا بَائِنٍ، وَفِي الْقَدِيمِ: تَرِثُهُ.

فَصْلٌ

قَالَ: (طَلَّقْتُكِ) أَوْ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَنَوَى عَدَدًا وَقَعَ، وَكَذَا الْكِنَايَةُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً) وَنَوَى عَدَدًا فَوَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: المَنْوِيُّ. قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ وَاحِدَةٌ) وَنَوَى عَدَدًا فَالمَنْوِيُّ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا) فَمَاتَتْ قَبْلَ تَمَامِ طَالِقٌ لَمْ يَقَعْ، أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ ثَلَاثٍ فَثَلَاثٌ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ. وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ) وَتَخَلَّلَ فَصْلٌ فَثَلَاثٌ، وَإِلَّا فَإِنْ قَصَدَ تَأْكِيدًا فَوَاحِدَةٌ، أَوِ اسْتِئْنَافًا فَثَلَاثٌ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الْأَظْهَرِ، وَإِنْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ تَأْكِيدًا وَبِالثَّالِثَةِ اسْتِئْنَافًا أَوْ عَكَسَ فَثِنْتَانِ، أَوْ بِالثَّالِثَةِ تَأْكِيدَ الْأُولَى فَثَلَاثٌ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ) صَحَّ قَصْدُ تَأْكِيدِ الثَّانِي بِالثَّالِثِ، لَا الْأَوَّلِ بِالثَّانِي. وَهَذِهِ الصُّوَرُ فِي مَوْطُوءَةٍ، فَلَوْ قَالَهُنَّ لِغَيْرِهَا فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ قَالَ: لِهَذِهِ: (إِنْ دَخَلْتِ الدَّار فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ) فَدَخَلَتْ فَثِنْتَانِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ لِمَوْطُوءَةٍ: (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَ أَوْ مَعَهَا طَلْقَةٌ) فَثِنْتَانِ، وَكَذَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ أَوْ بَعْدَهَا طَلْقَةٌ) فَثِنْتَانِ فِي مَوْطُوءَةٍ، وَطَلْقَةٌ فِي غَيْرِهَا. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ أَوْ قَبْلَهَا طَلْقَةٌ) فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً فِي طَلْقَةٍ) وَأَرَادَ مَعَ فَطَلْقَتَانِ، أَوِ الظَّرفَ أَوِ الْحِسَابَ أَوْ أَطْلَقَ فَطَلْقَةٌ، وَلَوْ قَالَ: (نِصْفَ طَلْقَةٍ فِي نِصْفِ طَلْقَةٍ) فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً فِي طَلْقَتَيْنِ) وَقَصَدَ مَعِيَّةً فَثَلَاثٌ، أَوْ ظَرْفًا فَوَاحِدَةٌ، أَوْ حِسَابًا وَعَرَفَهُ فَثِنْتَانِ، وَإِنْ جَهِلَهُ وَقَصَدَ مَعْنَاهُ فَطَلْقَةٌ، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَطَلْقَةٌ. وَفِي قَوْلٍ: ثِنْتَانِ إِنْ عَرَفَ حِسَابًا. وَلَوْ قَالَ: (بَعْضَ طَلْقَةٍ) فَطَلْقَةٌ أَوْ (نِصْفَيْ طَلْقَةٍ) فَطَلْقَةٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ كُلَّ نِصْفٍ مِنْ طَلْقَةٍ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ قَوْلَهُ: (نِصْفَ طَلْقَتَيْنِ) طَلْقَةٌ، وَ (ثَلَاثَةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ) أَوْ (نِصْفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ) طَلْقَتَانِ. وَلَوْ قَالَ: (نِصْفَ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ) فَطَلْقَةٌ. وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: (أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا) وَقَعَ عَلَى كُلٍّ طَلْقَةٌ، فَإِنْ قَصَدَ تَوْزِيعَ كُلِّ طَلْقَةٍ عَلَيْهِنَّ وَقَعَ فِي ثِنْتَيْنِ ثِنْتَانِ، وَفِي ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ ثَلَاثٌ، فَإِنْ قَالَ: (أَرَدْتُ بَيْنَكُنَّ بَعْضَهُنَّ) لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ طَلَّقَهَا ثُمَّ قَالَ لِلْأُخْرَى: (أَشْرَكْتُكِ مَعَهَا) أَوْ (أَنْتِ كَهِيَ) فَإِنْ نَوَى طَلُقَتْ، وَإِلَّا فَلَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ آخَرُ ذَلِكَ لِامْرَأَتِهِ.

فَصْلٌ

يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ بِشَرْطِ اتِّصَالِهِ، وَلَا يَضُرُّ سَكْتَةُ تَنَفُّسٍ وَعِيٍّ. قُلْتُ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ الِاسْتِثْنَاءَ قَبْلَ فَرَاغِ الْيَمِينِ فِي الْأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ، وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً) فَوَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ. أَوْ (ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً) فَثَلَاثٌ، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ. وَهُوَ مِنْ نَفْيٍ إِثْبَاتٌ وَعَكْسُهُ، فَلَوْ قَالَ: (ثَلَاثًا إِلَّا ثِنْتَيْنِ إِلَّا طَلْقَةً) فَثِنْتَانِ، أَوْ (ثَلَاثًا إِلَّا ثَلَاثًا إِلَّا ثِنْتَيْنِ) فَثِنْتَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، وَقِيلَ: طَلْقَةٌ. أَوْ (خَمْسًا إِلَّا ثَلَاثًا) فَثِنْتَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ. أَوْ (ثَلَاثًا إِلَّا نِصْفَ طَلْقَةٍ) فَثَلَاثٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ) أَوْ (إِنْ لَمْ يَشَأِ اللهُ) وَقَصَدَ التَّعْلِيقَ لَمْ يَقَعْ، وَكَذَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ تَعْلِيقٍ وَعِتْقٍ وَيَمِينٍ وَنَذْرٍ وَكُلِّ تَصَرُّفٍ. وَلَوْ قَالَ: (يَا طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللهُ) وَقَعَ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ) فَلَا فِي الْأَصَحِّ.

فَصْلٌ

شَكَّ فِي طَلَاقٍ فَلَا، أَوْ فِى عَدَدٍ فَالْأَقَلُّ، وَلَا يَخْفَى الْوَرَعُ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ ذَا الطَّائِرُ غُرَابًا فَأَنْتِ طَالِقٌ)، وقَالَ آخَرُ: (إِنْ لَمْ يَكُنْهُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ) وَجُهِلَ لَمْ يُحْكَمْ بِطَلَاقِ أَحَدٍ، فَإِنْ قَالَهُمَا رَجُلٌ لِزَوْجَتَيْهِ طَلُقَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَزِمَهُ الْبَحْثُ وَالْبَيَانُ. وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا ثُمَّ جَهِلَهَا وُقِفَ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَلَا يُطَالَبُ بِبَيَانٍ إِنْ صَدَّقْنَاهُ فِي الجَهْلِ. وَلَوْ قَالَ لَهَا وَلِأَجْنَبِيَّةٍ: (إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ) وَقَالَ: (قَصَدْتُ الْأَجْنَبِيَّةَ) قُبِلَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (زَيْنَبُ طَالِقٌ) وَقَالَ: (قَصَدْتُ أَجْنَبِيَّةً) فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: (إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ) وَقَصَدَ مُعَيَّنَةً طَلُقَتْ، وَإِلَّا فَإِحْدَاهُمَا، وَيَلْزَمُهُ الْبَيَانُ فِي الحَالَةِ الْأُولَى، وَالتَّعْيِينُ فِي الثَّانِيَةِ، وَتُعْزَلَانِ عَنْهُ إِلَى الْبَيَانِ أَوِ التَّعْيِينِ، وَعَلَيْهِ الْبِدَارُ بِهِمَا، وَنَفَقَتُهُمَا فِي الحَالِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِاللَّفْظِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُعَيِّنْ فَعِنْدَ التَّعْيِينِ، وَالْوَطْءُ لَيْسَ بَيَانًا وَلَا تَعْيِينًا، وَقِيلَ: تَعْيِينٌ. وَلَوْ قَالَ مُشِيرًا إِلَى وَاحِدَةٍ: (هَذِهِ المُطَلَّقَةُ) فَبَيَانٌ أَوْ (أَرَدْتُ هَذِهِ وَهَذِهِ) أَوْ (هَذِهِ بَلْ هَذِهِ) حُكِمَ بِطَلَاقِهِمَا. وَلَوْ مَاتَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ بَيَانٍ وَتَعْيِينٍ بَقِيَتْ مُطَالَبَتُهُ لِبَيَانِ الْإِرْثِ. وَلَوْ مَاتَ فَالْأَظْهَرُ: قَبُولُ بَيَانِ وَارِثِهِ لَا تَعْيِينِهِ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ غُرَابًا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَإِلَّا فَعَبْدِي حُرٌّ) وَجُهِلَ مُنِعَ مِنْهُمَا إِلَى الْبَيَانِ، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يُقْبَلْ بَيَانُ الْوَارِثِ عَلَى المَذْهَبِ، بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالمَرْأَةِ فَإِنْ قَرَعَ عَتَقَ، أَوْ قَرَعَتْ لَمْ تَطْلُقْ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرِقُّ.

فَصْلٌ

الطَّلَاقُ سُنِّيٌّ وَبِدْعِيٌّ، وَيَحْرُمُ الْبِدْعِيُّ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: طَلَاقٌ فِي حَيْضِ مَمْسُوسَةٍ، وَقِيلَ: إِنْ سَأَلَتْهُ لَمْ يَحْرُمْ وَيَجُوزُ خُلْعُهَا فِيهِ لَا أَجْنَبِيٍّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ حَيْضِكِ) فَسُنِّيٌّ فِي الْأَصَحِّ، أَوْ (مَعَ آخِرِ طُهْرٍ) لَمْ يَطَأْهَا فِيهِ فَبِدْعِيٌّ عَلَى المَذْهَبِ. وَطَلَاقٌ فِي طُهْرٍ وَطِئَ فِيهِ مَنْ قَدْ تَحْبَلُ وَلَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ، فَلَوْ وَطِئَ حَائِضًا وَطَهُرَتْ فَطَلَّقَهَا فَبِدْعِيٌّ فِي الْأَصَحِّ، وَيَحِلُّ خُلْعُهَا، وَطَلَاقُ مَنْ ظَهَرَ حَمْلُهَا. وَمَنْ طَلَّقَ بِدْعِيًّا سُنَّ لَهُ الرَّجْعَةُ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ بَعْدَ طُهْرٍ. وَلَوْ قَالَ لِحَائِضٍ: (أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ) وَقَعَ فِي الحَالِ أَوْ (لِلسُّنَّةِ) فَحِينَ تَطْهُرُ، أَوْ لِمَنْ فِي طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ: (أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ) وَقَعَ فِي الحَالِ وَإِنْ مُسَّتْ فِيهِ فَحِينَ تَطْهُرُ بَعْدَ حَيْضٍ، أَوْ (لِلْبِدْعَةِ) فَفِي الحَالِ إِنْ مُسَّتْ فِيهِ، وَإِلَّا فَحِينَ تَحِيضُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً أَوْ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أَوْ أَجْمَلَهُ) فَكَالْسُّنَّةِ وَ(طَلْقَةً قَبِيحَةً أَوْ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ أَوْ أَفْحَشَهُ) فَكَالْبِدَعَةِ أَوْ (سُنِّيَّةً بِدْعِيَّةً) أَوْ (حَسَنَةً قَبِيحَةً) وَقَعَ فِي الحَالِ. وَلَا يَحْرُمُ جَمْعُ الطَّلْقَاتِ، وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا) أَوْ (ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ) وَفَسَّرَ بِتَفْرِيقِهَا عَلَى الْأَقرَاءِ لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الجَمْعِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُدَيَّنُ، وَيُدَيَّنُ مَنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ) وَقَالَ: (أَرَدْتُ إِنْ دَخَلْتِ أَوْ إِنْ شَاءَ زَيْدٌ). وَلَوْ قَالَ: (نِسَائِي طَوَالِقُ) أَوْ (كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ) وَقَالَ: (أَرَدْتُ بَعْضَهُنَّ) فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا إِلَّا لِقَرِينَةٍ بِأَنْ خَاصَمَتْهُ وَقَالَتْ: (تَزَوَّجْتَ) فَقَالَ: (كُلُّ امْرَأَةٍ لِي طَالِقٌ) وَقَالَ: (أَرَدْتُ غَيْرَ المُخَاصِمَةِ).

فَصْلٌ

قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا) أَوْ (فِي غُرَّتِهِ) أَوْ (أَوَّلِهِ) وَقَعَ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ. أَوْ (فِي نَهَارِهِ) أَوْ (أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ) فَبِفَجْرِ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهُ. أَوْ (آخِرِهِ) فَبِآخِرِ جُزْءٍ مِنَ الشَّهْرِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ النِّصْفِ الآخِرِ. وَلَوْ قَالَ لَيْلًا: (إِذَا مَضَى يَوْمٌ) فَبِغُرُوبِ شَمْسِ غَدِهِ، أَوْ نَهَارًا فَفِي مِثْلِ وَقْتِهِ مِنْ غَدِهِ، أَوِ (الْيَوْمُ) فَإِنْ قَالَهُ نَهَارًا فَبِغُرُوبِ شَمْسِهِ، وَإِلَّا لَغَا. وَبِهِ يُقَاسُ شَهْرٌ وَسَنَةٌ. أَوْ (أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ) وَقَصَدَ أَنْ يَقَعَ فِي الحَالِ مُسْتَنِدًا إِلَيْهِ وَقَعَ فِي الحَالِ، وَقِيلَ: لَغْوٌ، أَوْ قَصَدَ أَنَّهُ طَلَّقَ أَمْسِ وَهِيَ الْآنَ مُعْتَدَّةٌ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ قَالَ: (طَلَّقْتُ فِي نِكَاحٍ آخَرَ) فَإِنْ عُرِفَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَأَدَوَاتُ التَّعْلِيقِ: «مَنْ» كَـ(مَنْ دَخَلَتْ)، وَ«إِنْ» وَ«إِذَا» وَ«مَتَى» وَ«مَتَى مَا» وَ«كُلَّمَا» وَ«أَيُّ» كَـ«أَيُّ وَقْتٍ دَخَلْتِ»، وَلَا يَقْتَضِينَ فَوْرًا إِنْ عَلَّقَ بِإِثْبَاتٍ فِي غَيْرِ خُلْعٍ إِلَّا (أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ)، وَلَا تَكَرُّرًا إِلَّا «كُلَّمَا». وَلَوْ قَالَ: (إِذَا طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ) ثُمَّ طَلَّقَ، أَوْ عَلَّقَ بِصِفَةٍ فَوُجِدَتْ فَطَلْقَتَانِ، أَوْ (كُلَّمَا وَقَعَ طَلَاقِي) فَطَلَّقَ فَثَلَاثٌ فِي مَمْسُوسَةٍ وَفِي غَيْرِهَا طَلْقَةٌ. وَلَوْ قَالَ: وَتَحْتَهُ أَرْبَعٌ: (إِنْ طَلَّقَتُ وَاحِدَةً فَعَبْدٌ حُرٌّ، وَإِنْ ثِنْتَيْنِ فَعَبْدَانِ، وَإِنْ ثَلَاثًا فَثَلَاثَةٌ، وَإِنْ أَرْبَعًا فَأَرْبَعَةٌ فَطَلَّقَ أَرْبَعًا مَعًا أَوْ مُرَتِّبًا عَتَقَ عَشَرَةٌ)، وَلَوْ عَلَّقَ بِـ«كُلَّمَا» فَخَمْسَةَ عَشَرَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ عَلَّقَ بِنَفْيِ فِعْلٍ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ عَلَّقَ بِـ«إِنْ» كَـ(إِنْ لَمْ تَدْخُلِي) وَقَعَ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنَ الدُّخُولِ، أَوْ بِغَيْرِهَا فَعِنْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْتِ أَوْ أَنْ لَمْ تَدْخُلِي) بِفَتْحِ «أَنْ» وَقَعَ فِي الحَالِ. قُلْتُ: إِلَّا فِي غَيْرِ نَحْوِيٍّ فَتَعْلِيقٌ فِي الْأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

عَلَّقَ بِحَمْلٍ فَإِنْ كَانَ حَمْلٌ ظَاهِرٌ وَقَعَ، وَإِلَّا فَإِنْ وَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ التَّعْلِيقِ بَانَ وُقُوعُهُ، أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، أَوْ بَيْنَهُمَا وَوُطِئَتْ وَأَمْكَنَ حُدُوثُهُ بِهِ فَلَا، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ: وُقُوعُهُ. وَإِنْ قَالَ: (إِنْ كُنْتِ حَامِلًا بِذَكَرٍ فَطَلْقَةً أَوْ أُنْثَى فَطَلْقَتَيْنِ) فَوَلَدَتْهُمَا وَقَعَ ثَلَاثٌ أَوْ (إِنْ كَانَ حَمْلُكِ ذَكَرًا فَطَلْقَةً أَوْ أُنْثَى فَطَلْقَتَيْنِ) فَوَلَدَتْهُمَا لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، أَوْ (إِنْ وَلَدْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَوَلَدَتِ اثْنَيْنِ مُرَتَّبًا طَلُقَتْ بِالْأَوَّلِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا بِالثَّانِي. وَإِنْ قَالَ: (كُلَّمَا وَلَدْتِ) فَوَلَدَتْ ثَلَاثَةً مِنْ حَمْلٍ وَقَعَ بِالْأَوَّلَيْنِ طَلْقَتَانِ وَانْقَضَتْ بِالثَّالِثِ، وَلَا يَقَعُ بِهِ ثَالِثَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: (كُلَّمَا وَلَدَتْ وَاحِدَةٌ فَصَوَاحِبُهَا طَوَالِقُ) فَوَلَدْنَ مَعًا طَلُقْنَ ثَلَاثًا ثَلاثًا، أَوْ مُرَتَّبًا طَلَقَتِ الرَّابِعَةُ ثَلَاثًا، وَكَذَا الْأُولَى إِنْ بَقِيَتْ عِدَّتُهَا، وَالثَّانِيَةُ طَلْقَةً، وَالثَّالِثَةُ طَلْقَتَيْنِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهُمَا بِوِلَادَتِهِمَا، وَقِيلَ: لَا تَطْلُقُ الْأُولَى وَتَطْلُقُ الْبَاقِيَاتُ طَلْقَةً طَلْقَةً، وَإِنْ وَلَدَتْ ثِنْتَانِ مَعًا ثُمَّ ثِنْتَانِ مَعًا طَلَقَتِ الْأُولَيَانِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقِيلَ: طَلْقَةً وَالْأُخْرَيَانِ طَلْقَتَيْنِ طَلْقَتَيْنِ. وَتُصَدَّقُ بِيَمِينِهَا فِي حَيْضِهَا إِذَا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِهِ، لَا فِي وِلَادَتِهَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا تُصَدَّقُ فِيهِ فِي تَعْلِيقِ غَيْرِهَا. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ) فَزَعَمَتَاهُ وَكَذَّبَهُمَا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَلَا يَقَعُ، وَإِنْ كَذَّبَ وَاحِدَةً طَلَقَتْ فَقَطْ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ أَوْ إِذَا أَوْ مَتَى طَلَّقْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا) فَطَلَّقْهَا وَقَعَ المُنَجَّزُ فَقَطْ، وَقِيلَ: ثَلَاثٌ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْكِ أَوْ آلَيْتُ أَوْ لَاعَنْتُ أَوْ فَسَخْتُ بِعَيْبِكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ ثَلَاثًا) ثُمَّ وُجِدَ المُعَلَّقُ بِهِ فَفِي صِحَّتِهِ الْخِلَافُ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ وَطِئْتُكِ مُبَاحًا فَأَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَهُ) ثُمَّ وَطِئَ لَمْ يَقَعْ قَطْعًا. وَلَوْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَتِهَا خِطَابًا اشْتُرِطَتْ عَلَى الْفَوْرِ، أَوْ غَيْبَةً أَوْ بِمَشِيئَةِ أَجْنَبِيٍّ فَلَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ المُعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ: (شِئْتُ) كَارِهًا بِقَلْبِهِ وَقَعَ، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ بَاطِنًا. وَلَا يَقَعُ بِمَشِيئَةِ صَبِيِّ وَصَبِيَّةٍ، وَقِيلَ: يَقَعُ بِمُمَيِّزٍ. وَلَا رُجُوعَ لَهُ قَبْلَ المَشِيئَةِ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ طَلْقَةً) فَشَاءَ طَلْقَةً لَمْ تَطْلُقْ، وَقِيلَ: تَقَعُ طَلْقَةً. وَلَوْ عَلَّقَ بِفِعْلِهِ فَفَعَلَ نَاسِيًا لِلتَّعْلِيقِ أَوْ مُكْرَهًا لَمْ تَطْلُقْ فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يُبَالِي بِتَعْلِيقِهِ وَعَلِمَ بِهِ فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَيَقَعُ قَطْعًا.

فَصْلٌ

قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ) وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ لَمْ يَقَعْ عَدَدٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، فَإِنْ قَالَ مَعَ ذَلِكَ: (هَكَذَا) طَلَقَتْ فِي إِصْبَعَيْنِ طَلْقَتَيْنِ وَفِي ثَلَاثٍ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَالَ: (أَرَدْتُ بِالْإِشَارَةِ المَقْبُوضَتَيْنِ) صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَلَوْ قَالَ عَبْدٌ: (إِذَا مَاتَ سَيِّدِي فَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَينِ)، وَقَالَ سَيِّدُهُ: (إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ) فَعَتَقَ بِهِ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ بَلْ لَهُ الرَّجْعَةُ، وَتَجْدِيدٌ قَبْلَ زَوْجٍ. وَلَوْ نَادَى إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ فَأَجَابَتْهُ الْأُخْرَى فَقَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ) وَهُوَ يَظُنُّهَا المُنَادَاةَ لَمْ تَطْلُقِ المُنَادَاةُ وَتَطْلُقُ المُجِيبَةُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ عَلَّقَ بِأَكْلِ رُمَّانَةً وَعَلَّقَ بِنِصْفٍ فَأَكَلَتْ رُمَّانَةً فَطَلْقَتَانِ. وَالحَلِفُ بِالطَّلَاقِ: مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَثٌّ أَوْ مَنْعٌ أَوْ تَحْقِيقُ خَبَرٍ فَإِذَا قَالَ: (إِنْ حَلَفْتُ بِطَلَاقٍ فَأَنْتِ طَالِقٌ) ثُمَّ قَالَ: (إِنْ لَمْ تَخْرُجِي أَوْ إِنْ خَرَجْتِ أَوْ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا قُلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ) وَقَعَ المُعَلَّقُ بِالحَلِفِ، وَيَقَعُ الْآخَرُ إِنْ وُجِدَتْ صِفَتُهُ، وَلَوْ قَالَ: (إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أَوْ جَاءَ الحُجَّاجُ فَأَنْتِ طَالِقٌ) لَمْ يَقَعِ المُعَلَّقُ بِالحَلِفِ. وَلَوْ قِيلَ لَهُ اسْتِخْبَارًا: (أَطَلَّقْتَهَا؟) فَقَالَ: (نَعَمْ) فَإِقْرَارٌ بِهِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ مَاضِيًا وَرَاجَعْتُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ قِيلَ ذَلِكَ الْتِمَاسًا لَإِنْشَاءٍ فَقَالَ: (نَعَمْ) فَصَرِيحٌ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ.

فَصْلٌ

عَلَّقَ بِأَكْلِ رَغِيفٍ أَوْ رُمَّانَةٍ فَبَقِيَ لُبَابَةٌ أَوْ حُبَّةٌ لَمْ يَقَعْ. وَلَوْ أَكَلَا تَمْرًا وَخَلَطَا نَوَاهُمَا فَقَالَ: (إِنْ لَمْ تُمَيِّزِي نَوَاكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَجَعَلَتْ كُلَّ نَوَاةٍ وَحْدَهَا لَمْ يَقَعْ إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ تَعْيِينًا. وَلَوْ كَانَ بِفَمِهَا تَمْرَةٌ فَعَلَّقَ بِبَلْعِهَا ثُمَّ بِرَمْيِهَا ثُمَّ بِإِمْسَاكِهَا فَبَادَرَتْ مَعَ فَرَاغِهِ بِأَكْلِ بَعْضٍ وَرَمْيِ بَعْضٍ لَمْ يَقَعْ. وَلَوِ اتَّهَمَهَا بِسَرِقَةٍ فَقَالَ: (إِنْ لَمْ تَصْدُقِيِني فَأَنْتِ طَالِقٌ) فَقَالَتْ: (سَرَقْتُ مَا سَرَقْتُ) لَمْ تَطْلُقْ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ لَمْ تُخْبِرِينِي بِعَدَدِ حَبِّ هَذِهِ الرُّمَّانَةِ قَبْلَ كَسْرِهَا) فَالخَلَاصُ: أَنْ تَذْكُرَ عَدَدًا يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَنْقُصُ عَنْهُ، ثُمَّ تَزِيدُ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى تَبْلُغَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ، وَالصُّورَتَانِ فِيمَنْ لَمْ يَقْصِدْ تَعْرِيفًا. وَلَوْ قَالَ لِثَلَاثٍ: (مَنْ لَمْ تُخْبِرْنِي بِعَدَدِ رَكَعَاتِ فَرَائِضِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَهِيَ طَالِقٌ) فَقَالَتْ وَاحِدَةٌ: (سَبْعَ عَشْرَةَ)، وَأُخْرَى: (خَمْسَ عَشْرَةَ) أَيْ: يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَثَالِثَةٌ: (إِحْدَى عَشْرَةَ)، أَيْ: لِمُسَافِرٍ لَمْ يَقَعْ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ إِلَى حِينٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ بَعْدَ حِينٍ) طَلَقَتْ بِمُضِيِّ لَحْظَةٍ. وَلَوْ عَلَّقَ بِرُؤْيَةِ زَيْدٍ أَوْ لَمْسِهِ وَقَذْفِهِ تَنَاوَلَهُ حَيًّا وَمَيْتًا، بِخِلَافِ ضَرْبِهِ. وَلَوْ خَاطَبَتْهُ بِمَكْرُوهٍ كَـ(يَا سَفِيهُ يَا خَسِيسُ) فَقَالَ: (إِنْ كُنْتُ كَذَاكَ فَأَنْتِ طَالِقٌ) إِنْ أَرَادَ مُكَافَأَتَهَا بِإِسْمَاعِ مَا تَكْرَهُ طَلَقَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَفَهٌ، أَوِ التَّعْلِيقَ اعْتُبِرَتِ الصِّفَةُ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِي الْأَصَحِّ. وَالسَّفَهُ: مُنَافٍ إِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ. وَالخَسِيسُ: قِيلَ: مَنْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَاهُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَنْ يَتَعَاطَى غَيْرَ لَائِقٍ بِهِ بُخْلًا.

كِتَابُ الرَّجْعَةِ

شَرْطُ المُرْتَجِعِ: أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ طَلَّقَ فَجُنَّ فَلِلْولِيِّ الرَّجْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ حَيْثُ لَهُ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ. وَتَحْصُلُ بِـ(رَاجَعْتُكِ) وَ(رَجَعْتُكِ) وَ(ارْتَجَعْتُكِ). وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الرَّدَّ وَالْإِمْسَاكَ صَرِيحَانِ، وَأَنَّ التَّزْوِيجَ وَالنِّكَاحَ كِنَايَتَانِ. وَلْيَقُلْ: (رَدَدْتُهَا إِلَيَّ أَوْ إِلَى نِكَاحِي). وَالجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ، فَتَصِحُّ بِكِنَايَةٍ. وَلَا تَقْبَلُ تَعْلِيقًا، وَلَا تَحْصُلُ بِفِعْلٍ كَوَطْءٍ. وَتَخْتَصُّ الرَّجْعَةُ بِمَوْطُوءَةٍ طُلِّقَتْ بِلَا عِوَضٍ لَمْ يُسْتَوْفَ عَدَدُ طَلَاقِهَا، بَاقِيَةٍ فِي الْعِدَّةِ، مَحَلٍّ لِحِلٍّ، لَا مُرْتَدَّةٍ. وَإِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّةِ أَشْهُرٍ وَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ وَضْعَ حَمْلٍ لِمُدَّةِ إِمْكَانٍ، وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ لَا آيِسَةُ فَالْأَصَحُّ: تَصْدِيقُهَا بِيَمِينٍ. وَإِنِ ادَّعَتْ وِلَادَةَ تَامٍّ فَإِمْكَانُهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَانِ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ، أَوْ سِقْطٍ مُصَوَّرٍ فَمِئَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أَوْ مُضْغَةٍ بِلَا صُورَةٍ فَثَمَانُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ. أَوِ انْقِضَاءَ أَقْرَاءٍ فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً وَطُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ فَأَقَلُّ الْإِمْكَانِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أَوْ فِي حَيْضٍ فَسَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَلَحْظَةٌ، أَوْ أَمَةً وَطَلَقَتْ فِي طُهْرٍ فَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أَوْ حَيْضٍ فَأَحَدٌ وَثَلاثُونَ وَلَحْظَةٌ. وَتُصَدَّقُ إِنْ لَمْ تُخَالِفْ عَادَةً دَائِرَةً، وَكَذَا إِنْ خَالَفَتْ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَطِئَ رَجْعِيَّةً وَاسْتَأْنَفَتِ الْأَقْرَاءَ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ رَاجَعَ فِيمَا كَانَ بَقِيَ. وَيَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا، فَإِنْ وَطِئَ فَلَا حَدَّ، وَلَا يُعَزَّرُ إِلَّا مُعْتَقِدُ تَحْرِيمِهِ، وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ لَمْ يُرَاجِعْ، وَكَذَا إِنْ رَاجَعَ عَلَى المَذْهَبِ. وَيَصِحُّ إِيَلَاءٌ وَظِهَارٌ وَطَلَاقٌ وَلِعَانٌ وَيَتَوَارَثَانِ. وَإِذَا ادَّعَى وَالْعِدَّةُ مُنْقَضِيَةٌ رَجْعَةً فِيهَا فَأَنْكَرَتْ فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ الِانْقِضَاءِ كَيَوْمِ الجُمُعَةِ، وَقَالَ: (رَاجَعْتُ يَوْمَ الخَمِيسِ) فَقَالَتْ: (بَلْ يَوْمَ السَّبْتِ) صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا، أَوْ عَلَى وَقْتِ الرَّجْعَةِ كَيَوْمِ الجُمُعَةِ، وَقَالَتْ: (انْقَضَتِ الخَمِيسَ) وَقَالَ: (السَّبْتَ) صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ تَنَازَعَا فِي السَّبْقِ بِلَا اتِّفَاقٍ فَالْأَصَحُّ: تَرْجِيحُ سَبْقِ الدَّعْوَى فَإِنِ ادَّعَتِ الِانْقِضَاءَ ثُمَّ ادَّعَى رَجْعَةً قَبْلَهُ صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا، أَوِ ادَّعَاهَا قَبْلَ انْقِضَاءٍ فَقَالَتْ: (بَعْدَهُ) صُدِّقَ. قُلْتُ: فَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا صُدِّقَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى ادَّعَاهَا وَالْعِدَّةُ بَاقِيَةٌ صُدِّقَ. وَمَتَى أَنْكَرَتْهَا وَصُدِّقَتْ ثُمَّ اعْتَرَفَتْ قُبِلَ اعْتِرَافُهَا. وَإِذَا طَلَّقَ دُونَ ثَلاَثٍ وَقَالَ: (وَطِئْتُ فَلِيَ الرَّجْعَةُ) فَأَنْكَرَتْ صُدِّقَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِالمَهْرِ، فَإِنْ قَبَضَتْهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَا تُطَالِبُهُ إِلَّا بِالنِّصْفِ.

كِتَابُ الْإِيلَاءِ

هُوَ حَلِفُ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَيَمْتَنِعَنَّ مِنْ وَطْئِهَا مُطْلَقًا، أَوْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَالجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالحَلِفِ بِاللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، بَلْ لَوْ عَلَّقَ بِهِ طَلَاقًا أَوْ عِتْقًا، أَوْ قَالَ: (إِنْ وَطِئْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ عِتْقٌ) كَانَ مُولِيًا. وَلَوْ حَلَفَ أَجْنَبِيٌّ عَلَيْهِ فَيَمِينٌ مَحْضَةٌ، فَإِنْ نَكَحَهَا فَلَا إِيَلَاءَ. وَلَوْ آلَى مِنْ رَتْقَاءَ، أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ آلَى مَجْبُوبٌ لَمْ يَصِحَّ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ قَالَ: (وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتْ فَوَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) وَهَكَذَا مِرَارًا فَلَيْسَ بِمُولٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ)، فَإِذَا مَضَتِ فَوَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ سَنَةً فَإِيلَاءَان لِكُلٍّ حُكْمُهُ. وَلَوْ قَيَّدَ بِمُسْتَبْعَدِ الحُصُولِ فِي الْأَرْبَعَةِ كَنُزُولِ عِيسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُولٍ، وَإِنْ ظَنَّ حُصُولَهُ قَبْلَهَا فَلَا، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَفْظُهُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ. فَمِنْ صَرِيحِهِ: تَغْيِيبُ ذَكَرٍ بِفَرْجٍ، وَوَطْءٌ، وَجِمَاعٌ، وَافْتِضَاضُ بِكْرٍ. وَالجَدِيدُ: أنَّ مُلَامَسَةً وَمُبَاضَعَةً وَمُبَاشَرَةً وَإِتْيَانًا وَغِشْيَانًا وَقِرْبَانًا وَنَحْوَهَا كِنَايَاتٌ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ وَطِئْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ) فَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ زَالَ الْإِيلَاءُ. وَلَوْ قَالَ: (فَعَبْدِي حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي) وَكَانَ ظَاهَرَ فَمُولٍ، وَإِلَّا فَلَا ظِهَارَ وَلَا إِيلَاءَ بَاطِنًا، وَيُحْكَمُ بِهِمَا ظَاهِرًا، وَلَوْ قَالَ: (عَنْ ظِهَارِي إِنْ ظَاهَرْتُ) فَلَيْسَ بِمُولٍ حَتَّى يُظَاهِرَ. أَوْ (إِنْ وَطِئْتُكِ فَضَرَّتُكِ طَالِقٌ) فَمُولٍ، فَإِنْ وَطِئَ طَلُقَتِ الضَّرَّةُ وَزَالَ الْإِيلَاءُ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: (وَاللهِ لَا أُجَامِعُكُنَّ) فَلَيْسَ بِمُولٍ فِي الحَالِ، فَإِنْ جَامَعَ ثَلَاثًا فَمُولٍ مِنَ الرَّابِعَةِ، فَلَوْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ قَبْلَ وَطْءٍ زَالَ الْإِيلَاءُ، وَلَوْ قَالَ: (وَاللهِ لَا أُجَامِعُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ) فَمُولٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ. وَلَوْ قَالَ: (لَا أُجَامِعُكِ إِلَى سَنَةٍ إِلَّا مَرَّةً) فَلَيْسَ بِمُولٍ فِي الحَالِ فِي الْأَظْهَرِ، فَإِنْ وَطِئَ وَبَقِيَ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَمُولٍ.

فَصْلٌ

يُمْهَلُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنء الْإِيلَاءِ بِلَا قَاضٍ، وَفِي رَجْعِيَّةٍ مِنَ الرَّجْعَةِ. وَلَوِ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا بَعْدَ دُخُولٍ فِي المُدَّةِ انْقَطَعَتْ، فَإِذَا أَسْلَمَ اسَتُؤْنِفَتْ. وَمَا مَنَعَ الْوَطْءَ وَلَمْ يُخِلَّ بِنِكَاحٍ إِنْ وُجِدَ فِيهِ لَمْ يَمْنَعِ المُدَّةَ كَصَوْمٍ وَإِحْرَامٍ وَمَرَضٍ وَجُنُونٍ، أَوْ فِيهَا وَهُوَ: حِسِّيٌّ كَصِغَرٍ وَمَرَضٍ مَنَعَ، وَإِنْ حَدَثَ فِي المُدَّةِ قَطَعَهَا، فَإِذَا زَالَ اسْتُؤْنِفَتْ، وَقِيلَ: تُبْنَى. أَوْ شَرْعِيٌّ كَحَيْضٍ وَصَوْمِ نَفْلٍ فَلَا، وَيَمْنَعُ فَرْضٌ فِي الْأَصَحِّ. فَإِنْ وَطِئَ فِي المُدَّةِ، وَإِلَّا فَلَهَا مُطَالَبَتُهُ بِأَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ. وَلَوْ تَرَكَتْ حَقَّهَا فَلَهَا المُطَالَبَةُ بَعْدَهُ. وَتَحْصُلُ الْفَيْئَةُ بِتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ بِقُبُلٍ. وَلَا مُطَالَبَةَ إِنْ كَانَ بِهَا مَانِعُ وَطْءٍ كَحَيْضٍ وَمَرَضٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَانِعٌ طَبِيعِيٌّ كَمَرَضٍ طُولِبَ بِأَنْ يَقُولَ: (إِذَا قَدَرْتُ فِئْتُ)، أَوْ شَرْعِيٌّ كَإِحْرَامٍ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُطَالَبُ بِطَلَاقٍ، فَإِنْ عَصَى بِوَطْءٍ سَقَطَتِ المُطَالَبَةُ. وَإِنْ أَبَى الْفَيْئَةَ وَالطَّلَاقَ فَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الْقَاضِيَ يُطَلِّقُ عَلَيْهَ طَلْقَةً، وَأَنَّهُ لَا يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَنَّهُ إِذَا وَطِئَ بَعْدَ مُطَالَبَةٍ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.

كِتَابُ الظِّهَارِ

يَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ وَلَوْ ذِمِّيٌّ وَخَصِيٌّ. وَظِهَارُ سَكْرَانَ كَطَلَاقِهِ. وَصَرِيحُهُ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: (أَنْتِ عَلَيَّ أَوْ مِنِّي أَوْ مَعِي أَوْ عِنْدِي كَظَهْرِ أُمِّي)، وَكَذَا (أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي) صَرِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَوْلُهُ: (جِسْمُكِ أَوْ بَدَنُكِ أَوْ نَفْسُكِ كَبَدَنِ أُمِّي أَوْ جِسْمِهَا أَوْ جُمْلَتِهَا) صَرِيحٌ. وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (كَيَدِهَا أَوْ بَطْنِهَا أَوْ صَدْرِهَا) ظِهَارٌ، وَكَذَا (كَعَيْنِهَا) إِنْ قَصَدَ ظِهَارًا، وَإِنْ قَصَدَ كَرَامَةً فَلَا، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الْأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (رَأْسُكِ أَوْ ظَهْرُكِ أَوْ يَدُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) ظِهَارٌ فِي الْأَظْهَرِ. وَالتَّشْبِيهُ بِالجَدَّةِ ظِهَارٌ. وَالمَذْهَبُ: طَرْدُهُ فِي كُلِّ مَحْرَمٍ لَمْ يَطْرَأْ تَحْرِيمُهَا، لَا مُرْضِعَةٍ وَزَوْجَةِ ابْنٍ. وَلَوْ شَبَّه بِأَجْنَبِيَّةٍ وَمُطَلَّقَةٍ وَأُخْتِ زَوْجَةٍ وَأَبٍ وَمُلَاعَنَةٍ فَلَغْوٌ. وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ كَقَوْلِهِ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْ زَوْجَتِي الْأُخْرَى فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) فَظَاهَرَ صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهُمَا، وَلَوْ قَالَ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْ فُلَانَةَ) وَفُلَانَةُ أَجْنَبِيَّةٌ فَخَاطَبَهَا بِظِهَارٍ لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّفْظَ، فَلَوْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا صَارَ مُظَاهِرًا، وَلَوْ قَالَ: (مِنْ فُلَانَةَ الْأَجْنَبِيَّةِ) فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا وَإِنْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ، وَلَوْ قَالَ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ) فَلَغْوٌ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي) وَلَمْ يَنْوِ، أَوْ نَوَى الطَّلَاقَ، أَوِ الظِّهَارَ، أَوْ هُمَا، أَوِ الظِّهَارَ بِـ(أَنْتِ طَالِقٌ) وَالطَّلَاقُ بِـ(كَظَهْرِ أُمِّي) طَلُقَتْ وَلَا ظِهَارَ، أَوِ الطَّلَاقَ بِـ(أَنْتِ طَالِقٌ) وَالظِّهَارَ بِالْبَاقِي طَلُقَتْ وَحَصَلَ الظِّهَارُ إِنْ كَانَ طَلَاقَ رَجْعَةٍ.

فَصْلٌ

عَلَى المُظَاهِرِ كَفَّارَةٌ إِذَا عَادَ وَهُوَ: أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ زَمَنَ إِمْكَانِ فُرْقَةٍ، فَلَوِ اتَّصَلَتْ بِهِ فُرْقَةٌ بِمَوْتٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ وَلَمْ يُرَاجِعْ أَوْ جُنَّ فَلَا عَوْدَ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَهَا أَوْ لَاعَنَهَا فِي الْأَصَحِّ بِشَرْطِ سَبْقِ الْقَذْفِ ظِهَارَهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ رَاجَعَ، أَوِ ارْتَدَّ مُتَّصِلًا ثُمَّ أَسْلَمَ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ عَائِدٌ بِالرَّجْعَةِ، لَا الْإِسْلَامِ، بَلْ بَعْدَهُ. وَلَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْعَوْدِ بِفُرْقَةٍ. وَيَحْرُمُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَطْءٌ، وَكَذَا لَمْسٌ وَنَحْوُهُ بِشَهْوَةٍ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: الجَوَازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَصِحُّ الظِّهَارُ المُؤَقَّتُ مُؤَقَّتًا، وَفِي قَوْلٍ: مُؤَبَّدًا، وَفِي قَوْلٍ: لَغْوٌ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: الْأَصَحُّ: أَنَّ عَوْدَهُ لَا يَحْصُلُ بِإِمْسَاكٍ، بَلْ بِوَطْءٍ فِي المُدَّةِ، وَيَجِبُ النَّزْعُ بِمَغِيبِ الحَشَفَةِ. وَلَوْ قَالَ لِأَرْبَعٍ: (أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) فَمُظَاهِرٌ مِنْهُنَّ، فَإِنْ أَمْسَكَهُنَّ فَأَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ، وَفِي الْقَدِيمِ كَفَّارَةٌ. وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فَعَائِدٌ مِنَ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ. وَلَوْ كَرَّرَ فِي امْرَأَةٍ مُتَّصِلًا وَقَصَدَ تَأْكِيدًا فَظِهَارٌ وَاحِدٌ، أَوِ اسْتِئْنَافًا فَالْأَظْهَرُ: التَّعَدُّدُ، وَأَنَّهُ بِالمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَائِدٌ فِي الَأَوَّلِ.

كِتَابُ الْكَفَّارَةِ

يُشْتَرَطُ نِيَّتُهَا لَا تَعْيِينُهَا. وَخِصَالُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ: عِتْقُ رَقَبَةٍ، مُؤْمِنَةٍ، بِلَا عَيْبٍ يُخِلُّ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ. فَيُجْزِئُ صَغِيرٌ وَأَقْرَعُ وَأَعْرَجُ يُمْكِنُهُ تِبَاعُ مَشْيٍ، وَأَعْوَرُ، وَأَصَمُّ، وَأَخْشَمُ، وَفَاقِدُ أَنْفِهِ وَأُذُنَيْهِ وَأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، لَا زَمِنٌ وَلَا فَاقِدُ رِجْلٍ أَوْ خِنْصِرٍ وَبِنْصِرٍ مِنْ يَدٍ أَوْ أَنْمُلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا. قُلْتُ: أَوْ أَنْمُلَةِ إِبْهَامٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا هَرِمٌ عَاجِزٌ، وَلَا مَنْ أَكْثَرُ وَقْتِهِ مَجْنُونٌ، وَلَا مَرِيضٌ لَا يُرْجَى، فَإِنْ بَرِئَ بَانَ الْإِجْزَاءُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يُجْزِئُ شِرَاءُ قَرِيبٍ بِنِيَّةِ كَفَّارَةٍ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ وَذِي كِتَابَةٍ صَحِيحَةٍ. وَيُجْزِئُ مُدَبَّرٌ وَمُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ، فَلَوْ أَرَادَ جَعْلَ الْعِتْقِ المُعَلَّقِ كَفَّارَةً لَمْ يَجُزْ. وَلَهُ تَعْلِيقُ عِتْقِ الْكَفَّارَةِ بِصِفَةٍ، وَإِعْتَاقُ عَبْدَيْهِ عَنْ كَفَّارَتَيْهِ عَنْ كُلٍّ نِصْفُ ذَا وَنِصْفُ ذَا. وَلَوْ أَعْتَقَ مُعْسِرٌ نِصْفَيْنِ عَنْ كَفَّارَةٍ فَالْأَصَحُّ: الِإْجَزَاءُ إِنْ كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا. وَلَوْ أَعْتَقَ بِعِوَضٍ لَمْ يُجْزِ عَنْ كَفَّارَةٍ. وَالْإِعْتَاقُ بِمَالٍ كَطَلَاقٍ بِهِ، فَلَوْ قَالَ: (أَعْتِقْ أُمَّ وَلَدِكَ عَلَى أَلْفٍ) فَأَعْتَقَ نَفَذَ وَلَزِمَهُ الْعِوَضُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَلَى كَذَا) فَأَعْتَقَ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ قَالَ: (أَعْتِقْهُ عَنِّي عَلَى كَذَا) فَفَعَلَ عَتَقَ عَنِ الطَّالِبِ وَعَلَيْهِ الْعِوَضُ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَمْلِكُهُ عَقِبَ لَفْظِ الْإِعْتَاقِ ثُمَّ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ ثَمَنَهُ فَاضِلًا عَنْ كِفَايَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً وَسُكْنَى وَأَثَاثًا لَا بُدَّ مِنْهُ لَزِمَهُ الْعِتْقُ. وَلَا يَجِبُ بَيْعُ ضَيْعَةٍ وَرَأْسِ مَالٍ لَا يَفْضُلُ دَخْلُهُمَا عَنْ كِفَايَتِهِ، وَلَا مَسْكَنٍ وَعَبْدٍ نَفِيسَيْنِ أَلِفَهُمَا فِي الْأَصَحِّ، وَلَا شِرَاءٌ بِغَبْنٍ. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ: اعْتِبَارُ الْيَسَارِ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ عِتْقٍ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ بِالْهِلَالِ بِنِيَّةِ كَفَّارَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ تَتَابُعٍ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ بَدَأَ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ حُسِبَ الشَّهْرُ بَعْدَهُ بِالْهِلَالِ وَأَتَمَّ الْأَوَّلَ مِنَ الثَّالِثِ ثَلَاثِينَ. وَيَفُوتُ التَّتَابُعُ بِفَوَاتِ يَوْمٍ بِلَا عُذْرٍ وَكَذَا بِمَرَضٍ فِي الجَدِيدِ، لَا بَحَيْضٍ وَكَذَا جُنُونٌ عَلَى المَذْهَبِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ صَوْمٍ بِهَرَمٍ، أَوْ مَرَضٍ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، أَوْ لَحِقَهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، أَوْ خَافَ زِيَادَةَ مَرَضٍ كَفَّرَ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا أَوْ فَقِيرًا لَا كَافِرًا، وَلَا هَاشِمِيًّا وَمُطَّلِبِيًّا سِتِّينَ مُدًّا مِمَّا يَكُونُ فِطْرَةً.

كِتَابُ اللِّعَانِ

يَسْبِقُهُ قَذْفٌ. وَصِريحُهُ الزِّنَا كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ: (زَنَيْتُ أَوْ زَنَيْتِ) أَوْ (يَا زَانِي أَوْ يَا زَانِيَةُ). وَالرَّمْيُ بِإِيلَاجِ حَشَفَةٍ فِي فَرْجٍ مَعَ وَصْفِهِ بِتَحْرِيمٍ أَوْ دُبُرٍ صَرِيحَانِ. وَ(زَنَأْتَ فِي الجَبَلِ) كِنَايَةٌ، وَكَذَا (زَنَأْتَ) فَقَطْ فِي الْأَصَحِّ. وَ(زَنَيْتَ فِي الجَبَلِ) صَرِيحٌ فِي الْأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (يَا فَاجِرُ)، (يَا فَاسِقُ)، وَلَهَا: (يَا خَبِيثَةُ) وَ(أَنْتِ تُحِبِّينَ الخَلْوَةَ)، وَلِقُرَشِيٍّ: (يَا نَبَطِيُّ)، وَلِزَوْجَتِهِ: (لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ) كِنَايَةٌ، فَإِنْ أَنْكَرَ إِرَادَةَ قَذْفٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَقَوْلُهُ: (يَابْنَ الحَلَالِ)، وَ (أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ بِزَانٍ)، وَنَحْوُهُ تَعْرِيضٌ لَيْسَ بِقَذْفٍ وَإِنْ نَوَاهُ. وَقَوْلُهُ: (زَنَيْتُ بِكِ) إِقْرَارٌ بِزِنًا وَقَذْفٌ. وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: (يَا زَانِيَةُ)، فَقَالَتْ: (زَنَيْتُ بِكَ) أَوْ (أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي) فَقَاذِفٌ وَكَانِيَةٌ، فَلَوْ قَالَتْ: (زَنَيْتُ وَأَنْتَ أَزْنَى مِنِّي) فَمُقِرَّةٌ وَقَاذِفَةٌ. وَقَوْلُهُ: (زَنَى فَرْجُكِ) أَوْ (ذَكَرُكَ) قَذْفٌ. وَالمَذْهَبُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (يَدُكَ وَعَيْنُكَ)، وَلِوَلَدِهِ: (لَسْتَ مِنِّي) أَوْ (لَسْتَ ابْنِي) كِنَايَةٌ، وَلِوَلَدِ غَيْرِهِ: (لَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ) صَرِيحٌ، إِلَّا لِمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ. وَيُحَدُّ قَاذِفُ مُحْصَنٍ، وَيُعَزَّرُ غَيْرُهُ. وَالمُحْصَنُ: مُكَلَّفٌ، حُرٌّ، مُسْلِمٌ، عَفِيفٌ عَنْ وَطْءٍ يُحَدُّ بِهِ. وَتَبْطُلُ الْعِفَّةُ بِوَطْءِ مَحْرَمٍ مَمْلُوكَةٍ عَلَى المَذْهَبِ، لَا زَوْجَتِهِ فِي عِدَّةِ شُبْهَةٍ وَأَمَةِ وَلَدِهِ وَمَنْكُوحَتِهِ بِلَا وَلِيٍّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ زَنَى مَقْذُوفٌ سَقَطَ الحَدُّ، أَوِ ارْتَدَّ فَلَا. وَمَنْ زَنَى مَرَّةً ثُمَّ صَلُحَ لَمْ يَعُدْ مُحْصَنًا. وَحَدُّ الْقَذْفِ يُورَثُ وَيَسْقُطُ بِعَفْوٍ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَرِثُهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَفَا بَعْضُهُمْ فَلِلْبَاقِينَ كُلُّهُ.

فَصْلٌ

لَهُ قَذْفُ زَوْجَةٍ عَلِمَ زِنَاهَا أَوْ ظَنَّهُ ظَنًّا مُؤَكَّدًا كَشَيَاعِ زِنَاهَا بِزَيْدٍ مَعَ قَرِينَةٍ بِأَنْ رَآهُمَا فِي خَلْوَةٍ. وَلَوْ أَتَتْ بِوَلَدٍ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ لَزِمَهُ نَفْيُهُ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ إِذَا لَمْ يَطَأْ، أَوْ وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْوَطْءِ أَوْ فَوْقَ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَلَوْ وَلَدَتْهُ لِمَا بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ بِحَيْضَةٍ حَرُمَ النَّفْيُ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِفَوْقِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الِاسْتِبْرَاءِ حَلَّ النَّفْيُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَطِئَ وَعَزَلَ حَرُمَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ عَلِمَ زِنَاهَا وَاحْتَمَلَ كَوْنُ الَوَلَدِ مِنْهُ وِمِنَ الزِّنَا حَرُمَ النَّفْيُ، وَكَذَا الْقَذْفُ وَاللِّعَانُ عَلَى الصَّحِيحِ.

فَصْلٌ

اللِّعَانُ: قَوْلُهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: (أَشْهَدُ بِاللهِ إِنِّي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ هَذِهِ مِنَ الزِّنَا)، فَإِنْ غَابَتْ سَمَّاهَا وَرَفَعَ نَسَبَهَا بِمَا يُمَيِّزُهَا، وَالخَامِسَةَ: (أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا). وَإِنْ كَانَ وَلَدٌ يَنْفِيهِ ذَكَرَهُ فِي الْكَلِمَاتِ فَقَالَ: (وَإِنَّ الْوَلَدَ الَّذِي وَلَدَتْهُ، أَوْ هَذَا الْوَلَدُ مِنْ زِنًا لَيْسَ مِنِّي). وَتَقُولُ هِيَ: (أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا)، وَالخَامِسَةَ: (أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ فِيهِ). وَلَوْ بُدِّلَ لَفْظُ شَهَادَةٍ بِحَلِفٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ غَضَبٍ بِلَعْنٍ، وَعَكْسِهِ أَوْ ذُكِرَا قَبْلَ تَمَامِ الشَّهَادَاتِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَمْرُ الْقَاضِي، وَيُلَقِّنُ كَلِمَاتِهِ، وَأَنْ يَتَأَخَّرَ لِعَانُهَا عَنْ لِعَانِهِ. وَيُلَاعِنُ أَخْرَسُ بِإِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ. وَيَصِحُّ بِالْعَجَمِيَّةِ، وَفِيمَنْ عَرَفَ الْعَرَبِيَّةَ وَجْهٌ. وَيُغَلَّظُ بِزَمَانٍ وَهُوَ بَعْدَ عَصْرِ جُمُعَةٍ، وَمَكَانٍ وَهُوَ أَشْرَفُ بَلَدِهِ، فَبِمَكَّةَ: بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ، وَالمَدِينَةِ: عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَبَيْتِ المَقْدِسِ: عِنْدَ الصَّخْرَةِ، وَغَيْرِهَا: عِنْدَ مِنْبَرِ الجَامِعِ، وَحَائِضٌ: بِبَابِ المَسْجِدِ، وَذِمِّيٌّ: فِي بَيْعَةٍ وَكَنِيسَةٍ، وَكَذا بَيْتُ نَارِ مَجُوسِيٍّ فِي الْأَصَحِّ، لَا بَيْتُ أَصْنَامِ وَثَنِيٍّ، وَجمْعٍ أَقَلُّهُ أَرْبَعَةٌ. وَالتَّغْلِيظَاتُ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ عَلَى المَذْهَبِ. وَيُسَنُّ لِلْقَاضِي وَعْظُهُمَا، وَيُبَالِغُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، وَأَنْ يَتَلَاعَنَا قَائِمَيْنِ. وَشَرْطُهُ: زَوْجٌ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، وَلَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ وَطْءٍ فَقَذَفَهَا وَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ لَاعَنَ، وَلَوْ لَاعَنَ ثُمَّ أَسْلَمَ فِيهَا صَحَّ، أَوْ أَصَرَّ صَادَفَ بَيْنُونَةً. وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ: فُرْقَةٌ، وَحُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، وَسُقُوطُ الحَدِّ عَنْهُ، وَوُجُوبُ حَدِّ زِنَاهَا، وَانْتِفَاءُ نَسَبٍ نَفَاهُ بِلِعَانِهِ. وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى نَفْيِ مُمْكِنٍ مِنْهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِأَنْ وَلَدَتْهُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ، أَوْ طَلَّقَ فِي مَجْلِسِهِ، أَوْ نَكَحَ وَهُوَ بِالمَشْرِقِ وَهِيَ بِالمَغْرِبِ لَمْ يَلْحَقْهُ. وَلَهُ نَفْيُهُ مَيْتًا. وَالنَّفْيُ عَلَى الْفَوْرِ فِي الجَدِيدِ وَيُعْذَرُ لِعُذْرٍ. وَلَهُ نَفْيُ حَمْلٍ وَانْتِظَارُ وَضْعِهِ. وَمَنْ أَخَّرَ وَقَالَ: (جَهِلْتُ الْوِلَادَةَ) صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ كَانَ غَائِبًا، وَكَذَا الحَاضِرُ فِي مُدَّةٍ يُمْكِنُ جَهْلُهُ فِيهَا. وَلَوْ قِيلَ لَهُ: (مُتِّعْتَ بِوَلَدِكَ) أَوْ (جَعَلَهُ اللهُ لَكَ وَلَدًا صَالِحًا) فَقَالَ: (آمِينَ، أَوْ (نَعَمْ) تَعَذَّرَ نَفْيُهُ، وَإِنْ قَالَ: (جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا) أَوْ (بَارَكَ عَلَيْكَ) فَلَا. وَلَهُ اللِّعَانُ مَعَ إِمْكَانِ بَيِّنَةٍ بِزِنَاهَا، وَلَهَا لِدَفْعِ حَدِّ الزِّنَا عَنْهَا.

فَصْلٌ

لَهُ اللِّعَانُ لِنَفْيِ وَلَدٍ وَإِنْ عَفَتْ عَنِ الحَدِّ وَزَالَ النِّكَاحُ، وَلِدَفْعِ حَدِّ الْقَذْفِ وَإِنْ زَالَ النِّكَاحُ وَلَا وَلَدَ، وَلِتَعْزِيرِهِ، إِلَّا تَعْزِيرَ تَأْدِيبٍ لِكَذِبٍ كَقَذْفِ طِفْلَةٍ لَا تُوطَأُ. وَلَوْ عَفَتْ عَنِ الحَدِّ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِزِنَاهَا أَوْ صَدَّقَتْهُ وَلَا وَلَدَ، أَوْ سَكَتَتْ عَنْ طَلَبِ الحَدِّ أَوْ جُنَّتْ بَعْدَ قَذْفِهِ فَلَا لِعَانَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَبَانَهَا أَوْ مَاتَتْ ثُمَّ قَذَفَهَا بِزِنًا مُطْلَقٍ، أَوْ مُضَافٍ إِلَى مَا بَعْدَ النِّكَاحِ لَاعَنَ إِنْ كَانَ وَلَدٌ يَلْحَقُهُ، فَإِنْ أَضَافَ إِلَى مَا قَبْلَ نِكَاحِهِ فَلَا لِعَانَ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَ فِي الْأَصَحِّ لَكِنْ لَهُ إِنْشَاءُ قَذْفٍ وَيُلَاعِنُ، وَلَا يَصِحُّ نَفْيُ أَحَدِ تَوْأَمَيْنِ.

كِتَابُ الْعِدَدِ

عِدَّةُ النِّكَاحِ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: مُتَعَلِّقُ بِفُرْقَةِ حَيٍّ بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ وَطْءٍ أَوِ اسْتِدْخَالِ مَنِيِّهِ وَإِنْ تَيَقَّنَ بَرَاءَةَ الرَّحِمِ، لَا بِخَلْوَةٍ فِي الجَدِيدِ. وَعِدَّةُ حُرَّةٍ ذَاتِ أَقْرَاءٍ ثَلَاثَةٌ وَالْقَرْءُ: الطُّهْرُ، فَإِنْ طَلَقَتْ طَاهِرًا انْقَضَتْ بِالطَّعْنِ فِي حَيْضَةٍ ثَالِثَةٍ، أَوْ حَائِضًا فَفِي رَابِعَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ بَعْدَ الطَّعْنِ. وَهَلْ يُحْسَبُ طُهْرُ مَنْ لَمْ تَحِضْ قَرْءًا؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَرْءَ انْتِقَالٌ مِنْ طُهْرٍ إِلَى حَيْضٍ، أَمْ طُهْرٌ مُحْتَوَشٌ بِدَمَيْنِ؟ وَالثَّانِي: أَظْهَرُ. وَعِدَّةُ مُسْتَحَاضَةٍ: بِأَقْرَائِهَا المَرْدُودَةِ إِلَيْهَا. وَمُتَحَيِّرَةٍ: بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي الحَالِ، وَقِيلَ: بَعْدَ الْيَأْسِ. وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُكَاتَبَةٍ وَمَنْ فِيهَا رِقٌّ: بِقَرْأَيْنِ، وَإِنْ عَتَقَتْ فِي عِدَّةِ رَجْعَةٍ كَمَّلَتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ بَيْنُونَةٍ فَأَمَةٍ فِي الْأَظْهَرِ. وَحُرَّةٍ لَمْ تَحِضْ أَوْ يَئِسَتْ: بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ طَلَقَتْ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ فَبَعْدَهُ هِلَالَانِ وَتُكَمِّلُ المُنْكَسِرَ ثَلَاثِينَ، فَإِنْ حَاضَتْ فِيهَا وَجَبَتِ الْأَقْرَاءُ، وَأَمَةٍ: بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ، وَفِي قَوْلٍ: شَهْرَانِ، وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثَةٌ. وَمَنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِعِلَّةٍ كَرَضَاعٍ وَمَرَضٍ تَصْبِرُ حَتَّى تَحِيضَ، أَوْ تَيْأَسَ فَبِالْأَشْهَرِ، أَوْ لَا لِعِلَّةٍ فَكَذَا فِي الجَدِيدِ. وَفِي الْقَدِيمِ: تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ. فَعَلَى الجَدِيدِ: لَوْ حَاضَتْ بَعْدَ الْيَأْسِ فِي الْأَشْهُرِ وَجَبَتِ الْأَقْرَاءُ، أَوْ بَعْدَهَا فَأَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: إِنْ نَكَحَتْ فَلَا شَيْءَ، وَإِلَّا فَالْأَقْرَاءُ، وَالمُعْتَبَرُ: يَأْسُ عَشِيرَتِهَا، وَفِي قَوْلٍ: كُلُّ النِّسَاءِ. قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

عِدَّةُ الحَامِلِ بِوَضْعِهِ بَشَرْطِ نِسْبَتِهِ إِلَى ذِي الْعِدَّةِ وَلَوِ احْتِمَالًا كَمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ، وَانْفِصَالِ كُلِّهِ حَتَّى ثَانِي تَوْأَمَيْنِ، وَمَتَى تَخَلَّلَ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَتَوْأَمَانِ. وَتَنْقَضِي بِمَيْتٍ لَا عَلَقَةٍ، وَبِمُضْغَةٍ فِيهَا صُورَةُ آدَمِيٍّ خَفِيَّةٌ أَخْبَرَ بِهَا الْقَوَابِلُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صُورَةٌ وَقُلْنَ: هِيَ أَصْلُ آدَمِيٍّ انْقَضَتْ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ ظَهَرَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ حَمْلٌ لِلزَّوجِ اعْتَدَّتْ بِوَضْعِهِ. وَلَوِ ارْتَابَتْ فِيهَا لَمْ تَنْكِحْ حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ، أَوْ بَعْدَهَا وَبَعْدَ نِكَاحٍ اسْتَمَرَّ إِلَّا أَنْ تَلِدَ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ عَقْدِهِ، أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ نِكَاحٍ فَلْتَصْبِرْ لِتَزُولَ الرِّيبَةُ، فَإِنْ نَكَحَتْ فَالمَذْهَبُ: عَدَمُ إِبْطَالِهِ فِي الحَالِ، فَإِنْ عُلِمَ مُقْتَضِيهِ أَبْطَلْنَاهُ. وَلَوْ أَبَانَهَا فَوَلَدَتْ لِأَرْبَعِ سِنِينَ لَحِقَهُ، أَوْ لِأَكْثَرَ فَلَا، وَلَوْ طَلَّقَ رَجْعِيًّا حُسِبَتِ المُدَّةُ منَ الطَّلَاقِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنِ انْصِرَامِ الْعِدَّةِ. وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَوَلَدَتْ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَكَأَنَّهَا لَمْ تَنْكِحْ، وَإِنْ كَانَ لِسِتَّةٍ فَالْوَلَدُ لِلثَّانِي. وَلَوْ نَكَحَتْ فِي الْعِدَّةِ فَاسِدًا فَوَلَدَتْ لِلْإِمْكَانِ مِنَ الْأَوَّلِ لَحِقَهُ وَانْقَضَتْ بِوَضْعِهِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلثَّانِي، أَوْ لِلْإِمْكَانِ مِنَ الثَّانِي لَحِقَهُ، أَوْ مِنْهُمَا عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا فَكَالْإِمْكَانِ مِنْهُ فَقَطْ.

فَصْلٌ

لَزِمَهَا عِدَّتَا شَخْصٍ مِنْ جِنْسٍ بِأَنْ طَلَّقَ ثُمَّ وَطِئَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ جَاهِلًا أَوْ عَالِمًا فِي رَجْعِيَّةٍ تَدَاخَلَتَا فَتَبْتَدِئُ عِدَّةً مِنَ الْوَطْءِ، وَتَدْخُلُ فِيهَا بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا حَمْلًا وَالْأُخْرَى أَقْرَاءً تَدَاخَلَتَا فِي الْأَصَحِّ فَتَنْقَضِيَانِ بِوَضْعِهِ، وَيُرَاجِعُ قَبْلَهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الحَمْلُ مِنَ الْوَطْءِ فَلَا. أَوْ لِشَخْصَيْنِ بِأَنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ زَوْجٍ أَوْ شُبْهَةٍ فَوُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ كَانَتْ زَوْجَةً مُعْتَدَّةً عَنْ شُبْهَةٍ فَطَلَقَتْ فَلَا تَدَاخُلَ، فَإِنْ كَانَ حَمْلٌ قَدَّمَتْ عِدَّتَهُ، وَإِلَّا: فَإِنْ سَبَقَ الطَّلَاقُ أَتَمَّتْ عِدَّتَهُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَتِ الْأُخْرَى، وَلَهُ الرَّجْعَةُ فِي عِدَّتِهِ، فَإِذَا رَاجَعَ انْقَطَعَتْ وَشَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الشُّبْهَةِ، وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا حَتَّى تَقْضِيَهَا. وَإِنْ سَبَقَتِ الشُّبْهَةُ قَدَّمَتْ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، وَقِيلَ: الشُّبْهَةِ.

فَصْلٌ

عَاشَرَهَا كَزَوْجٍ بِلَا وَطْءٍ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: إِنْ كَانَتْ بَائِنًا انْقَضَتْ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَا رَجْعَةَ بَعْدَ الْأَقْرَاِء وَالْأَشْهُرِ. قُلْتُ: وَيَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَلَوْ عَاشَرَهَا أَجْنَبِيٌّ انْقَضَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ نَكَحَ مُعْتَدَّةً بِظَنِّ الصِّحَّةِ وَوَطِئَ انْقَطَعَتْ مِنْ حِينِ وَطِئَ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجَهٍ: مِنَ الْعَقْدِ. وَلَوْ رَاجَعَ حَائِلًا ثُمَّ طَلَّقَ اسْتَأْنَفَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: تَبْنِي إِنْ لَمْ يَطَأْ، أَوْ حَامِلًا فَبِالْوَضْعِ، فَلَوْ وَضَعَتْ ثُمَّ طَلَّقَ اسْتَأْنَفَتْ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَطَأْ بَعْدَ الْوَضْعِ فَلَا عِدَّةَ. وَلَوْ خَالَعَ مَوْطُوءَةً ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ طَلَّقَ اسْتَأْنَفَتْ وَدَخَلَ فِيهَا الْبَقِيَّةُ.

فَصْلٌ

عِدَّةُ حُرَّةٍ حَائِلٍ لِوَفَاةٍ وَإِنْ لَمْ تُوطَأْ: أَرْبعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، وَأَمَةٍ: نِصْفُهَا. وَإِنْ مَاتَ عَنْ رَجْعِيَّةٍ انْتَقَلَتْ إِلَى وَفَاةٍ، أَوْ بَائِنٍ فَلَا. وَحَامِلٍ: بِوَضْعِهِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ، فَلَوْ مَاتَ صَبِيٌّ عَنْ حَامِلٍ فَبِالْأَشْهُرِ، وَكَذَا مَمْسُوحٌ إِذْ لَا يَلْحَقُهُ عَلَى المَذْهَبِ، وَيَلْحَقُ مَجْبُوبًا بَقِيَ أُنْثَيَاهُ فَتَعْتَدُّ بِهِ، وَكَذَا مَسْلُولٌ بَقِيَ ذَكَرُهُ بِهِ عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ بَيَانٍ أَوْ تَعْيِينٍ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأْ اعْتَدَّتَا لِوَفَاةٍ، وَكَذَا إِنْ وَطِئَ وَهُمَا ذَوَاتَا أَشْهُرٍ، أَوْ أَقْرَاءٍ وَالطَّلَاقُ رَجْعِيٌّ، فَإِنْ كَانَ بَائِنًا اعْتَدَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بِالْأَكْثَرِ مِنْ عِدَّةِ وَفَاةٍ وَثَلَاثَةٍ مِنْ أَقْرَائِهَا، وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ: مِنَ المَوْتِ، وَالْأَقْرَاءُ: مِنَ الطَّلَاقِ. وَمَنْ غَابَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ لَيْسَ لِزَوْجَتِهِ نِكَاحٌ حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ أَوْ طَلَاقُهُ، وَفِي الْقَدِيمِ: تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِوَفَاةٍ وَتَنْكِحُ. فَلَوْ حَكَمَ بِالْقَدِيمِ قَاضٍ نُقِضَ عَلَى الجَدِيدِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ وَالْعِدَّةِ فَبَانَ مَيْتًا صَحَّ عَلَى الجَدِيدِ فِي الْأَصَحِّ. وَيَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى مُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ، لَا رَجْعِيَّةٍ، وَيُسْتَحَبُّ لِبَائِنٍ. وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، وَهُوَ: تَرْكُ لُبْسِ مَصْبُوغٍ لِزِينَةٍ وَإِنْ خَشُنَ، وَقِيلَ: يَحِلُّ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ. وَيُبَاحُ غَيْرُ مَصْبُوغٍ مِنْ قُطْنٍ وَصُوفٍ وَكَتَّانٍ، وَكَذَا إِبْرَيْسَمٌ فِي الْأَصَحِّ، وَمَصْبُوغٌ لَا يُقْصَدُ لِزِينَةٍ. وَيَحْرُمُ حَلْيُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَكَذَا اللُّؤْلُؤُ فِي الْأَصَحِّ، وَطِيبٌ فِي بَدَنٍ وَثَوْبٍ وَطَعَامٍ وَكُحْلٍ، وَاكْتِحَالٌ بِإِثْمِدٍ إِلَّا لِحَاجَةٍ كَرَمَدٍ، وَإِسْفِيذَاجٌ، وَدُمَامٌ، وَخِضَابُ حِنَّاءٍ وَنَحْوِهِ. وَيَحِلُّ تَجْمِيلُ فِرَاشٍ وَأَثَاثٍ، وَتَنْظِيفٌ بِغَسْلِ نَحْوِ رَأْسٍ، وَقَلْمٍ، وَإِزَالَةِ وَسَخٍ. قُلْتُ: وَيَحِلُّ امْتِشَاطٌ وَحَمَّامٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ خُرُوجٌ مُحَرَّمٌ. وَلَوْ تَرَكَتِ الْإِحْدَادَ عَصَتْ وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ كَمَا لَوْ فَارَقَتِ المَسْكَنَ. وَلَوْ بَلَغَتْهَا الْوَفَاةُ بَعْدَ المُدَّةِ كَانَتْ مُنْقَضِيَةً. وَلَهَا إِحْدَادٌ عَلَى غَيْرِ زَوْجٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَتَحْرُمُ الزِّيَادَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

تَجِبُ سُّكْنَى لِمُعْتَدَّةِ طَلَاقٍ وَلَوْ بَائِنٌ إِلَّا نَاشِزَةً، وَلِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ فِي الْأَظْهَرِ، وَفَسْخٍ عَلَى المَذْهَبِ. وَتَسْكُنُ فِي مَسْكَنٍ كَانَتْ فِيهِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ، وَلَيْسَ لِزَوْجٍ وَغَيْرِهِ إِخْرَاجُهَا، وَلَا لَهَا خُرُوجٌ. قُلْتُ: وَلَهَا الخُرُوجُ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، وَكَذَا بَائِنٌ فِي النَّهَارِ لِشِرَاءِ طَعَامٍ وَغَزْلٍ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا لَيْلًا إِلَى دَارِ جَارَةٍ لِغَزْلٍ وَحَدِيثٍ وَنَحْوِهِمَا بِشَرْطِ أَنْ تَرْجِعَ وَتَبِيتَ فِي بَيْتِهَا، وَتَنْتَقِلُ مِنَ المَسْكَنِ لِخَوْفٍ مِنْ هَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ تَأَذَّتْ بِالْجِيرَانِ، أَوْ هُمْ بِهَا أَذًى شَدِيدًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.

وَلَوِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَسْكَنٍ بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَوَجَبَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ اعْتَدَّتْ فِيهِ عَلَى النَّصِّ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَفِي الْأَوَّلِ، وَكَذَا لَوْ أَذِنَ ثُمَّ وَجَبَتْ قَبْلَ الخُرُوجِ. وَلَوْ أَذِنَ فِي الِانْتِقَالِ إِلَى بَلَدٍ فَكَمَسْكَنٍ، أَوْ سَفَرِ حَجٍّ وَتِجَارَةٍ ثُمَّ وَجَبَتْ فِي الطَّرِيقِ فَلَهَا الرُّجُوعُ وَالمُضِيُّ، فَإِنْ مَضَتْ أَقَامَتْ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا، ثُمَّ يَجِبُ الرُّجُوعُ لِتَعْتَدَّ الْبَقِيَّةَ فِي المَسْكَنِ. وَلَوْ خَرَجَتْ إِلَى غَيْرِ الدَّارِ المَأْلُوفَةِ فَطَلَّقَ وَقَالَ: (مَا أَذِنْتُ فِي الخُرُوجِ) صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ قَالَتْ: (نَقَلْتَنِي) فَقَالَ: (بَلْ أَذِنْتُ لِحَاجَةٍ) صُدِّقَ عَلَى المَذْهَبِ. وَمَنْزِلُ بَدَوِيَّةٍ وَبَيْتُهَا مِنْ شَعْرٍ كَمَنْزِلِ حَضَرِيَّةٍ. وَإِذَا كَانَ المَسْكَنُ لَهُ وَيَلِيقُ بِهَا تَعَيَّنَ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إِلَّا فِي عِدَّةِ ذَاتِ أَشْهُرٍ فَكَمُسْتَأْجَرٍ، وَقِيلَ: بَاطِلٌ. أَوْ مُسْتَعَارًا لَزِمَتْهَا فِيهِ، فَإِنْ رَجَعَ المُعِيرُ وَلَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةٍ نُقِلَتْ، وَكَذَا مُسْتَأْجَرٌ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ. أَوْ لَهَا اسْتَمَرَّتْ وَطَلَبَتِ الْأُجْرَةَ. فَإِنْ كَانَ مَسْكَنُ النِّكَاحِ نَفِيسًا فَلَهُ النَّقْلُ إِلَى لَائِقٍ بِهَا، أَوْ خَسِيسًا فَلَهَا الِامْتِنَاعُ. وَلَيْسَ لَهُ مُسَاكَنَتُهَا وَمُدَاخَلَتُهَا، فَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ مَحْرَمٌ لَهَا مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ، أَوْ لَهُ أُنْثَى، أَوْ زَوْجَةٌ أُخْرَى أَوْ أَمَةٌ جَازَ. وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَةٌ فَسَكَنَهَا أَحَدُهُمَا وَالْآخَرُ الْأُخْرَى فَإِنِ اتَّحَدَتِ المَرَافِقُ كَمَطْبَخٍ وَمُسْتَرَاحٍ اشْتُرِطَ مَحْرَمٌ، وَإِلَّا فَلَا. وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْلَقَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ بَابٍ، وَأَلَّا يَكُونَ مَمَرُّ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى. وَسُفْلٌ وَعُلْوٌ كَدَارٍ وَحُجْرَةٍ.

كِتَابُ الِاسْتِبْرَاءِ

يَجِبُ بِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِلْكُ أَمَةٍ بِشِرَاءٍ أَوْ إِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ سَبْيٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ أَوْ تَحَالُفٍ أَوْ إِقَالَةٍ، وَسَوَاءٌ بِكْرٌ وَمَنِ اسْتَبْرَأَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَمُنْتَقِلَةٌ مِنْ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَغَيْرُهَا. وَيَجِبُ فِي مُكَاتَبَةٍ عُجِّزَتْ، وَكَذَا مُرْتَدَّةٌ فِي الْأَصَحِّ، لَا مَنْ حَلَّتْ مِنْ صَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ وَإِحْرَامٍ، وَفِي الْإِحْرَامِ وَجْهٌ. وَلَوِ اشْتْرَى زَوْجَتَهُ اسْتُحِبَّ، وَقِيلَ: يَجِبُ. وَلَوْ مَلَكَ مُزَوَّجَةً أَوْ مُعْتَدَّةً لَمْ يَجِبْ، فَإِنْ زَالَا وَجَبَ فِي الْأَظْهَرِ. الثَّانِي: زَوَالُ فِرَاشٍ عَنْ أَمَةٍ مَوْطُوءَةٍ أَوْ مُسْتَوْلَدَةٍ بِعِتْقٍ أَوْ مَوْتِ السَّيِّدِ. وَلَوْ مَضَتْ مُدَّةُ اسْتِبْرَاءٍ عَلَى مُسْتَوْلَدَةٍ ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ وَجَبَ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: وَلَوِ اسْتَبْرَأَ أَمَةً مَوْطُوءَةً فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَجِبْ، وَتَتَزَوَّجُ فِي الحَالِ إِذْ لَا تُشْبِهُ مَنْكُوحَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ تَزْوِيجُ أَمَةٍ مَوْطُوءَةٍ وَمُسْتَوْلَدَةٍ قَبْلَ اسْتِبْرَاءٍ. وَلَوْ أَعْتَقَ مُسْتَوْلَدَتَهُ فَلَهُ نِكَاحُهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ فَلَا اسْتِبْرَاءَ. وَهُوَ بِقُرْءٍ وَهُوَ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ فِي الجَدِيدِ وَذَاتُ أَشْهُرٍ: بِشَهْرٍ، وَفِي قَوْلٍ: بِثَلَاثَةٍ، وَحَامِلٌ مَسْبِيَّةٌ أَوْ زَالَ عَنْهَا فِرَاشُ سَيِّدٍ: بِوَضْعِهِ، وَإِنْ مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ فَقَدْ سَبَقَ أَنْ لَا اسْتِبْرَاءَ فِي الحَالِ. قُلْتُ: يَحْصُلُ بِوَضْعِ حَمْلِ زِنًا فِي الْأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ مَضَى زَمَنُ اسْتِبْرَاءٍ بَعْدَ المِلْكِ قَبْلَ الْقَبْضِ حُسِبَ إِنْ مَلَكَ بِإِرْثٍ، وَكَذَا شِرَاءٌ فِي الْأَصَحِّ، لَا هِبَةٌ. وَلَوِ اشْتَرَى مَجُوسِيَّةً فَحَاضَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ لَمْ يَكْفِ. وَيَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالمُسْتَبْرَأَةِ إِلَّا مَسْبِيَّةً فَيَحِلُّ غَيْرُ وَطْءٍ، وَقِيلَ: لَا. وَإِذَا قَالَتْ: (حِضْتُ) صُدِّقَتْ. وَلَوْ مَنَعَتِ السَّيِّدَ فَقَالَ: (أَخْبَرَتْنِي بِتَمَامِ الِاسْتِبْرَاءِ) صُدِّقَ. وَلَا تَصِيرُ أَمَةٌ فِرَاشًا إِلَّا بِوَطْءٍ، فَإِذَا وَلَدَتْ لِلْإِمْكَانِ مِنْ وَطْئِهِ لَحِقَهُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِوَطْءٍ وَنَفَى الْوَلَدَ وَادَّعَى اسْتِبْرَاءً لَمْ يَلْحَقْهُ عَلَى المَذْهَبِ، فَإِنْ أَنْكَرَتِ الِاسْتِبْرَاءَ حُلِّفَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَعَرُّضُهُ لِلِاسْتِبْرَاءِ. وَلَوِ ادَّعَتِ اسْتِيلَادًا فَأَنْكَرَ أَصْلَ الْوَطْءِ وَهُنَاكَ وَلَدٌ لَمْ يُحَلَّفْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ قَالَ: (وَطِئْتُ وَعَزَلْتُ) لَحِقَهُ فِي الْأَصَحِّ.

كِتَابُ الرَّضَاعِ

إِنَّمَا يَثْبُتُ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ حَيَّةٍ بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ. وَلَوْ حَلَبَتْ فَأُوجِرَ بَعْدَ مَوْتِهَا حَرَّمَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ جُبِّنَ أَوْ نُزِعَ مِنْهُ زُبْدٌ حَرَّمَ. وَلَوْ خُلِطَ بِمَائِعٍ حَرَّمَ إِنْ غَلَبَ، فَإِنْ غُلِبَ وَشَرِبَ الْكُلَّ، قِيلَ: أَوِ الْبَعْضَ حَرَّمَ فِي الْأَظْهَرِ. وَيُحَرِّمُ إِيجَارٌ، وَكَذَا إِسْعَاطٌ عَلَى المَذْهَبِ، لَا حُقْنَةٌ فِي الْأَظْهَرِ. وَشَرْطُهُ: رَضِيعٌ حَيٌّ لَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْنِ، وَخَمْسُ رَضَعَاتٍ، وَضَبْطُهُنَّ بِالْعُرْفِ فَلَوْ قَطَعَ إِعْرَاضًا تَعَدَّدَ، أَوْ لِلَهْوٍ وَعَادَ فِي الحَالِ أَوْ تَحَوَّلَ مِنْ ثَدْيٍ إِلَى ثَدْيٍ فَلَا. وَلَوْ حُلِبَ مِنْهَا دَفْعَةً وَأُوجِرَهُ خَمْسًا أَوْ عَكْسُهُ فَرَضْعَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: خَمْسٌ. وَلَوْ شَكَّ: هَلْ رَضَعَ خَمْسًا أَمْ أَقَلَّ، أَوْ هَلْ رَضَعَ فِي حَوْلَيْنِ أَمْ بَعْدَ؟ فَلَا تَحْرِيمَ، وَفِي الثَّانِيَةِ قَوْلٌ أَوْ وَجْهٌ. وَتَصِيرُ المُرْضِعَةُ أُمَّهُ، وَالَّذِي مِنْهُ اللَّبَنُ أَبَاهُ، وَتَسْرِي الحُرْمَةُ إِلَى أَوْلَادِهِ. وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسُ مُسْتَوْلَدَاتٍ أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَأُمُّ وَلَدٍ فَرَضَعَ طِفْلٌ مِنْ كُلٍّ رَضْعَةً صَارَ ابْنَهُ فِي الْأَصَحِّ، فَيَحْرُمْنَ لِأَنَّهُنَّ مَوْطُوآتُ أَبِيهِ، وَلَوْ كَانَ بَدَلَ المُسْتَوْلَدَاتِ بَنَاتٌ أَوْ أَخَوَاتٌ فَلَا حُرْمَةَ فِي الْأَصَحِّ. وَآبَاءُ المُرْضِعَةِ مِنْ نَسَبٍ أَوَ رَضَاعٍ أَجْدَادٌ لِلرَّضِيعِ، وَأُمَّهَاتُهَا جَدَّاتُهُ، وَأَوْلَادُهَا مِنْ نَسَبٍ أَوَ رَضَاعٍ إِخْوَتُهُ وَأَخَوَاتُهُ، وَإِخْوَتُهَا وَأَخَوَاتُهَا أَخْوَالُهُ وَخَالَاتُهُ، وَأَبُو ذِي اللَّبَنِ جَدُّهُ، وَأَخُوهُ عَمُّهُ وَكَذَا الْبَاقِي. وَاللَّبَنُ لِمَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ وَلَدٌ نَزَلَ بِهِ بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ لَا زِنًا، وَلَوْ نَفَاهُ بِلِعَانٍ انْتَفَى اللَّبَنُ. وَلَوْ وُطِئَتْ مَنْكُوحَةٌ بِشُبْهَةٍ، أَوْ وَطِئَ اثْنَانِ بِشُبْهَةٍ فَوَلَدَتْ فَاللَّبَنُ لِمَنْ لَحِقَهُ الْوَلَدُ بِقَائِفٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَلَا تَنْقَطِعُ نِسْبَةُ اللَّبَنِ عَنْ زَوْجٍ مَاتَ أَوْ طَلَّقَ وَإِنْ طَالَتِ المُدَّةُ أَوِ انْقَطَعَ وَعَادَ، فَإِنْ نَكَحَتْ آخَرَ وَوَلَدَتْ مِنْهُ فَاللَّبَنُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَهُ، وَقَبْلَهَا لِلْأَوَّلِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ ظُهُورِ لَبَنِ حَمْلِ الثَّانِي، وَكَذَا إِنْ دَخَلَ، وَفِي قَوْلٍ: لِلثَّانِي، وَفِي قَوْلٍ: لَهُمَا.

فَصْلٌ

تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ أَوْ أُخْتُهُ أَوْ زَوْجَةٌ أُخْرَى انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، وَلِلصَّغِيرَةِ نِصْفُ مَهْرِهَا، وَلَهُ عَلَى المُرْضِعَةِ نِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: كُلُّهُ. وَلَوْ رَضَعَتْ مِنْ نَائِمَةٍ فَلَا غُرْمَ وَلَا مَهْرَ لِلْمُرْتَضِعَةِ. وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَصَغِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْ أُمُّ الْكَبِيرَةِ الصَّغِيرَةَ انْفَسَخَتِ الصَّغِيرَةُ، وَكَذَا الْكَبِيرَةُ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَهُ نِكَاحُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَحُكْمُ مَهْرِ الصَّغِيرَةِ وَتَغْرِيمِهِ المُرْضِعَةَ مَا سَبَقَ، وَكَذَا الْكَبِيرَةُ إِنْ لَمْ تَكُنْ مَوْطُوءَةً، فَإِنْ كَانَتْ فَلَهُ عَلَى المُرْضِعَةِ مَهْرُ مِثْلٍ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ أَرْضَعَتْ بِنْتُ الْكَبِيرَةِ الصَّغِيرَةَ حَرُمَتِ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا، وَكَذَا الصَّغِيرَةُ إِنْ كَانَتِ الْكَبِيرَةُ مَوْطُوءَةً. وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ فَطَلَّقَهَا فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَةٌ صَارَتْ أُمَّ امْرَأَتِهِ. وَلَوْ نَكَحَتْ مُطَلَّقَتُهُ صَغِيرًا وَأَرْضَعَتْهُ بِلَبَنِهِ حَرُمَتْ عَلَى المُطَلِّقِ وَالصَّغِيرِ أَبَدًا. وَلَوْ زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ فَأَرْضَعَتْهُ لَبَنَ السَّيِّدِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى السَّيِّدِ. وَلَوْ أَرْضَعَتْ مَوْطُوءَتُهُ الْأَمَةُ صَغِيرَةً تَحْتَهُ بِلَبَنِهِ أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ حَرُمَتَا عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ صَغِيرَةٌ وَكَبِيرَةٌ فَأَرْضَعَتْهَا انْفَسَخَتَا وَحَرُمَتِ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا، وَكَذَا الصَّغِيرَةُ إِنْ كَانَ الْإِرْضَاعُ بِلَبَنِهِ وَإِلَّا فَرَبِيبَةٌ. وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ كَبِيرَةٌ وَثَلَاثُ صَغَائِرَ فَأَرْضَعَتْهُنَّ حَرُمَتْ أَبَدًا، وَكَذَا الصَّغَائِرُ إِنْ أَرْضَعَتْهُنَّ بِلَبَنِهِ أَوْ لَبَنِ غَيْرِهِ وَهِيَ مَوْطُوءَةٌ، وَإِلَّا فَإِنْ أَرْضَعَتْهُنَّ مَعًا بِإِيجَارِهِنَّ الخَامِسَةَ انْفَسَخْنَ وَلَا يَحْرُمْنَ مُؤَبَّدًا، أَوْ مُرَتَّبًا لَمْ يَحْرُمْنَ، وَتَنْفَسِخُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةُ، وَتَنْفَسِخُ الثَّانِيَةُ بِإِرْضَاعِ الثَّالِثَةِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا تَنْفَسِخُ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَنْ تَحْتَهُ صَغِيرَتَانِ أَرْضَعَتْهُمَا أَجْنَبِيَّةٌ مُرَتَّبًا: أَيَنْفَسِخَانِ أَمِ الثَّانِيَةُ؟

فَصْلٌ

قَالَ: (هِنْدٌ بِنْتِي أَوْ أُخْتِي بِرَضَاعٍ)، أَوْ قَالَتْ: (هُوَ أَخِي) حَرُمَ تَنَاكُحُهُمَا. وَلَوْ قَالَ زَوْجَانِ: (بَيْنَنَا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ) فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَسَقَطَ المُسَمَّى، وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ وَطِئَ. وَإِنِ ادَّعَى رَضَاعًا فَأَنْكَرَتِ انْفَسَخَ وَلَهَا المُسَمَّى إِنْ وَطِئَ، وَإِلَّا فَنِصْفُهُ، وَإِنِ ادَّعَتْهُ فَأَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ زُوِّجَتْ بِرِضَاهَا، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ: تَصْدِيقُهَا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ وَطِئَ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ. وَيُحَلَّفُ مُنْكِرُ رَضَاعٍ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ، وَمُدَّعِيهِ عَلَى بَتٍّ. وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِأَرْبِعِ نِسْوَةٍ. وَالْإِقْرَارُ بِهِ شَرْطُهُ رَجُلَانِ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ المُرْضِعَةِ إِنْ لَمْ تَطْلُبْ أُجْرَةً، وَلَا ذَكَرَتْ فِعْلَهَا، وَكَذَا إِنْ ذَكَرَتْهُ فَقَالَتْ: (أَرْضَعْتُهُ) فِي الْأَصَحِّ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي: (بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ)، بَلْ يَجِبُ ذِكْرُ وَقْتٍ وَعَدَدٍ، وَوُصُولِ اللَّبَنِ جَوْفَهُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِمُشَاهَدَةِ حَلَبٍ وَإِيجَارٍ وَازْدِرَادٍ، أَوْ قَرَائِنَ كَالْتِقَامِ ثَدْيٍ وَمَصِّهِ وَحَرَكَةِ حَلْقِهِ بِتَجَرُّعٍ وَازْدِرَادٍ بَعْدَ عِلْمِهِ أَنَّهَا لَبُونٌ.

كِتَابُ النَّفَقَاتِ

عَلَى مُوسِرٍ لِزَوْجَتِهِ كُلَّ يَوْمٍ مُدَّا طَعَامٍ، وَمُعْسِرٍ مُدٌّ، وَمُتَوَسِّطٍ مُدٌّ وَنِصْفٌ. وَالمُدُّ: مِئَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثُلُثُ دِرْهَمٍ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: مِئَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِسْكِينُ الزَّكَاةِ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَوْقَهُ إِنْ كَانَ لَوْ كُلِّفَ مُدَّيْنِ رَجَعَ مِسْكِينًا فَمُتَوَسِّطٌ، وَإِلَّا فَمُوسِرٌ. وَالْوَاجِبُ: غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ. قُلْتُ: فَإِنِ اخْتَلَفَ وَجَبَ لَائِقٌ بِهِ، وَيُعْتَبَرُ الْيَسَارُ وَغَيْرُهُ طُلُوعَ الْفَجْرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَعَلَيْهِ تَمْلِيكُهَا حَبًّا، وَكَذَا طَحْنُهُ وَخَبْزُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا بَدَلَ الحَبِّ لَمْ يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ، فَإِنِ اعْتَاضَتْ جَازَ فِي الْأَصَحِّ، إِلَّا خُبْزًا وَدَقِيقًا عَلَى المَذْهَبِ. وَلَوْ أَكَلَتْ مَعَهُ عَلَى الْعَادَةِ سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ تَكُونَ غَيْرَ رَشِيدَةٍ وَلَمْ يَأْذَنْ وَلِيُّهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجِبُ أُدْمُ غَالِبِ الْبَلَدِ كَزَيْتٍ وَسَمْنٍ وَجُبْنٍ وَتَمْرٍ، وَيَخْتَلِفُ بِالْفُصُولِ، وَيُقَدِّرُهُ قَاضٍ بِاجْتِهَادِهِ، وَيُفَاوِتُ بَيْنَ مُوسِرٍ وَغَيْرِهِ، وَلَحْمٌ يَلِيقُ بِيَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ كَعَادَةِ الْبَلَدِ، وَلَوْ كَانَتْ تَأْكُلُ الخُبْزَ وَحْدَهُ وَجَبَ الْأُدْمُ. وَكِسْوَةٌ تَكْفِيهَا فَيَجِبُ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَخِمَارٌ وَمُكَعَّبٌ، وَيَزِيدُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةً، وَجِنْسُهَا قُطْنٌ، فَإِنْ جَرَتْ عَادَةُ الْبَلَدِ لِمِثْلِهِ بِكَتَّانٍ أَوْ حَرِيرٍ وَجَبَ فِي الْأَصَحِّ. وَيَجِبُ مَا تَقْعُدُ عَلَيْهِ كَزِلِّيَّةٍ أَوْ لِبْدٍ أَوْ حَصِيرٍ، وَكَذَا فِرَاشٌ لِلنَّوْمِ فِي الْأَصَحِّ، وَمِخَدَّةٌ وَلِحَافٌ فِي الشِّتَاءِ. وَآلَةُ تَنْظِيفٍ كَمُشْطٍ، وَدُهْنٍ، وَمَا تَغْسِلُ بِهِ الرَّأْسُ، وَمَرْتَكٌ، وَنَحْوُهُ لِدَفْعِ صُنَانٍ، لَا كُحْلٌ وَخِضَابٌ، وَمَا تَزَيَّنُ بِهِ، وَدَوَاءُ مَرَضٍ، وَأُجْرَةُ طَبِيبٍ وَحَاجِمٍ. وَلَهَا طَعَامُ أَيَّامِ المَرَضِ وَإِدَامُهَا. وَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ أُجْرَةِ حَمَّامٍ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَثَمَنِ مَاءِ غُسْلِ جِمَاعٍ وَنِفَاسٍ، لَا حَيْضٍ وَاحْتِلَامٍ فِي الْأَصَحِّ. وَلَهَا آلَاتُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَطَبْخٍ، كَقِدْرٍ وَقَصْعَةٍ وَكُوزٍ وَجَرَّةٍ وَنَحْوِهَا. وَمَسْكَنٌ يَلِيقُ بِهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِلْكَهُ. وَعَلَيْهِ لِمَنْ لَا يَلِيقُ بِهَا خِدْمَةُ نَفْسِهَا إِخْدَامُهَا بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لَهُ أَوْ مُسْتَأْجَرَةٍ، أَوْ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى مَنْ صَحِبَتْهَا مِنْ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لِخِدْمَةٍ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا مُوسِرٌ وَمُعْسِرٌ وَعَبْدٌ. فَإِنْ أَخْدَمَهَا بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ بِأُجْرَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا، أَوْ بِأَمَتِهِ أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِالْمِلْكِ، أَوْ بِمَنْ صَحِبَتْهَا لَزِمَهُ نَفَقَتُهَا، وَجِنْسُ طَعَامِهَا جِنْسُ طَعَامِ الزَّوْجَةِ، وَهُوَ مُدٌّ عَلَى مُعْسِرٍ، وَكَذَا مُتَوَسِّطٌ فِي الصَّحِيحِ، وَمُوسِرٌ: مُدٌّ وَثُلُثٌ، وَلَهَا كِسْوَةٌ تَلِيقُ بِحَالِهَا، وَكَذَا أُدْمٌ عَلَى الصَّحِيحِ، لَا آلَةُ تَنْظِيفٍ، فَإِنْ كَثُرَ وَسَخٌ وَتَأَذَّتْ بِقَمْلٍ وَجَبَ أَنْ تُرَفَّهَ. وَمَنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا فِي الْعَادَةِ إِنِ احْتَاجَتْ إِلَى خِدْمَةٍ لِمَرَضٍ أَوْ زَمَانَةٍ وَجَبَ إِخْدَامُهَا. وَلَا إِخْدَامَ لِرَقِيقَةٍ، وَفِي الجَمِيلَةِ وَجْهٌ. وَيَجِبُ فِي المَسْكَنِ: إِمْتَاعٌ، وَمَا يُسْتَهْلَكُ كَطَعَامٍ تَمْلِيكٌ، وَتَتَصَرَّفُ فِيهِ، فَلَوْ قَتَّرَتْ بِمَا يَضُرُّهَا مَنَعَهَا، وَمَا دَامَ نَفْعُهُ كَكِسْوَةٍ وَظُرُوفِ طَعَامٍ وَمُشْطٍ تَمْلِيكٌ، وَقِيلَ: إِمْتَاعٌ. وَتُعْطَى الْكِسْوَةَ أَوَّلَ شِتَاءٍ وَصَيْفٍ، فَإِنْ تَلِفَتْ فِيهِ بِلَا تَقْصِيرٍ لَمْ تُبْدَلْ إِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، فَإِنْ مَاتَتْ فِيهِ لَمْ تُرَدَّ، وَلَوْ لَمْ يَكْسُ مُدَّةً فَدَيْنٌ.

فَصْلٌ

الجَدِيدُ: أَنَّهَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ لَا الْعَقْدِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِيهِ صُدِّقَ. فَإِنْ لَمْ تَعْرِضْ عَلَيْهِ مُدَّةً فَلَا نَفَقَةَ فِيهَا، وَإِنْ عَرَضَتْ وَجَبَتْ مِنْ بُلُوغِ الخَبَرِ. فَإِنْ غَابَ كَتَبَ الحَاكِمُ لِحَاكِمِ بَلَدِهِ لِيُعْلِمَهُ فَيَجِيءَ أَوْ يُوَكِّلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَمَضَى زَمَنُ وُصُولِهِ فَرَضَهَا الْقَاضِي. وَالمُعْتَبَرُ فِي مَجْنُونَةٍ وَمُرَاهِقَةٍ عَرْضُ وَلِيٍّ. وَتَسْقُطُ بِنُشُوزٍ وَلَوْ بِمَنْعِ لَمْسٍ بِلَا عُذْرٍ. وَعَبَالَةُ زَوْجٍ أَوْ مَرَضٌ يَضُرُّ مَعَهُ الْوَطْءُ عُذْرٌ. وَالخُرُوجُ مِنْ بَيْتِهِ بِلَا إِذْنٍ نُشُوزٌ إِلَّا أَنْ يُشْرِفَ عَلَى انْهِدَامٍ. وَسَفَرُهَا بِإِذْنِهِ مَعَهُ أَوْ لِحَاجَتِهِ لَا يُسْقِطُ، وَلِحَاجَتِهَا يُسْقِطُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ نَشَزَتْ فَغَابَ فَأَطَاعَتْ لَمْ تَجِبْ فِي الْأَصَحِّ، وَطَرِيقُهَا: أَنْ يَكْتُبَ الحَاكِمُ كَمَا سَبَقَ. وَلَوْ خَرَجَتْ فِي غَيْبَتِهِ لِزِيَارَةٍ وَنَحْوِهَا لَمْ تَسْقُطْ. وَالْأَظْهَرُ: أَنْ لَا نَفَقَةَ لِصَغِيرَةٍ، وَأَنَّهَا تَجِبُ لِكَبِيرَةٍ عَلَى صَغِيرٍ. وَإِحْرَامُهَا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ بِلَا إِذْنٍ نُشُوزٌ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ تَحْلِيلَهَا، وَإِنْ مَلَكَ فَلَا حَتَّى تَخْرُجَ فَمُسَافِرَةٌ لِحَاجَتِهَا، أَوْ بِإِذْنٍ فَفِي الْأَصَحِّ: لَهَا نَفَقَةٌ مَا لَمْ تَخْرُجْ. وَيَمْنَعُهَا صَوْمَ نَفْلٍ، فَإِنْ أَبَتْ فَنَاشِزَةٌ فِي الْأَظْهَرِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ قَضَاءً لَا يَتَضَيَّقُ كَنَفْلٍ فَيَمْنَعُهَا، وَأَنَّهُ لَا مَنْعَ مِنْ تَعْجِيلِ مَكْتُوبَةٍ أَوَّلَ وَقْتٍ، وَسُنَنٍ رَاتِبَةٍ. وَتَجِبُ لِرَجْعِيَّةٍ المُؤَنُ إِلَّا مُؤْنَةَ تَنْظِيفٍ، فَلَوْ ظُنَّتْ حَامِلًا فَأَنْفَقَ فَبَانَتْ حَائِلًا اسْتَرْجَعَ مَا دَفَعَ بَعْدَ عِدَّتِهَا. وَالحَائِلُ الْبَائِنُ بِخُلْعٍ أَوْ ثَلَاثٍ لَا نَفَقَةَ وَلَا كِسْوَةَ، وَتَجِبَانِ لِحَامِلٍ لَهَا، وَفِي قَوْلٍ: لِلْحَمْلِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا تَجِبُ لِحَامِلٍ عَنْ شُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ. قُلْتُ: وَلَا نَفَقَةَ لِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَنَفَقَةُ الْعِدَّةِ مُقَدَّرَةٌ كَزَمَنِ النِّكَاحِ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْكِفَايَةُ، وَلَا يَجِبُ دَفْعُهَا قَبْلَ ظُهُورِ حَمْلٍ، فَإِذَا ظَهَرَ وَجَبَ يَوْمًا بِيَوْمٍ. وَقِيلَ: حِينَ تَضَعُ، وَلَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ عَلَى المَذْهَبِ.

فَصْلٌ

أَعْسَرَ بِهَا فَإِنْ صَبَرَتْ صَارَتْ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَهَا الْفَسْخُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَالْأَصَحُّ: أَنْ لَا فَسْخَ بِمَنْعِ مُوسِرٍ حَضَرَ أَوْ غَابَ. وَلَوْ حَضَرَ وَغَابَ مَالُهُ فَإِنْ كَانَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ فَلَهَا الْفَسْخُ، وَإِلَّا فَلَا وَيُؤْمَرُ بِالْإِحْضَارِ. وَلَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِهَا لَمْ يَلْزَمْهَا الْقَبُولُ. وَقُدْرَتُهُ عَلَى الْكَسْبِ كَالمَالِ. وَإِنَّمَا يُفْسَخُ بِعَجْزِهِ عَنْ نَفَقَةِ مُعْسِرٍ. وَالْإِعْسَارُ بِالْكِسْوَةِ كَهُوَ بِالنَّفَقَةِ، وَكَذَا بِالْأُدْمِ وَالمَسْكَنِ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: المَنْعُ فِي الْأُدْمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي إِعْسَارِهِ بِالمَهْرِ أَقْوَالٌ أَظْهَرُهَا: تَفْسَخُ قَبْلَ وَطْءٍ لَا بَعْدَهُ. وَلَا فَسْخَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَ قَاضٍ إِعْسَارُهُ فَيَفْسَخُهُ أَوْ يَأْذَنُ لَهَا فِيهِ. ثُمَّ فِي قَوْلٍ: يُنَجَّزُ الْفَسْخُ. وَالْأَظْهَرُ: إِمْهَالُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَهَا الْفَسْخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ إِلَّا أَنْ يُسَلِّم نَفَقَتَهُ. وَلَوْ مَضَى يَوْمَانِ بِلَا نَفَقَةٍ وَأَنْفَقَ الثَّالِثَ وَعَجَزَ الرَّابِعَ بَنَتْ، وَقِيلَ: تَسْتَأْنِفُ. وَلَهَا الخُرُوجُ زَمَنَ المُهْلَةِ لِتَحْصِيلِ النَّفَقَةِ، وَعَلَيْهَا الرُّجُوعُ لَيْلًا. وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ أَوْ نَكَحَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ بَعْدَهُ. وَلَوْ رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ بِالمَهْرِ فَلَا. وَلَا فَسْخَ لِوَلِيِّ صَغِيرَةٍ وَمَجْنُونَةٍ بِإِعْسَارٍ بِمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ. وَلَوْ أَعْسَرَ زَوْجُ أَمَةٍ بِالنَّفَقَةِ فَلَهَا الْفَسْخُ، فَإِنْ رَضِيَتْ فَلَا فَسْخَ لِلسَّيِّدِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَهُ أَنْ يُلْجِئَهَا إِلَيْهِ بِأَلَّا يُنْفِقَ عَلَيْهَا وَيَقُولَ: (افْسَخِي أَوْ جُوعِي).

فَصْلٌ

تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْوَالِدِ وَإِنْ عَلَا، وَالْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، وَإِنِ اخْتَلَفَ دِينُهُمَا بِشَرْطِ يَسَارِ المُنْفِقِ بِفَاضِلٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي يَوْمِهِ. وَيُبَاعُ فِيهَا مَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ. وَيَلْزَمُ كَسُوبًا كَسْبُهَا فِي الْأَصَحِّ. وَلَا تَجِبُ لِمَالِكِ كِفَايَتِهِ وَلَا مُكْتَسِبِهَا. وَتَجِبُ لِفَقِيرٍ غَيْرِ مُكْتَسِبٍ إِنْ كَانَ زَمِنًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، وَإِلَّا فَأَقْوَالٌ أَحْسَنُهَا: تَجِبُ، وَالثَّالِثُ: لِأَصْلٍ لَا فَرْعٍ. قُلْتُ: الثَّالِثُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وِهِيَ الْكِفَايَةُ، وَتَسْقُطُ بِفَوَاتِهَا، وَلَا تَصِيرُ دَيْنًا إِلَّا بِفَرْضِ قَاضٍ أَوْ إِذْنِهِ فِي اقْتِرَاضٍ لِغَيْبَةٍ أَوْ مَنْعٍ. وَعَلَيْهَا إِرْضَاعُ وَلَدِهَا اللِّبَأَ، ثُمَّ بَعْدَهُ إِنْ لَمْ يُوْجَدْ إِلَّا هِيَ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ وَجَبَ إِرْضَاعُهُ، وَإِنْ وُجِدَتَا لَمْ تُجْبَرِ الْأُمُّ، فَإِنْ رَغِبَتْ وَهِيَ مَنْكُوحَةُ أَبِيهِ فَلَهُ مَنْعُهَا فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا، وَصَحَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنِ اتَّفَقَا وَطَلَبَتْ أُجْرَةَ مِثْلٍ أُجِيبَتْ، أَوْ فَوْقَهَا فَلَا، وَكَذَا إِنْ تَبَرَّعَتْ أَجْنَبِيَّةٌ أَوْ رَضِيَتْ بِأَقَلَّ فِي الْأَظْهَرِ. وَمَنِ اسْتَوَى فَرْعَاهُ أَنْفَقَا، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ: أَقْرَبُهُمَا، فَإِنِ اسْتَوِيَا فَبِالْإِرْثِ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي: بِالْإِرْثِ ثُمَّ الْقُرْبِ. وَالْوَارِثَانِ يَسْتَوِيَانِ أَمْ يُوَزَّعُ بِحَسَبِهِ؟ وَجْهَانِ. وَمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فَعَلَى الْأَبِ. وَقِيلَ: عَلَيْهِمَا لِبَالِغٍ. أَوْ أَجْدَادٌ وَجَدَّاتٌ إِنْ أَدْلَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَالْأَقْرَبُ، وَإِلَّا فَبِالْقُرْبِ. وَقِيلَ: الْإِرْثِ، وَقِيلَ: بِوِلَايَةِ المَالِ. وَمَنْ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ فَفِي الْأَصَحِّ: عَلَى الْفَرْعِ وَإِنْ بَعُدَ. أَوْ مُحْتَاجُونَ يُقَدِّمُ زَوْجَتَهُ ثُمَّ الْأَقْرَبَ، وَقِيلَ: الْوَارِثَ، وَقِيلَ: الْوَلِيَّ.

فَصْلٌ

الحَضَانَةُ: حِفْظُ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ وَتَرْبِيَتُهُ. وَالْإِنَاثُ أَلْيَقُ بِهَا، وَأَوْلَاهُنَّ: أُمٌّ ثُمَّ أُمَّهَاتٌ يُدْلِينَ بِإِنَاثٍ يُقَدَّمُ أَقْرَبُهُنَّ. وَالجَدِيدُ: يُقَدَّمُ بَعْدَهُنَّ أُمُّ أَبٍ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا المُدْلِيَاتُ بِإِنَاثٍ ثُمَّ أُمُّ أَبِي أَبٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ أُمُّ أَبِي جَدٍّ كَذَلِكَ. وَالْقَدِيمُ: الْأَخَوَاتُ وَالخَالَاتُ عَلَيْهِنَّ. وَتُقَدَّمُ أُخْتٌ عَلَى خَالَةٍ، وَخَالَةٌ عَلَى بِنْتِ أَخٍ وَأُخْتٍ، وَبِنْتُ أَخٍ وَأُخْتٍ عَلَى عَمَّةٍ، وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَالْأَصَحُّ: تَقْدِيمُ أُخْتٍ مِنْ أَبٍ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أُمٍّ وَخَالَةٍ وَعَمَّةٍ لِأَبٍ عَلَيْهِمَا لِأُمٍّ. وَسُقُوطُ كُلِّ جَدَّةٍ لَا تَرِثُ دُونَ أُنْثَى غَيْرِ مَحْرَمٍ كَبِنْتِ خَالَةٍ. وَتَثْبُتُ لِكُلِّ ذَكَرٍ مَحْرَمٍ وَارِثٍ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِرْثِ، وَكَذَا غَيْرُ مَحْرَمٍ كَابْنِ عَمٍّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا تُسَلَّمُ إِلَيْهِ مُشْتَهَاةٌ بَلْ إِلَى ثِقَةٍ يُعَيِّنُهَا. فَإِنْ فُقِدَ الْإِرْثُ وَالمَحْرَمِيَّةُ أَوِ الْإِرْثُ فَلَا فِي الْأَصَحِّ. وَإِنِ اجْتَمَعَ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ فَالْأُمُّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا ثُمَّ الْأَبُ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ عَلَيْهِ الخَالَةُ وَالْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ. وَيُقَدَّمُ الْأَصْلُ عَلَى الحَاشِيَةِ، فَإِنْ فُقِدَ فَالْأَصَحُّ: الْأَقْرَبُ، وَإِلَّا فَالْأُنْثَى، وَإِلَّا فَيُقْرَعُ. وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ وَمَجْنُونٍ، وَفَاسِقٍ وَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَنَاكِحَةِ غَيْرِ أَبِي الطِّفْلِ إِلَّا عَمَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَابْنَ أَخِيهِ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ رَضِيعًا اشْتُرِطَ أَنْ تُرْضِعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ كَمُلَتْ نَاقِصَةٌ أَوْ طَلَقَتْ مَنْكُوحَةٌ حَضَنَتْ، وَإِنْ غَابَتِ الْأُمُّ أَوِ امْتَنَعَتْ فَلِلْجَدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ. هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ مُمَيِّزٍ، وَالمُمَيِّزُ إِنِ افْتَرَقَ أَبَوَاهُ كَانَ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِي أحَدِهِمَا جُنُونٌ أَوْ كُفْرٌ أَوْ رِقٌّ أَوْ فِسْقٌ أَوْ نَكَحَتْ فَالْحَقُّ لِلْآخَرِ. وَيُخَيَّرُ بَيْنَ أُمٍّ وَجَدٍّ، وَكَذَا أَخٌّ أَوْ عَمٌّ أَوْ أَبٌ مَعَ أُخْتٍ أَوْ خَالَةٍ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ الْآخَرَ حُوِّلَ إِلَيْهِ. فَإِنِ اخْتَارَ الْأَبَ ذَكَرٌ لَمْ يَمْنَعْهُ زِيَارَةَ أُمِّهِ وَيَمْنَعُ أُنْثَى، وَلَا يَمْنَعُهَا دُخُولًا عَلَيْهِمَا زَائِرَةً، وَالزِّيَارَةُ مَرَّةً فِي أَيَّامٍ، فَإِنْ مَرِضَا فَالْأُمُّ أَوْلَى بِتَمْرِيضِهِمَا فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فِي بَيْتِهِ، وَإِلَّا فَفِي بَيْتِهَا. وَإِنِ اخْتَارَهَا ذَكَرٌ فَعِنْدَهَا لَيْلًا وَعِنْدَ الْأَبِ نَهَارًا يُؤَدِّبُهُ وَيُسَلِّمُهُ لِمَكْتَبٍ أَوْ حِرْفَةٍ، أَوْ أُنْثَى فَعِنْدَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَيَزُورُهَا الْأَبُ عَلَى الْعَادَةِ. وَإِنِ اخَتَارَهُمَا أُقْرِعَ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ فَالْأُمُّ أَوْلَى، وَقِيلَ: يُقْرَعُ. وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا سَفَرَ حَاجَةٍ كَانَ الْوَلَدُ المُمَيِّزُ وَغَيْرُهُ مَعَ المُقِيمِ حَتَّى يَعُودَ، أَوْ سَفَرَ نُقْلَةٍ فَالْأَبُ أَوْلَى بِشَرْطِ أَمْنِ طَرِيقِهِ وَالْبَلَدِ المَقْصُودِ، قِيلَ: وَمَسَافَةِ قَصْرٍ. وَمَحَارِمُ الْعَصَبَةِ فِي هَذَا كَالْأَبِ، وَكَذَا ابْنُ عَمٍّ لِذَكَرٍ، وَلَا يُعْطَى أُنْثَى، فَإِنْ رَافَقَتْهُ بِنْتُهُ سُلِّمَ إِلَيْهَا.

فَصْلٌ

عَلَيْهِ كِفَايَةُ رَقِيقِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً، وَإِنْ كَانَ أَعْمَى زَمِنًا وَمُدَبَّرًا وَمُسْتَوْلَدَةً مِنْ غَالِبِ قُوتِ رَقِيقِ الْبَلَدِ وَأُدْمِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ، وَلَا يَكْفِي سِتْرُ الْعَوْرَةِ. وَيُسَنُّ أَنْ يُنَاوِلَهُ مِمَّا يَتَنَعَّمُ بِهِ مِنْ طَعَامٍ وَأُدْمٍ وَكِسْوَةٍ. وَتَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ. وَيَبِيعُ الْقَاضِي فِيهَا مَالَهُ، فَإِنْ فُقِدَ المَالُ أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ أَوْ إِعْتَاقِهِ. وَيُجْبِرُ أَمَتَهُ عَلَى إِرْضَاعِ وَلَدِهَا وَكَذَا غَيْرُهُ إِنْ فَضَلَ عَنْهُ وَفَطْمِهِ قَبْلَ حَوْلَيْنِ إِنْ لَمْ يَضُرَّهُ وَإِرْضَاعِهِ بَعْدَهُمَا إِنْ لَمْ يَضُرَّهَا. وَلِلْحُرَّةِ حَقٌّ فِي التَّرْبِيَةِ. فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَطْمُهُ قَبْلَ حَوْلَيْنِ، وَلَهُمَا إِنْ لَمْ يَضُرَّهُ، وَلِأَحَدِهِمَا بَعْدَ حَوْلَيْنِ، وَلَهُمَا الزِّيَادَةُ. وَلَا يُكَلِّفُ رَقِيقَهُ إِلَّا عَمَلًا يُطِيقُهُ، وتَجُوزُ مُخَارَجَتُهُ بِشَرْطِ رِضَاهُمَا؛ وَهِيَ: خَرَاجٌ يُؤَدِّيهِ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ وَعَلَيْهِ عَلْفُ دَوَابِّهِ وَسَقْيُهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ أُجْبِرَ فِي المَأْكُولِ عَلَى بَيْعٍ أَوْ عَلْفٍ أَوْ ذَبْحٍ، وَفِي غَيْرِهِ عَلَى بَيْعٍ أَوْ عَلْفٍ. وَلَا يَحْلُبُ مَا ضَرَّ وَلَدَهَا. وَمَا لَا رُوحَ لَهُ كَقَنَاةٍ وَدَارٍ لَا تَجِبُ عِمَارَتُهَا.

كِتَابُ الْجِرَاحِ

الْفِعْلُ المُزْهِقُ ثَلَاثَةٌ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ. وَلَا قِصَاصَ إِلَّا فِي الْعَمْدِ، وَهُوَ: قَصْدُ الْفِعْلِ وَالشَّخْصِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا جَارِحٌ أَوْ مُثَقَّلٌ. فَإِنْ فُقِدَ قَصْدُ أَحَدِهِمَا بِأَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ فَمَاتَ، أَوْ رَمَى شَجَرَةً فَأَصَابَهُ فَخَطَأٌ. وَإِنْ قَصَدَهُمَا بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَمِنْهُ: الضَّرْبُ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا. فَلَوْ غَرَزَ إِبْرَةً بِمَقْتَلٍ فَعَمْدٌ، وَكَذَا بِغَيْرِهِ إِنْ تَوَرَّمَ وَتَأَلَّمَ حَتَّى مَاتَ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرٌ وَمَاتَ فِي الحَالِ فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَقِيلَ: عَمْدٌ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ. وَلَوْ غَرَزَ فِيمَا لَا يُؤْلِمُ كَجِلْدَةِ عَقِبٍ فَلَا شَيْءَ بِحَالٍ. وَلَوْ حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالطَّلَبَ حَتَّى مَاتَ فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيهَا غَالِبًا جُوعًا أَوْ عَطَشًا فَعَمْدٌ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوعٌ وَعَطَشٌ سَابِقٌ فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ جُوعٍ وَعَطَشٍ وَعَلِمَ الحَابِسُ الحَالَ فَعَمْدٌ، وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَظْهَرِ. وَيَجِبُ الْقِصَاصُ بِالسَّبَبِ، فَلَوْ شَهِدَا بِقِصَاصٍ فَقُتِلَ ثُمَّ رَجَعَا وَقَالَا: تَعَمَّدْنَا لَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ إِلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الْوَلِيُّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا. وَلَوْ ضَيَّفَ بِمَسْمُومٍ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَمَاتَ وَجَبَ الْقِصَاصُ، أَوْ بَالِغًا عَاقِلًا وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ الطَّعَامِ فَدِيَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: قِصَاصٌ، وَفِي قَوْلٍ: لَا شَيْءَ. وَلَوْ دَسَّ سُمًّا فِي طَعَامِ شَخْصٍ الْغَالِبُ أَكْلُهُ مِنْهُ فَأَكَلَهُ جَاهِلًا فَعَلَى الْأَقْوَالِ. وَلَوْ تَرَكَ المَجْرُوحُ عِلَاجَ جُرْحٍ مُهْلِكٍ فَمَاتَ وَجَبَ الْقِصَاصُ. وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ لَا يُعَدُّ مُغْرِقًا كَمُنْبَسِطٍ فَمَكَثَ فِيهِ مُضْطَجِعًا حَتَّى هَلَكَ فَهَدَرٌ، أَوْ مُغْرِقٍ لَا يَخْلُصُ مِنْهُ إِلَّا بِسِبَاحَةٍ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا أَوْ كَانَ مَكْتُوفًا أَوْ زَمِنًا فَعَمْدٌ، وَإِنْ مَنَعَ مِنْهَا عَارِضٌ كَرِيحٍ وَمَوْجٍ فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ أَمْكَنَتْهُ فَتَرَكَهَا فَلَا دِيَةَ فِي الْأَظْهَرِ. أَوْ فِي نَارٍ يُمْكِنُ الخَلَاصُ مِنْهَا فَمَكَثَ فِيهَا فَفِي الدِّيَةِ الْقَوْلَانِ. وَلَا قِصَاصَ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَفِي النَّارِ وَجْهٌ. وَلَوْ أَمْسَكَهُ فَقَتَلَهُ آخَرُ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَرَدَّاهُ فِيهَا آخَرُ، أَوْ أَلْقَاهُ مِنْ شَاهِقٍ فَتَلَقَّاهُ آخَرُ فَقَدَّهُ فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالمُرْدِي وَالْقَادِّ فَقَطْ. وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ غَيْرِ مُغْرِقٍ فَلَا. وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلٍ فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَكَذَا عَلَى المُكْرَهِ فِي الْأَظْهَرِ، فَإِنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ وُزِّعَتْ، فَإِنْ كَافَأَهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِ. وَلَوْ أَكْرَهَ بَالِغٌ مُرَاهِقًا فَعَلَى الْبَالِغِ الْقِصَاصُ إِنْ قُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ عَمْدٌ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى رَمْيِ شَاخِصٍ عَلِمَ المُكْرِهُ أَنَّهُ رَجُلٌ وَظَنَّهُ المُكْرَهُ صَيْدًا فَالْأَصَحُّ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى المُكْرِهِ. أَوْ عَلَى رَمْيِ صَيْدٍ فَأَصَابَ رَجُلًا فَلَا قِصَاصَ عَلَى أَحَدٍ. أَوْ عَلَى صُعُودِ شَجَرَةٍ فَزَلِقَ وَمَاتَ فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَقِيلَ: عَمْدٌ. أَوْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَلَا قِصَاصَ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ: (اقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ) فَقَتَلَهُ فَالمَذْهَبُ: لَا قِصَاصَ، والْأَظْهَرُ: لَا دِيَةَ. وَلَوْ قَالَ: (اقْتُلْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا) فَلَيْسَ بِإِكْرَاهٍ.

فَصْلٌ

وُجِدَ مِنْ شَخْصَيْنِ مَعًا فِعْلَانِ مُزْهِقَانِ مُذَفِّفَانِ، كَحَزٍّ وَقَدٍّ، أَوْ لَا كَقَطْعِ عُضْوَيْنِ فَقَاتِلَانِ. وَإِنْ أَنْهَاهُ رَجُلٌ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ إِبْصَارٌ وَنُطْقٌ وَحَرَكَةُ اخْتِيَارٍ، ثُمَّ جَنَى آخَرُ فَالْأَوَّلُ قَاتِلٌ، وَيُعَزَّرُ الثَّانِي، وَإِنْ جَنَى الثَّانِي قَبْلَ الْإِنْهَاءِ إِلَيْهَا فَإِنْ ذَفَّفَ كَحَزٍّ بَعْدَ جُرْحٍ فَالثَّانِي قَاتِلٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ قِصَاصُ الْعُضْوِ أَوْ مَالٌ بِحَسَبِ الحَالِ، وَإِلَّا فَقَاتِلَانِ. وَلَوْ قَتَلَ مَرِيضًا فِي النَّزْعِ وَعَيْشُهُ عَيْشُ مَذْبُوحٍ وَجَبَ الْقِصَاصُ.

فَصْلٌ

قَتَلَ مُسْلِمًا ظَنَّ كُفْرَهُ بِدَارِ الحَرْبِ لَا قِصَاصَ، وَكَذَا لَا دِيَةَ فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَجَبَا، وَفِي الْقِصَاصِ قَوْلٌ. أَوْ مَنْ عَهِدَهُ مُرْتَدًّا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ ظَنَّهُ قَاتِلَ أَبِيهِ فَبَانَ خِلَافُهُ فَالمَذْهَبُ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ. وَلَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا جَهِلَ مَرَضَهُ ضَرْبًا يَقْتُلُ المَرِيضَ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَقِيلَ: لَا. وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتِيلِ: إِسْلَامٌ أَوْ أَمَانٌ فَيُهْدَرُ الحَرْبِيُّ وَالمُرْتَدُّ. وَمَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ كَغَيْرِهِ، وَالزَّانِي المُحْصَنُ إِنْ قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ قُتِلَ، أَوْ مُسْلِمٌ فَلَا فِي الْأَصَحِّ. وَفِي الْقَاتِلِ: بُلُوغٌ وَعَقْلٌ، وَالمَذْهَبُ: وُجُوبُهُ عَلَى السَّكْرَانِ. وَلَوْ قَالَ: (كُنْتُ يَوْمَ الْقَتْلِ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا) صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ أَمْكَنَ الصِّبَا وَعُهِدَ الجُنُونُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنَا صَبِيٌّ) فَلَا قِصَاصَ وَلَا يُحَلَّفُ. وَلَا قِصَاصَ عَلَى حَرْبِيٍّ، وَيَجِبُ عَلَى المَعْصُومِ وَالمُرْتَدِّ. وَمُكَافَأَةٌ فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ، وَيُقْتَلُ ذِمِّيٌّ بِهِ، وَبِذِمِّيٍّ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا، فَلَوْ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ. وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، وَأَسْلَمَ الجَارِحُ، ثُمَّ مَاتَ المَجْرُوحُ فَكَذَا فِي الْأَصَحِّ. وَفِي الصُّورَتَيْنِ إِنَّمَا يَقْتَصُّ الْإِمَامُ بِطَلَبِ الْوَارِثِ. وَالْأَظْهَرُ: قَتْلُ مُرْتَدٍّ بِذِمِّيٍّ وَبِمُرْتَدٍّ، لَا ذِمِّيٍّ بِمُرْتَدٍّ. وَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِمَنْ فِيهِ رِقٌّ، وَيُقْتَلُ قِنٌّ وَمُدَبَّرٌ وَمُكَاتَبٌ وَأُمُّ وَلَدٍ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ عَبْدًا ثُمَّ عَتَقَ الْقَاتِلُ أَوْ عَتَقَ بَيْنَ الجُرْحِ وَالمَوْتِ فَكَحُدُوثِ الْإِسْلَامِ. وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَوْ قَتَلَ مِثْلَهُ لَا قِصَاصَ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ تَزِدْ حُرِّيَّةُ الْقَاتِلِ وَجَبَ. وَلَا قِصَاصَ بَيْنَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ وَحُرٍّ ذِمِّيٍّ، وَلَا بِقَتْلِ وَلَدٍ وَإِنْ سَفَلَ وَلَا لَهُ، وَيُقْتَلُ بِوَالِدِيهِ. وَلَوْ تَدَاعَيَا مَجْهُولًا فَقَتَلَهُ أَحَدُهُمَا فَإِنْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِالْآخَرِ اقْتَصَّ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ قَتَلَ أَحَدُ أَخَوَيْنِ الْأَبَ وَالْآخَرُ الْأُمَّ مَعًا فَلِكُلٍّ قِصَاصٌ، وَيُقَدَّمُ بِقُرْعَةٍ، فَإِنِ اقْتَصَّ بِهَا، أَوْ مُبَادِرًا فَلِوَارِثِ المُقْتَصِّ إِنْ لَمْ نُوَرِّثُ قَاتِلًا بِحَقٍّ، وَكَذَا إِنْ قَتَلَا مُرَتَّبًا وَلَا زَوْجِيَّةَ، وَإِلَّا فَعَلَى الثَّانِي فَقَطْ. وَيُقْتَلُ الجَمْعُ بِوَاحِدٍ، وَلِلْوَلِيِّ الْعَفْوُ عَنْ بَعْضِهِمْ عَلَى حِصَّتِهِ مِنَ الدِّيَةِ بِاعْتِبَارِ الرُّؤُوسِ. وَلَا يُقْتَلُ شَرِيكُ مُخْطِئٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ، وَيُقْتَلُ شَرِيكُ الْأَبِ، وَعَبْدٌ شَارَكَ حُرًّا فِي عَبْدٍ، وَذِمِّيٌّ شَارَكَ مُسْلِمًا فِي ذِمِّيٍّ، وَكَذَا شَرِيكُ حَرْبِيٍّ وَقَاطِعٍ قِصَاصًا أَوْ حَدًّا، وَشَرِيكُ النَّفْسِ وَدَافِعِ الصَّائِلِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً وَمَاتَ بِهِمَا، أَوْ جَرَحَ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا ثُمَّ أَسْلَمَ وَجَرَحَهُ ثَانِيًا فَمَاتَ لَمْ يُقْتَلْ. وَلَوْ دَاوَى جُرْحَهُ بِسُمٍّ مُذَفِّفٍ فَلَا قِصَاصَ عَلَى جَارِحِه، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ غَالِبًا فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ قَتَلَ غَالِبًا وَعَلِمَ حَالَهُ فَشَرِيكُ جَارِحِ نَفْسِهِ، وَقِيلَ: شَرِيكُ مُخْطِئٍ. وَلَوْ ضَرَبُوهُ بِسِيَاطٍ فَقَتَلُوهُ وَضَرْبُ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ قَاتِلٍ فَفِي الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا: يَجِبُ إِنْ تَوَاطَؤُوا. وَمَنْ قَتَلَ جَمْعًا مُرَتَّبًا قُتِلَ بِأَوَّلِهِمْ، أَوْ مَعًا فَبِالْقُرْعَةِ، وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَاتُ. قُلْتُ: فَلَوْ قَتَلَهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ عَصَى وَوَقَعَ قِصَاصًا وَلِلْأَوَّلِ دِيَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ

جَرَحَ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا أَوْ عَبْدَ نَفْسِهِ فَأَسْلَمَ وَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ بِالجُرْحِ فَلَا ضَمَانَ، وَقِيلَ: تَجِبُ دِيَةٌ. وَلَوْ رَمَاهُمَا فَأَسْلَمَ وَعَتَقَ فَلَا قِصَاصَ. وَالمَذْهَبُ: وُجُوبُ دِيَةِ مُسْلِمٍ مُخَفَّفَةٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَلَوِ ارْتَدَّ المَجْرُوحُ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَالنَّفْسُ هَدَرٌ، وَيَجِبُ قِصَاصُ الجُرْحِ فِي الْأَظْهَرِ، وَيَسْتَوْفِيهِ قَرِيبُهُ المُسْلِمُ، وَقِيلَ: الْإِمَامُ، فَإِنِ اقْتَضَى الجُرْحُ مَالًا وَجَبَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِهِ وَدِيَةٍ، وَقِيلَ: أَرْشُهُ، وَقِيلَ: هَدَرٌ. وَلَوِ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَلَا قِصَاصَ، وَقِيلَ: إِنْ قَصُرَتِ الرِّدَّةُ وَجَبَ وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُهَا. وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ أَوْ حُرٌّ عَبْدًا فَعَتَقَ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ فَلَا قِصَاصَ، وَتَجِبُ دِيَةُ مُسْلِمٍ، وَهِيَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ، فَإِنْ زَادَتْ عَلَى قِيمَتِهِ فَالزِّيَادَةُ لِوَرَثَتِهِ. وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ فَعَتَقَ ثُمَّ مَاتَ بِسِّرَايَةٍ فَلِلسَّيِّدِ الأَقَلُّ مِنَ الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ وَنِصْفِ قِيمَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: الْأَقَلُّ مِنَ الدِّيَةِ وَقِيمَتِهِ. وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ فَعَتَقَ فَجَرَحَهُ آخَرَانِ وَمَاتَ بِسِرَايَتِهِمْ فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ إِنْ كَانَ حُرًّا، وَتَجِبُ عَلَى الْآخَرَيْنِ.

فَصْلٌ

يُشْتَرَطُ لِقِصَاصِ الطَّرَفِ وَالجُرْحِ مَا شُرِطَ لِلنَّفْسِ. وَلَوْ وَضَعُوا سَيْفًا عَلَى يَدِهِ وَتَحَامَلُوا عَلَيْهِ دَفْعَةً فَأَبَانُوهَا قُطِعُوا. وَشِجَاجُ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ عَشْرٌ: حَارِصَةٌ، وَهِيَ مَا شَقَّ الْجِلْدَ قَلِيلًا، وَدَامِيَةٌ تُدْمِيهِ، وَبَاضِعَةٌ تَقْطَعُ اللَّحْمَ، وَمُتَلَاحِمَةٌ تَغُوصُ فِيهِ، وَسِمْحَاقٌ تَبْلُغُ الْجِلْدَةَ الَّتِي بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، وَمُوضِحَةُ تُوضِحُ الْعَظْمَ، وَهَاشِمَةٌ تَهْشِمُهُ، وَمُنَقِّلَةٌ تَنْقُلُهُ، وَمَأْمُومَةٌ تَبْلُغُ خَرِيطَةَ الدِّمَاغِ، وَدَامِغَةٌ تَخْرِقُهَا. وَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي المُوضِحَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: وَفِيمَا قَبْلَهَا سِوَى الحَارِصَةِ. وَلَوْ أَوْضَحَ فِي بَاقِي الْبَدَنِ أَوْ قَطَعَ بَعْضَ مَارِنٍ أَوْ أُذُنٍ وَلَمْ يُبِنْهُ وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الْأَصَحِّ. وَيَجِبُ فِي الْقَطْعِ مِنْ مَفْصِلٍ حَتَّى فِي أَصْلِ فَخِذٍ وَمَنْكِبٍ إِنْ أَمْكَنَ بِلَا إِجَافَةٍ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَجِبُ فِي فَقْءِ عَيْنٍ وَقَطْعِ أُذُنٍ وَجَفْنٍ وَمَارِنٍ وَشَفَةٍ وَلِسَانٍ وَذَكَرٍ وَأُنْثَيَيْنِ، وَكَذَا أَلْيَانِ وَشُفْرَانِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا قِصَاصَ فِي كَسْرِ الْعِظَامِ، وَلَهُ قَطْعُ أَقْرَبِ مَفْصِلٍ إِلَى مَوْضِعِ الْكَسْرِ وَحُكُومَةُ الْبَاقِي. وَلَوْ أَوْضَحَهُ وَهَشَمَ أَوْضْحَ وَأَخَذَ خَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ. وَلَوْ أَوْضَحَ وَنَقَّلَ أَوْضَحَ وَلَهُ عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ. وَلَوْ قَطَعَهُ مِنَ الْكُوعِ فَلَيْسَ لَهُ الْتِقَاطُ أَصَابِعِهِ، فَإِنْ فَعَلَهُ عُزِّرَ وَلَا غُرْمَ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ قَطْعَ الْكَفِّ بَعْدَهُ. وَلَوْ كَسَرَ عَضُدَهُ وَأَبَانَهُ قُطِعَ مِنَ الْمِرْفَقِ، وَلَهُ حُكُومَةُ الْبَاقِي، فَلَوْ طَلَبَ الْكُوعَ مُكِّنَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ ضَوْءُهُ أَوْضَحَهُ، فَإِنْ ذَهَبَ الْضَوْءُ وَإِلَّا أَذْهَبَهُ بِأَخَفِّ مُمْكِنٍ كَتَقْرِيبِ حَدِيدَةٍ مُحْمَاةٍ مِنْ حَدَقَتِهِ. وَلَوْ لَطَمَهُ لَطْمَةً تُذْهِبُ ضَوْءَهُ غَالِبًا فَذَهَبُ لَطَمَهُ مِثْلَهَا، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أُذْهِبَ. وَالسَّمْعُ كَالْبَصَرِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ بِالسِّرَايَةِ، وَكَذَا الْبَطْشُ وَالذَّوْقُ وَالشَّمُّ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَطَعَ إِصْبَعًا فَتَأَكَّلَ غَيْرُهَا فَلَا قِصَاصَ فِي المُتَأَكِّلِ.

بَابُ كَيْفِيَّةِ الْقِصَاصِ وَمُسْتَوْفِيهِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ

لَا تُقْطَعُ يَسَارٌ بِيَمِينٍ، وَلَا شَفَةٌ عُلْيَا بِسُفْلَى وَلَا عَكْسُهُ، وَلَا أَنْمُلَةٌ بِأُخْرَى، وَلَا زَائِدٌ بِزَائِدٍ فِي مَحَلٍّ آخَرَ. وَلَا يَضُرُّ تَفَاوُتُ كُبْرٍ وَطُولٍ وَقُوَّةِ بَطْشٍ فِي أَصْلِيٍّ، وَكَذَا زَائِدٌ فِي الْأَصَحِّ. وَيُعْتَبَرُ قَدْرُ المُوضِحَةِ طُولًا وَعَرْضًا. وَلَا يَضُرُّ تَفَاوُتُ غِلَظِ لَحْمٍ وَجِلْدٍ. وَلَوْ أَوْضَحَ كُلَّ رَأْسِهِ وَرَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرُ اسْتَوْعَبْنَاهُ وَلَا نُتَمِّمُهُ مِنَ الْوَجْهِ وَالْقَفَا، بَلْ يُؤخَذُ قِسْطَ الْبَاقِي مِنْ أَرْشِ المُوضِحَةِ لَوْ وُزِّعَ عَلَى جَمِيعِهَا. وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرَ أُخِذَ قَدْرُ رَأْسِ المَشْجُوجِ فَقَطْ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي مَوْضِعِهِ إِلَى الجَانِي. وَلَوْ أَوْضَحَ نَاصِيَةً وَنَاصِيَتُهُ أَصْغَرُ تُمِّمَ مِنْ بَاقِي الرَّأْسِ. وَلَوْ زَادَ المُقْتَصُّ فِي مُوضِحَةٍ عَلَى حَقِّهِ لَزِمَهُ قِصَاصُ الزِّيَادَةِ، فَإِنْ كَانَ خَطَأً أَوْ عَفَا عَلَى مَالٍ وَجَبَ أَرْشٌ كَامِلٌ، وَقِيلَ: قِسْطٌ. وَلَوْ أَوْضَحَهُ جَمْعٌ أَوْضَحَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلَهَا، وَقِيلَ: قِسْطُهُ. وَلَا تُقْطَعُ صَحِيحَةٌ بِشَلَّاءَ وَإِنْ رَضِيَ الجَانِي، فَلَوْ فَعَلَ لَمْ يَقَعْ قِصَاصًا، بَلْ عَلَيْهِ دِيَتُهَا، فَلَوْ سَرَى فَعَلَيْهِ قِصَاصُ النَّفْسِ. وَتُقْطَعُ الشَّلَّاءُ بِالصَّحِيحَةِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: (لَا يَنْقَطِعُ الدَّمُ)، وَيَقْنَعُ بِهَا مُسْتَوْفِيهَا. وَيُقْطَعُ سَلِيمٌ بِأَعْسَمَ وَأَعْرَجَ، وَلَا أَثَرَ لِخُضْرَةِ أَظْفَارٍ وَسَوَادِهَا، وَالصَّحِيحُ: قَطْعُ ذَاهِبَةِ الْأَظْفَارِ بِسَلِيمَتِهَا دُونَ عَكْسِهِ. وَالذَّكَرُ صِحَّةً وَشَلَلًا كَالْيَدِ، وَالْأَشَلُّ: مُنْقَبِضٌ لَا يَنْبَسِطُ أَوْ عَكْسُهُ، وَلَا أَثَرَ لِلِانْتِشَارِ وَعَدَمِهِ، فَيُقْطَعُ فَحْلٌ بِخَصِيٍّ وَعِنِّينٍ، وَأَنْفٌ صَحِيحٌ بِأَخْشَمَ، وَأُذُنُ سَمِيعٍ بِأَصَمَّ، لَا عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِحَدَقَةٍ عَمْيَاءَ، وَلَا لِسَانٌ نَاطِقٌ بِأَخْرَسَ. وَفِي قَلْعِ السِّنِّ قِصَاصٌ، لَا فِي كَسْرِهَا، وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيرٍ لَمْ يُثْغَرْ فَلَا ضَمَانَ فِي الحَالِ، فَإِنْ جَاءَ وَقْتُ نَبَاتِهَا بِأَنْ سَقَطَتِ الْبَوَاقِي وَعُدْنَ دُونَهَا، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ: (فَسَدَ المَنْبَتُ) وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَا يُسْتَوْفَى لَهُ فِي صِغَرِهِ. وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ فَنَبَتَتْ لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ نَقَصَتْ يَدُهُ إِصْبَعًا فَقَطَعَ كَامِلَةً قُطِعَ وَعَلَيْهِ أَرْشُ إِصْبَعٍ، وَلَوْ قَطَعَ كَامِلٌ نَاقِصَةً فَإِنْ شَاءَ المَقْطُوعُ أَخَذَ دِيَةَ أَصَابِعِهِ الْأَرْبَعِ، وَإِنْ شَاءَ لَقَطَهَا. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ حُكُومَةَ مَنَابِتِهِنَّ تَجِبُ إِنْ لَقَطَ لَا إِنْ أَخَذَ دِيَتَهُنَّ، وَأَنَّهُ تَجِبُ فِي الحَالَيْنِ حُكُومَةُ خُمُسِ الْكَفِّ. وَلَوْ قَطَعَ كَفًّا بِلَا أَصَابِعَ فَلَا قِصَاصَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ كَفُّهُ مِثْلَهَا، وَلَوْ قَطَعَ فَاقِدُ الْأَصَابِعِ كَامِلَهَا قَطَعَ كَفَّهُ وَأَخَذَ دِيَةَ الْأَصَابِعِ. وَلَوْ شَلَّتْ إِصْبَعَاهُ فَقَطَعَ يَدًا كَامِلَةً فَإِنْ شَاءَ المَقْطُوعُ لَقَطَ الثَّلَاثَ السَّلِيمَةَ وَأَخَذَ دِيَةَ إِصْبَعَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَقَنِعَ بِهَا.

فَصْلٌ

قَدَّ مَلْفُوفًا وَزَعَمَ مَوْتَهُ صُدِّقَ الْوَلِيُّ بِيَمِينِهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوْ قَطَعَ طَرَفًا وَزَعَمَ نَقْصَهُ فَالمَذْهَبُ: تَصْدِيقُهُ إِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ السَّلَامَةِ فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ، وَإِلَّا فَلَا. أَوْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ وَزَعَمَ سِرَايَةً، وَالْوَلِيُّ انْدِمَالًا مُمْكِنًا أَوْ سَبَبًا فَالْأَصَحُّ: تَصْدِيقُ الْوَلِيُّ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدَهُ وَزَعَمَ سَبَبًا وَالْوَلِيُّ سِرَايَةَ. وَلَوْ أَوْضَحَ مُوضِحَتَيْنِ وَرَفَعَ الحَاجِزَ وَزَعَمَهُ قَبْلَ انْدِمَالِهِ صُدِّقَ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا حَلَفَ الجَرِيحُ وَثَبَتَ أَرْشَانِ، قِيلَ: وَثَالِثٌ.

فَصْلٌ

الصَّحِيحُ: ثُبُوتُهُ لِكُلِّ وَارِثٍ، وَيُنْتَظَرُ غَائِبُهُمْ وَكَمَالُ صَبِيِّهِمْ وَمَجْنُونِهِمْ، وَيُحْبَسُ الْقَاتِلُ وَلَا يُخَلَّى بِكَفِيلٍ، وَلْيَتَّفِقُوا عَلَى مُسْتَوْفٍ، وَإِلَّا فَقُرْعَةٌ يَدْخُلُهَا الْعَاجِزُ وَيَسْتَنِيبُ، وَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ. وَلَوْ بَدَرَ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ فَالْأَظْهَرُ: لَا قِصَاصَ، وَلِلْبَاقِينَ قِسْطُ الدِّيَةِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ المُبَادِرِ، وَإِنْ بَادَرَ بَعْدَ عَفْوِ غَيْرِهِ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَقِيلَ: لَا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَيَحْكُمْ قَاضٍ بِهِ. وَلَا يُسْتَوْفَى قِصَاصٌ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنِ اسْتَقَلَّ عُزِّرَ، وَيَأْذَنُ لِأَهْلٍ فِي نَفْسٍ، لَا طَرَفٍ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ أَذِنَ فِي ضَرْبِ رَقَبَةٍ فَأَصَابَ غَيْرَهَا عَمْدًا عُزِّرَ وَلَمْ يَعْزِلْهُ، وَلَوْ قَالَ: (أَخْطَأْتُ) وَأَمْكَنَ عَزَلَهُ وَلَمْ يُعَزَّرْ. وَأُجْرَةُ الجَلَّادِ عَلَى الجَانِي عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَقْتَصُّ عَلَى الْفَوْرِ، وَفِي الحَرَمِ وَالحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالمَرَضِ. وَتُحْبَسُ الحَامِلُ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ أَوِ الطَّرَفِ حَتَّى تُرْضِعَهُ اللِّبَأَ وَيَسْتَغْنِيَ بِغَيْرِهَا، أَوْ فِطَامٍ لِحَوْلَيْنِ، وَالصَّحِيحُ: تَصْدِيقُهَا فِي حَمْلِهَا بِغَيْرِ مَخِيلَةٍ. وَمَنْ قَتَلَ بِمُحَدَّدٍ أَوْ خَنْقٍ أَوْ تَجْوِيعٍ وَنَحْوِهِ اقْتُصَّ بِهِ، أَوْ بِسِحْرٍ فَبِسَيْفٍ، وَكَذَا خَمْرٌ وَلِوَاطٌ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ جُوِّعَ كَتَجْوِيعِهِ فَلَمْ يَمُتْ زِيدَ، وَفِي قَوْلٍ: السَّيْفُ، وَمَنْ عَدَلَ إِلَى سَيْفٍ فَلَهُ. وَلَوْ قَطَعَ فَسَرَى فَلِلْوَلِيِّ حَزُّ رَقَبَتِهِ، وَلَهُ الْقَطْعُ ثُمَّ الحَزُّ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ السِّرَايَةَ. وَلَوْ مَاتَ بِجَائِفَةٍ أَوْ كَسْرِ عَضُدٍ فَالحَزُّ، وَفِي قَوْلٍ: كَفِعْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ لَمْ تُزَدِ الجَوَائِفُ فِي الْأَظْهَرِ. وَلَوِ اقْتَصَّ مَقْطُوعٌ ثُمَّ مَاتَ سِرَايَةً فَلِوَلِيِّهِ حَزٌّ وَلَهُ عَفْوٌ بِنِصْفِ دِيَةٍ، وَلَوْ قُطِعَتْ يَدَاهُ فَاقْتَصَّ ثُمَّ مَاتَ فَلِوَلِيِّهِ الحَزُّ، فَإِنْ عَفَا فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَلَوْ مَاتَ جَانٍ مِنْ قَطْعِ قِصَاصٍ فَهَدَرٌ، وَإِنْ مَاتَا سِرَايَةً مَعًا أَوْ سَبَقَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَقَدِ اقْتَصَّ، وَإِنْ تَأَخَّرَ فَلَهُ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ مُسْتَحِقُّ يَمِينٍ: (أَخْرِجْهَا)، فَأَخْرَجَ يَسَارًا وَقَصَدَ إِبَاحَتَهَا فَمُهْدَرَةٌ، وَإِنْ قَالَ: (جَعَلْتُهَا عَنِ الْيَمِينِ وَظَنَنْتُ إِجْزَاءَهَا) فَكَذَّبَهُ فَالْأَصَحُّ: لَا قِصَاصَ فِي الْيَسَارِ، وَتَجِبُ دِيَةٌ، وَيَبْقَى قِصَاصُ الْيَمِينِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (دُهِشْتُ فَظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ)، وَقَالَ الْقَاطِعُ: (ظَنَنْتُهَا الْيَمِينَ).

فَصْلٌ

مُوجِبُ الْعَمْدِ الْقَوَدُ، وَالدِّيَةُ بَدَلٌ عِنْدَ سُقُوطِهِ، وَفِي قَوْلٍ: أَحَدُهُمَا مُبْهَمًا، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لِلْوَلِيِّ عَفْوٌ عَلَى الدِّيَةِ بِغَيْرِ رِضَا الجَانِي، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَوْ أَطْلَقَ الْعَفْوَ فَالمَذْهَبُ: لَا دِيَةَ، وَلَوْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ لَغَا، وَلَهُ الْعَفْوُ بَعْدَهُ عَلَيْهَا. وَلَوْ عَفَا عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدِّيَةِ ثَبَتَ إِنْ قَبِلَ الجَانِي، وَإِلَّا فَلَا، وَلَا يَسْقُطُ الْقَوَدُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَيْسَ لِمَحْجُورِ فَلَسٍ عَفْوٌ عَنْ مَالٍ إِنْ أَوْجَبْنَا أَحَدَهُمَا، وَإِلَّا فَإِنْ عَفَا عَلَى الدِّيَةِ ثَبَتَتْ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَكَمَا سَبَقَ، وَإِنْ عَفَا عَلَى أَنْ لَا مَالَ فَالمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَالمُبَذِّرُ فِي الدِّيَةِ كَمُفْلِسٍ، وَقِيلَ: كَصَبِيٍّ. وَلَوْ تَصَالَحَا عَنِ الْقَوَدِ عَلَى مِئَتَيْ بَعِيرٍ لَغَا إِنْ أَوْجَبْنَا أَحَدَهُمَا، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ: الصِّحَّةُ. وَلَوْ قَالَ رَشِيدٌ: (اقْطَعْنِي) فَفَعَلَ فَهَدَرٌ، فَإِنْ سَرَى أَوْ قَالَ: (اقْتُلْنِي) فَهَدَرٌ، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ دِيَةٌ، وَلَوْ قُطِعَ فَعَفَا عَنْ قَوَدِهِ وَأَرْشِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْرِ فَلَا شَيْءَ، وَإِنْ سَرَى فَلَا قِصَاصَ. وَأَمَّا أَرْشُ الْعُضْوِ: فَإِنْ جَرَى لَفْظُ وَصِيَّةٍ كَـ(أَوْصَيْتُ لَهُ بِأَرْشِ هَذِهِ الْجِنَايَةِ) فَوَصِيَّةٌ لِقَاتِلٍ، أَوْ لَفْظُ إِبْرَاءٍ أَوْ إِسْقَاطٍ، أَوْ عَفْوٍ سَقَطَ، وَقِيلَ: وَصِيَّةٌ. وَتَجِبُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ إِلَى تَمَامِ الدِّيَةِ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ تَعَرَّضَ فِي عَفْوِهِ لِمَا يَحْدُثُ مِنْهَا سَقَطَتْ، فَلَوْ سَرَى إِلَى عُضْوٍ آخَرَ وَانْدَمَلَ ضَمِنَ دِيَةَ السِّرَايَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَمَنْ لَهُ قِصَاصُ نَفْسٍ بِسِرَايَةِ طَرَفٍ لَوْ عَفَا عَنِ النَّفْسِ فَلَا قَطْعَ لَهُ أَوْ عَنِ الطَّرَفِ فَلَهُ حَزُّ الرَّقَبَةِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَطَعَهُ ثُمَّ عَفَا عَنِ النَّفْسِ مَجَّانًا، فَإِنْ سَرَى الْقَطْعُ بَانَ بُطْلَانُ الْعَفْوِ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ. وَلَوْ وَكَّلَ ثُمَّ عَفَا فَاقْتَصَّ الْوَكِيلُ جَاهِلًا فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، وَالْأَظْهَرُ: وُجُوبُ دِيَةٍ، وَأَنَّهَا عَلَيْهِ لَا عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْعَافِي. وَلَوْ وَجَبَ قِصَاصٌ عَلَيْهَا فَنَكَحَهَا عَلَيْهِ جَازَ وَسَقَطَ، فَإِنْ فَارَقَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ رَجَعَ بِنِصْفِ الْأَرْشِ، وَفِي قَوْلٍ: بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ.

كِتَابُ الدِّيَاتِ

فِي قَتْلِ الحُرِّ المُسْلِمِ مِئَةُ بَعِيرٍ مُثَلَّثَةٌ فِي الْعَمْدِ: ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً أَيْ: حَامِلًا. وَمُخَمَّسَةٌ فِي الخَطَأِ: عِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَكَذَا بَنَاتُ لَبُونٍ وَبَنُو لَبُونٍ وَحِقَاقٌ وَجِذَاعٌ، فَإِنْ قَتَلَ خَطَأً فِي حَرَمِ مَكَّةَ أَوِ الْأَشْهُرِ الحُرُمِ: ذِي الْقَعْدَةِ وَذِي الْحِجَّةِ وَالمُحَرَّمِ وَرَجَبٍ، أَوْ مَحْرَمًا ذَا رَحِمٍ فَمُثَلَّثَةٌ. وَالخَطَأُ وَإِنْ تَثَلَّثَ فَعَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ، وَالْعَمْدُ عَلَى الجَانِي مُعَجَّلَةٌ، وَشِبْهُ الْعَمْدِ مُثَلَّثَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ. وَلَا يُقْبَلُ مَعِيبٌ وَمَرِيضٌ إِلَّا بِرِضَاهُ. وَيَثْبُتُ حَمْلُ الخَلِفَةِ بِأَهْلِ الْخِبْرَةِ، وَالْأَصَحُّ: إِجْزَاؤُهَا قَبْلَ خَمْسِ سِنِينَ، وَمَنْ لَزِمَتْهُ وَلَهُ إِبِلٌ فَمِنْهَا، وَقِيلَ: مِنْ غَالِبِ إِبِلِ بَلَدِهِ وَإِلَّا فَغَالِبِ بَلَدِهِ، أَوْ قَبِيلَةِ بَدَوِيٍّ، وَإِلَّا فَأَقْرَبِ بِلَادٍ، وَلَا يَعْدِلُ إِلَى نَوْعٍ وَقِيمَةٍ إِلَّا بِتَرَاضٍ، وَلَوْ عُدِمَتْ فَالْقَدِيمُ: أَلْفُ دِينَارٍ أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَالجَدِيدُ: قِيمَتُهَا بِنَقْدِ بَلَدِهِ، وَإِنْ وُجِدَ بَعْضٌ أُخِذَ وَقِيمَةَ الْبَاقِي. وَالمَرْأَةُ وَالخُنْثَى كَنِصْفِ رَجُلٍ نَفْسًا وَجُرْحًا، وَيَهُودِيٌّ وَنَصْرَانِيٌّ ثُلُثُ مُسْلِمٍ، وَمَجُوسِيٌّ ثُلُثَا عُشْرِ مُسْلِمٍ، وَكَذَا وَثَنِيٌّ لَهُ أَمَانٌ. وَالمَذْهَبُ: أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْإِسْلَامُ إِنْ تَمَسَّكَ بِدِينٍ لَمْ يُبَدَّلْ فَدِيَةُ دِينِهِ، وَإِلَّا فَكَمَجُوسِيٍّ.

فَصْلٌ

فِي مُوضِحَةِ الرَّأْسِ أَوِ الْوَجْهِ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، وَهَاشِمَةٍ مَعَ إِيضَاحٍ عَشَرَةٌ، وَدُونَهُ خَمْسَةٌ، وَقِيلَ: حُكُومَةٌ وَمُنَقِّلَةٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَمَأْمُومَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَلَوْ أَوْضَحَ فَهَشَمَ آخَرُ، وَنَقَّلَ ثَالِثٌ، وَأَمَّ رَابِعٌ فَعَلَى كُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ خَمْسَةٌ، وَالرَّابِعِ تَمَامُ الثُّلُثِ. وَالشِّجَاجُ قَبْلَ المُوضِحَةِ إِنْ عُرِفَتْ نِسْبَتُهَا مِنْهَا وَجَبَ قِسْطٌ مِنْ أَرْشِهَا، وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ كَجُرْحِ سَائِرِ الْبَدَنِ. وَفِي جَائِفَةٍ ثُلُثُ دِيَةٍ وَهِيَ: جُرْحٌ يَنْفُذُ إِلَى جَوْفٍ كَبَطْنٍ وَصَدْرٍ وَثُغْرَةِ نَحْرٍ وَجَبِينٍ وَخَاصِرَةٍ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَرْشُ مُوضِحَةٍ بِكُبْرِهَا. وَلَوْ أَوْضَحَ مَوْضِعَيْنِ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ وَجِلْدٌ، قِيلَ: أَوْ أَحَدُهُمَا فَمُوضِحَتَانِ، وَلَوِ انْقَسَمَتْ مُوضِحَتُهُ عَمْدًا وَخَطَأً أَوْ شَمِلَتْ رَأْسًا وَوَجْهًا فَمُوضِحَتَانِ، وَقِيلَ: مُوضِحَةٌ. وَلَوْ وَسَّعَ مُوضِحَتَهُ فَوَاحِدَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ غَيْرُهُ فَثِنْتَانِ. وَالجَائِفَةُ كَمُوضِحَةٍ فِي التَّعَدُّدِ، وَلَوْ نَفَذَتْ فِي بَطْنٍ وَخَرَجَتْ مِنْ ظَهْرٍ فَجَائِفَتَانِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ أَوْصَلَ جَوْفَهُ سِنَانًا لَهُ طَرَفَانِ فَثِنْتَانِ، وَلَا يَسْقُطُ أَرْشٌ بِالْتِحَامِ مُوضِحَةٍ وَجَائِفَةٍ. وَالمَذْهَبُ: أَنَّ فِي الْأُذُنَيْنِ دِيَةً لَا حُكُومَةً، وَبَعْضٌ بِقِسْطِهِ، وَلَوْ أَيْبَسَهُمَا فَدِيَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: حُكُومَةٌ، وَلَوْ قَطَعَ يَابِسَتَيْنِ فَحُكُومَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: دِيَةٌ. وَفِي كُلِّ عَيْنٍ نِصْفُ دِيَةٍ وَلَوْ عَيْنَ أَحْوَلَ وَأَعْمَشَ وَأَعْوَرَ، وَكَذَا مَنْ بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ لَا يَنْقُصُ الضَّوْءَ، فَإِنْ نَقَصَ فَقِسْطٌ، فَإِنْ لَمْ يَنْضَبِطْ فَحُكُومَةٌ. وَفِي كُلِّ جَفْنٍ رُبُعُ دِيَةٍ وَلَوْ لِأَعْمَى، وَمَارِنٍ دِيَةٌ. وَفِي كُلٍّ مِنْ طَرَفَيْهِ وَالحَاجِزِ ثُلُثٌ، وَقِيلَ: فِي الحَاجِزِ حُكُومَةٌ، وَفِيهِمَا دِيَةٌ. وَفِي كُلِّ شَفَةٍ نِصْفٌ، وَلِسَانٍ وَلَوْ لِأَلْكَنَ وَأَرَتَّ وَأَلْثَغَ وَطِفْلٍ دِيَةٌ، وَقِيلَ: شَرْطُ طِفْلٍ ظُهُورُ أَثَرِ نُطْقٍ بِتَحْرِيكِهِ لِبُكَاءٍ وَمَصٍّ، وَلِأَخْرَسَ حُكُومَةٌ، وَكُلِّ سِنٍّ لِذَكَرٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، سَوَاءٌ كَسَرَ الظَّاهِرَ مِنْهَا دُونَ السِّنْخِ أَوْ قَلَعَهَا بِهِ. وَفِي سِنٍّ زَائِدَةٍ حُكُومَةٌ، وَحَرَكَةُ السِّنِّ إِنْ قَلَّتْ فَكَصَحِيحَةٍ، وَإِنْ بَطَلَتِ المَنْفَعَةُ فَحُكُومَةٌ، أَوْ نَقَصَتْ فَالْأَصَحُّ: كَصَحِيحَةٍ. وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ صَغِيرٍ لَمْ يُثْغَرْ فَلَمْ تَعُدْ وَبَانَ فَسَادُ المَنْبِتِ وَجَبَ الْأَرْشُ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَلَا شَيْءَ، وَأَنَّهُ لَوْ قَلَعَ سِنَّ مَثْغُورٍ فَعَادَتْ لَا يَسْقُطُ الْأَرْشُ، وَلَوْ قُلِعَتِ الْأَسْنَانُ فَبِحِسَابِهِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَزِيدُ عَلَى دِيَةٍ إِنِ اتَّحَدَ جَانٍ وَجِنَايَةٌ. وَكُلِّ لَحْىٍ نِصْفُ دِيَةٍ، وَلَا يَدْخُلُ أَرْشُ الْأَسْنَانِ فِي دِيَةِ اللَّحْيَيْنِ فِي الْأَصَحِّ. وَكُلِّ يَدٍ نِصْفُ دِيَةٍ إِنْ قَطَعَ مِنْ كَفٍّ، فَإِنْ قَطَعَ فَوْقَهُ فَحُكُومَةٌ أُخْرَى، وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ، وَأَنْمُلَةٍ ثُلُثُ الْعَشَرَةِ، وَأَنْمُلَةِ إِبْهَامٍ نِصْفُهَا، وَالرِّجْلَانِ كَالْيَدَيْنِ. وَفِي حَلَمَتَيْهَا دِيَتُهَا، وَحَلَمَتَيْهِ حُكُومَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: دِيَةٌ، وَفِي أُنْثَيَيْنِ دِيَةٌ، وَكَذَا ذَكَرٌ وَلَوْ لِصَغِيرٍ وَشَيْخٍ وَعِنِّينٍ. وَحَشَفَةٌ كَذَكَرٍ، وَبَعْضُهَا بِقِسْطِهِ مِنْهَا، وَقِيلَ: مِنْ كُلِّ الذَّكَرِ، وَكَذَا حُكْمُ بَعْضِ مَارِنٍ وَحَلَمَةٍ، وَفِي الْإلْيَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَكَذَا شُفْرَاهَا، وَكَذَا سَلْخُ جِلْدٍ إِنْ بَقِيَ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وَحَزَّ غَيْرُ السَّالِخِ رَقَبَتَهُ.

فَرْعٌ

فِي الْعَقْلِ دِيَةٌ، فَإِنْ زَالَ بِجُرْحٍ لَهُ أَرْشٌ أَوْ حُكُومَةٌ وَجَبَا، وَفِي قَوْلٍ: يَدْخُلُ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ، وَلَوِ ادُّعِيَ زَوَالُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَظِمْ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ فِي خَلَوَاتِهِ فَلَهُ دِيَةٌ بِلَا يَمِينٍ. وَفِي السَّمْعِ دِيَةٌ، وَمِنْ أُذُنٍ نِصْفٌ، وَقِيلَ: قِسْطُ النَّقْصِ، وَلَوْ أَزَالَ أُذُنَيْهِ وَسَمْعَهُ فَدِيَتَانِ، وَلَوِ ادَّعَى زَوَالَهُ وَانْزَعَجَ لِلصِّيَاحِ فِي نَوْمٍ وَغَفْلَةٍ فَكَاذِبٌ، وَإِلَّا حَلَفَ وَأَخَذَ دِيَةً، وَإِنْ نَقَصَ فَقِسْطُهُ إِنْ عُرِفَ، وَإِلَّا فَحُكُومَةٌ بِاجْتِهَادِ قَاضٍ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ سَمْعُ قَرْنِهِ فِي صِحَّتِهِ، وَيُضْبَطُ التَّفَاوُتُ. وَإِنْ نَقَصَ مِنْ أُذُنٍ سُدَّتْ وَضُبِطَ مُنْتَهَى سَمَاعِ الْأُخْرَى ثُمَّ عُكِسَ وَوَجَبَ قِسْطُ التَّفَاوُتِ. وَفِي ضَوْءِ كُلِّ عَيْنٍ نِصْفُ دِيَةٍ، فَلَوْ فَقَأَهَا لَمْ يَزِدْ، وَإِنِ ادَّعَى زَوَالَهُ سُئِلَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ، أَوْ يُمْتَحَنُ بِتَقْرِيبِ عَقْرَبٍ أَوْ حَدِيدَةٍ مِنْ عَيْنِهِ بَغْتَةً، وَنُظِرَ هَلْ يَنْزَعِجُ؟ وَإِنْ نَقَصَ فَكَالسَّمْعِ. وَفِي الشَّمِّ دِيَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي الْكَلَامِ دِيَةٌ، وَفِي بَعْضِ الحُرُوفِ قِسْطُهُ، وَالمُوَزَّعُ عَلَيْهَا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَقِيلَ: لَا يُوَزَّعُ عَلَى الشَّفَهِيَّةِ وَالحَلْقِيَّةِ، وَلَوْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِهَا خِلْقَةً أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَدِيَةٌ، وَقِيلَ: قِسْطٌ، أَوْ بِجِنَايَةٍ فَالمَذْهَبُ: لَا تُكَمَّلُ دِيَةٌ، وَلَوْ قَطَعَ نِصْفَ لِسَانِهِ فَذَهَبَ رُبُعُ كَلَامِهِ أَوْ عَكَسَ فَنِصْفُ دِيَةٍ. وَفِي الصَّوْتِ دِيَةٌ، فَإِنْ بَطَلَ مَعَهُ حَرَكَةُ لِسَانٍ فَعَجَزَ عَنِ التَّقْطِيعِ وَالتَّرْدِيدِ فَدِيَتَانِ، وَقِيلَ: دِيَةٌ. وَفِي الذَّوْقِ دِيَةٌ، وَيُدْرَكُ بِهِ حَلَاوَةٌ وَحُمُوضَةٌ وَمَرَارَةٌ وَمُلُوحَةٌ وَعُذُوبَةٌ، وَتُوَزَّعُ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ نَقَصَ فَحُكُومَةٌ. وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي المَضْغِ، وَقُوَّةِ إِمْنَاءٍ بِكَسْرِ صُلْبٍ، وَقُوَّةِ حَبَلٍ وَذَهَابِ جِمَاعٍ، وَفِي إِفْضَائِهَا مِنَ الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ دِيَةٌ وَهُوَ: رَفْعُ مَا بَيْنَ مَدْخَلِ ذَكَرٍ وَدُبُرٍ، وَقِيلَ: ذَكَرٍ وَبَوْلٍ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْوَطْءُ إِلَّا بِإِفْضَاءٍ فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ، وَمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ افْتِضَاضَهَا فَإِنْ أَزَالَ الْبَكَارَةَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ فَأَرْشُهَا، أَوْ بِذَكَرٍ لِشُبْهَةٍ أَوْ مُكْرَهَةً فَمَهْرُ مِثْلٍ ثَيِّبًا وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ، وَقِيلَ: مَهْرُ بِكْرٍ، وَمُسْتَحِقُّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنْ أَزَالَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ فَأَرْشٌ. وَفِي الْبَطْشِ دِيَةٌ، وَكَذَا المَشْيُ، وَنَقْصُهُمَا حُكُومَةٌ، وَلَوْ كَسَرَ صُلْبَهُ فَذَهَبَ مَشْيُهُ وَجِمَاعُهُ أَوْ وَمَنِيُّهُ فَدِيَتَانِ، وَقِيلَ: دِيَةٌ.

فَرْعٌ

أَزَالَ أَطْرَافًا وَلَطَائِفَ تَقْتَضِي دِيَاتٍ فَمَاتَ سِرَايَةً فَدِيَةٌ، وَكَذَا لَوْ حَزَّهُ الجَانِي قَبْلَ انْدِمَالِهِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ حَزَّ عَمْدًا وَالْجِنَايَاتُ خَطَأً أَوْ عَكْسُهُ فَلَا تَدَاخُلَ فِي الْأَصَحِّ، وَلَوْ حَزَّ غَيْرُهُ تَعَدَّدَتْ.

فَصْلٌ

تَجِبُ الحُكُومَةُ فِيمَا لَا مُقَدَّرَ فِيهِ وَهِيَ جُزْءٌ نِسْبَتُهُ إِلَى دِيَةِ النَّفْسِ، وَقِيلَ: إِلَى عُضْوِ الْجِنَايَةِ نِسْبَةُ نَقْصِهَا مِنْ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ رَقِيقًا بِصِفَاتِهِ. فَإِنْ كَانَتْ لِطَرَفٍ لَهُ مُقَدَّرٌ اشْتُرِطَ أَلَّا تَبْلُغَ مُقَدَّرَهُ، فَإِنْ بَلَغَتْهُ نَقَصَ الْقَاضِي شَيْئًا بِاجْتِهَادِهِ، أَوْ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ كَفَخِذٍ فَأَلَّا تَبْلُغَ دِيَةَ نَفْسٍ. وَيُقَوَّمُ بَعْدَ انْدِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ نَقْصٌ اعْتُبِرَ أَقْرَبُ نَقْصٍ إِلَى الِانْدِمَالِ، وَقِيلَ: يُقَدِّرُهُ قَاضٍ بِاجْتِهَادِهِ، وَقِيلَ: لَا غُرْمَ. وَالجُرْحُ المُقَدَّرُ كَمُوضِحَةٍ يَتْبَعُهُ الشَّيْنُ حَوَالَيْهِ، وَمَا لَا يَتَقَدَّرُ يُفْرَدُ بِحُكُومَةٍ فِي الْأَصَحِّ. وَفِي نَفْسِ الرَّقِيقِ قِيمَتُهُ، وَفِي غَيْرِهَا مَا نَقَصَ إِنْ لَمْ يَتَقَّدْر فِي الحُرِّ، وَإِلَّا فَنِسْبَتُهُ مِنْ قِيمَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مَا نَقَصَ، وَلَوْ قُطِعَ ذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ فَفِي الْأَظْهَرِ: قِيمَتَانِ، وَالثَّانِي: مَا نَقَصَ، فَإِنْ لَمْ يَنْقُصْ فَلَا شَيْءَ.

بَابُ مُوجِبَاتِ الدِّيَةِ وَالْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةِ

صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ لَا يُمَيِّزُ عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ فَوَقَعَ بِذَلِكَ فَمَاتَ فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ: قِصَاصٌ. وَلَوْ كَانَ بِأَرْضٍ، أَوْ صَاحَ عَلَى بَالِغٍ بِطَرَفِ سَطْحٍ فَلَا دِيَةَ فِي الْأَصَحِّ. وَشَهْرُ سِلَاحٍ كَصِيَاحٍ، وَمُرَاهِقٌ مُتَيَقِّظٌ كَبَالِغٍ. وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَيْدٍ فَاضْطَرَبَ صَبِيٌّ وَسَقَطَ فَدِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ. وَلَوْ طَلَبَ سُلْطَانٌ مَنْ ذُكِرَتْ بِسُوءٍ فَأَجْهَضَتْ ضُمِنَ الجَنِينُ. وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ فَأَكَلَهُ سَبُعٌ فَلَا ضَمَانَ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ انْتِقَالٌ ضَمِنَ. وَلَوْ تَبِعَ بِسَيْفٍ هَارِبًا مِنْهُ فَرَمَى نَفْسَهُ بِمَاءٍ أَوْ نَارٍ أَوْ مِنْ سَطْحٍ فَلَا ضَمَانَ، فَلَوْ وَقَعَ جَاهِلًا لِعَمًى أَوْ ظُلْمَةٍ ضَمِنَ، وَكَذَا لَوِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ فِي هَرَبِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ سُلِّمَ صَبِيٌّ إِلَى سَبَّاحٍ لِيُعَلِّمَهُ فَغَرِقَ وَجَبَتْ دِيَتُهُ. وَيَضْمَنُ بِحَفْرِ بِئْرٍ عُدْوَانًا، لَا فِي مِلْكِهِ وَمَوَاتٍ، وَلَوْ حَفَرَ بِدِهْلِيزِهِ بِئْرًا وَدَعَا رَجُلًا فَسَقَطَ فَالْأَظْهَرُ: ضَمَانُهُ. أَوْ بِمِلْكِ غَيْرِهِ أَوْ مُشْتَرَكٍ بِلَا إِذْنٍ فَمَضْمُونٌ، أَوْ بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ يَضُرُّ المَارَّةَ فَكَذَا. أَوْ لَا يَضُرُّ وَأَذِنَ الْإِمَامُ فَلَا ضَمَانَ، وَإِلَّا فَإِنْ حَفَرَ لِمَصْلَحَتِهِ فَالضَّمَانُ. أَوْ مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ فَلَا فِي الْأَظْهَرِ. وَمَسْجِدٌ كَطَرِيقٍ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ جَنَاحٍ إِلَى شَارِعٍ فَمَضْمُونٌ، وَيَحِلُّ إِخْرَاجُ المَيَازِيبِ إِلَى شَارِعٍ، وَالتَّالِفُ بِهَا مَضْمُونٌ فِي الجَدِيدِ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ فِي الْجِدَارِ فَسَقَطَ الخَارِجُ فَكُلُّ الضَّمَانِ، وَإِنْ سَقَطَ كُلُّهُ فَنِصْفُهُ فِي الْأَصَحِّ. وَإِنْ بَنَى جِدَارَهُ مَائِلًا إِلَى شَارِعٍ فَكَجَنَاحٍ، أَوْ مُسْتَوِيًا فَمَالَ وَسَقَطَ فَلَا ضَمَانَ، وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَهُ هَدْمُهُ أَوْ إِصْلَاحُهُ ضَمِنَ، وَلَوْ سَقَطَ بِالطَّرِيقِ فَعَثَرَ بِهِ شَخْصٌ أَوْ تَلِفَ مَالٌ فَلَا ضَمَانَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَوْ طَرَحَ قُمَامَاتٍ وَقُشُورَ بِطِّيخٍ بِطَرِيقٍ فَمَضمُونٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ تَعَاقَبَ سَبَبَا هَلَاكٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ بِأَنْ حَفَرَ وَوَضَعَ آخَرُ حَجَرًا عُدْوَانًا فَعَثَرَ بِهِ وَوَقَعَ بِهَا فَعَلَى الْوَاضِعِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ الْوَاضِعُ فَالمَنْقُولُ: تَضْمِينُ الحَافِرِ، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا وَآخَرَانِ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِمَا فَالضَّمَانُ أَثْلَاثٌ، وَقِيلَ: نِصْفَانِ، وَلَوْ وَضَعَ حَجَرًا فَعَثَرَ بِهِ رَجُلٌ فَدَحْرَجَهُ فَعَثَرَ بِهِ آخَرُ ضَمِنَهُ المُدَحْرِجُ. وَلَوْ عَثَرَ بِقَاعِدٍ أَوْ نَائِمٍ أَوْ وَاقِفٍ بِالطَّرِيقِ، وَمَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَا ضَمَانَ إِنِ اتَّسَعَ الطَّرِيقُ، وَإِلَّا فَالمَذْهَبُ: إِهْدَارُ قَاعِدٍ وَنَائِمٍ لَا عَاثِرٍ بِهِمَا، وَضَمَانُ وَاقِفٍ لَا عَاثِرٍ بِهِ.

فَصْلٌ

اصْطَدَمَا بِلَا قَصْدٍ فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ نِصْفُ دِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ، وَإِنْ قَصَدَا فَنِصْفُهَا مُغَلَّظَةً، أَوْ أَحَدُهُمَا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّ عَلَى كُلٍّ كَفَّارَتَيْنِ، وَإِنْ مَاتَا مَعَ مَرْكُوبَيْهِمَا فَكَذَلِكَ، وَفِي تَرِكَةِ كُلٍّ نِصْفُ قِيمَةِ دَابَّةِ الْآخَرِ. وَصَبِيَّانِ أَوْ مَجْنُونَانِ كَكَامِلَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ أَرْكَبَهُمَا الْوَلِيُّ تَعَلَّقَ بِهِ الضَّمَانُ، وَلَوْ أَرْكَبَهُمَا أَجْنَبِيٌّ ضَمِنَهُمَا وَدَابَّتَيْهِمَا. أَوْ حَامِلَانِ وَأَسْقَطَتَا فَالدِّيَةُ كَمَا سَبَقَ، وَعَلَى كُلٍّ أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلٍّ نِصْفُ غُرَّتَيْ جَنِينَيْهِمَا. أَوْ عَبْدَانِ فَهَدَرٌ، أَوْ سَفِينَتَانِ فَكَدَابَّتَيْنِ، وَالمَلَّاحَانِ كَرَاكِبَيْنِ إِنْ كَانَتَا لَهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا مَالُ أَجْنَبِيٍّ لَزِمَ كُلًّا نِصْفُ ضَمَانِهِ وَإِنْ كَانَتَا لِأَجْنَبِيٍّ لَزِمَ كُلًّا نِصْفُ قِيمَتِهِمَا. وَلَوْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ عَلَى غَرَقٍ جَازَ طَرْحُ مَتَاعِهَا، وَيَجِبُ لِرَجَاءِ نَجَاةِ الرَّاكِبِ، فَإِنْ طَرَحَ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنٍ ضَمِنَهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ قَالَ: (أَلْقِ مَتَاعَكَ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ) أَوْ (عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ) ضَمِنَ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: (أَلْقِ) فَلَا عَلَى المَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مُلْتَمِسٌ لِخَوْفِ غَرَقٍ، وَلَمْ يَخْتَصَّ نَفْعُ الْإِلْقَاءِ بِالمُلْقِي. وَلَوْ عَادَ حَجَرُ مَنْجَنِيقٍ فَقَتَلَ أَحَدَ رُمَاتِهِ هُدِرَ قِسْطُهُ، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْبَاقِينَ الْبَاقِي، أَوْ غَيْرَهُمْ وَلَمْ يَقْصِدُوهُ فَخَطَأٌ، أَوْ قَصَدُوهُ فَعَمْدٌ فِي الْأَصَحِّ إِنْ غَلَبَتِ الْإِصَابَةُ.

فَصْلٌ

دِيَةُ الخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ تَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ، وَهُمْ عَصَبَتُهُ إِلَّا الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ، وَقِيلَ: يَعْقِلُ ابْنٌ هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّهَا. وَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ فَمَنْ يَلِيهِ وَمُدْلٍ بِأَبَوَيْنِ وَالْقَدِيمُ: التَّسْوِيَةُ ثُمَّ مُعْتِقٌ ثُمَّ عَصَبَتُهُ ثُمَّ مُعْتِقُهُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ، وَإِلَّا فَمُعْتِقُ