كُلّ يَومٍ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ مَسَائِلِ الصَّوْمِ من كُتُبِ العُلَمَاء

هَدِيَّةٌ لِطُلَّابِ العِلْمِ

📚كُلّ يَومٍ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ مَسَائِلِ الصَّوْمِ من كُتُبِ العُلَمَاء📚ِ

 (الحادية عشرة )

 مسألة أوقاتِ الصّلاة والصّيام في البلاد القريبة من القُطب :

قرار مجلس المجمع الفقهي الإسلامي فيما يتعلّق بمواقيت الصلاة والصوم في الأقطار التي يقصر فيها الليل جِدًّا في فترة من السنة، ويقصر النهار جِدًّا في فترة أو التي يستمر ظهورُ الشمس فيها ستةَ أشهر وغيابُها ستةَ أشهر ، وبعد مُدارَسة ما كتبه الفقهاء قديمًا وحديثًا في الموضوع

📕 قرّر ما يلي:

تنقسم الجِهات التي تقع على خطوط العرض ذات الدَّرجات العالية إلى ثلاث:

الأولى: تلك التي يستمرُّ فيها الليل أو النهار أربعًا وعشرين ساعة فأكثر بحسب اختلاف فصول السنة.

ففي هذه الحال تقدَّر مواقيتُ الصلاة والصِّيام وغيرهما في تلك الجهات على حسب أقرب الجهات إليها ممّا يكون فيها ليل ونهار متمايزانِ في ظَرف أربع وعشرين ساعة.

الثانية: البِلاد التي لا يَغيب فيها شفق الغُروب حتّى يطلع الفجر، بحيث لا يتميّز شفق الشروق من شفق الغروب، ففي هذه الجهات يقدَّر وقت العِشاء الآخرة والإمساك في الصوم وقت صلاة الفجر، بحسَب آخر فترة يتمايَز فيها الشَّفَقان.

الثالثة: تلك التي يظهر فيها الليل والنّهار خلال أربع وعشرين ساعة وتتمايَز فيها الأوقات، إلا أنّ الليل يطول فيها في فترة من السنة طولاً مُفْرِطًا، ويطول النهار في فترة أخرى طولاً مُفرِطًا.

ومَن كان يقيم في بلاد يتمايَز فيها الليل من النهار بطلوع فجر وغروب شمس، إلا أنّ نهارَها يطول جدًّا في الصيف، ويقصُر في الشتاء، وَجَبَ عليه أن يصلِّيَ الصلواتِ الخَمْسَ في أوقاتها المعروفة شرعًا لعموم قوله تعالى: {أَقِمْ الصّلاةَ لِدُلوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآَن الفَجْر إِنَّ قُرآنَ الفَجْرِ كان مَشهودًا} (الإسراء: 78).

وقوله تعالى: {إنَّ الصَّلاة كانتْ على المؤمِنين كِتابًا مَوقوتًا} (النساء: 103).

ولِما ثبت عن بُريدة رضِي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً سألَه عن وقت الصلاة فقال له: (صَلِّ معنا هَذَيْنِ) يعني: اليومَين، فلمّا زالت الشّمس أمَرَ بِلالاً فأذَّن، ثم أمَره فأقام الظهر، ثم أمَره فأقام العَصْرَ والشمس مرتفعةٌ بيضاءُ نقيّةٌ، ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشّفق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلمّا أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظُّهر، فأبردَ بها، فأنعم أن يبرد بها، وصلّى العصر والشمس مرتفعة آخرها فوق الذي كان، وصلّى المغرب قبل أن يَغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها، ثم قال: (أين السّائل عن وقت الصلاة؟) فقال الرجل: أنا يا رسول الله . قال: (وقتُ صلاتِكم بين ما رأيتُم) رواه مسلم.

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسولَ الله صلّى الله عليه وسلم قال: (وقت الظُّهر إذا زالت الشّمس، وكان ظلُّ الرجل كطولِه، ما لم يحضُر العصر، ووقت العصر ما لم تصفَرّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يَغِبِ الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، وقت صلاة الصُّبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشَّمس، فإذا طلعت الشمس فأمسكْ عن الصلاة فإنها تطلُع بين قرنَيْ شيطان) أخرجه مسلم في صحيحه.

إلى غير ذلك من الأحاديث التي وردَت في تحديد أوقات الصلوات الخمس قولًا وفعلًا، ولم تُفرِّق بين طول النهار وقصره وطول الليل وقصره، ما دامت أوقات الصلوات متمايِزة بالعلامات التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا بالنسبة لتحديد أوقات صلاتهم، وأما بالنسبة لتحديد أوقات صيامهم شهر رمضان، فعلى المكلَّفين أن يُمسكوا كلّ يوم منه عن الطعام والشّراب وسائر المُفْطِرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في بلادهم مادام النهار يتمايز في بلادهم من الليل، وكان مجموع زمانهما أربعًا وعشرين ساعة، ويحلُّ لهم الطعام والشراب والجِماع ونحوها في ليلهم فقط وإن كان قصيرًا، فإن شريعة الإسلام عامّةٌ للناس في جميع البلاد، وقد قال الله تعالى: {وكُلُوا واشْرَبوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْط الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيام إلى اللَّيل} (البقرة: 187).

ومَن عَجَز عن إتمام صوم يوم لطوله، أو عَلِمَ بالأمَارات، أو التَّجرِبة، أو إخبار طبيب أمين حاذِق، أو غلب على ظنِّه أن الصوم يُفضي إلى مرضه مرضًا شديدًا، أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطءِ بُرْئِه، أفطرَ ويقضِي الأيام التي أفطرَها في أي شهر تمكَّن فيه من القضاء. قال تعالى: {فمَنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهرَ فليَصُمْه ومن كان مَريضًا أو على سَفَرٍ فعِدّة مِنْ أَيّام أُخَرَ} (البقرة: 185).
وقال الله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها} (البقرة: 286).

(توقيع أعضاء مجلس المجمع الفقهي الإسلامي)

📕تعقيب الدكتور مصطفى الزرقا على القرار  :

وقد كان رأيي في هذه القضية الذي لم يُشِرْ إليه القرار، بل جَرى على الأكثريّة (وقد كان من الواجب أن يُشير إلى المخالفة ودليلها ) كان رأيي أن تُتَّخذَ إحدى قاعدتين لهذه البلاد النائية شمالاً وجنوبًا:

إما أن يعتمدَ لها جميعًا (سواء أكانت مما يتميَّز فيها ليل ونهار أو لا) أوقات مَهْدِ الإسلام الذي جاء فيه، ووردت على أساسه الأحاديث النبوية، وهو الحِجاز، فيؤخَذ أطول ما يصل إليه ليل الحِجاز ونهاره شتاءً، أو صيفًا فيطبَّق على أهل تلك البلاد النائية في الصوم والإفطار وتوزيع الصلوات.

وإما أن نأخذ أقْصى ما وصل وامتدّ إليه سلطان الإسلام في العصور اللاحقة شمالاً وجنوبًا، وطبَّقَه العلماء فيها على ليلهم ونهارهم في فصول السنة، فنعتبره حدًّا أعلى لليل والنهار للبلاد النائية التي يتجاوز فيها الليل والنهار ذلك الحدَّ الأعلى، ففي تجاوز النّهار يُفطرون بعد ذلك، وتوزَّع الصلوات بفواصِلَ تتناسب مع فواصِلِ ذلك الحَدِّ الأعلى.

وخلاف ذلك فيه مُنتهَى الحرج الذي صرح القرآن برفعه، كما هو واضح.

فإن قيل: كيف نسمح لأناس في رمضان أن يُفطروا والشمسُ طالِعة وإن كانت لن تَغيبَ إلا نصف ساعة أو ساعة؟

📕قلنا: هذا سيلزمكم في البلاد التي ليلُها ستةُ أشهر ونهارها ستةُ أشهر، فإنَّكم وافقتم على أنهم يفطرون في نهارهم الممتدِّ في الوقت الذي حددتموه لهم، على الرغم من أن الشمس طالعة.

فهذا لا يضُرُّ، بسبب الضرورة، والمهم في الموضوع: رعاية مقاصِد الشّريعة في توزيع الصلوات، وفي مدة الصّوم بصورة لا يكون فيها تكليف ما لا يُطاق، ويتحقّق فيها المقصود الشرعي دون انتقاص.

وبيت القَصيد في الموضوع والذي يكون منه المنطلق: هو أن الأحاديث الواردة التي استند إليها القَرار يجب أن يُفْتَرَضَ أنها مبنيّة على الوضع الجغرافيّ والفلكيّ في شبه الجزيرة العربيّة، وليس بجميع الكرة الأرضية التي كان معظمها من بَرٍّ وبَحْرِ مجهولاً، إذ ذاك، لا يُعرَف عنه شيء. بل إن هذه الأماكن القاصِية والمجهولة شمالاً وجنوبًا مما اكتُشِف فيما بعد. يجب أن تُعتبر مَسكوتًا عن حكم أوقات الصلاة والصِّيام فيها، فهي خاضِعة بعد ذلك للاجتهاد بما يتفق مع مقاصِد الشريعة.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
الرياض 13 من المحرم / 1416هـ الأحد 11/6/1995م.

 من كتاب فتاوى الشيخ العلامة مصطفى بن أحمد الزرقا رحمه الله
(1322هـ – 1420هـ)

(مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيرَاً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s