الإرشاد

إِرشَاد الأفهَام إِلَى سُلَمِ الكَلَام
بقلم
أبي علي الشافعي الأشعري
بِسْمِ اللهِ الرّحمن الرّحيم
المقدمة
الحَمدُ للهِ المُتَعَالي بحللِ الجَلال؛ والظاهر في نظم الجمال؛ والمتعالي عن صور الخيالي؛ والمتنزه عن الأحياز والمحال؛ والقديم الباقي من غير تصرم بالأزمان والآجال؛والمُتفضل بنعمِ الكَمال، وخير النعم؛ واكملها نعمة إرسَالِ الرُسَل، وتنزيل الشرائع؛ بحيث يكون بِهَا خَلَاص الإنسان مِن الشّكِ والرّيب والنجاة من غوائل نفسه والشيطان، فتكمل بذلك سعادته النظرية والعملية. وخير الرُسل: رسوله الكريم؛ أكمل الكاملين؛ وسيد المطيبين؛ قدوتنا ووسيلتنا لرب العالمين، صلى وسلم عليه الله؛ صلاة تغفر بها ذنوبنا الكثيرة، وترحمنا به وهو الرحيم؛ فقد قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}_. وخير الشرائع والاديان: دين الإسلام العظيم؛ مئرز المؤمنين؛ ومهوى قلوب الخاشعين. وخير الأمم: هي هذه الأمة الغراء؛ التي أناخت عليها نعائم الله المتوالية بالرحمة والإحسان، والمقاصد العالية؛ قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}_.
ولتعلم أخي الكريم أن هدايةَ الله ورحمته، شملت أصول هذا الدين والفروع، وبها كمل بكمال علمه الإلهي الشريف، فلم يجعل لنا في الدينِ مِنْ حَرَج وَلا تقصير، بل هو غاية في اليسر والكمال قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}_.
ومن تمام هذه النعمة وكمالها: أن جعل معقد الدين حِرزًا آمنًا لا يمت إليه الشك والريب.
بعلمٍ هو: سيد العلوم واشرفها.
وعلماءهم: البنيان المرصوص؛ والقلاع الحصينة؛ والجبال الشم الشامخة؛ وحوائط الصد التي تساقط دونها أدعياء المشككين؛ وطغام المرجفين، فماتركوا عُقْدَة إلا وفلوها؛ ولامشكلة إلا وحلوها؛ بل امعنوا بالإفحام بما تحير عنده العقول والأفهام!، ورحم الله الإمام البوصيري إذ قال:
مِنْ كُلِّ مُنْتَدِبٍ للهِ مُحْتَسِبٍ
يَّسْطُوا بِمُسْتَأْصِلٍ لِّلْكُفْرِ مُصْطَلِمِ

حَتَّى غَدَتْ مِلَّةُ الإِسْلاَمِ وَهِيَ بِهِمْ
مِّنْ بَعْدِ غُرْبَتِهَا مَوْصُولَةَ الرَّحِمِ

مَكْفُولَةً أَبَدًا مِّنْهُمْ بِخَيْرِ أَبٍ
وَّخَيْرِ بَعْلٍ فَلَمْ تَيْتَمْ وَلَمْ تَئِمِ

هُمُ الْجِبَالُ فَسَلْ عَنْهُمْ مَّصَادِمَهُمْ
مَّاذَا رَأَى مِنْهُمْ في كُلِّ مُصْطَدِمِ_

وأما العلم؛ فهو: علم الكلام، وخير من عرفه إجمالًا بأنه: علم الحِجاج بالأدلةِ اليقينية القطعية على صحةِ العقائد الدينية.
قال المحقق السيد الشريف علي الجرجاني_ في التعريفات: “ﻋﻠﻢ ﺍﻟﻜﻼﻡ: ﻋﻠﻢ ﺑﺎﺣﺚ ﻋﻦ ﺍﻷﻋﺮﺍﺽ ﺍﻟﺬﺍﺗﻴﺔ ﻟﻠﻤﻮﺟﻮﺩ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﻫﻮ ﻋﻠﻰ ﻗﺎﻋﺪﺓ ﺍﻹﺳﻼﻡ”_، وهذا تعريف تفصيلي.
وموضوعه: العقائد الدينية؛ من حيث صحتها القطعية العقلية.
وثمرته: تحصيل اليقين في صحةِ الإسلام، والدفاع عن هذا الدين العظيم، والذب عنه، بنقض الشبهات؛ وإقامة المحكمات.
وفائدته لمتعلمه: قيام كيفية بالنفس يتأتى لصاحبها: الحِجاج والمقارعة وقبلها التقرير بالعقلِ على صحةِ اعتقادهِ بحيث يصح كونه متكلمًا؛ كما يصح لدارس الرياضيات أن يكون رياضيًا، والهندسة أن يكون مهندسًا، فهو علم من العلوم الآلية، التي يتخرج منها المتعلم متكيفًا بكيفيتها.
أما قوامه وبنائه: فهو مبني بطريقة هندسية رياضية دقيقة، بحيث لا يتطرق لها الشك والريب؛ أي: من جهة: الأصول والأسس والأركان، فهو ليس كباقي العلوم متغير أو يجوز عليه التغير من حيث ماهو؛ بل: هو مصمت ثابت لايتغير بل لا يتصور فيه التغير؛ كما لايتصور في هذه المعادلة: (1+1=2) التغير في يومٍ من الأيام؛ وهذه هي العلوم الآلية وحيثياتها الصارمة بصرامة قبولها ومتقابلها.
فلذلك كان علم الكلام مهرع العلوم؛ وإليه المعقد والمعول، وقد قال بعض العلماء: “كل علم هو عبد عند علم الكلام”، وهذا الواجب بطبيعة الحال؛ أي: بأن يكون المطلق ثابت العلم؛ قائمًا على ماهو ثابت في نفس الأمر؛ وإلا لماصار محصله يقينًا، وما لايقين فيه لا تحقق له في القلب، كإيمان وتصديق، والمطلوب تحقق المعرفة بحيث تكون مصادقة الإيمان والتصديق بالتمام والكمال في النفس، وكيف يكون هذا؟ إلا في حالة عدم طريان الشك والريب! وهذا مالايتحصل إلا بعلم الكلام، كعلم يؤسس به الإعتقاد وبه يعرف الله تعالى وأركان الإيمان؛ وأصول الإسلام، بالأدلة اليقينية القطعية.
ملاحظة
ولا يفهم من مقالنا من أن “تحقق الإيمان والتصديق لا يكون إلا به”؛ أي: أن كل مؤمن ومصدق هو متكلم أو يجب عليه أن يكون كذلك.
إنما هذا ممنوع قطعًا؛ وإلا بذلك نكون قد أخرجنا جملة العوام من الإيمان بل كثير من أهل الإسلام. وهذا باطل ممنوع، وقد قال جمهور المتكلمين من أهل السنة بإيمان المقلد_.
إنما نعني بذلك لمن كان من شأنه أن يكون ناظرًا بمعنى النظر الذي من مقدماته الشك أو لمن طرأت عليه الشكوك والإرتياب في الإعتقاد، أو خالطت قلبه الوساوس والشبهات، أو لمن كانت عنده الأهلية الكاملة في النظر، ليكون متكلما يقوم به فرض الكفاية بحمل هذا الدين والدفاع عنه بالعقل والعلم.

واستمداده: من القرآن وآياته، بإستنباط العقول الذكية المنورة، فمنه بدأ؛ وإليه يعود، فهو: نتاج ثقافة المصلين الفلسفية الناظرة في الموجودات العليا.
وحكمه: فرض كفاية على المسلمين كما حقق الإمام الغزالي_، والنووي_، والسبكي_، وابن حجر الهيتمي_، الإمام الرملي_، والصاوي_ والدردير_ وغيرهم..
وقد أوجبَ بعض العلماء: أن يكون في كل بلد أو ناحية؛ عالم متكلم، حتى يكون لذلك البلد حصنًا مِن شُبُهَاتِ المخالفين؛ ومُجاوبًا على أسئلةِ الحائرين، وحتى لا تكون فتنة؛ ويكون الدين كله لله.
ويجب على متعلمِ هذا العلم أن يزنَ الأمور؛ ويضعها في محلها؛ ويقدر لها قدرها، فيراعي الكلام مع العوام؛ وكيف يكون؟ ومع المتشكك، والعالم، والباحث، والمخالف.
وقد أجاد شيخنا حجة الإسلام والإمام أبي حامد الغزالي -رحمه الله- في -كتاب- إلجامِ العوامِ عن علمِ الكلام بتبيانِ ذلك؛ والكشف عنه؛ فمن الضروري أن يُرَاجِعهُ المُتكلم أو الدارس لهذه العلوم، حتى لايفسد من حيث يظن كونه مُصلحًا؛ بجهله واقع من يخاطب بهذا العلم الشريف؛ وقد خاب طبيب لا يميز بين مصابيهِ ومرضاه، فأنى له أن يعرف الأنسب والأمثل لهم. 

شُبُهَات عَن عِلمِ الكَلَام
(1)
أنه مخالف لعلماء السلف الصالح وانهم ذموه وحذروا منه!
– وأما نقض مثل هذه التهويلات والتلبيسات؛ فهو كافي بقولِ القرآن الكريم من الحثِ على الجدالِ والمقارعةِ عن الدين والذب عنه في معرض النقاش، وليس من شيم الإسلام ترك الجدال عن الحق، بل كان الشديد به؛ والسر في قوته؛ إذ تأذى أهل العقائد الباطلة من قوة المسلمين في المناظرة والحوار.
ومعلوم أنه لا يتأذى من ذلك إلا مُفلس؛ خَشِيَ ظهور باطلهِ وإفلاسه، وقد تضجر بالفعل منه قوم نوح عليه السلام، وحكي قولهم مذمومًا في القرآن في قوله تعالى: {وقالوا قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا}_.
وبهذا نذم قول المنكر عن علم الكلام بإعتبار احتوائه: (لقالوا وقلنا)؛ بحيث يكون ذمه على صورة الفعل دون موضوعه، وصورة الفعل الذي؛ هو: (الجدال والنقاش) غير مذمومة شرعا ولا عقلا، بل هي المطلوبة، ولكن على وجه الإحسان ومراعاة آداب الحوار والبحث والمناظرة؛ قال تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}_، وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}_
وإنما المذموم شرعًا وعقلاً هو المراء الذي ذكر في الحديث، وهو المشتمل ع النزاع الذي لايراد به الحق ولا الإخلاص في طلبه.
فبهذا يكون (الجدال بمعنى: النقاش والمباحثة والحوار ) والذي هو ركن من أركان علم الكلام كصورة موضوعية لطريقة تعاطي هذا العلم لموضوعاته ومقاصده.
هو غير باطل شرعًا، والمدعى عكس ذلك، وبهذا تسقط دعوى إنكار محض الجدل.
وكذلك العقل يحتم على المتخالفان في القضية، أن يحضر كل منهما أدلته على صحة قوله، ويتم نقاش دليل كل واحد، ولا يكون النقاش إلا بكلمة سوية تربط بينهما، ومصدر يفزعون اليه في التحاكم، وليس غير العقل عند العاقلين سبيل غيره في التحاكم! وهذا ماسنثبته شرعًا باذن الله في الكلام القادم.
أما (الركن الثاني) من الصورة الهيكلية لعلم الكلام؛ وهي: المحاجة بالعقل.
فهذه المحاجة هي طريق القرآن؛ ومنهاج الرحمن؛ بل من يخالفها والعياذ بالله قد شابه أهل النيران، كما قال تعالى حاكيا عن أصحاب السعير: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ}_، فهاهم يعترفون بذنبهم والذي هو ترك العقل، ونبذه، ومناكفته، وعدم الركن اليه.
ونعوذ بالله من أن نقع بملامتهم، أو نتلبس بالرجسِ الذي التبسوه، لتركهم دلالة العقل وحجته في الاعتقاد، فقال تعالى: {وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ}_.
وأما ما يستحثه القرآن؛ فهو ليس إلا دلالة العقل وسلطانه، فلكم قال تعالى: {أَفَلَا تَعْقِلُونَ}_.
ولكم بين أن من يصل لثمرة الرسالة هم أهل العقل لا غيرهم؛ حيث قال تعالى: {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}_.
ولكم نادى الجبار بالقرآن إلى الفكر والنظر، وأنه منهاج العابدين والصفوة المتقين؛ حيث قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}_، وقال تعالى؛ حاثًا على النظر العقلي المحصل؛ كدليل في إثبات العقائد: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ}_.
وقال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}_، وكذلك في معرض الحجاج؛ والمحاجة مع المشركين والملحدين؛ لم يستخدم الله تبارك وتعالى سوى العقل، حيث قال تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}_، بل جعل الله تعالى دلالة المعقول سبيل الإيقان واليقين؛ فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ}_.
ومن ثمّ ذكر تعالى بعد ذلك مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومِهِ {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}_.
ومن نفس هذه المناظرة استنبط المتكلمون العديد من الأدلة العقلية والقواعد المتينة في الإعتقاد، كدليل الحدوث، والإمكان، من تغير الكواكب وحدوث حركتها واحوالها، وإمكانية احيازها السماوية، وجسميتها التركيبية على افتقار المخلوقات إلى بارئها، وانعدام ربوبيتها وتأثيرها بحد الإستقلال. ومن مناظرات القرآن العقلية، مناظرة إبراهيم عليه السلام لملك زمانه مدعي الربوبية والألوهية حيث قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}_، وغيرها الكثير من الآيات التي تجري على هذا القبيل، والتي استنبط منها المتكلمون الأفذاذ جواهر الأدلة العقلية القطعية في إثبات وجود رب البرية، ونفي الشركاء عنه، وغيرها من العقائد الدينية.
كما هو في كتاب: أسرار التنزيل أنوار التأويل؛ للإمام المتكلم فخر الدين الرازي.
أضف إلى ذلك أن المتكلمين لم يقتصروا على استنباط الدلائل من محض القرآن، بل بالسنة الغراء على صاحبها الصلاة والسلام.
كما فعل الإمام الأشعري في رسالة الإستحسان فبهذا نكون قد اثبتنا شرعية الجدل، ومن ثم اثبتنا شرعية الدلالة بالعقل، واخيرًا اثبتنا مصاديق المجادلة العقلية في إثبات العقائد الدينية ونقض أقوال الخصوم بدلالة العقول والتي جعلها الله تبارك وتعالى ميزة ﻹبراهيم عليه السلام وآله الكرام؛ حيث قال تعالى: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}_.
والحمد لله أن سند هذه الحكمة لم ينقطع عن الأمة المحمدية، فقد توارثوه آل محمد عليهم السلام، والذين تفجرت من عندهم الحكمة الإسلامية والعقلية القرآنية، فقد كان باب مدينة العلم علي بن أبي طالب -عليه السلام- مهد المتكلمين، فهو أول من خاض غمار هذا الفن، فنازل الخوارج والقدرية، وكذلك كان ابن عباس -رضي الله عنهم-، ومن ثم انتقل علم الكلام، إلى ابنه محمد ابن الحنفية عليه السلام، ومنه أفاد العالمين، وتفجرت سرائره في علماء هذه الأمة، وكانوا خير خلف لخير سلف؛ فعلى هذا لاوجه إطلاقا لمن أنكر علينا، محتجا باقوال جمعها لبعض السلف، والناظر فيها يراها ركيكة من حيث المتن والسند، وأما السند فالكلام فيه يطول.
وأما المتن فليس به نوع الزام بنفي هذا العلم الشريف، وخصوصا بعد ثبوته بنص الكتاب الكريم، وبنصوص قطعية متوافرة.

وأما كلام السلف الصالح فهو وجهان:

إما أنه اجتهاد خاطئ لبعضهم كماهو الحال في بعض اجتهادات الإمام أحمد والحنابلة في تعاملهم مع المخالف وهي كثيرة، ولو كان فيها إلزامًا، للزم المخالف كثيرا منها، كمنعه من القول: “لفظي بالقرآن مخلوق” أو حتى القول: “لفظي بالقرآن غير مخلوق”؛ رغم أن هذا ما استقر عليه اهل السنة اي بالخوض في هذه المسألة والقول بالقول الاول كماهو معلوم، والمخالف هو قائل به كما في اعتقادات الشيخ ابن تيميه وتلاميذه في هذا الزمان، فالإلزام سيلزمهم، بما لو أنهم يتعاملون مع نصوص الأئمة بهذه السطحية الشديدة والمنهجية المتخبطة.
وقد رد الشيخ أبو الحسن الأشعري البصري_ في -رسالة- استحسان الخوض في علم الكلام؛ بردودٍ بديعةٍ لا مَثِيلَ لَهَا عَلى تعنت الحنابلة، ومنها ما قالهُ -رحمه الله- ردًا عليهم في تبديعِ المتكلمين لكون عملهم لم يكن عليه الصحابة ولا التابعين كمازعموا؛ أما الجواب عما قالوا فهو من ثلاثة اوجه:
أحدها: قلب السؤال عليهم، بأن يُقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل أيضًا: “أنهُ مَن بَحَثَ عَنْ ذَلِك، وتَكَلَمَ فِيه، فاجعلوهُ مبتدعًا ضالًا”، فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضلالًا؛ إذ قد تكلمتم في شيء لم يتكلم فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وضللتم من لم يضللهُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وَمِن ثَمَّ شَرَع في النقضِ بباقي الوجوه، كما في ص3 من نفس الكتاب المذكور اعلاه.
وأما الوجه الثاني: أن تكون النصوص في ذم الكلام قد قيلت في حق فرق مخالفة ﻹعتقادات اهل السنة والجماعه، فيكون الإنكار عليها من هذه الحيثية ومن هذا الوجه. لا في اصل الكلام وجوهره. خصوصا ان كثيرا من تلك الفرق التي ظهرت، كانت قد ادخلت علم الكلام بالفلسفة ومادت الى نصوص الفلاسفة فقالت بقدم العالم والقول بالعلم الجزئي، ونفي بعث الاجساد وغيرها من المسائل المنحرفة عن الكتاب والسنة، وكذلك كان ذمه بعد ظهور متكلمة المجسمة والمشبهة.
فيخلط المنكرين معنى الكلام العام في العقائد، وبين علم الكلام والذي نحن بصدد التوجيه اليه.
ومما يدلل على صحة مقالنا، هو ان بعض الأئمة كان بواقع الحال متكلما، وله مناظرات عديدة مع شتى الفرق المخالفة، كالإمام الشافعي، وابو حنيفة النعمان، وابن كلاب، والكرابيسي، والإمام الطبري.. وغيرهم الكثير من ائمة السلف الصالح وأعلام الهدى.
وقد ذم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، الكلام واهله، بعد مناظرته لحفص الفرد، ومعلوم حال حفص الفرد، ومقالته، وكلامه في الاعتقاد، والتي تخالف بضرورة الحال عقيدة اهل السنة والجماعة، فلذلك أنكر كلامه وكلام من هو مثله. أما أن يعمم الامر مطلقًا، فيشمل علم الكلام ككل، فهذا يرده واقع الحال، وكذلك لسان المقال فقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: (كل متكلم على الكتاب والسنة فهو الجد وماسواه هذيان)_، فعلى هذا تتساقط اعتراضات الجاهلين، والذين تعجب كل العجب لحالهم! حيث تجدهم ينكرون الخوض في علم الكلام، على أئمة أهل السنة والجماعه؛ أشاعرة وماتريدية، وبينما يصمتون عن ابن تيميه في تخوضه بهذه العلوم، كما هو معلوم في الصفدية، وفي درء تعارض العقل والنقل، وغيرها من كتبه؛ فإن لم يكن تلونهم هذا إلا الا الهوى فماعساه يكون!
وقد يصيبك العجب أكثر حين تلقاهم يستندون إلى دلائل المتكلمين، في مناظراتهم مع الملحدين، وبعد أن يفرغوا منهم قارعين لهم مستفيدين من هذا العلم الشريف، ومستمدين من قوته، نكصوا على اعقابهم فهاموا إلى ثلبه، ونبزه، وأذية أهله، وعدم احترامه، طاعنين بأئمته بأقذع الأوصاف، بل؛ وحتى التشكيك في مسالكهم كالقول بأن علم الكلام محض هراء وكلام فارغ.
رغم أنه كان وجيههم عند من لا يؤمن بالله رب العالمين فيا لهذا الإنحراف في القيم، والأخلاق، ونعوذ بالله من التلبيس والسقوط.

تحير علماء الكلام
وقد راجت هذه الشبهة على كثير من العقول في هذا الزمان وماهي والله إلا وهم وسراب، يروون موضوعات واخبار واهية لاتستقيم ولاتصح كخبر تحير إمام الحرمين ابي المعالي الجويني -قدس الله سره- أمام أحد العوام، في مسألة يعرف الرد عليها أطفال المتكلمين، فما بالك من هو في مقام الإمام الجويني -رحمه الله تعالى-.
وكذلك الزعم الباطل بتراجع الإمام ابي حامد الغزالي، عن هذا العلم الشريف واعتقاد اهل السنة المنيف، وكذلك غيره من الافذاذ والأعلام. ولانود الإطالة في هذا الكلام، والذي يحتاج الى صفحات وصفحات لنقض هذه الخرافات والتلبيسات.
ولكن مجمل الرد:
ان هذه الاخبار ساقطة بميزان النقد العلمي من حيث المتن والسند. كقصة الهمذاني مع الإمام الجويني.
أنها تخاريف واهية كرجوع الشيخ ابو الحسن الأشعري عن عقيدة اهل السنة والجماعه. وهي باطلة من حيث واقع الحال، فتلاميذه لم ياتوا بخبر هذا الرجوع لامن قريب ولامن بعيد، ولاحتى معاصريه، ولا من ارخ لتلك الفترة على رغم انهم ذكروا رجوعه عن عقيدة الإعتزال، وهي الرجوع الاوحد لما كان يعتقده الشيخ ابو الحسن رحمه الله.
ولم تظهر مثل هذه الاوهام إلا في عصرنا، فحتى ابن تيمية كان يفرق بين قوله وبين قول ابي الحسن كما في بيان تلبيس الجهمية_.
أنها اوهام غريبة الصدور من مثل ابن تيمية، ونحن ديانة لله نشكك في صدورها عنه.
فلعلها دست عليه، والله اعلم.
كمثل الإدعاء بأن الإمام الغزالي رجع عن اعتقاده، وعن تشريع علم الكلام وإباحته، وصنف في ذلك كتابًا (إلجام العوام عن علم الكلام) !! والكتاب موجود بين ايدينا، ولم يقل فيه ما قال ابن تيمية رحمه الله !
كلمات عول عليها المخالف في إثبات هذه الأسطورة (تحير علماء الكلام) لبعض الأئمة وهي لاتفيد في ذلك شيئا، وقال مثلها حتى الصحابة والتابعين، بل؛ وقال: مثلها ابن تيمية رحمه الله؛ كقوله: “وندمتُ على تضييع أوقاتي في غيرِ معاني القرآن”
فهل في هذا دلالة على فساد علم ابن تيمية عند اصحابه أو تحيره ! سبحانك ربي هذا بهتان مبين.
ولولا خشية الإطالة والتطويل، لذكرت نصوصا عديدة لعلماء هذه الفرقة المخالفة، وبها تجد أنهم من تحير بالفعل في مسائل الإعتقاد، كمافي مسألة (الإستقرار والقعود)، ومسألة (تسلسل الحوادث في الماضي) وغيرها من عقائدهم.
ولكن لايلجأ لمثل هذا للاسلوب الجدلي الخطابي، إلا من افتقر للحجة والبرهان واعتاز في تحصيلهما. والله اعلم.

أهمية علم الكلام في هذا الزمان
أما أهميته فتتبين من دأب المستعمر الغربي، لإسقاط هذا العلم وإبداله لعلوم تضعف العقول، وتحشيها بالهراء والسطحيات حتى يصبح دين الإسلام هشا ضعيفا أمام صولات المعتدين، وتشكيكات المشككين، بلاعلم صارم ورصين ومنهج وافر مكين.
ومن قرأ سير التاريخ، علم ان هذا العلم كان وعلى مر العصور الحصن الحصين لعقائد المسلمين، ومنذ ايام المعتزلة، الذين أخرست صوارمهم العقلية افواه النصارى والملحدين، وتساقطت دون قوارعهم المخالفين واحدا تلو الآخر.
فدونك كبار ائمتهم ونظارهم، كأبي الهذيل العلاف؛ والذي أسلم على يديه في هذا الآلاف من المعادين الطاعنين لهذا الدين.
وقد أخرس القاضي أبي حسين الخياط الملحد البهيم ابن الرواندي، وأمعن في إفحامه من بعده من المتكلمين من أهل السنة؛ كالشيخ ابو الحسن الأشعري، والقاضي سيف السنة أبي بكر الباقلاني، ومن ثم أكمل عليه، وانهى بواطله وتطاوله على الإسلام فخر الملة والدين ابي عبد الله الرازي؛ وغيرهم.
ومن الأخبار في هذا ما نقله التاريخ من حكاية ملك السند، الذي دعى المسلمين الى مناظرة السمنية، فتقدم له أحد المحدثين مناظرًا، فسأله السمني الملحد: “إذا كان ربك قادرًا؛ فهل يستطيع أن يخلق إلها مثله؟”، فرد عليه المحدث: “أن ماتقوله من الكلام، وهو مخالف ﻷهل السنة، ومخالف لأصحابنا”!، فضحك منه السمني، ومن مقالته! وقام يسخر من الإسلام.
فاغتاظ من ذلك ملك السند، فارسل لهارون الرشيد مغضبًا من هذا الذي ارسلته مُمثلًا للإسلام، فغضب هارون الرشيد؛ واغتم لذلك، وقام ينادي: “أما للدين أحد يناظر عنه؟”، فقال له بعض من كان حاضرًا: “بلى يا أمير المؤمنين؛ وهم من حبستهم في سجنك”!
فنادى عليهم، فارسلوا أحد صبيانهم ليناظر هذا السمني، فرد عليه قائلًا: “هذا السؤال من المحال، فالخالق لايكون محدثًا، والمحدث لايماثل القديم، فقد استحال ان يقال يخلق أو لا يخلق مثله، فهذا السؤال باطل متناقض من اساسه”.
وبهذا الجم السمني وارتدع! وغيرها الكثير من هذه الاخبار التي عج بها تاريخنا الإسلامي المجيد.
ومن ينسى محنة الإسلام في الهند أبان الإستعمار الانجليزي، وكيف سعى الانجليز الخبثاء لتشكيك العوام في معتقداتهم، فهب لهم مشايخ المتكلمين فاخرسوهم وجعلوهم عبرة للتاريخ ! ومن ينسى المناظرة الكبرى بين الشيخ الزاهد رحمت الله الكيرواني الهندي الأشعري، وبين القسيس فارنر، حيث الجم فيه القس امام الناس، وغدا اضحوكة بين العالمين، واهتزت بذلك هيبة الانجليز، فقاموا الى قتل هؤلاء العلماء، فعلقوهم بالمشانق، ووضعوهم بفوهات المدافع، فتطايرت اجسادهم الناحلة، في الهواء وارواحهم الطاهرة في السماء، فرضي الله عنهم وجزاهم كل خير عن الإسلام والمسلمين.
ومن يعرض عليه الشك ويذوق مرارة الخوف في الدين، سيعلم فضل هؤلاء الأنجاب، وعظيم صنيعهم، فهدى الله وسامح من بهتهم، واغلظ عليهم.
وقد كثر الطاعنون في هذا الزمان لهذا الدين وضعفت حاميته بفضل مناهج الحشوية، ودعاية العلمانية والليبرالية الزائفة الكاذبة، والضعف الشديد للمسلمين على الارض وهوانهم بين الناس، والضعف مولد للضعف، ومن لم ترسخ اقدامه على الأرض، صار إلى مهب الرياح..
وعلى هذه حالنا واحوالنا، فكلما هبت ريح من الغرب اوالشرق تنف ريش من جسد عقيدتنا بل حتى قيمنا واخلاقنا !
ففي الماضي كانت موجة الشيوعية والإشتراكية، واليوم صرنا الى الليبرالية وبالغد لاتستبعد ان نصير الى الماسونية او حتى الصهيونية. ولله حكم يبديها ولايبتديها.
فالدين وحملته انشغلوا بالملذات والعصبيات، والمناهج الدينية هام عليها الضعف والتسطيح، وابتعدت عن التدقيق والتحقيق، وعلى اخصها علم تأسيس العقائد، الذي اضعفه المستعمر بإزدراء خيرة علومه (علم الكلام).
فصار أبناءنا الى الإلحاد، بأخس الشبه والإشكالات، فلاتعجب ولايتملكك العجب فشيخ الإسلام في هذا الزمان او مفتي الديار لايقدر على اثبات حرف من اعتقاده امام اهل الملل والنحل! وهذا واقع الحال.
فكيف بالطلاب والمريدين؟!
لله المشكى وآه على امثال شيخنا شيخ الإسلام في الدولة العثمانية مولانا مصطفى صبري باشا التوقادي الأشعري -قدس الله سره-.
فأين علمائنا ومشايخنا الحاليين منه ومن امثاله الذين تتنافض قلوب العدا والمرجفين رعبا وهلعا منهم ؟!
فحق بهم وبأمثالم قول الشاعر:
طارت قلوب العباد من بأسهم
فرقا فما تفرق بين البهم والبهم

فالحمد الله على كل حال.
ولكن لي امل كبير بالله ان جيلا مع الفجر قادم يحمل هم هذا الدين، وسيعيد بالعلم والمعرفة امجاده التي شيدها الأولون.
ولهذا الخصوص انشأت رسالتي التعريفية لعلم الكلام، والحاثة ببساطتها وعفويتها ان شاء الله الى الترغيب في طلبه، واسأله سبحانه ان يرزقنا القبول ويرحمنا بها، ويغفر لنا ما مضى من خطايانا وإسرافنا في أمرنا.
وأما منهاج الدرس في هذا العلم الشريف، وسلم دراسته من حيث (تضمن العلوم) في دراسته، فهو حاوي بين طياته، كافة العلوم العقلية، بحيث ان الدارس المتقن الذي يصح كونه متكلمًا، يجب عليه دراستها، اضافة الى دراسة موجزة لعلوم العصر ومستجداته الفكرية والعلمية.
وهذا واجب ثانوي اضافي ولكنه مهم في هذا الزمان.
والعلوم الداخلة ضمنا في دراسة هذا العلم الشريف:
علم المنطق: آلة قانونية تعصم بمراعاتها الذهن عن الإخلال في التفكير.
علم المقولات: علم يتأتى به بيان الأجناس العالية في الوجود.
الأجناس العالية: هي المنظومة في هذا البيت الشعري:
عد المقولات في عشر سأنظمها
في بيت علا في رتبة فغلا

الجوهر الكم كيف والمضاف متى
أين ووضع له ان يفعل فعلا

علم الفلسفة في لسان اليونان أو (الحكمة) بلسان العرب؛ وهو: علم بأحوال اعيان الموجودات فيما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية.

مراقي علم الكلام
وأما من حيث الكتب التي يتسلسل بها الطالب في مراقي علم الكلام وهي مرتبة على مراحل عدة:
المرحلة الأولى
كتاب كبرى اليقينيات الكونية؛ لمولانا الملا سعيد البوطي -رحمه الله-.
كتاب قصة الإيمان؛ لمولانا المغفور له نديم الجسر.
الخريدة البهية وشرحها؛ للإمام الدردير وحاشية الإمام الصاوي، وحاشية الشيخ سعيد فودة.
شرح صغرى الصغرى؛ للإمام السنوسي، وتهذيبها؛ لشيخنا سعيد فودة.
شرح العقائد النسفية؛ للإمام السعد التفتازاني.

المرحلة الثانية
1- الإقتصاد في الإعتقاد؛ لحجة الإسلام مولانا ابي حامد الغزالي، والشرح الصوتي له للشيخ سعيد فودة.
2- كتاب المعالم في أصول الدين؛ للإمام فخر الدين الرازي.
3-كتاب الأربعين في اصول الدين؛ للإمام فخر الدين الرازي.
4- شرح العقيدة الكبرى؛ لإبن العاقل الديماني.
5- شرح الرسالة العضدية؛ للإمام جلال الدين الدواني.

المرحلة الثالثة
تقريب المرام في شرح تهذيب السعد للكلام؛ لفخر الملة عبد القادر الكردستاتي، وعليه حاشية المحاكمات؛ للشيخ محمد وسيم الكردستاني، وحاشية السيد الشريف الجرجاني، وحاشية الملا عبد الحكيم السيالكوتي، وحاشية الملا محمد شاه الفناري.
شرح المقاصد؛ للإمام سعد الدين التفتازاني.
المواقف في علم الكلام؛ للقاضي عضد الدين الإيجي وعليه شرحها للسيد الشريف الجرجاني، وحواشي الملا عبد الحكيم السيالكوتي، والملا محمد شاه الفناري.
وهي مجموعة في 8 أجزاء تحت اسم (شرح المواقف في علم الكلام)؛ وهو غاية الدارسين في علم الكلام.
نشر الطوالع؛ ﻷبي بكر المرعشي وهو شرح لكتاب طوالع الأنظار، للعلامة القاضي ناصر الدين البيضاوي. وهو الختام لهذه المرحلة.

المرحلة الأخيرة
وهي ستكون مرحلة تخصصية، فالمراحل الأولى كما الحال في الطب البشري.
وهذه المرحلة هي مرحلة اختصاص الطالب بنوع معين من المواضيع. فإن كان موضوع وجود الله ومسائل الإلحاد والرد على الفلاسفة، فهو وإن كان اي الطالب قد حصل مافيه الكفاية، إلا ان الزيادة في العلم نور على نور ويجب ان لايتوقف الطالب في هذا العلم عند حد معين.
أما الكتب التخصصية في الإلحاد:
1- موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وانبيائه المرسلين؛ لشيخ الإسلام مصطفى صبري باشا التوقادي.
2- إثبات واجب الوجود؛ للإمام جلال الدين الدواني بحاشية شيخنا الفاضل محمد اكرم ابو غوش.
3- مرقاة الطارم في إثبات حدوث العالم؛ لمولانا الشيخ أنور شاه الكشميري.
4-تفنيد الأسس النظرية؛ للإلحاد لمولانا الشيخ سعيد فودة.
أما في النبوات:
1- تثبيت دلائل النبوة؛ للقاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي.
2- إعجاز القرآن الكريم؛ للدكتور فضل عباس.
3- الإنتصار للقرآن الكريم؛ للقاضي أبي بكر الباقلاني.
4- إعجاز القرآن؛ للقاضي أبي بكر الباقلاني.
5-إعجاز القرآن الكريم؛ للدكتور الخالدي.
وهنا نكتفي بهذا في علم الكلام، وباذن الله سيجد الطالب قوته منذ المرحلة الاولى، وكلما تقدم كلما تقوى اكثر فاكثر والمؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.

سلم علم المنطق
المرحلة الأولى
1- شرح السلم؛ للشيخ بلال النجار.
2- المرقاة في علم المنطق؛ للخير آبادي.
3 – شرح ايساغوجي؛ للإمام اثير الدين الابهري.
المرحلة الثانية
1- المنطق؛ لمولانا المظفر.
2- ضوابط المعرفة (الإبستمولوجيا)؛ للشيخ عبدالرحمن الميداني.
3- حاشية الملا عبد الله اليزدي في تهذيب المنطق.
المرحلة الاخيرة
1- الشمسية للقطب الرازي، وعليه حاشية الشريف الجرجاني، والشرح الصوتي؛ للشيخ بلال النجار.
2- سلم العلوم؛ للإمام عبد العلي اللكهنوي المدراسي.
وبهذا تكون الكفاية إن شاء الله تعالى..

سلم علم المقولات
1- كفاية الساعي في شرح مقولات السجاعي؛ للشيخ سعيد فودة.
2- حاشيتا العلامة العطار والشيخ العدوي المالكي على شرح المقولات؛ للسجاعي.

سلم الفلسفة
المرحلة الأولى
1- مبادئ الفلسفة؛ للشيخ المحدث أحمد البالنبوري الديوبندي.
2- محصل الفلسفة الحديثة؛ للعمري.
3- مقاصد الفلاسفة؛ للإمام الغزالي.
المرحلة الثانية
1- هداية الحكمة للإمام الفلكي الحكيم اثير الدين الأبهري وعليه شرح العلامة المبيذي.
وبهذا نختم وننتهي من سرد الكتب المحصلة لهذا الفن، وسنشرع باذن الله بذكر الطريقة المثلى في ترتيب وقراءة ومدارسة هذه العلوم.
أما الطريقة المثلى في دراسة هذه العلوم مجتمعة:
(1) قراءة الكتابين الاولين لعلم الكلام الإسلامي، على سبيل الإطلاع والثقافة ولتمرين الدماغ على تقبل موضوع العلوم.
مع العلم أن الكتابين من حيث المادة العلمية لاينقص من قدرهما شيء، غير أن كاتبي الكتاب وهما الشيخان البوطي والجسر، قد كتباه بلغة قريبة لمن لم يخوض في غمار المنطق والكلام، ولم يدرك طريقة، إيراد المسائل ولغة العلوم، فهما كتابان كلاميان ولكن بلغة المثقفين والمطلعين لا بلغة المناطقة والمتكلمين.
فلذلك اخترناهما على علم كمدخل للعلم الشريف.
(3) يُكمَل الطَالِب دِرَاسَته: بشرحِ الخَرِيدَةِ البهية؛ للدرديرِ؛ وحاشيتا الصاوي، وأبي الفداء سعيد فودة.
(4) ويبدأ بدراسةِ: شرح السُلم؛ للشيخ بلال النجار.
(5) وَمِن ثَمَّ يدرس: شرح صغرى الصغرى؛ للإمام السنوسي، بتهذيب ابي الفداء.
(6) يبدأ بدراسة: العقائد النسفية وشرحها؛ للإمام السعد التفتازاني.
(7) ثم يدرس: المرقاة في علم المنطق؛ للخير آبادي.

ملاحظة (1)
وبهذا تكون قد أتممت المستوى الأول في علمِ الكلام، وهو مستوى ليس بالهين أبدًا، فهو لم يصل إليه؛ ولن يصل إليه؛ أمثال: ستيفن هوكينغ وريتشارد داوكنز من كبارِ المُلحدين في المسائلِ العَقلِية والفلسفية؛ فتأمل!:
(8) دراسة: الإقتصاد في الإعتقاد؛ للإمام أبي حامدٍ الغزالي، والشرح الصوتي؛ للشيخ سعيد فودة.
(9) شرح: إيساغوجي؛ للإمام أثير الدين الأبهري.
(10) دراسة: المعالم في أصولِ الدين؛ للإمام الرازي.
(11) دراسة كتاب: الأربعين في أصولِ الدين؛ للإمام الرازي.
(12) دراسة: المنطق؛ لمولانا محمد رضا المظفر.
(13) دراسة: ضوابط المعرفة؛ للعلامة الميداني.
(14) شرح: العقيدة الكبرى؛ لإبن العاقل الديماني؛ مع شرح الرسالة العضدية للإمام أسعد جلال الدين الدواني أو شرح رسالة الإعتقاد لإبن العلاء البخاري بتعليق أبي الفداء.
(15) حاشية: الملا عبد الله اليزدي على تهذيب المنطق.

ملاحظة (2)
في هذه المرحلة بالذات ستتبدى لك الثمرات الكبرى لعلم الكلام، وتكون اقرب ممامضى لتحقيق العلوم والمسائل، بل حتى القدرة على التلخيص والإستدلال، وبها ستعلوا بفضل الله فوق كثير من العالمين، بل كتاب واحد من هذه الكتب مع فهمه حق المفهومية لكفيل ببناء المتكلم، وهذا ستجده باذن الله ماثلا امامك عند انتهائك من كتاب الإقتصاد في الإعتقاد؛ لحجة الإسلام وبركة الانام إمامنا أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى؛ وبشرح الشيخ السعيد الذي هو من أجود الشراح في هذا الزمان، والشرح الصوتي، به من المنافع مالله به عليم.
فكيف بجملة هذه الكتب الثقيلة القدر العظيمة الأثر.
وبهذه المرحلة سيبدأ الأنس الحقيقي بعلم الكلام، بعد ذهاب اثر الجهل، وترسخ معالم الملكة، وسيذهب ذاك الغموض والتعقيد في كلام المتكلمين، وستتكشف لك حلل الجواهر من مفاخر علماء الأمة ونظارها؛ وتعرف إلى أي مدى وصل اليه التحقيق في هذا العلم الجليل!
(16) دراسة: كفاية الساعي في شرح مقولات السجاعي؛ للشيخ سعيد فودة؛ مع حاشية العلامة العطار والعلامة العدوي.
(17) دراسة: تهذيب الكلام؛ للتفتازاني فشرح الكردستاني عليه والمحاكمات لإبن أخيه محمد وسيم،  وحواشي الافاضل، المذكورين اعلاه.
(18) دراسة: شرح الشمسية؛ لقطب الدين الرازي وحاشية السيد الشريف الجرجاني، والشرح الصوتي المهم جدا للشيخ بلال النجار.
(19) دراسة: كتاب مولانا المحدث أحمد الديوبندي الموسوم بمبادئ الفلسفة؛ مع مقاصد الفلاسفة.
(20) دراسة: شرح المقاصد؛ للعلامة سعد الدين التفتازاني؛ وهو على 3 مجلدات.
(21) دراسة: شرح مواقف العضد الإيجي؛ للشريف الجرجاني والافاضل المذكورين اعلاه.
(22) دراسة: سلم العلوم؛ لمولانا الإمام اللكهنوي المدراسي.
(23) دراسة: نشر الطوالع؛ ﻷبي بكر المرعشي. وهو ختام سلم علم الكلام.
(24) دراسة: كتاب هداية الحكمة؛ للإمام أثير الدين الأبهري.
وبه نصل الى ختام سلم العلوم، وغاية المرام في علم الكلام

ملاحظة (3)
في هذه المرحلة يكون البناء الكلامي الذي حصلته قد اكتمل بأذن الله، فلاتنس زكاته وهو في مقارعة الملحدين، والكفرة الزائغين عن دين ومنهاج رب العالمين، وان تصرف همك لذلك، وكذلك معاودة النفس على عدم التعب والتململ من الرد عليهم، ومعاونة إخوانك المسلمين ممن يلبس عليهم اعداء هذا الدين فيضحون ضحية وهلكة بيد باغ لعين.
فالله هالله بالتبسيط لا التعقيد، والتقرير لاالتقعير حتى يستفيد منك الجاهل والطامح لمعرفة الرد على وجه الفهم والادراك، والإيغال برفق، والاستحضار الدائم للتواضع والإنكسار، والإفتقار الدائم لرب العالمين. وكذلك لين الجانب والأنس والرحمة ﻹخوانك المسلمين المخالفين، وتصفية ذهنك من الأحقاد والنزاعات التي لاترضي رب العالمين، وكذلك تقدير الأمور والمواقف، والتكلم بروية وهدوء لاتحمس وطيش واندفاع.
وفي باب آفات العلوم المجلد الأول، من كتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي، ستجدون بغيتكم في اسرار هذا العلم وآدابه، وآفاته التي يتسلل لها الشيطان فيفسد بها الإنسان من حيث يظن ان امره في صلاح والى صلاح.
فالإمام افصح من الفقير عبارة وادق منه معنى، وحقيق على الدارس ان يقرأه أولا ويتمعن في امره.
فنصركم الله ايها الدارسين لهذا العلم، ووفقكم لمرضاته جل وعلا.
وارشدكم لمافيه السعادة الأبدية لكم ولأرواحكم الطيبة المؤمنة، ولأمتكم المجيدة العلية.

ختامًا
وأي سؤال أو مشكل يعرض عليكم او يصادفكم، فالفقير في خدمتكم وخدمة إخوانه؛ وسأفتح بحول الله وقوته، صفحة على برنامج الآسك استقبل فيها مسائلكم واطروحاتكم، ولاتنسوا اخيكم الضامي من الدعاء، فهو محتاج له.
فلاتبخلوا عليه من دعاكم. ربنا إنا ظلمنا انفسا فااغفر لنا وارحمنا {وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}_.

الفهرس
إِرشَاد الأفهَام إِلَى سُلَمِ الكَلَام 1
المقدمة 1
شُبُهَات عَن عِلمِ الكَلَام 5
تحير علماء الكلام 10
أهمية علم الكلام في هذا الزمان 11
مراقي علم الكلام 13
المرحلة الأولى 13
المرحلة الثانية 14
المرحلة الثالثة 15
المرحلة الأخيرة 16
سلم علم المنطق 17
المرحلة الأولى 17
المرحلة الثانية 17
المرحلة الاخيرة 17
سلم علم المقولات 18
سلم الفلسفة 19
المرحلة الأولى 19
المرحلة الثانية 19
ملاحظة (1) 20
ملاحظة (2) 21
ملاحظة (3) 22
الفهرس 24