من السنوسية
باب في بيان
معنى الإيمان والإسلام
ذهب جمهور الماتريدية وبعض المحققين من الأشاعرة إلى ترادف الإيمان والإسلام. وذهب جمهور الأشاعرة إلى أنهما متغايران لأن مفهوم الإيمان شرعا تصديق القلب( ) بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مما علم من الدين بالضرورة بمعنى إذعانه له وتسليمه إياه( )، ومفهوم الإسلام شرعا امتثال الأوامر واجتناب النواهي لبناء العمل على ذلك بالإذعان بالقلب. وهما مختلفان مفهوما، وإن تلازما شرعا بحيث لا يوجد مسلم ليس بمؤمن ولا مؤمن ليس بمسلم.
ملاحظة: إن أريد بالإسلام الإذعان بالقلب والقبول والانقياد، فهو مرادف للإيمان وإن أريد به عمل الجوارح مثل الصلاة والصوم والحج ولفظ الشهادتين وغير ذلك من الأعمال فهما متغايران لكنهما متلازمان شرعا( )، وهذا التفصيل هو الحق.
وفُسِّر الإيمان بأنه حديث النفس التابع للمعرفة، والمراد بحديث النفس الإذعان والانقياد والقبول والتسليم الباطني كله معنى واحدا، فتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به من عند الله والتسليم له والإذعان والانقياد له بقلبه هو تصديق خاص لا مجرد نسبة النبي صلى الله عليه وسلم للصدق من غير انقياد وإذعان وقبول وتسليم، فعلى هذا يكون الإيمان والإسلام مترادفين.
والحاصل أن تصديق النبي صلى الله في كل ما جاء به من عند الله، فهو مع الإذعان بالقلب والانقياد هو إسلام وإيمان، وأما عمل الجوارح كالصلاة والصوم والنطق بالشهادتين وغير ذلك فهو الإسلام.
إن الإيمان لا يقبل من الكافر القادر على النطق بالشهادتين إلا بهما، أما المسلم الذي ولد في الإسلام فإيمانه صحيح وإن لم ينطق بهما إلا إنه عاص بترك النطق لأنها تجب في العمر مرة واحدة( ).
ولا يشترط في حق الكافر لفظ أشهد ولا النفي ولا الإثبات بل إن قال الله واحد ومحمد رسوله كفى ذلك( ).
والراجح في مسألة الإيمان أن الإيمان هو التصديق بالقلب( ) فقط وأما النطق بالشهادتين فهو شرط إجراء أحكام المسلمين عليه( ) من الغسل والصلاة إذا مات والدفن في مقابر المسلمين وغير ذلك من الأحكام. فالكافر إذا صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهو مؤمن عند الله تعالى، إلا أن يكون بحيث لو طلب منه النطق يأبى فلا ينفعه تصديقه إلا أن يكون لا يقدر على النطق. والحاصل أن الآبي الممتنع من النطق كافر والعاجز معذور( ).
ولذا فعلى العاقل أن يكثر من كلمة التوحيد فالإكثار مندوب، وأن يستحضر حين الذكر ما احتوت عليه من عقائد الإيمان حتى تمتزج مع معناها بلحمه ودمه فإنه يرى لها من الأسرار من محاسن الأخلاق الدينية الباطنة كالزهد والتوكل وهو ثقة القلب بالله تعالى والحياء بتعظيم الله تعالى وغير ذلك من الأمور الدينية، ومن العجائب من كرامات ظاهرة تحصل لذاكرها. وهذا كله إنما يحصل إذا ذكرها بقصد العبودية والإخلاص لله تعالى، فيجب على الذاكر أن لا يقصد بعمله التشوف للكرامات ولا غيرها وإلا كانت عبادته هباء منثورا ولا يحصل له ما قصده.
وبالله التوفيق( ) لا رب غيره ولا معبود سواه نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وأحبتنا عند الموت ناطقين بكلمتي الشهادة عالمين بها، وصلى الله على سيدنا محمد كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين وعن التابعين وتابع التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله ومن اتبعه إلى يوم الدين
انتهى بحمد الله تعالى وتوفيقه
يوم الجمعة 26-محرم-1411هـ الموافق 17-8-1990
وما توفيقنا إلا بالله وليس وراء الله للمرء مذهب
سعيد عبداللطيف فودة

Sent from my iPad