من روائع مقالات رباط تريم: الربا

بيع الربا

نص النهي:

قال تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276)) البقرة: ٢٧٥ – ٢٧٦

وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279) )البقرة: ٢٧٨ – ٢٧٩

وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130))       آل عمران: ١٣٠

وعن عمر بن الخطاب t قال: قال رسوال الله r :(( الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء)).([1])

معنى النهي:

الربا في اللغة الزيادة والنماء ، يقال رَبا الشيءُ يَرْبُو رُبُوّاً ورِباءً ، وأَرْبَيْته نَمَّيته [2]، ورَبا المالُ يَرْبو في الرِّبا، أي: يزداد[3]، وأَرْبى الرجل في الرِّبا يُرْبي والرُّبْيَةُ من الرِّبا مخففة .

الحكم الشرعي:

الربا على ضربين : ربا الفضل ، وربا النسيئة ، وأجمع أهل العلم على تحريمهما .

وقد كان في ربا الفضل اختلاف بين الصحابة ؛ فحكي عن ابن عباس ، وأسامة بن زيد ، وزيد بن أرقم ، وابن الزبير ، أنهم قالوا : إنما الربا في النسيئة  والمشهور من ذلك قول ابن عباس ، ثم إنه رجع إلى قول الجماعة. [4]

في دخول الربا في البيع أو عدم دخوله خلاف قال الحطاب :(( اعلم أن العلماء اختلفوا في قوله تعالى : { وأحل الله البيع } هل هو من قبيل العموم الذي لا تخصيص فيه بناء على أن الفاسد لا يطلق عليه أنه بيع إلا على سبيل المجاز ، ومنهم من قال : هو من قبيل العموم الذي يدخله التخصيص فهو على ظاهره إلا ما قام الدليل على خروجه ، وهو مذهب أكثر الفقهاء  ، وهذا بناء على أن البيع الفاسد يطلق عليه أنه بيع ، ومنهم من قال : هو من قبيل المجمل ؛ لأنه يقتضي بظاهره إباحة كل بيع ، وقوله بعده : { وحرم الربا } يقتضي تحريم كل بيع فيه تفاضل ولم يبين التفاضل الممنوع من الجائز ، وقيل : إن الإجمال من جهة أنه ثبت في الشرع تحريم بعض البيوع فصارت الآية محتاجة إلى بيان الشروط التي تصح معها)).[5]

ولهذا قال أصوليي الحنفية بيع الربا مشروع بأصله وهو وجود ركنه في محله غير مشروع بوصفه وهو الفضل في العوض فصار فاسدا لا باطلا وكذلك الشرط الفاسد في البيع مثل الربا.[6]

ويظهر اختلاف الفقهاء في دخول الربا في البيع أو عدم دخوله من تعاريف البيع السابق ذكرها ؛فقد عرف الحنفية عقد البيع بأنه:(( مبادلةُ شيءٍ مرغوبٍ فيه بمثله على وجه مخصوص -وهو الإيجاب([7]) والتعاطي-))([8]) ؛ وبذلك يدخل الربا في البيع ، بل أن بعضهم زاد في التعريف ((مفيد)) فردوا عليه ليخرج ما لا يفيد كبيع درهم بدرهم استويا وزنا وصفة ، ولكن رُدَّ ذلك بأن البيع الفاسد عند الحنفية داخل في تعريف البيع السابق فلا حاجة للنص على بعض أنواعه.

قال ابن الهمام :(( ومنها [يتكلم عن شروط صحة البيع]  الخلو عن الربا ، وإن شئت قلت : ومنها المماثلة بين البدلين في أموال الربا حتى لو انتفت فالبيع فاسد ؛ لأنه بيع ربا ، والبيع الذي فيه ربا فاسد)).[9]

وتقدم أن التعريف المعتمد عندهم للبيع أنه :(( عقدُ معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة ذو مكايسة أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة مُعَيَّنُ غير العَيْن فيه))([10]) ، وأن قولهم ” أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة “، أي: وأما العوض الآخر فصادق بأن يكون ذهباً أو فضة أو غيرهما بأن يكون عرضا ، وخرج بهذا القيد الصرَّفُ([11]) والمراطلة([12]) , فإنه ليس أحد العوضين فيهما غير ذهب ولا فضة ، بل العوضان ذهب أو فضة في المراطلة أو أحدهما ذهب والآخر فضة في الصرف.

والتعريف هذا هو ما عليه غالب فقهاء المالكية كما قال ابن عرفة ، وذكر تعريفاً أعم من هذا بإسقاط قولهم ” ذو مكايسة أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة معين غير العين فيه” ، فيدخل حينئذٍ هبةُ الثواب والصرف والمراطلة والسَّلَم.([13])

ومن تعاريف المالكية للبيع أنه: نقل الملك على عوض ، وهو يشمل الصحيح والفاسد ، وتقدم الخلاف عنهم الذي نقله الحطاب في ذلك .[14]

أما الشافعية فقد عرفوا عقد البيع كما مر بأنه:(( عقد معاوضة مالية يفيد ملك عين أو منفعة على التأبيد)) فيدخل الربا في البيع ، قال الشافعي :(( قال الله تبارك وتعالى { , ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وقال عز وجل { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا } فكانت الآيتان مطلقتين على إحلال البيع كله إلا أن تكون دلالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في إجماع المسلمين الذين لا يمكن أن يجهلوا معنى ما أراد الله , تخص تحريم بيع دون بيع فنصير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ; لأنه المبين عن الله عز وجل معنى ما أراد الله خاصا وعاما ووجدنا الدلالة عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم شيئين : أحدهما : التفاضل في النقد , والآخر : النسيئة .. )).[15]

وقال الشيخ زكريا :(( وهو [أي الربا] ثلاثة أنواع ربا الفضل وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر وربا اليد وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما وربا النساء وهو البيع لأجل وزاد المتولي ربا القرض المشروط فيه جر نفع ويمكن عوده لربا الفضل)).[16]

وأخيرا فالحنابلة نصوا على عدم دخول الربا في البيع فقد عرفوا عقد البيع كما مر بأنه:((مبادلة عين أو منفعة مباحة مطلقاً بأحدهما كذلك على التأبيد فيهما بغير ربا ولا قرض)).([17])

وعلة الربا عند الحنفية القدر -بكيل أو وزن- مع الجنس فإن وجدا حرم الفضل والنساء ، وإن عدما حلا ، وإن وجد أحدهما أي القدر وحده أو الجنس حل الفضل وحرم النساء ولو مع التساوي ، حتى لو باع عبدا بعبد إلى أجل لم يجز لوجود الجنسية.[18]

وعند المالكية يدخل ربا الفضل والنسا في النقد والطعام إن اتحد الجنس منهما ، فإن اختلف جنسه فيهما جاز التفاضل وحرم النسا وإن كانا غير ربويين ؛ فكل ما يدخله ربا الفضل فإن ربا النساء يدخله وليس كل ما يدخله ربا النسا يدخله ربا الفضل كالطعام الذي ليس بربوي .[19]

وعلة طعام الربا اقتيات وادخار ، وقيل إن العلة الاقتيات والادخار ، وكونه متخذا للعيش غالبا .[20]

وعند الشافعية إذا بيع الطعام بالطعام إن كانا جنسا اشترط الحلول والمماثلة والتقابض قبل التفرق ، أو جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل ، واشترط الحلول والتقابض ، والنقد بالنقد  كطعام بطعام ، فإن بيع بجنسه كذهب بذهب اشترط المماثلة والحلول والتقابض قبل التفرق والتخاير وإن بيع بغير جنسه كذهب بفضة جاز التفاضل أو اشترط الحلول والتقابض قبل التفرق أو التخاير.[21]

وعند الحنابلة يحرم الربا في كل مكيل أو موزون بجنسه ، ولو كان غير مطعوم.[22]

حيل الربا

اختلف العلماء في حكم حيل الربا على قولين هما :

القول الأول : الكراهة فالحيلةُ المخلِّصةُ من الربا جائزةٌ عند الشافعيِّ ـ رحمه الله ـ لكنها مكروهةٌ ؛ رعايةً لخلاف جماعة من أهل العلم حرموها ، وقالوا : إنها لا تفيد التخليصَ من الربا وإثمِهِ ، فإذا كان شخصٌ شافعيِّاً وأراد أن يفعلَ شيئاً منها ليتخلص به من الربا جاز له ([23]) .

القول الثاني : التحريم مع البطلانوهو قول الحنابلة ([24]) والمالكية ، وقال الحنفية بالكراهة التحريمية ([25]) .

وقال سيدنا الحبيب عبد الله بن علوي الحداد ـ رحمه الله ـ إن الحيلة في الربا من الربا .. وبتقدير أن هذه المناذرات على قول بعض علماء الظاهر تؤثر شيئا فهو بالنسبة إلى أحكام الدنيا وظواهرها، فأما بالنسبة إلى أحكام الباطن وأمور الآخرة فلا .

وقد أجابوا عن حديث تمر خيبر المشهور وهو (( بع الجمع – أي التمر الرديء – بالدراهم ثم ابتع بها جنيباً )) ([26]) بأنه صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بذلك ؛ لأنهم كانوا يبيعون الصاعين من الرديءَ بالصاع من الجيد فعلمهم صلى الله عليه وسلم الحيلةَ المانعةَ من الربا ؛ لأن القصدَ هنا بالذات تحصيلُ أحدِ النوعين دون الزيادة ، فإن قُصدت حرمت الحيلةُ جمعاً بين الإخبار ، فكل ما قصد التوصل إليه من حيثُ ذاتُهُ لا من حيث كونه حراماً جاز وإلا حرم  ([27])  .

[1]       البخاري ، الصحيح ، كتاب البيوع ، حديث رقم 1990، ومسلم ، الصحيح ، كتاب البيوع ، حديث رقم 2970 بلفظ:(( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد)).

[2] لسان العرب – (ج 14 / ص 304)

[3] العين – (ج 2 / ص 176)

[4] المغني – (ج 7 / ص 492)

[5] مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل – (ج 12 / ص 135)

[6] كشف الأسرار – (ج 2 / ص 193)

[7]-       أراد بالإيجاب ما يكون بالقول ، بدليل مقابلته بالمعاطاة ؛ فيشمل حينئذٍ القبول.

[8]-       المراد بالتعاطي المعاطاة ، وهو البيع مثلا بدون صيغة ، وسيأتي الكلام عليه.

[9] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع  – (ج 11 / ص 268)

[10]-       مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل  ج 12 ص 133.

[11]-       هو دفع أحد النقدين من الذهب والفضة في مقابلة الآخر كدفع ذهب في مقابلة فضة وبالعكس. الخرشي ، شرح مختصر خليل  ج 14 ص 207.

[12]-       هي بيع ذهب بذهب بالميزان بأن يضع ذهب هذا في كفة والآخر في كفة حتى يعتدلا فيأخذ كل واحد منهما ذهب صاحبه مبادلة النقد من غير جنسه. الخرشي ، شرح مختصر خليل  ج 14 ص 207.

[13]-       الدسوقي ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج 10 ص 428- 430.

[14] مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل – (ج 12 / ص 135 -136)

[15] الأم – (ج 4 / ص 23)

[16] أسنى المطالب  – (ج 7 / ص 471)

[17]-       المرداوي ، الإنصاف  ج 7 ص 227.

[18] رد المحتار – (ج 20 / ص 108)

[19] مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل – (ج 12 / ص 370)

[20] مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل – (ج 12 / ص 494)

[21] مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج  – (ج 6 / ص 311، 325)

[22] مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى  – (ج 8 / ص 140)

([23]) الفتاوى الفقهية الكبرى 2/ 237 .

([24]) قواعد ابن رجب ص 249 ، شرح منتهى الإرادات 70/2 .

([25]) العناية 7/ 148 .

([26]) رواه البخاري في كتاب البيوع برقم (2050) .

([27]) كشاف القناع 3/ 272-273 .